فكانوا خير أمةٍ أخرجت للناس، توحيدًا وإيمانًا، وعبادةً ودعوةً، وتعليمًا وأخلاقًا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وهؤلاء هم القرن الأول، أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فإنهم على الهدي المستقيم، أولئك أصحاب محمدٍ ﷺ أكمل الناس توحيدًا وإيمانًا، وبذلاً وعطاءً ومجاهدة وتضحيةً، وهجرةً ونصرةً، وقيامًا بهذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
• الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية:
أن توحيد الربوبية هو توحيد الرب بأسمائه وصفاته، وهو توحيد الرب بأفعاله، وهو متضمنٌ للإقرار بوجوده: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
فمن أنكر وجود الله فهو أسفه الخلق كلهم.
أما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، ويسمى باعتبار إضافته إلى الله بتوحيد الألوهية، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بتوحيد العبادة، وتوحيد القصد، وتوحيد العمل، وتوحيد الإرادة، وتوحيد الله بأفعال العباد.
стр. 1087
وتوحيد الربوبية مستلزمٌ لتوحيد الألوهية، لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له.
وتوحيد الألوهية متضمنٌ لتوحيد الربوبية، فكل من عبد الله لابد أن يكون قد عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقد ذكرهما الله في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
فالحمد عبادة موجهةٌ للرب الذي يربي العالمين، والتوحيد أصفى شيء، وأنقى شيء كالثوب الأبيض، كل شيءٍ يؤثر فيه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وللتوحيد نواقض كما أن للوضوء نواقض، وللصلوات نواقض، ونواقض التوحيد هي الأمور التي تخرج العبد من الدين بالكلية، فيكون كافرًا مرتدًا عن دين الإسلام.
стр. 1088
٨ - الخزانة الثامنة
• نواقض التوحيد:
نواقض التوحيد كثيرة ويجمعها ثلاثة أمور:
الكفر الأكبر
والشرك الأكبر
والنفاق الأكبر.
أما منقصات التوحيد: وهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد، ولا تنقضه بالكلية، فإذا وُجدت قدحت في كمال التوحيد وكمال الإيمان، ولم تخرج العبد من الإسلام، وهي كل معصية لا تصل إلى درجة الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر، ومن أهمها وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدع.
فالشرك الأكبر هو أن يتخذ العبد ندًا لله، يسويه به في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
والشرك أعظم ذنبٍ عُصِي الله به، فهو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم، وأقبح القبائح وأنجسها، لأن الشرك صرف خالص حق الله تعالى وهو العبادة لغيره، أو وصف أحدٍ من خلقه بشيءٍ من صفاته التي اختص بها ﷻ ، ولهذا لا يغفره الله لمن مات، ولم يتب منه، لشدة شناعته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
стр. 1089
• عقوبات الشرك بالله:
الشرك ظلم عظيم وعقوباته عظيمة، أهمها:
أولًا: أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
ثانيًا: أن صاحبه حلال الدم والمال، خارجٌ من ملة الإسلام: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وهؤلاء الموجب لقتالهم هو كفرهم وشركهم وإصرارهم على ذلك.
ثالثًا: أن الله لا يقبل من المشركين عملًا، وما عملوا من عملٍ يكون هباءً منثورا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وهذا الشرك محبطٌ لكل عمل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
رابعًا: أنه يحرم على المشرك أن يتزوج بمسلمة، لأنها أعلى منه في توحيدها وإيمانها، ويحرم على المسلم أن يتزوج بمشركة لأنها نجسة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
стр. 1090
خامسًا: إذا مات المشرك فلا يُغسّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يوارى بثيابه في أي حفرةٍ لئلا يؤذي الناس برائحته.
سادسًا: أن المشرك لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث المشرك، كما قال النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» أخرجه مسلم (١).
سابعًا: أنه يحرم على المشرك دخول الجنة، وهو مخلدٌ في النار يوم القيامة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
• أقسام الشرك الأكبر:
ينقسم الشرك الأكبر إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الشرك في الربوبية. وهو أن يجعل الإنسان لله شريكًا معه في الملك والتدبير والخلق والرزق ونحو ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٤].
ومن صور هذا الشرك شرك النصارى الذين يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وشرك المجوس الذين يسندون حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، ومنه شرك القدرية الذين يقولون إن العبد يخلق أفعاله، ومنه شرك غلاة الصوفية والرافضة وغيرهم من عباد القبور الذين يعتقدون أن أرواح الأموات تقضي الحاجات، وتفرج الكربات: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ
стр. 1091
لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
ويعتقد بعض الصوفية أن بعض مشايخهم يتصرف في الكون، ويغيث من استغاث به مع موته أو غيبته عنه، ومنه الاستسقاء بالنجوم باعتقاد أنها وحدها مصدر السقيا دون مشيئة الله.
