← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الرابع: التبرك بالأشجار والآثار والقبو ونحوها، وطلب البركة ورجائها واعتقادها في تلك الأشياء شرك، لأنه تعلقُ بغير الله في حصول البركة، والبركة بيد الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فبيده وحده سبحانه مقاليد الأمور، وغيره ليس بيده شيء. وفي جميع ما سبق إذا اعتقد أن هذه الأشياء تستقل بالتأثير دون الله، فهو شركُ أكبر، وإن أعتقد إنها سبب ولا تستقل بالتأثير فهو شركُ أصغر. الخامس: السحر، وهو ما خفي ولطف سببه، وهو عبارة عن عزائم ورقى وكلام يتكلم به الساحر، وأدوية تؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض الإنسان أو يقتل أو يفرق الساحر به بين المرء وزوجه، وهو عملُ شيطاني. والسحر شرك، لما فيه من التعلق بغير الله من الشياطين، ولما فيه من أدعاء علم الغيب، ومن ضروب السحر، السيرك الذي يعرض في بعض المسارح والقنوات، فيحرم فعله، ومشاهدته، وبذل المال من أجله والتكسب به، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. السادس: الكهانة، وهي ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض استنادًا للشياطين، وذلك شرك، لما فيه من التقرب لغير الله ودعوة مشاركة الله في علم الغيب، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ». أخرجه الحاكم بسندٍ صحيح (١). السابع: التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كاعتقاد حصول الخير أو الشر بطلوع النجم الفلاني، أو حدوث

стр. 1122

الأمراض والوفيات بخروج النجم الفلاني، أو تغير الأسعار بظهور النجم الفلاني، فهذا كله شرك أكبر، لما فيه من أدعاء علم الغيب، ونسبة الشريك لله ، لأن عالم الغيب والشهادة هو الله : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦]. إما الاستدلال بالنجوم على معرفة المصالح الدينية، كمعرفة جهة القبلة فهذا مطلوبُ شرعًا، إما الاستدلال به على الحوادث الأرضية التي نصب الله لها أمارات تعرف بها كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد ومعرفة الجهات والفصول ونحوها، فهذا جائز لأن الله جعل لكل شيء سببًا وعلامة تدل عليه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]. الثامن: الاستسقاء بالنجوم، وهو عبارة عن نسبة نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، كأن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا، فينسب نزول المطر إلى الكوكب لا إلى الله، فهذا شرك، لأن نزول المطر بيد الله لا بيد الكوكب ولا غيره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨]. التاسع: نسبة النعم إلى غير الله، فكل نعمة في الدنيا والآخرة من الله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. فمن نسبها إلى غير الله فقد كفر وأشرك بالله، كمن ينسب نعمة حصول المال أو الشفاء إلى فلان أو فلان، أو ينسب نعمة السير والسلامة في البر والبحر والجو إلى السائق والملاح والطيار، أو ينسب نعمة حصول النعم،

стр. 1123

واندفاع النقم إلى جهود الحكومات، أو الأفراد، أو العلم، أو حسن التخطيط ونحو ذلك. فيجب نسبة جميع النعم إلى الله وحده لا شريك له وما يجري على يد بعض المخلوقين إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وقد تنفع وقد لا تنفع. العاشر: التصوير من أعظم أسباب الشرك بالله. فتصوير كل ذي روح محرم، بل هو من كبائر الذنوب، وله آثاره البالغة المشينة في إفساد الدين والخلق قديمًا وحديثًا، فقديمًا التصوير هو سبب أول كفر وقع في الأرض، وهو تصوير بعض الصالحين من قوم نوح، وهم ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا بقصدٍ حسنٍ، ليراهم الناس، ويتذكروا عبادتهم، فينشطوا للعبادة، ثم طال الزمن فعبدوهم من دون الله، فأول جناية شركية على التوحيد في الدنيا كانت بسبب التصوير، فليحذر العبد ذلك. وحديثًا التصوير الآن سبب فساد الدين، وضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق، بتصوير النساء عاريات متبرجات، وعرضهن أمام غرائز الرجال، ليفسدوا دينهم وأخلاقهم، وقد عم هذا البلاء وطم، وهذا أعظم جناية على الدين والأخلاق: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ودرء المفاسد مقدمُ على جلب المصالح، وما أفضى إلى المحرم فهو محرم فكيف إذا كان هو محرم، بل هو من الكبائر، ثم أفضى إلى محرم،

стр. 1124

وكيف وقد لعن الله المصورين؟ وكيف وقد توعد الله المصورين بأشد العذاب؟ وكيف هو إذا كان فاعله مخالف لأمر الله ورسوله؟. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. وقال النبي ﷺ «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ». متفق عليه (١). وقال ﷺ «قال الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً». متفق عليه (٢). • أقسام الكفر الأصغر: من منقصات التوحيد الكفر الأصغر، وهو كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفرًا، ولم تصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويسمى كفرٌ دون كفر، أو كفر النعمة، وهذا الكفر محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، لأنه من أعمال الكفار التي حرمها الإسلام، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام. • وينقسم الكفر الأصغر إلى أقسام: الأول: كفر النعمة والحقوق، وذلك بأن لا يعترف العبد بنعمة الله عليه، أو ينكر معروفاً أسداه إليه أحد المخلوقين، كما قال ﷺ «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». متفق عليه (٣). وعن ابن عباس ﵁ ما قاله قال النبي ﷺ : «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ

стр. 1125

الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». متفق عليه (١). الثاني: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، كما قال النبي ﷺ : «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ». أخرجه مسلم (٢). الثالث: انتساب الإنسان لغير أبيه، كما قال النبي ﷺ : «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ». أخرجه مسلم (٣). ومن منقصات التوحيد النفاق الأصغر، وهو أن يظهر الإنسان أمرًا مشروعًا ويبطن أمرًا محرمًا يخالف ما أظهره، ويسمى النفاق العملي، أو نفاقُ دون نفاق. والنفاق الأكبر أن يظهر العبد الإسلام، ويبطن الكفر، ويسمى النفاق الاعتقادي المخرج من الملة. والنفاق الأصغر هو النفاق في الأعمال ونحوها، وصاحبه لا يخرج من ملة الإسلام، لكنه عاصٍ لله ورسوله، فعليه التوبة منه، لئلا يفضي به إلى النفاق الأكبر: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. ومن النفاق الأصغر العمل، كما قال النبي ﷺ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى

стр. 1126

يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه (١). وقول النبي ﷺ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». متفق عليه (٢). فكل من فعل أو قال قولًا مشروعًا، وقد أبطن ضد ما أظهره، فقد فعل خصلة من خصال النفاق الأصغر، وهذا النفاق محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، لكنه لا يخرج من ملة الإسلام، وخصال النفاق الأصغر كثيرة منها ما ذكرنا من الخصال ومنها: إعراض المسلم عن الجهاد في سبيل الله، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». أخرجه مسلم (٣). والرابع: الرياء في الأعمال الصالحة. والخامس: إظهار المودة للغير مع إضمار بغضه، وغير ذلك من ألوان النفاق الأصغر. فاللهم احفظنا وجميع المسلمين من النفاق الأكبر، والنفاق الأصغر.

стр. 1127

٢ - الخزانة الثانية • نواقض التوحيد: نواقص التوحيد قسمان: الأول: نواقص التوحيد هي الأمور التي تخرج العبد من الإسلام بالكلية فيكون كافرًا. ويجمعها ثلاثة أمور: ١ - الكفر الأكبر. ٢ - والشرك الأكبر. ٣ - والنفاق الأكبر. الثاني: منقصات التوحيد، وهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد ولا تنقضه بالكلية، فإذا وجدت قدحت في كمال التوحيد، وكمال الإيمان، ولم تخرج العبد من الإسلام، وهي كل معصية لا تصل إلى درجة الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر، ومن أعظمها وسائل الشرك الأكبر والشرك الأصغر والنفاق الأصغر، والبدع. والبدعة هي كل قولٍ، أو فعلٍ، أو تركٍ، تعبد به العبد لله ، وليس في الدين ما يدل على مشروعيته. • والبدعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: البدع الاعتقادية، وهي اعتقاد خلاف ما أخبر الله ورسوله به كبدعة الممثلة والمعطلة ونفاه القدر، وبدعة الاعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون ونحو ذلك، وبدعة الاعتماد على العقل دون الوحي. الثاني: البدع العملية، وهي عبادة الله بغير ما شرع، وذلك بأحداث عبادة لم تشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة في وقت معين لم يخصص،

стр. 1128

والتوسل إلى الله بذات نبي أو عبدٍ صالح ونحو ذلك، ومن صور هذه البدعة البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، والأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد بها، أو عندها لله . الثالث: بدع الترك، وهي ترك المباح، أو ترك ما طلب الله فعله، تعبدًا لله كترك الزواج، وترك أكل اللحم أو غيره من الطيبات. وهذه البدع كلها ضلالة، وكلها محرمة، وكلها مردودة على من فعلها، غير مقبولة منه، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). • فقه كلمة التوحيد: كلمة التوحيد: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فشهادة أن لا إله إلا الله توحيد القصد، بأن يكون العمل خالصًا لله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وشهادة أن محمداً رسول الله توحيد المتابعة، بأن لا يعبد العبد إلا الله، بما شرعه رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 1129