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات، بأن يجعل لله شريكًا في أسمائه وصفاته، أو يصف الله تعالى بشيءٍ من صفات خلقه، والله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وصور هذا الشرك كثيرة، منها الشرك بالادعاء بعلم الغيب، أو اعتقاد أن غير الله يعلم الغيب، واعتقاد أن الأنبياء والأولياء والصالحين يعلمون الغيب: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وهذا الاعتقاد يوجد عند غلاة الصوفية والرافضة، ولهذا يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين وغيرهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
الثالث: الشرك في الألوهية، هو أن يعتقد العبد أن أحدًا غير الله يستحق أن يُعبد، أو يصرف شيئًا من العبادة لغير الله من دعاءٍ أو ذبحٍ ونحوهما: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ
стр. 1092
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
• أقسام الشرك في الألوهية:
ينقسم الشرك في الألوهية إلى ثلاثة أقسام:
الأول: اعتقاد شريكٍ لله في الألوهية، فكل من اعتقد أن غير الله يستحق العبادة مع الله، أو يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة، فهو مشركٌ بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة؛ فمن سمى نفسه أو ولده عبد الرسول أو عبد الشمس أو عبد القمر أو عبد الحسين ونحوهما من الأسماء التي فيها التعبيد للمخلوق، معتقدًا أن هذا المخلوق يستحق أن يعبد، فهو مشركٌ بالله الشرك الأكبر: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
الثاني: صرف شيءٍ من العبادات المحضة لغير الله. كالدعاء والصلاة والصوم والذبح وغيرها، فمن صرف من ذلك لغير الله شيئًا قد وقع في الشرك الأكبر: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١٠٩ - ١١٠].
والشرك في العبادة ينحصر في أمرين:
أحدهما: الشرك في دعاء المسألة، وهو أن يطلب العبد من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، من جلب نفع، أو دفع ضر، ويدخل في دعاء المسألة الاستعانة والاستغاثة، والاستعاذة والاستجارة.
стр. 1093
والدعاء من أعظم أنواع العبادة، فيجب صرفه لله وحده، ولا يجوز صرفه لغير الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
ومن الشرك في دعاء المسألة ما يلي:
الأول: دعاء الميت أو الغائب، سواءٌ كان نبيًا أو وليًا صالحًا أم غيرهم، فمن دعا أحد هؤلاء معتقدًا أنه يسمع كلامه، ويعلم بحاله، ويقضي حاجته، فقد وقع في الشرك الأكبر، سواءً طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، أم طلب منه أن يدعو الله له أو يشفع له عنده: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
الثاني: أن يطلب من المخلوق من الأمور ما لا يقدر عليه إلا الله وحده، سواءٌ كان ميتًا أو حيًّا، أو نبيًّا أو وليًّا أو ملكًا أو جنيًا أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه، أو نصره على عدوه، أو كشف كربته، أو يطلب منه أن يغيثه أو يعينه أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله وحده.
فهذا كله شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، لما فيه من دعاء غير الله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
الثالث: أن يجعل بينه وبين الله واسطة في الدعاء، معتقدًا أن الله لا يجيب دعاء من دعاه مباشرة، فهذه شفاعةٌ شركية مخرجة من الملة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
стр. 1094
الثاني: الشرك في دعاء العبادة، فدعاء العبادة هو عبادة الله بأنواع العبادات.
القلبية كالحب والخوف والرجاء، والقولية كذكر الله، وتلاوة القرآن، والفعلية كالصلاة والصوم والحج والذبح وغيرهما من أنواع العبادات.
وسمّيَ هذا كله دعاء عبادة، لأن العابد لله بهذه العبادات طالبٌ وسائلٌ لله في المعنى، لأنه إنما يقوم بفعل هذه العبادات رجاء ثواب الله، وخوفًا من عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، فهو داعٍ لله بلسان حاله، لا بلسان مقاله.
وينقسم الشرك في دعاء العبادة إلى أربعة أقسام:
الأول: الشرك في الخوف.
والخوف المنبعث من البشر أربعة أقسام:
الأول: الخوف من الله، وهو خوف المؤمن من ربه، وهو خوفٌ مقترنٌ بالمحبة لله، والتعظيم له، والذل له، وهذا الخوف هو الواجب على كل مسلم، وهو أصلٌ من أصول العبادة: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
الثاني: الخوف الجبلِّي، وهذا الخوف مباح إذا وجدت أسبابه، كأن يخاف من النار، أو السبع، أو العقرب، أو العدو ونحو ذلك، كما قال سبحانه عن موسى ﷺ : ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١].
الثالث: الخوف الشركي، وهو أن يخاف المخلوق خوفًا مقترنًا بالتعظيم والخضوع، كالخوف من صنمٍ أو ميتٍ أو جنيٍّ أو ساحرٍ أن يصيبه بمكروه من مرضٍ، أو سلب نعمة، أو آفةٍ في ماله أو أهله.
стр. 1095
فهذا كله من الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، ولما في ذلك من اعتقاد النفع والضر في غير الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ [الزمر: ٣٦].
الرابع: الخوف الذي يحمل صاحبه على ترك واجب، أو فعل محرم، وهذا الخوف محرم، لما فيه من خوف غير الله أن يضره في ماله أو بدنه أو أهله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
الثاني: الشرك في المحبة.
والمحبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المحبة الواجبة، وهي محبة الله، ومحبة رسوله، ومحبة كتابه، ومحبة دينه، ومحبة كل ما يحبه الله ويرضاه.
الثاني: المحبة الطبيعية المباحة، كمحبة الوالد لولده، والزوج لزوجه، والإنسان لصديقه ونحو ذلك، وهذه المحبة مباحة، بشرط ألا يصحبها تعظيمٌ ولا خضوع ولا ذلٍ للمحبوب، ولا تصل إلى درجة محبة الله ورسوله، فإن ساوتها أو زادت عليها فهي محبةٌ محرمة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقوله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
стр. 1096
الثالث: محبةٌ شركية، وهي أن يحب مخلوقًا محبةً مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
الثالث: الشرك في الرجاء، وهو أن يرجو العبد من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، فمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولدًا، أو يرجو منه أن يشفيه، فهذا كله من الشرك الأكبر.
فمن صلى أو سجد أو انحنى لمخلوقٍ محبةً له، وخضوعًا له، ورجاءً له فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد وقع في الشرك الأكبر، لما في ذلك من صرف العبادة لغير الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
الرابع: الشرك في الذبح.
والذبح أربعة أقسام:
الأول: ذبح الحيوان المأكول تقربًا إلى الله، وتعظيمًا له، كالأضحية، وهدي التمتع والقران في الحج، والذبح للتصدق باللحم، ونحو ذلك، فهذا مشروع، وهو عبادةٌ من العبادات العظيمة، كما قال : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].
الثاني: ذبح الحيوان المأكول للأكل أو لضيف أو لعرس ونحو ذلك، فهذا مأمورٌ به إما وجوبًا وإما استحبابًا.
стр. 1097
الثالث: ذبح الحيوان من أجل التجارة في اللحوم أو لأكله، فهذا فعلٌ مباح.
الرابع: الذبح تقربًا إلى المخلوق، وتعظيمًا له، وخضوعًا له، فهذه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، فمن ذبح تقربًا إلى مخلوق فقد وقع في الشرك الأكبر، وذبيحته محرمةٌ لا يجوز أكلها، سواءً كان هذا المخلوق من الإنس أو الجن، أو الملائكة، أو الأحياء، أو الأموات: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].
وقد قال النبي ﷺ : «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ». أخرجه مسلم (١).
الخامس: الشرك في الزكاة والصدقة والنذر.
فالزكاة والصدقة والنذر عبادات لا يجوز صرفها إلا لله وحده، فمن نذر لمخلوق، كأن يقول لفلان على نذر أن أصوم كذا، وأتصدق بكذا، أو قال إن شفى مريضي أو جاء غائبي، فللشيخ فلان عليّ أن أتصدق بكذا، فهذا كله نذرٌ محرمٌ وباطل، ومن فعل ذلك فقد وقع في الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة النذر لغير الله.
ومن اخرج زكاة المال أو تصدق على قبر ميت قربةً إليه فهذا كله من الشرك الأكبر: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
стр. 1098
السادس: الشرك في الصيام والحج والطواف، فالصيام والحج والطواف من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صام أو حج البيت تقربًا إلى ولي أو ميت أو غيرهما من المخلوقين، أو حج إلى قبر تقربًا إليه أو طاف بقبر نبي أو غيره فهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة، سواءٌ فعله أو اعتقد جوازه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
الثالث: الشرك في الحكم والطاعة.
وصور الشرك في هذا النوع أنواع:
الأول: اعتقاد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله، فهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
الثاني: اعتقاد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، أو وضع تشريعٍ أو قانونٍ مخالف للقرآن والسنة، فهذا كله شركٌ أكبر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
الثالث: من يحكم بعادات آبائه وأجداده أو قبيلته معتقدًا أنها أفضل من حكم الله أو مثله، وأنه يجوز الحكم بها، فهذا كله شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
стр. 1099
الرابع: أن يطيع من يحكم بغير شرع الله عن رضا، مقدمًا له على شرع الله، أو معتقدًا جواز الحكم بغيره، أو معتقدًا أن هذا الحكم أفضل من حكم الله أو مثله، وكل من يتحاكم إلى العادات القبلية المخالفة للشرع فقد وقع في هذا كله في الشرك الأكبر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
الخامس: أن يدعو إلى تحكيم غير شرع الله، وعدم تحكيم شرع الله، محاربةٌ للإسلام، وتعظيمٌ له، إعجابًا بالكفار وأنظمتهم، واعتقاد أنها أفضل من شرع الله، فهذا كله من الشرك الأكبر، لأن الدعوة للباطل شرٌ من إتباعه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
стр. 1100
٩ - الخزانة التاسعة
• أنواع الكفر:
الكفر الأكبر هو كل اعتقاد أو قولٍ أو فعلٍ أو ترك يناقض الإيمان والتوحيد، وحكم الكفر الأكبر حكم الشرك الأكبر.
فأهل الكفر والشرك هم شر البرية، وأهل التوحيد والإيمان هم خير البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٦ - ٧].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه البخاري (١).