والكفر ببعض الشريعة كفرٌ بجميعها: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. والكفر ببعض الرسل كفر بجميعهم، والإيمان ببعض الرسل دون بعض كفرُ بالجميع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢]. وذلك أن الدين عند الله واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وحقيقة التوحيد أن الله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، فالأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فالله وحده هو الواحد الأحد، القادر على كل أحد، الملك الذي بيده أمر كل أحد، الغني الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. الله وحده هو الشافي لا شريك له، فإذا مريض تردد على كبار الأطباء مرات كثيرة ولم يشفى فلأن موعد الشفاء من الشافي ﷻ لم يأتِ، ولما جاء موعد الشفاء ذهب إلى طبيب عادى فأعطاه دواء فشفي بأذن الله، لأنه تزامن مع موعد العافية من الله وأراد الله إكرام هذا الطبيب لأنه يعلم ما في قلبه، والله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ

стр. 1130

فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]. ومن شفع لأحد بعمل أو وظيفة أو إفراج، ثم أجيب فلان، فكل واحد صادفت شفاعته وقت وصول النعمة إلى المشفوع له، والله يريد كرامة الشافع بأن جعل شفاعته تحصل وتجاب وقت إذن الله بالفرج: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. قال رسول الله ﷺ «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» أخرجه البخاري (١). • وفي الكون اثنان: ملك وعبيد .. وخالق ومخاليق. وكل ما سوى الله فهو إما نعمة، وإما منعم عليه بالنعمة وهذان لا يصلحان يكونا إلهًا، لأن النعمة موهوبة من الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. والمنعم عليه موهوب إليه هبة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. فلا ينفع أن يكونا لا النعمة، ولا المنعم عليه من مَلَك أو إنسان أو حيوان، لا ينفع أن يكونا إلهًا، بل لا إله إلا الله، فالإله هو الله الواحد الأحد الذي خلق النعمة، وأنعم بها على المنعم عليه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. فكل ما سوى الله عبدُ لله، وهو الواحد الأحد لا شريك له ولا مثيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].

стр. 1131

فسبحان الملك الذي كل شيء ملكه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. الله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو الواحد الأحد الذي خلق كل أحد، وبيده أمر كل أحد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وهذا الكون العظيم بما فيه من السموات والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والجبال والبحار، والجماد والنبات، والطير، والحيوان والإنسان، والملائكة والجان، محتاجُ إلى خالقٍ يخلقه، وإلى مدبر يدبره، وإلى ربٍ يربيه، وإلى مصورٍ يصوره، وإلى ربٍ قادرٍ قوي قاهر يبقيه، وهذا من أعظم الدلائل على وجود ربٍ واحد قادر. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وخلق الله هذه المخلوقات العظيمة تسبح بحمده، وتسجد لعظمته، وتشهد بوحدانيته، وتخضع لمشيئته، وتسرع إلى إرادته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].

стр. 1132

٣ - الخزانة الثالثة ومن مخلوقات الله العظيمة الدالة على وحدانيته، وكمال قدرته، المكان والزمان، والمكان والزمان ظرفان مخلوقان، فالمكان ظرف للأجسام، والزمان ظرف للأعمال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. والمكان هو الفضاء والحيز وجهاته ست: ١ - الفوق. ٢ - والتحت. ٣ - والأمام. ٤ - والخلف. ٥ - واليمين. ٦ - والشمال. والزمان هو المدة التي تحصل فيها الأعمال كالصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، واليوم والشهر والسنة، وتحصل فيهما الأعمال القولية والفعلية، والقبلية والبعدية، والزمان ليل ونهار، يتعاقبان على الأرض كلها. والمكان أربعة أقسام: ١ - السموات. ٢ - والأرض. ٣ - والفضاء. ٤ - والبحار.

стр. 1133

والزمان سبعة أيام، واليوم أربعة وعشرون ساعة، والشهر ثلاثون يوماُ، والسنة أثنا عشر شهرًا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقد بعث الله الأنبياء والرسل يأمرون الناس بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. والمجوس هم الزنادقة الذين قالوا لهذا العالم إلهان، أحدهما فاعل الخير، والثاني فاعل الشر، فعندهم الله فاعل الخير، وإبليس فاعل الشر، والله وإبليس أخوان، نعوذ بالله العظيم من هذا القول والافتراء العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. ويقولون عسكر الله هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين، فالله خالق الخير والنور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الشر والظلام والسباع والحيات والعقارب تعالى الله عما يقولون علواً كبيرًا: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ [الأنعام: ١٠٠]. سبحانه أن يكون له شريك أو مثيل، أو أن يحتاج إلى أحد بل كل أحد محتاج إليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].