• والكفر أنواعٌ كثيرة أهمها:
الأول: كفر الإنكار والتكذيب، وهو أن ينكر الإنسان شيئًا من أصول الدين أو أحكامه أو أخباره الثابتة ثبوتًا قطعيًا في القرآن والسنة، أو يفعل ما يدل على إنكاره، كأن ينكر أركان الإيمان، أو أركان الإسلام، وغيرها من أصول الدين، كإنكار ربوبية الله، أو أسمائه أو صفاته، أو نحو ذلك.
فهذا كله كفرٌ مخرجٌ من الملة، لأن فاعله مكذبٌ لله ولرسوله، وفعله كفر، ومثله من يصحح دين الكفار كاليهود والنصارى وغيرهم، أو لا يكفرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ [الأعراف: ٤٠ - ٤١].
стр. 1101
الثاني: أن ينكر تحريم المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها، كالربا، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، أو يعتقد أن أحدًا يجوز له الخروج على شريعة محمدٍ ﷺ : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]
الثالث: أن ينكر حل المباحات الظاهرة المجمع على حلها، كأن يجحد حل أكل لحوم بهيمة الأنعام، أو ينكر حل تعدد الزوجات، أو حل أكل التمر أو الخبز، ونحو ذلك مما أحل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
الرابع: أن ينكر وجوب واجب من الواجبات المجمع عليها، كأركان الإسلام والإيمان، أو ينكر الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحوها:
الخامس: أن ينكر سنة من السنن أو النوافل المجمع عليها، كأن ينكر السنن الرواتب، أو صوم التطوع، أو حج التطوع، أو صدقة التطوع، ونحو ذلك: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
الثاني: كفر الشك والظن، فمن تردد أو شك في أصول الدين المعلومة من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام والإيمان، أو شك في صحة القرآن، أو شك في كفر اليهود والنصارى، أو شك في تحريم الربا أو الزنا أو الخمر، فقد وقع في الكفر المخرج من الملة، لأن الإيمان لابد فيه من التصديق القلبي الجازم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا
стр. 1102
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
الثالث: كفر الامتناع والاستكبار، وهو أن يصدق بأصول الإسلام وأحكامه وسننه بقلبه ولسانه، ولكن يرفض الانقياد لحكم الله ورسوله استكبارًا، كما امتنع إبليس من السجود لآدم استكبارًا واعتراضًا على الأمر أنه أفضل من آدم ﷺ حيث: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
ومن ذلك عدم الصلاة مع الجماعة لأنها تسوي بينه وبين الفقراء، وعدم لبس لباس الإحرام لأنه في زعمه لباس الفقراء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ [الأعراف: ٤٠ - ٤١].
الرابع: كفر السب والاستهزاء، كأن يستهزئ المسلم بالله، أو رسله أو كتبه أو أحكامه، أو يسب الله، أو كتبه أو رسله أو دينه، أو يقول هذا الدين متخلف، أو لا يناسب عصرنا، أو يسب القرآن، أو يستهزئ به، أو يهينه أو يدنسه، أو يسب ويستهزئ بشيء مما ثبت في القرآن والسنة من الواجبات والسنن.
стр. 1103
فمن فعل شيئًا من ذلك فهو كافرٌ بالله الكفر الأكبر، سواءً كان عامدًا أو هازلًا أو لاعبًا أو مجاملًا، لأنه مستَخِفٌ بالله وبأحكامه ودينه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
وقال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
الخامس: كفر البغض وهو أن يكره الإنسان دين الإسلام، فمن كره الدين أو أبغضه أو أبغض بعضه فقد كفر الكفر المخرج من الملة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٨ - ٩].
السادس: كفر الإعراض، والإعراض عن دين الله أن يترك الإنسان دين الله، ويعرض عنه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو يتركه بجوارحه مع تصديقه بقلبه، فمن أعرض عن الاستماع إلى الحق، أو أعرض عن الانقياد إلى الحق بعد سماعه ومعرفته، أو أعرض عن امتثال جميع الواجبات والفرائض الشرعية بعد إقراره بقلبه بأركان الإيمان فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأحقاف: ٣].
стр. 1104
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾ [السجدة: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
فيجب على المسلم الذي يريد النجاة في الدنيا والآخرة ألا يتعجل في إصدار الحكم على أحد من المسلمين بالكفر أو الشرك حتى يتأكد من حاله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
• النفاق الأكبر:
النفاق الأكبر هو أن يظهر الإنسان الإسلام ويبطن الكفر.
والمنافق كافر، وزاد على الكافر الكذب والخداع، وضرر المنافقين على المسلمين أخطر، لأنهم يحاربون الإسلام باسم الإصلاح ويتظاهرون باسم الإسلام: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].
ولهذا كانوا اشد الكفار عذابًا في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
• أعمال المنافقين:
المنافقين الكفرية كثيرة وقد فصّلها الله في سورة التوبة ومنها:
أولًا: الاستهزاء بالله وبرسوله وبالقرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا
• صفات المنافقين:
بين الله صفات المنافقين، ليحذرهم أهل التوحيد والإيمان، وللمنافقين صفات سيئة وكثيرة، ومن أهمها:
أولاً: قلة الطاعات، والتثاقل والكسل عند أداء العبادات: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
ثانيًا: الجبن، وشدة الخوف، والهلع، ولهذا يخفون كفرهم، ويظهرون الإسلام، لأنهم يخافون من القتل، وسلب أموالهم بكفرهم، وليس عندهم شجاعة يقاتلون بها مع الكفار فيلجئون إلى النفاق: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ [المنافقون: ٤].