стр. 1134

واليهود والنصارى أثبتوا لله البنين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠]. ومشركوا العرب أثبتوا لله البنات، وقالوا الملائكة بنات الله. والمجوس أثبتوا لله شريكاً وهو إبليس الذي يزعمون أنه إله الشر: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١]. فلا إله إلا الله ما أحلم الله على على الكفار والمشركين: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. فنعوذ بالله من القول على الله بغير علم، ونعوذ بالله من شرك المشركين، وكفر الكافرين، وظلم الظالمين، وجهل الجاهلين، والحمد لله على نعمة التوحيد والإيمان: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. • سر العبودية: خلق الله الإنسان ضعيفاً، ليتوجه دائماً إلى القوي، ويستفيد من قوته: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]. وخلق الله الإنسان فقيراً ليقف دائماً بباب الغني، ليكرمه من فضله، فكل إنسان إما عابدٌ لله، أو عابدٌ لعبد لله من حجرٍ أو شجرٍ أو صنمٍ أو شمسٍ أو

стр. 1135

قمر: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. فالمؤمن عابدٌ لله وحده، وكل ما سواه من كافر أو مشرك عابدٌ لعبد الله من الأصنام والأوثان التي لا تملك لنفسها ولا لغيرها ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١]. وكل من وحَّد الله فهو أعقل العقلاء، وكل من أشرك بالله فهو أسفه السفهاء: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠]. وكل من دعا مع الله غيره فهو مشرك: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وحقيقة شرك المشركين، أنهم يشعرون أنهم مذنبون، فاتخذوا الأصنام من أحجارٍ وأشجارٍ وسائط تشفع لهم عند الله، لأنها لا ذنوب لها، فيطلبون منها الشفاعة عند الله كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣]. فحقيقة الشرك طلب التوسط والشفاعة، لا أنهم يعتقدون أن حجراً أو شجراً، أو شمساً أو قمراً، أو حياً أو ميتاً، يشارك الرب في الخلق والتدبير

стр. 1136

والتصريف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]. وكذا كانوا يعبدون تلك الأصنام، لأنه ليس لها أمرٌ ولا نهيٌ، وليس لها منهج تأمر الناس به، وليس عندها ثوابٌ لمن أطاعها ولا عقابٌ لمن عصاها وفي الحقيقة أنهم كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. بل الحقيقة أنهم يعبدون الشيطان بطاعته في معصية الله، واتباع أهوائهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وقد غرَّ الشيطان أكثر الخلق وصرفهم من التوحيد وفطرة الله التي فطر الناس عليها إلى الشرك: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].

стр. 1137

٤ - الخزانة الرابعة • أقسام التوحيد: دل القرآن الكريم على أن توحيد الله ينقسم بالإجمال إلى قسمين: توحيد الربوبية. وتوحيد الألوهية. وينقسم بالتفصيل إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيد الله في ربوبيته: وهذا النوع من التوحيد جبل الله عليه فطر العقلاء، كما قال سبحانه: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقال : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وهذا التوحيد لا ينفع إلا مقرونًا بإخلاص العبادة لله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. الثاني: توحيد الله في عبادته: وهو توحيد الله بأفعال العباد. ويتحقق هذا النوع من التوحيد بأمرين: الأول: خلع جميع المعبودات من دون الله. الثاني: وإفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة التي شرعها على ألسنة رسله كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ

стр. 1138

فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. الثالث: توحيد الله بأسمائه وصفاته: وهذا التوحيد مبنى على أصلين: الأول: تنزيه الله جَلَّ وَعَلَا عن مشابه المخلوقات. الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله من الأسماء والصفات مع قطع الطمع عن إدراك كيفية صفاته سبحانه. فكما لا نعلم كيفية ذاته، كذلك لا نعلم كيفية صفاته وأفعاله على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وقال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]. فهذه أركان التوحيد بالإجمال والتفصيل التي لا يتم توحيد العبد إلا بمعرفتها، والتعبد لله بموجبها، والقرآن كله تقرير لهذه الأركان العظيمة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].

стр. 1139

والله شهد لنفسه بالوحدانية قبل أن يخلق أحدًا فقال : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨]. وأحب الخلق إلى الله هم أهل توحيده والإيمان به: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧]. فأحب الخلق إلى الله هم أهل توحيده والإيمان به وهم المؤمنون، أما الكفار فهم أبغض الناس للتوحيد وأهله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥]. وقال الله : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]. والبشر وما يملكون كله لله ، فإذا تعلق العبد بربه العزيز صار عزيزًا، وإذا تعلق بالغني صار غنيًا، وإذا تعلق بالقوي صار قويًا، وإذا تعلق بالعظيم صار عظيمًا، وإذا تعلق الإنسان بالعبد الذليل صار ذليلًا، وإذا تعلق العبد بالضعيف صار ضعيفًا، وإذا تعلق بالفقير صار فقيرًا، والغريق لا ينقذ الغريق، فأنت أيها الإنسان، لله وإذا أسرك غيره فهذا ظلم، وإذا أسرك غير الله أذلك الله أمام المخلوقات، فصرت ذليلًا بعد عزة لأنك تعلقت بالذليل، وصرت أسيرًا له. وإذا أُسر قلبك أُسرت جوارحك وفكرك وأموالك وأوقاتك فصار المخلوق يتحكم فيك، لأنك سلمت نفسك له فصرت أسيرًا لديه.