ولشدة خوفهم من المسلمين يكذبون عليهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة: ٥٦ - ٥٧].
ثالثًا: السفه، وضعف التفكير، وقلة العقل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣].
وسفه المنافقين بإيثارهم الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، وحرصهم على جمع حطام الدنيا أكثر من الحرص على الطاعات، ولهذا يتثاقلون عن الصلاة التي فيها نجاتهم، وينشطون لجمع الحطام باختلاف أنواعه الذي لا يغنى عنهم من عذاب الله من شيء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
стр. 1108
أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾ [آل عمران: ١١٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ [المجادلة: ١٨].
رابعًا: تلاعب الشيطان بالمنافقين حتى أوقعهم في حب الكفار ومجالستهم وفيما هو سبب هلاكهم وعذابهم: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ [المجادلة: ١٩].
خامسًا: أن المنافق يخادع خالقه الذي يعلم سره وعلانيته، ويحارب شرع ربه غير مفكر في عاقبه أمره السيئة، وغير مفكر في مصير من سبقه من المنافقين الزنادقة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
سادسًا: التذبذب والمراوغة والتلون، فالمنافق حائر يخشى إن يعلن الكفر فيقتله المسلمون، أو تتضرر مصالحه بينهم، ويخشى أن ينتصر الكفار فيقتل أو تتضرر مصالحه من قبلهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣].
سابعًا: احتقار الذات والانهزامية، والشعور بالنقص أمام الكفار، فالمنافق يشعر أن عموم الكفار أفضل منه، ولهذا فهو يقلدهم في جميع الأمور حتى
стр. 1109
في الأمور التي يعلم ضررها عليه، وهذا منتهي الذلة والضلال، والضياع والخسران: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
ثامنًا: قلة الحياء، وسلاطة اللسان، وشدة الخوف: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾ [الأحزاب: ١٨ - ١٩].
وقد حرم الله ورسوله كل قول أو فعل يؤدي إلى الشرك الأكبر، أو يكون سبب في وقوع المسلم فيه، وحما رسول الله ﷺ جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه أو يخدشه حمايةً محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد، لأن من سار على الدرب وصل، ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من المباح إلى الصغائر إلى الكبائر إلى الردة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
стр. 1110
١٠ - الخزانة العاشرة
وسائل الشرك:
الوسائل التي توصل إلى الشرك بالله كثيرة جدًا، وأهمها:
أولًا: الغلو في الصالحين، فالغلو محرمٌ على وجه العموم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧].
والغلو في الصالحين أول وأعظم سببٍ أوقع بني آدم في الشرك الأكبر، كما قال النبي ﷺ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» أخرجه ابن ماجة (١).
ومن الغلو المحرم في حق الصالحين، والذي يوصل إلى الشرك، المبالغة في مدحهم كما يفعل كثيرُ من الرافضة، وقلدهم في ذلك كثيرُ من الصوفية، نسأل الله لهم الهداية إلى التوحيد الخالص: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
وبسبب غلوهم هذا وقع كثير من الطائفتين في الشرك الأكبر، وذلك باعتقاد بعضهم أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، ويسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم ينفعون ويضرون، ويعلمون الغيب، وقد أدى بهم هذا الغلو إلى الشرك في الألوهية أيضًا، فدعوا الأموات من دون الله، ومن أضل ممن يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره، وقد حذر النبي ﷺ من الغلو في مدحه، فكيف بمدح غيره؟!.
стр. 1111
قال ﷺ «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ ورسوله". أخرجه أبو داود (١).
ثانيًا: تصوير الأولياء والصالحين، وأول شرك وقع في الأرض سببه الغلو في الصالحين بتصويرهم كما حصل من قوم نوح ﷺ : ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤].
ولا شك أن تصوير كبار العلماء وعظمائهم، ومشاهير الصالحين، أعظم شر في إيقاع الجهال في الغلو والشرك من وضع الأنصاب والأوثان في مجالسهم.
والتصوير منشأ الوثنية، لأن تصوير المخلوق ذي الشأن العظيم تعظيمٌ له، وسبيلُ للتعلق به، كما حصل من قوم نوح، وفي التصوير فتحُ لباب نصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله، وفتح في هذا الزمان لباب الفتن والفساد، لهذا حرم الله ورسوله التصوير لكل ذي روح بجميع أنواعه في نصوصٍ قطعية كثيرة.
قال النبي ﷺ «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ تُعَذِّبُهُ فِي جهنم". متفق عليه (٢).
وقال النبي ﷺ «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ المصورون". متفق عليه (٣).
стр. 1112
ثالثًا: التبرك البدعي.
التبرك ينقسم إلى قسمين:
الأول: تبرك مشروع.
وهو طلب البركة، وهي كثرة الخير وزيادته، وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلبًا للثواب عليها، فالتبرك هو ما يرجو المسلم من الأجور على فعل الطاعات كقراءة القرآن، والصلاة في المسجد الحرام ونحو ذلك من الأمور المشروعة، فيرجو بركتها وثوابها.
الثاني: التبرك الممنوع، وهو قسمان:
الأول: تبرك شركي:
وهو إن يعتقد الإنسان في مخلوق أنه يهب البركة بنفسه فيبارك في الأشياء بذاته استقلالًا، وهذا شركُ أكبر، لأن الله خالق البركة وواهبها وحده لا شريك له، فطلبها من غيره، واعتقاد إن غيره يهبها بذاته شركً أكبر، وقد قال النبي ﷺ : «البَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ». أخرجه البخاري (١).
فالبركة كلها من الله وحده: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
الثاني: تبرك بدعي.
وهو التبرك بما لم يرد دليلُ شرعيُ على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه البركة، وهذا محرم، لأن فيه عبادة محدثة لا دليل عليها، ولأنه جعل ما
стр. 1113
ليس سببًا سببا، ولأنه يؤدي إلى الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
• أقسام التبرك البدعي:
التبرك البدعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: التبرك بالأولياء والصالحين.
بالتمسح بهم، ولبس ثيابهم، والشرب بعد شربهم، طلبًا للبركة، وكذا تقبيل قبورهم، والتمسح بها، وأخذ ترابها، طلبًا للبركة، فلا يجوز لأحدٍ التبرك بالأولياء والصالحين لعدم مشروعيته، أما التبرك بجسد وآثار النبي ﷺ كشعره وعرقه وثيابه ونحو ذلك فمشروع، أما التبرك بكل ما سواه فغير مشروع، لعدم ورود الشرع به، ولم يفعله أحدُ من الصحابة: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الثاني: التبرك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.
مثل الأماكن التي مر بها النبي ﷺ أو تعبد لله فيها اتفاقًا من غير قصد، كغار حراء، وجبل ثور، وجبل عرفات، والمساجد السبعة قرب الخندق في المدينة، ومكان مولده ﷺ في مكة، وغير ذلك من الأماكن، فلا يجوز للمسلم قصد زيارة مثل هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز له مسح شيء منها للبركة ونحو ذلك.
ومثل التبرك ببعض الأحجار والأشجار والأعمدة والآبار والعيون التي يظن بعض العامة إن لها فضل، فيغلون ويتبركون بها ويتمسحون بها، طلبًا
стр. 1114
للبركة، أو يغتسلون بماء هذا البئر أو العين أو النهر فربما أدى بهم غلوهم هذا إلى عبادتها واعتقاد إنها تضر وتنفع بذاتها، وهذا كله محرم ولا يفعله إلا الجهال، لأنه إحداث لعبادات ليس لها أصل في الشرع، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الثالث: التبرك بالأشياء والأماكن الفاضلة.
فالأماكن كالكعبة والمساجد الثلاثة، والأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، ويوم الجمعة، والأشياء كماء زمزم، وسحور الصائم، والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها فقط، وفيما سوى ذلك يكون التبرك بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، أو يتمسح بمقام إبراهيم، أو بجدران الكعبة، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو أعمدتها ونحو ذلك، فهذا كله محرم، ومن البدع المحدثة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (١).
стр. 1115
• أقسام الشرك:
الشرك قسمان:
الأول: شرك أكبر.
الثاني: شرك أصغر.
فالشرك الأصغر هو ما سماه الشارع شركًا، ولم يصل إلى الشرك الأكبر، ينقص التوحيد، لكنه لا يخرج من الملة، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر وحكم فاعله حكم عصاة الموحدين، ولا يحل دمه ولا ماله.
والشرك الأكبر محبطٌ لجميع الأعمال، أما الشرك الأصغر فيحبط العمل الذي قارنه.
ولم يرد لفظ الشرك في القرآن إلا ويراد به الأكبر، أما الأصغر فقد ورد في السنة المتواترة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال النبي ﷺ «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». أخرجه مسلم (١).
• أقسام الشرك الأصغر:
الشرك الأصغر ينقسم إلى أقسامٍ كثيرة وأهمها ما يلي:
الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية ومن أمثلته يسير الرياء.
والرياء هو أن يظهر الإنسان العمل الصالح، ويحسنه عند الناس ليعظموه ويمدحوه، والرياء أنواعُ كثيرة كالمرائي بالأقوال ليقال عالمُ أو فقيهُ، والمرائي بالأعمال ليقال عابدُ أو شجاعُ أو كريم، والمرائي بالهيئة واللباس
الثالث: الاعتماد على الأسباب فقط.
فمن اعتقد أن السبب ينفعه من دون الله فقد وقع في الشرك الأكبر، ومن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو الذي ينفع ويضر، فقد وقع في الشرك الأصغر، والواجب على الإنسان فعل الأسباب بجوارحه، مع توكله على الله بقلبه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
الرابع: التطير.