стр. 1140

وإذا تعلق القلب بالله وآمن به ولم يلتفت إلى ما سواه، تحقق له ما أراد من ربه، فالله له من عباده مراد، والعباد لهم من ربهم مراد، فمراد الله من العباد أن يعبدوه ويوحدوه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. هذا مراد الله من الخلق، فمراد الله من عباده الإيمان والتوحيد والعمل الصالح، ومراد العباد من الله الحصول على السعادة فى الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. فمراد الله منك أن تكون زاكيًا بالتوحيد والإيمان والتقوى، ومرادك من ربك الفلاح، والله يقول لك: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. والله ألهم كل نفس فجورها وتقواها، وكل أحد يفعل ما يريد، لكن التقوى تحتاج إلى جهد، لأنها تقييد للجوارح بأوامر الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والفجور سهل، لأنه إطلاقُ للجوارح فميا تحبه النفس من الشهوات والمعاصي، وهذا هو أصل الابتلاء، فالله ابتلانا بالمصائب القدرية، وبالأوامر الشرعية، وبالشهوات البهيمية، فالله يقول في

стр. 1141

كتابه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩]. فالإنسان مبتلى بالمصائب القدرية، وبالأوامر الشرعية، وبالشهوات الحيوانية، فالشهوات البهيمية، كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ آل [عمران: ١٤]. وهذه الأوامر الشرعية: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥]. أما المصائب القدرية فهي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. والسعيد فاز في الابتلاء والاختبار: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].

стр. 1142

٥ - الخزانة الخامسة • فقه التوحيد: التوحيد هو إفراد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وإفراده بعبادته وحده لا شريك لله. والإشراك بالله في أسمائه وصفاته، والإشراك بالله في حكمه، والإشراك بالله في عبادته، كل هذه الأقسام شرك بالله، شرك ربوبية، وشرك طاعة، وشرك عبادة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. فالذي يجعل لله شريكًا في الخلق والأمر والحكم، هو ومن يعبد الصنم، ويسجد للوثن، على حد سواء، كلاهما مشرك بالله، هذا أشرك بالله في عبادته وهذا أشرك بالله في حكمه وأمره، كلاهما سواء في الإشراك بالله. وقد قال الله في الإشراك به في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال في الإشراك به في حكمه: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف: ٢٦]. فكل من أتبع تشريعًا أو قانونًا أو نظاماً مخالفاً لما شرعه الله ورسوله، فهو مشرك كافر بالله، كما قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. فالملك كله لله وحده، والحكم كله لله وحده، والعبادة كلها لله وحده لا شريك له في ملكه، وفي حكمه، وفي خلقه وفي عبادته، وفي ذاته وأسمائه

стр. 1143

وصفاته وأفعاله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وهذه صفات من يستحق العبادة، ويستحق الحكم، والتشريع، والتحليل والتحريم، والأمر والنهي: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص: ٧٠]. وأهل التوحيد والإيمان والتقوى هم أطهر الناس قلوباُ، وأبداناُ، وأقوالًا، وأعمالًا، وأخلاقًا: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. وأهل الشرك والكفر هم أنجس الناس أبدانًا، وقلوبًا، وأقوالًا، وأعمالًا وأخلاقًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وبالدعوة إلى التوحيد والإيمان تتطهر قلوب الكفار والمشركين وأبدانهم من الكفر والشرك، وتتزين بالتوحيد والإيمان والتقوى، وتنال عظيم الأجر والثواب من الله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ

стр. 1144

وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. فهذه أحسن الصفات، وأعظم الصفات التي يحبها الله، تطهر بها المسلم وتخلص من نجاسة الشرك، ومن أهل الشرك. والمشرك نجس معنويًا ونفسيًا، فهو نجس المعنى، وهو أعظم من النجاسة الحسية، لأن شركه بالله أنتن شيء وأقذره وأنجسه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. والنجَس هو عين النجاسة. وهو نجسٌ حسًا لأنه لا يتوضأ ولا يتطهر من جنابة، ولا يتجنب الأنجاس والقاذورات، فهو ملازم للنجاسة، وقلبه مملوءٌ بأنواع النجاسات، يطعم بدنه أكل الميتة، وأكل الخنزير، وشرب الخمر ونحو ذلك من المحرمات والنجاسات. ولأجل هذه النجاسة المعنوية والحسية أمر الله ببعد المشرك عن المسجد الحرام، بألا يقرب منه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. المسجد الحرام لأهل التوحيد والإيمان والتقوى، لأهل الصفات الطيبة، لأهل الصفات التي يحبها الله، أما أهل النجاسات كأهل الكفر والشرك وغيرهم، فهؤلاء لابد أن يتطهروا ويتجملوا بالسنن التي يحبها الله وبالتوحيد والإيمان، فإذا تطهروا أذن لهم بالدخول إلى بيت الله العلي العظيم: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].

стр. 1145

• حقيقة الكفر: الكفر هو التغطية والستر، فكل شيء غطيته وسترته فقد كفرته، ومنه قيل للزراع كفار، لأن الزراع يكفر البذر في بطن الأرض، ومنه قيل لتكفير الذنوب تكفير؛ لأن الله يغطيها ويسترها بحلمه حتى لا يظهر لها أثر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. والكافر بكفره يغطي أدلة التوحيد ويجحدها وهي ظاهرة كالشمس في رابعة النهار. وجميع آياته ومخلوقاته سبحانه أدلة على وحدانيته، ومسبحة بحمده: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. ومن دلائل وحدانية الله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. ومن دلائل وحدانية الله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢١]. وكذا الكافر يغطي نعم الله عليه بأكله من رزق الله، وعبادة غيره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا

стр. 1146

وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠]. فالكفر والجحود والشرك أظلم الظلم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. ولهذا لا يغفر الله لمشرك مات على شركه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. أما الفسق فهو الخروج عن طاعة الله ورسوله، فتارة يعظم ذلك الخروج فيكون كفرًا، وتارة يكون خروجًا دون خروج، وفسقًا دون فسق، فيكون معصية سواء كانت كبيرة أو صغيرة. والفسق يطلق في القرآن تارة عن الكفر، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]. وتارةً يطلق الفسق على ارتكاب المحرم، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]. وأعظم الناس خروجًا عن طاعة الله ورسوله هم المنافقون، كما قال سبحانه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨].

стр. 1147

٦ - الخزانة السادسة • أقسام التوحيد: ينقسم التوحيد بحسب التفصيل إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيد الربوبية: وهو توحيد الرب بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وقد جبل الله عليه فطر العقلاء. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وهذا التوحيد قد فطر الله عليه قلوب الخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]. وهذا أعظم أنواع التوحيد، ولكنه لا ينفع إذا لم يقترن به توحيد العبادة. الثاني: توحيد الألوهية: وهو توحيد الرب بأفعال العباد كالدعاء، والذكر، والصلاة، والمحبة ونحو ذلك، ويسمى توحيد العبادة وهو الذي أرسل الله الرسل لتحقيقه وطلبه من الناس، لأن الأول مركوز في الفطر. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 1148

الثالث: توحيد الأسماء والصفات. وهذا التوحيد يقوم على ثلاثة أصول: الأول: تنزيه الله أن يشبه أحدًا من خلقه في ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، لأنه وحده الواحد الأحد الذي له الكمال المطلق لما له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. الثاني: الإيمان بأسماء الله وصفاته التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ ، وتصديق الله في ما أثنى به على نفسه، وتصديق رسوله فيما أثنى به على ربه، تصديقًا مبنيًا على التنزيه، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. الثالث: أن نعلم أن عقولنا ضعيفة مخلوقة واقفة عند حدها، لا تعرف كل شيء، وأن خالق الكون أعظم وأكبر وأجل من أن تحيط به علمًا عقولنا القاصرة، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]. فنقطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله ، فكما لا نعلم كيفية ذاته كذلك لا نعلم كيفية صفاته وأفعاله؛ لأن العقول لا تحيط علما بمن خلقها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].

стр. 1149

فهو سبحانه المحيط بكل محيط، ولا يحيط به محيط، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عما يقولون علوًا كبيرًا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. وكلمة التوحيد لا إله إلا الله، محمد رسول الله قائمة على أصلين: فشهادة أن لا إله إلا الله أن يعبد العبد ربه وحده لا شريك له، ويجتنب عبادة ما سواه. وشهادة أن محمداً رسول الله تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والشهادة لرسول الله ﷺ هي أنه نبي لا تدخل الإنسان في الإسلام ما لم يلتزم بطاعته ومتابعته: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢]. فقد شهد له ﷺ عمه أبو طالب بأنه صادق وأن دينه من خير الأديان، ولكن ذلك لم يدخله في الإسلام، وكذلك شهد له المشركون وأهل الكتاب بالرسالة وأنه صادق، ولكن ذلك لم يدخلهم في الإسلام، فليس الإسلام بالمعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط، بل الإسلام المعرفة والإقرار، والانقياد لله ولدينه ظاهرًا وباطنًا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].

стр. 1150

• الفرق بين توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية: بين الله في كتابه الكريم توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، في أول القرآن وآخره، فتوحيد الربوبية هو توحيد الله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الألوهية هو توحيد الله بالعبادة. بين الله توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية في أول القرآن وآخره ونص عليه في أغلب آيات القرآن الكريم فقال في أوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]. وقال في آخره: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]. فرب الناس، وملك الناس، هذا توحيد الربوبية، وإله الناس توحيد الألوهية، فالله واحد في ذاته لا قسيم له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. فالله واحدٌ في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في أسمائه وصفاته لا شبيه له، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].

стр. 1151

فهذا توحيد الربوبية، وهذا التوحيد أقر به المشركون ولم ينجهم من عذاب الله، لأنهم لم يحققوا توحيد الألوهية معه بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما جاءت به الرسل فتوحيد الربوبية لا يكفي إلا إذا كان مقرونًا بتوحيد العبادة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. لهذا لابد أن يكون الإنسان موحدًا لربه بقلبه ولسانه وعمله، فمن وحد الله بقلبه، ولكنه لم يوحده بقوله أو عمله فهو غير صادق، لأن توحيد القلب يتبعه توحيد القول والعمل. قال النبي ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». متفق عليه (١). فمن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، ففرعون قال أنا ربكم الأعلى، وإبليس امتنع عن السجود لأدم مخالفًا لأمر ربه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. ومعرفة الحق دون العمل به أشد من الجهل بالحق، لأن الجاهل بالحق معذور حتى يعرفه، بخلاف المعاند المستكبر ولهذا كان اليهود مغضوب عليهم، لأنهم عرفوا الحق وتركوه، والنصارى ضالون لأنهم لم يعرفوا الحق، وضلوا عنه، لكن بعد بعثة الرسول ﷺ عرف النصارى الحق وكفروا بمحمد ﷺ فصاروا كاليهود مغضوبًا عليهم.

стр. 1152

وإن عمل العبد بالتوحيد بلسانه وجوارحه، ولكن لم يعتقد بقلبه، فهو منافق أشد من الكافر المصرح بكفره، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، بأن يعبد المسلم ربه وحده لا شريك له، ولا يعبد معه أحدًا غيره، ولا يتم لأحد هذا التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ويكفر بما يعبد من دون الله، فينفي الألوهية عن كل ما سوى الله ويثبتها لله وحده لا شريك له. وهذا التوحيد وهو الذي بعث الله به الرسل لأنه هو الذي حصل الإخلال به عند الأمم، فبعث الله الرسل لإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، واجتناب عباده ما سواه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وهذا النوع هو الذي ظل فيه المشركون الذين قاتلهم رسول الله ﷺ حيث عبدوا مع الله غيره، ومن أخل بتوحيد الربوبية، فهو أعظم الكفار كفرا، وأعظمهم ذنبا، لأن الله فطر الناس على توحيده بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن أخل بتوحيد الألوهية فهو مشرك كافر، وإن أقر بتوحيد الربوبية، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].

стр. 1153

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. فصرف العبادة لله وحده لا شريك له مبني على معرفة الرب الخالق الذي له الخلق والأمر وحده، فلا يُتأله ويُتعبد إلا لهذا الرب العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وبيده كل شيء، فمن أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية، فيعبد الله وحده لا شريك له، ولا يقبل هذا إلا مع هذا فهما متلازمان: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 1154

٧ - الخزانة السابعة • أنواع الشرك بالله : الشرك بالله أنواعه كثيرة منها: الأول: أن يعظم الإنسان المخلوق كما يعظم الخالق، فيؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها من أجل تنفيذ أمره، أو يذبح باسمه كما يفعله بعض الناس مع رئيسه أو وزيره أو سيده. الثاني: أن يحب الإنسان أحد المخلوقين كما يحب الله أو أعظم كما يحصل من بعض المفتونين بعشق وغيرهم، ويحبه حبًا يعصي بسببه ربه. ثالثًا: الرياء وهو أمر خفي فيزين الإنسان صلاته أو يصوم أو يتصدق ليقال أنه مصلٍ أو عابد أو كريم، والله أغنى الشركاء عن الشرك، كما قال الله : «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». أخرجه ا مسلم (١). الرابع: أن تأخذ الدنيا لب الإنسان وعقله، فتجد فكرة وبدنه وعقله كله مسيرٌ في الدنيا، كيف يكسب المال بحلال أو حرام، أو غش، أو كذب، أو خديعة لأن الدنيا استعبدته وملكت قلبه. قال رسول الله ﷺ «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أَعْطَى رَضِيَ، وَإِنْ مَنَعَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثُ رَأْسُهُ، مُغْبَرَةٌّ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَتِ السِّيَاقَةُ كَانَ فِي السِّيَاقَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْحِرَاسَةُ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، إِنِ

стр. 1155

اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشْفَعْ، طُوبَى لَهُ وَطُوبَى لَهُ». أخرجه البخاري (١). • عظمة كلمة التوحيد: شهادة التوحيد لا إله إلا الله، أعظم الشهادات على الإطلاق، وإذا أراد الإنسان تحصيل شهادة علمية دنيوية، فلابد أن يبذل جهدًا كبيرا، ومالًا كثيرا، ووقتًا طويلا، من أجل الحصول عليها، وشهادة التوحيد أعظم الشهادات على الإطلاق: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وللحصول عليها لابد من بذل الجهد والفكر والمال والوقت من أجل الحصول عليها، والعلم بها يقتضي البحث والدرس والتضحية والعلم والعمل، ومن ثم يأتي اليقين على أنه لا إله إلا الله الذي بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وعلم بلا تضحية يبقى صاحبه في تردد وشك، وهذا ليس بعلم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فنهاية العلم الإلهي التوحيد، توحيد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده ﷻ بعبادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فنهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل عبادة الله وطاعته وتقواه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا

стр. 1156

وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وجميع ما في الكون من المخلوقات العظيمة، والتدبيرات العجيبة، يدل على أن الله وحده هو الفعال الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، وبيده وحده الخلق والأمر. فمن تدبر في هذا الكون العظيم، علم أن الله وحده هو الفعال لما يريد، وهو الذي يدبر الأمر كله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾ [الروم: ١٩ - ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧]. وأحيانًا لحكمة يريدها الله يظهر الأقوياء والجبابرة وكأنهم يفعلون ما يريدون، كما فعل فرعون ببني إسرائيل، فكان يقتل أبناءهم ويستحيي

стр. 1157

نساءهم، أنه كان من المفسدين، ففي هذا امتحان، وفي هذا امتحان، فإذا ظهرت أفعال الله جليه واضحة للناس كأية الشمس والقمر، ونزول الأمطار، والزلازل، والخسوف وغيرها، فهذا يدل على كمال قدرة الله، ويزيد الإيمان في القلوب، ويطمئن النفوس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وأحيانًا يبدو أن فلانًا يفعل ما يريد كأنه يتصرف وحده، فهذا أيضًا امتحانٌ لضعاف الإيمان، يضعف إيمانهم حينًا فيقولون أين الله؟ حين يرون الجبار يبطش بالخلق، وأحيانًا يرون أفعال الله جلية ظاهرة فيقولون لا إله إلا الله. فالله بيده كل شيء، والأقوياء والأشرار عصيُ بيد الله، ينتقم بها، ثم ينتقم منها، ويسلطها على من أراد تربيته أو عقوبته إن عصاه، كما سلط الله فرعون على بني إسرائيل حين عصوا، ثم انتقم منه. فالخلق خلقه، والأمر أمره والملك ملكه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].

стр. 1158

٨ - الخزانة الثامنة • ثمرات التوحيد: المؤمن إذا اتصل بالله بالإيمان به ربًا وإلهاً، ووحده بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ووحده في عبادته، نال خيرًا كثيرًا، وخرج من الظلمات إلى النور، فمن اتصل بالله فلابد أن يكتسب منه شيئًا نافعًا في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. فالصلاة مثلاً هي عماد الدين، ودرة الطاعات، وأصل العبادات، وأعظم القربات، هذه الصلاة من أجل أن نكتسب من خلالها صفات الكمال من الله ، فالصلاة الصحيحة التي تصلك بالله حقًا هي الصلاة التي لا يكون بعدها بخلٌ، ولا كذبٌ، ولا نفاقٌ، ولا حسدٌ، ولا رياء؛ لأن الصلاة اتصال بالكبير الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى، فأنا أتصل بالله ليكرمني بالصفات التي يحبها، والتي دعاني للتعبد له بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فهي تذكر بالله، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، فالذي اتصل بالله في صلاته حقًا إن سأله أعطاه، ومن وجده ضالًا هداه، ومن وجده عاجزًا أعانه، ومن أساء أحسن إليه إذا تاب إلى ربه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

стр. 1159

أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. فالصلاة صلة بين العبد وربه، فيها تكبير الله، وحمد الله على نعمه، وسؤاله الهداية، والاستغفار من الذنوب، وتقديم التحية له، والصلاة والسلام على من عرفني بالله، وهو النبي ﷺ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ومن أحسن إلى أحد بقولٍ أو فعلٍ أو مال فلابد أن يشكره، فالناس عبيد النعمة، فمن أحسن إليك شكرته على هذا الإحسان والله الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، إذا آمنت به ووحدته، وعبدته كما يليق بجلاله، واستغفرته، وتبت إليه، واتبعت أمره واجتنبت نهيه، وأديت له الأعمال الصالحة، وعاملت الناس بالأخلاق الحسنة، وجدت جزاء ذلك عنده بالطمأنينة والسعادة في الدنيا والآخرة، والرضوان، والجنة في الآخرة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].

стр. 1160

فالتجارة لها أسباب وهدف، فمن فعل الأسباب، وصل إلى الهدف، وجنى الأرباح، ومن صلى وصام، وزكى وحج، وذكر الله، وقرأ القرآن، وعلم وتعلم الدين، واستقام على طاعة الله، فقد وصل إلى الله، وسعد بقربه، واستفاد من خزائنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فإذا لم تحقق للعبد هذه الأعمال الاتصال بالله ، فإنه لم يخلص العبادة لله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. فالتجارة لا قيمة لها إن لم تحقق أرباحًا، وأعمال البر لا معنى لها إن لم تحقق للعبد الاتصال بربه، والاستفادة من خزائنه، وحسن عبادته: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
следующие страницы →