وهو التشاؤم بمريءٍ أو مسموعٍ، أو زمانٍ أو مكانٍ، أو حال ونحو ذلك، فمن حمله ذلك على فعل ما يريد تركه، أو ترك ما يريد فعله، فقد تطير، ووقع في الشرك الأصغر ويستثنى من ذلك الفأل الحسن فانه مستحب.
الثاني: الشرك في الأفعال، وأنواعه كثيرة.
ومن أمثلته التمائم الشركية، وهي كل ما يعلق على الأطفال والمرضى والبهائم وغيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه، وهذا كله شركُ أكبر إذا اعتقد إنها تنفع بذاتها من دون الله، وإن اعتقد إن الله هو النافع الشافي، لكن تعلق قلبه بها في دفع الضرر فهذا شرك أصغر لاعتماده على الأسباب.
الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال، وهو أنواعُ كثيرة.
ومن أمثلته، الحلف بغير الله، فإن قصد به تعظيم المحلوف به كتعظيمه لله فهذا شرك أكبر، وإن كان دون ذلك فهو شركُ أصغر، كما قال النبي ﷺ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ». أخرجه الترمذي وأبو داود (١).
стр. 1118
الثاني: التشريك بين الله تعالى وأحدٌ من الخلق بالواو.
كقول ما شاء الله وشئت، أو ما لي إلا الله وأنت، فهذا شركُ أكبر، فإن اعتقد إن الله هو الخالق وحده، والمخلوق مباشرُ للأمر، فهذا شركُ أصغر، كما قال النبي ﷺ «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». أخرجه أحمد أبو داود (١).
ثالثًا: الاستسقاء بالنجوم.
وهو ان يطلب من النجم أن ينزل الغيث، أو ينسب الغيث إلى النجم، فمن اعتقد أن النجم هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله، فهذا شركُ أكبر، وإن اعتقد أن الله هو الذي ينزل الغيث، ولكن الله جعل النجم سببًا في نزول الغيث، فهذا شركُ أصغر، لأنه جعل ما ليس سببًا سببا.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨].
الرابع: ومن الشرك الأصغر التسمي بأسماء فيها تعبيدُ لغير الله، كعبد الرسول، وعبد الكعبة ونحو ذلك.
والشرك الأصغر قد يكون أكبراً على حسب ما يكون في قلب صاحبه، فيجب على المسلم حفظ توحيده، والحذر من الشرك مطلقًا الأكبر والأصغر، فالشرك ظلمُ عظيم وتنقص لرب العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣].
стр. 1119
موسوعة خزائن العلوم الاسلامية
٦ - خزائن التوحيد
القسم الثاني
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 1120
٦ - خزائن التوحيد
القسم الثاني
١ - الخزانة الأولى
• الأمور التي تنافي كمال التوحيد:
هناك أقوالُ وأفعال مترددة بين الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، بحسب ما يقوم بقلب فاعلها، وما يصدر عنه، وهي تنافي كمال التوحيد، أو تعكر صفاءه، وقد حذر الشرع منها، ومن تلك الأمور التي يجب الحذر منها:
الأول: لبس الحلقة والخيط ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه وذلك شرك لما فيه من التعلق بغير الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
الثاني: تعليق التمائم على الأولاد، سواء كانت من خرز أو عظامٍ أو كتابة، وذلك اتقاءً للعين، وذلك شرك لما فيه من التعلق بغير الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثالث: التطير والتشاؤم بالطيور أو الحيوانات أو الأشخاص أو البقاع أو الأيام أو الألوان ونحوها، وذلك شرك لكونه تعلقٌ بغير الله باعتقاد حصول الضرر من مخلوقٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وهو من إلقاء الشيطان ووسوسته، وهو ينافي التوكل على الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 1121
الرابع: التبرك بالأشجار والآثار والقبو ونحوها، وطلب البركة ورجائها واعتقادها في تلك الأشياء شرك، لأنه تعلقُ بغير الله في حصول البركة، والبركة بيد الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فبيده وحده سبحانه مقاليد الأمور، وغيره ليس بيده شيء.
وفي جميع ما سبق إذا اعتقد أن هذه الأشياء تستقل بالتأثير دون الله، فهو شركُ أكبر، وإن أعتقد إنها سبب ولا تستقل بالتأثير فهو شركُ أصغر.
الخامس: السحر، وهو ما خفي ولطف سببه، وهو عبارة عن عزائم ورقى وكلام يتكلم به الساحر، وأدوية تؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض الإنسان أو يقتل أو يفرق الساحر به بين المرء وزوجه، وهو عملُ شيطاني.
والسحر شرك، لما فيه من التعلق بغير الله من الشياطين، ولما فيه من أدعاء علم الغيب، ومن ضروب السحر، السيرك الذي يعرض في بعض المسارح والقنوات، فيحرم فعله، ومشاهدته، وبذل المال من أجله والتكسب به، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
السادس: الكهانة، وهي ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض استنادًا للشياطين، وذلك شرك، لما فيه من التقرب لغير الله ودعوة مشاركة الله في علم الغيب، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ». أخرجه الحاكم بسندٍ صحيح (١).
السابع: التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كاعتقاد حصول الخير أو الشر بطلوع النجم الفلاني، أو حدوث
стр. 1122
الأمراض والوفيات بخروج النجم الفلاني، أو تغير الأسعار بظهور النجم الفلاني، فهذا كله شرك أكبر، لما فيه من أدعاء علم الغيب، ونسبة الشريك لله ، لأن عالم الغيب والشهادة هو الله : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦].
إما الاستدلال بالنجوم على معرفة المصالح الدينية، كمعرفة جهة القبلة فهذا مطلوبُ شرعًا، إما الاستدلال به على الحوادث الأرضية التي نصب الله لها أمارات تعرف بها كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد ومعرفة الجهات والفصول ونحوها، فهذا جائز لأن الله جعل لكل شيء سببًا وعلامة تدل عليه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
الثامن: الاستسقاء بالنجوم، وهو عبارة عن نسبة نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، كأن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا، فينسب نزول المطر إلى الكوكب لا إلى الله، فهذا شرك، لأن نزول المطر بيد الله لا بيد الكوكب ولا غيره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨].
التاسع: نسبة النعم إلى غير الله، فكل نعمة في الدنيا والآخرة من الله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فمن نسبها إلى غير الله فقد كفر وأشرك بالله، كمن ينسب نعمة حصول المال أو الشفاء إلى فلان أو فلان، أو ينسب نعمة السير والسلامة في البر والبحر والجو إلى السائق والملاح والطيار، أو ينسب نعمة حصول النعم،
стр. 1123
واندفاع النقم إلى جهود الحكومات، أو الأفراد، أو العلم، أو حسن التخطيط ونحو ذلك.
فيجب نسبة جميع النعم إلى الله وحده لا شريك له وما يجري على يد بعض المخلوقين إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وقد تنفع وقد لا تنفع.
العاشر: التصوير من أعظم أسباب الشرك بالله.
فتصوير كل ذي روح محرم، بل هو من كبائر الذنوب، وله آثاره البالغة المشينة في إفساد الدين والخلق قديمًا وحديثًا، فقديمًا التصوير هو سبب أول كفر وقع في الأرض، وهو تصوير بعض الصالحين من قوم نوح، وهم ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا بقصدٍ حسنٍ، ليراهم الناس، ويتذكروا عبادتهم، فينشطوا للعبادة، ثم طال الزمن فعبدوهم من دون الله، فأول جناية شركية على التوحيد في الدنيا كانت بسبب التصوير، فليحذر العبد ذلك.
وحديثًا التصوير الآن سبب فساد الدين، وضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق، بتصوير النساء عاريات متبرجات، وعرضهن أمام غرائز الرجال، ليفسدوا دينهم وأخلاقهم، وقد عم هذا البلاء وطم، وهذا أعظم جناية على الدين والأخلاق: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ودرء المفاسد مقدمُ على جلب المصالح، وما أفضى إلى المحرم فهو محرم فكيف إذا كان هو محرم، بل هو من الكبائر، ثم أفضى إلى محرم،
стр. 1124
وكيف وقد لعن الله المصورين؟ وكيف وقد توعد الله المصورين بأشد العذاب؟ وكيف هو إذا كان فاعله مخالف لأمر الله ورسوله؟.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال النبي ﷺ «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ». متفق عليه (١).
وقال ﷺ «قال الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً». متفق عليه (٢).
• أقسام الكفر الأصغر:
من منقصات التوحيد الكفر الأصغر، وهو كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفرًا، ولم تصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويسمى كفرٌ دون كفر، أو كفر النعمة، وهذا الكفر محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، لأنه من أعمال الكفار التي حرمها الإسلام، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام.
• وينقسم الكفر الأصغر إلى أقسام:
الأول: كفر النعمة والحقوق، وذلك بأن لا يعترف العبد بنعمة الله عليه، أو ينكر معروفاً أسداه إليه أحد المخلوقين، كما قال ﷺ «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». متفق عليه (٣).
وعن ابن عباس ﵁ ما قاله قال النبي ﷺ : «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ
стр. 1125
الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». متفق عليه (١).
الثاني: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، كما قال النبي ﷺ : «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ». أخرجه مسلم (٢).
الثالث: انتساب الإنسان لغير أبيه، كما قال النبي ﷺ : «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ». أخرجه مسلم (٣).
ومن منقصات التوحيد النفاق الأصغر، وهو أن يظهر الإنسان أمرًا مشروعًا ويبطن أمرًا محرمًا يخالف ما أظهره، ويسمى النفاق العملي، أو نفاقُ دون نفاق.
والنفاق الأكبر أن يظهر العبد الإسلام، ويبطن الكفر، ويسمى النفاق الاعتقادي المخرج من الملة.
والنفاق الأصغر هو النفاق في الأعمال ونحوها، وصاحبه لا يخرج من ملة الإسلام، لكنه عاصٍ لله ورسوله، فعليه التوبة منه، لئلا يفضي به إلى النفاق الأكبر: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
ومن النفاق الأصغر العمل، كما قال النبي ﷺ «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى