وعن أوزار الشبهات: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
فأول الصورة ثناء على الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأوسطها عبادة الله، وختامها طلب الهداية من الله، وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية إلى الدين، وأن جنة المعرفة أفضل من جنة الآخرة، لأن جنة الآخرة ثمرة جنة المعرفة في الدنيا، ولأن الله ختم أعظم سورة في القرآن بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
ولم يقل: ارزقنا الجنة.
ولهذا سميت هذه السورة، سورة الفاتحة وأم الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني، لاشتمالها على المطالب الكبرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
فسورة الفاتحة مشتملة على أعظم المطالب، وهي العلم بالله وأسمائه وصفاته، وأفعاله والثناء عليه، والقيام بعبادته، وطلب هدايته، وثمرة ذلك معرفة عزة الربوبية، ومعرفة ذلة العبودية، وعبادة الله بموجب هذه المعرفة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
стр. 1332
والعلوم أقسام كما أن المياه أقسام:
المياه أربعة:
ماء المطر .. وماء السيل .. وماء القناة .. وماء العين.
وكذا العلوم مثلها أربعة أقسام:
الأول: علم التوحيد والإيمان كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر.
الثاني: وعلم الفقه يزداد بالاستنباط، كما أن ماء القناة يزداد بالحفر.
والثالث: علم الزهد كماء المطر ينزل من السماء صافيًا، ويتكدر بغبار الهواء، وكذا علم الزهد صافيًا يتكدر بالطمع.
الرابع: علم البدع كماء السيل الجارف، يميت الأحياء ويهلك الخلق، فكذا البدع: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: ١٧].
стр. 1333
٤ - الخزانة الرابعة
الإيمان بالله :
يقتضي التصديق بكل ما أخبر به، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وكذا الإيمان بالرسول ﷺ يقتضي تصديق كل ما أخبر به، وفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
وللنهي في الشريعة الإسلامية ستة أحوال:
أحدها: أن ينهى الله أو رسوله عن الشيء لما فيه من الهلاك والخسارة المطلقة، كالنهي عن الكفر والشرك والمعاصي ونحوها: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
ثانيًا: أن ينهى لما فيه من الأضرار العظيمة كالربا والزنا والخمر والميسر ونحوها من المحرمات، كما قال : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
الثالث: أن ينهى عن الشيء لاختلال ركن من أركانه، أو شرطًا من شروطه، كالنهي عن الصلاة في المزبلة أو المجزرة، والنهي عن الصوم يوم العيد، ونهي المحرم عن النكاح والانكاح، وكذا النهي عن بيع الغرر، وبيع ما لم
стр. 1334
يقبض، وبيع الثمار حتىيبدوا صلاحها: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١].
الرابع: أن ينهى عن الشيء لاقتران مفسدة به، كالنهي عن التطهر بالماء الطاهر المغصوب، فالنهي ليس لعينه، وإنما لاستمرار غصبه، والنهي عن التطهر بما يخاف منه التلف لشدة حره أو شدة برودته، فالنهي ليس لعينه، وإنما لما يقترن به من خوف التلف، والنهي عن الصلاة بالدار المغصوبة ليس لعينها؛ لأنها طاهرة وإنما لما اقترن بها من الغصب، والصلاة لا يصح النهي عنها، لأنها مصلحة عظيمة.
الخامس: النهي لفوات فضيلة في العبادة فلا يقتضي الفساد، كالنهي عن الصلاة عند مدافعة الأخبثين لما فيه من تشويش الخشوع الذي هو روح الصلاة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
والمشغول بنفسه لا يخشع في صلاته لربه، وكذا نهي الحاكم أن يقضي في حال الغضب الشديد، أو الألم الشديد احتياطًا للحكم.
السادس: أن ينهى عما يتردد بين الإخلال بالأركان والشروط، أو لاقتران المفسدة، كالنهي عن صوم يوم الشك، وأيام التشريق، والنهي عن الصلاة في أوقات النهي، فالنهي عنه هل هو لعينه أو لأمرًا يقترن به: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
فقه الاجتهاد:
الاجتهاد هو بذل الجهد والطاقة في معرفة ما يجهل من الأحكام الشرعية، وأعظم أنواع الاجتهاد هو بذل الجهد في معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه وأوامره وشرعه ووعده ووعيده، والدعوة إليه وتعليم شرعه.
стр. 1335
وثمرة هذا الاجتهاد أعظم الثمرات من حصول الهداية، وإخلاص التوحيد، وكمال الإيمان والتقوى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
ثم يلي ذلك بذل الجهد والطاقة لمعرفة الأدلة الدالة على مطلوب المجتهد.
وهو أقسام:
الأول: الاجتهاد في معرفة أدلة الأحكام، ويختص به من عرف أدلة الأحكام من القرآن والسنة والإجماع والقياس بصيرًا كان أو أعمى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
стр. 1336
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الثاني: الاجتهاد في معرفة الأوقات كأوقات الصلوات الخمس ورؤية الهلال، ويختص به البصراء غالبًا، لأن معظم أدلتها مختص بالمبصرات.
الثالث: الاجتهاد في معرفة القبلة عند التباسها، ويختص بها البصراء؛ لأن معظم أدلتها مختص بالمبصرات.
الرابع: الاجتهاد في معرفة الخرس الشرعي، كخرس الثمار والزروع ونحوها، ويختص بها أهل الخبرة من البصراء.
الخامس: الاجتهاد في معرفة الطاهر من النجس عند الالتباس، سواء كان من الأواني أو الثياب أو الأعيان، ويختص به أهل المعرفة من البصراء أو العمي، لأن النجاسة تدرك بالبصر وبالطعم والرائحة.
السادس: الاجتهاد في معرفة المماثلة بين الأشياء والنعم، ويختص بها أهل الخبرة والمعرفة من البصراء.
السابع: الاجتهاد في معرفة أصلح المصالح، وأفسد المفاسد وهو عام في جميع الولايات والتصرفات، كالاجتهاد في مصالحة الكفار أو محاربتهم، والاجتهاد فيما يقدم في الولايات من الناس، وتقديم الأصلح فالأصلح من الولاة والقضاة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
стр. 1337
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
الثامن: الاجتهاد في قيم المتلفات، ويخص به أولو المعرفة والخبرة في معرفة الصفات، وقيام الأموال والأعيان في مختلف الأماكن والأزمان: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
أحوال المجتهد:
إذا اجتهد المجتهد فله أحوال:
إحداها: أن يؤديه اجتهاده إلى العلم بمطلوبه، فهذا في أعلى الرتب لما فيه من نفع نفسه ونفع الأمة.
الثانية: أن يتبين للمجتهد أنه أخطأ مطلوبه.
فهذا له حالتان:
الأولى: أن يتيقن أنه أخطأ، فإن كان في أحكام الشرع بأن يعرف أن حكمه وفتياه مخالفان للنص أو الإجماع أو القياس، فحكمه باطل لمخالفة قواطع الأدلة، وإن كان خطأه في النجاسات، فإن تبين له أنه اغتسل أو توضأ بماء نجس فإنه يلزمه الإعادة، ولا إثم عليه لأن الطهارة لا تحصل بالماء النجس مطلقًا.
الثانية: أن يتبين خطأه بالاجتهاد الظني بالاجتهاد الظني، فإن كان في غير الأحكام كالعبادات والمعاملات، فالورع العمل بالاجتهاد الثاني، لقول النبي ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ» أخرجه أحمد (١).
стр. 1338
وإن كان في أحكام القاضي فلا ينقض الحكم بمثل ذلك لما في ذلك من الضرر العام لأن الأحكام لو نقضت لما استقر حكم شرعي، ويفضي ذلك إلى تضرر المحكوم له والمحكوم عليه باجتهاد ظني.
الثالثة: أن يتحير المجتهد ولا يظهر له مقصوده.
وهذا له أحوال:
الأول: تعارض أدلة الأحكام فيجب التوقف.
الثاني: أن يتحير في مياه الأواني ولا يظهر له أيهما الطاهر، فيتركهما ويتمم.
الثالث: أن يتحير في الثياب، ويتعذر معرفة الطاهر منهما، فيتركهما معًا ويصلي عريانًا.
الرابع: أن يتحير دخول وقت الصلاة، فيتأخر حتى يتيقن دخول وقت تلك الصلاة.
الخامس: إذا تحير في معرفة القبلة في الصحراء صلى إذا ما ترجح لديه.
السادس: إذا تحير في معرفة القيمة وجب التوقف.
السابع: إذا تحير السجين في معرفة دخول رمضان، بنى على غالب ظنه، وصح صومه إذا وقع بعد رمضان لا قبله، فيصح صومه إذا وقع في رمضان أو بعده لا قبله.
موانع صحة العبادات والمعاملات قسمان:
الأول: ما يمنع الصحة في الابتداء والدوام وهو أنواع:
أحدها: الكفر.
وهو مانع من ابتداء العبادة ودوامها، لأن الله لا يقبل العمل إلا من مؤمن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 1339
الثاني: الردة، تمنع صحة النكاح ابتداءً ودوامًا.
الثالث: المحرمية، تمنع من ابتداء النكاح ودوامه.
الرابع: الرضاع، يمنع من ابتداء النكاح ودوامه.
الثاني من الموانع: ما يمنع الابتداء ولا يمنع الدوام وهو أنواع:
أحدها: الإحرام، فإنه يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع الدوام.
الثاني: العدة، فإنها تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع الدوام.
الثالث: رؤية الماء، مانع من ابتداء الصلاة بالتيمم وغير مانع إذا رآه في الصلاة.
الرابع: وجود الرقبة في صوم كفارة الظهار، وقتل الخطأ مانع من ابتداء الصوم وغير مانع من دوامه.
стр. 1340
٥ - الخزانة الخامسة
الفقه في الدين من أعظم الأعمال، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (١).
فإذا تفقه في الدين نفع نفسه وعمل بموجب ذلك الفقه، وعلم غيره ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
والأفعال التي تتعلق بها الأحكام ضربان:
الأول: ما هو حسنُ في ذاته، حسن في ثمراته.
وذلك كالعلم بالله وأسماءه وصفاته وأفعاله، والإيمان بذلك، والتعبد لله بموجب ذلك، فهذا أحسن ما كلف الله به الإنسان وهو أفضل من ثمراته التي هي الخلود في الجنان والزحزحة عن النيران: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
стр. 1341
الثاني: ما هو قبيحًا في ذاته قبيحُ في ثمراته؟.
كالجهل بالله ودينه وشرعه، والجهل بما يجب من المعرفة والإيمان بالله، فهذا ثمرته الخلود في النار والحرمان من الجنة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢].
ومن الأفعال ما هو متحد في حقيقته وذاته ولكنه ينهى عنه تارة لقبح ثمراته، ويؤمر به تارة لحسن ثمراته، ويباح تارة لمصلحة الإقدام عليه أو الإحجام عنه.
ولذلك أمثلة:
أحدها: القتل وهو ثلاثة أقسام باعتبار ثمراته لا باعتبار ذاته، لأن ذاته إفساد وإتلاف.
فالأول: قتل حسن لحسن ثمراته، كقتل من يجب قتله من الكفار والطغاة والمسلمين، أما قتل الكافر فلما فيه من محو الكفر الذي هو من أفسد المفاسد ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠].
стр. 1342
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
الثاني: قتل المسلمين حرام لقبح ثمراته، لما فيه من العدوان بغير حق: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢].
الثالث: قتل في القصاص من الجناة، فهذا حسنه لحسن ثمراته: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
أكساب الإنسان أربعة أقسام:
أكساب القلوب .. وأكساب الحواس .. وأكساب الأقوال .. وأكساب الأفعال.
أما أكساب القلوب فهي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يكون إلا حسنًا ويؤمر به لذاته، لحسنه في نفسه، وحسن ثمراته، كمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة ما يجب له من التوحيد والإيمان والعبادة، والإيمان بذلك والعمل بموجب ذلك، وهذا أعلى أنواع الكسوب، وأشرفها وأفضلها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 1343
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: ما لا يكون إلا قبيحًا، وينهى عنه لذاته، لقبحه في ذاته، وقبح ثمراته، وذلك كالجهل بالله، وما يجب له من أوصاف الجلال والجمال والمحبة والتعظيم، وثمراته أقبح الثمرات من الكفر والشرك والشك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
الثالث: ما يختلف حسنه وقبحه باختلاف متعلقة، فلا ينهى عنه، ولا يؤمر به، ولا يؤذن فيه لذاته، وإنما ينهى عنه لما يقترن به من مفاسد التحريم أو الكراهية، ويؤمر به لما يقترن به من مصالح الإيجاب أو الندب، ويؤذن فيه لمصالح الإباحة.
стр. 1344
فالعزوم والقصود مثلًا تختلف أحكامها باختلاف أحكام المعزوم عليه والمقصود، وكذلك التمني والندم، والحب والبغض، والفرح والحزن، كل ذلك تختلف أحكامه باختلاف متعلقة، وكذلك التذكر والتفكر، والصبر والرضا، والجزع والخوف، والرجاء والتعظيم، كل ذلك تختلف أحكامه باختلاف المتفكر فيه، والمصبور عليه، والمرضي به وهكذا.
القسم الثاني: أكساب الحواس الخمس وهي:
النظر .. والاستماع .. والشم .. والذوق .. واللمس.
فهذه حقائق متحدة، وتختلف أحكامها باختلاف متعلقاتها في الحسن والقبح، والحلال والحرام، فالنظر في آيات الله الكونية وآياته الشرعية واجب: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وهكذا فالنظر إلى العورات مثلًا حرام، والنظر إلى السوءات أشد حرمة، والنظر إلى عورة الزوجة مباح، والنظر إلى سوأتها مكروه، ونظر الإنسان إلى سوءة نفسه مكروه، ونظر الرجل للحراسة في سبيل الله.
أو إلى حراسة ما استؤجر علي حفظه، أو إلى قراءة ما تجب قراءته من الرسائل واجب، والنظر إلى صور الملاح الحسان المشتهيات المحرمات لم ينهى عنه لحسن متعلقة، وإنما نهي عنه لما يؤدي إليه من الفساد والفتنة وغير ذلك.
وأما النظر المباح فكثير، ومثل ذلك يقال في بقية الحواس.
стр. 1345
القسم الثالث: أكساب الأقوال وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يؤمر به لذاته، لحسنه في نفسه وصلاحه، كالإقرار بشهادة التوحيد، والأذان، والإقامة، والأذكار، والأدعية، وقراءة القرآن ونحو ذلك.
والقرآن بعضه أفضل من بعض، فإن كلام الله عن الله، أعظم وأفضل من كلامه عن إبليس وفرعون كما أن كلامنا عن الله أفضل وأعظم من كلامنا في غيره.
ولذلك كانت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
تعدل ثلث القرآن، وآية الكرسي أعظم آية في القرآن، والفاتحة أعظم سور القرآن.
وإذا نهي عن قراءة القرآن في الحش أو للجنب، فليس لذات القرآن لحسنه وشرفه، وإنما لما اقترن به من سوء الأدب، لأن الذاكر والقاري جليس الرحمن فلا ينبغي له أن يجالس ويخاطب ربه العظيم في مكان قبيح أو حالًا قبيحة.
الثاني: ما ينهى عنه لذاته، لقبحه في نفسه وفساده، كجحد اللسان بجميع ما يجب الإيمان به، أو كلامه بما نهى الله عنه من التعظيم في الكفر، أو الشرك، أو المعاصي ونحو ذلك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
الثالث: ما تختلف أحكامه باختلاف المقول فيه صلاحًا وفسادًا، كالجهر والسر، فهما حقيقتان متحدتان، وتختلف أحكامهما حسب متعلقاتهما، فالجهر مثلًا يجب في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 1346
المنكر، وخطب الجمعة، والأعياد، والأذان، والإقامة ونحو ذلك، ويحرم الجهر في قبيح الأقوال والأعمال، وهتك الأستار، وكشف الأسرار.
وكذلك الإسرار حقيقة متحدة، فيندب إليه في الصلوات السرية والأدعية والأذكار، وإسرار الصدقات، ويحرم في مواطن كثيرة، ويحرم حيث يجب الإظهار في الأقوال والأعمال.
وأما السب فضار مؤلم قبيح، وإذا لم تتعلق به مصلحة، فهو منهي عنه، والمصلحة كجرح الشهود، والدعاء على الظلمة ونحو ذلك.
الرابع الأفعال وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: ما هو حسنًا في صورته، فيؤذن فيه، أو يؤمر به لذاته أمر إيجاب أو استحباب، كالإصلاح الفعلي، كالإطعام والإحسان ونحو ذلك: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
الثاني: ما هو قبيح في صورته، فينهى عنه لعينه، نهي تحريم أو كراهية، وذلك كالإفساد الفعلي كالقتل والزنا.
стр. 1347
الثالث: ما يختلف حكمه باختلاف ما يختلف به من المصالح والمفاسد، كالأكل والشرب والركوع والسجود، والإكراه والاختيار، والقطع والرجم، فكل هذه حقائق متحدة، وإنما تباح أو يندب إليها أو تجب لما يقترن بها من المصالح، وينهى عنها إذا تجردت من المصالح، أو اقترن بها من المفاسد المقتضية للكراهة أو التحريم.
وزواجر الشرع قسمان:
الأول: مقدر.
لا تجوز الزيادة فيه ولا النقص منه، لكن يجوز تخفيفه وتأخيره بالأعذار
الثاني: تعذيرات.
وهي غير محددة، وهي مقرونة بما يحصل من المصلحة، وما يندفع بها من المفسدة، وتختلف مقاديرها وتعيين جنسها باختلاف مصلحة الزجر بها، وقد شرع الله في كل تصرف من التصرفات ما يحصل مقاصده، ويوفر مصالحه، ويدرأ مفاسده.
والتصرفات من حيث اللزوم وعدمه أنواع:
الأول: ما تتم مصالحه ومقاصده إلا بلزومه.
كالبيع والإجارة والنكاح والوقف والضمان والهبات وغيرها من الأحكام، فلو لم تكن هذه الأمور لازمة من الطرفين، لم يحصل الانتفاع من كل واحدًا بما سار إليه من بيع أو إجارة، إذ لا يأمن من فسخ صاحبه.
الثاني: ما تكون مصلحته في جوازه من طرفيه.
كالشركة والوكالة والوصية، والجعالة، والوديعة، والعارية، والقرض.
стр. 1348
الثالث: ما تكون مصلحة التصرف فيه في جوازه من أحد طرفيه ولزومه من الطرف الآخر.
كالرهن والكتابة، وإجارة المشرك حتى يسمع كلام الله، وعقد الجزية، فالرهن مثلًا لازم في حق الراهن، والكتابة لازمة في حق السيد، والإجارة لازمة من جهة المسلمين، والعفو عن القصاص والعقوبات لازم، وكذلك الإبراء من الديون، وكذلك قسمة التراضي بين طرفين لازمة لا تقبل الجواز.
فالحمد لله على حسن هذا الدين العظيم وجمال أحكامه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
فقه العلم بأوامر الله:
ما يوجب الضمان: يوجب الضمان بأربعة أشياء وهي:
اليد .. والمباشرة .. والتسبب .. والشرط.
فاليد: كالمغصوب، واليد الضامنة من غير غصب.
والمباشرة: وهي إيجاد علة الهلاك، كالذبح والإحراق والإغراق، والحبس مع المنع عن الطعام والشراب، والخداع للغير بأكل السموم المهلكة.
والتسبب: هو إيجاد علة المباشرة، كإكراه الغير على القتل، أو الشهادة زورًا، وهو موجب للقصاص والضمان على المكره، لأن المكره كالآلة بيد المكره.
والشرط: وهو إيجاد ما يتوقف عليه الإتلاف، وليس بمباشرة ولا تسبب، كالممسك مع المباشر أو المتسبب، فهو لم يصدر منه شيء من أجزاء القتل، وإنما هو ممكن للقاتل من القتل.
стр. 1349
من تجب طاعته:
لا طاعة لأحد من الخلق إلا لمن أذن الله، أو أمر بطاعته كالرسل والأنبياء والعلماء والأئمة والولاة والقضاة والآباء والأمهات والسادات والأزواج والمستأجرين على الأعمال والصناعات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لما فيها من المفسدة العظيمة في الدارين، أو أحدهما، فمن أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، إلا أن يكره إنسانًا على أمر يبيحه الإكراه، فلا إثم على مطيعه بشرط ألا يضر غيره.
وقد تجب طاعة المكره لا لكونه آمرًا، بل دفعًا لمفسدة ما يهدده به من قتل أو قطع، أو جناية على عرض، واختص الإله سبحانه بالطاعة المطلقة لاختصاصه بنعم الإيجاد، والإمداد والهداية والإسعاد، فما من شيء من مصالح الدنيا والدين إلا وهو منعم به، وما من خير وشر، وما من ضرر وشرًا إلا وهو دافعه فله وحده الحكم وله الطاعة في كل حال، وله العبادة وحده لا شريك له ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
стр. 1350
درء الحدود بالشبهات:
الشبهات التي تدرأ بها الحدود ثلاثة أنواع:
الأول: شبهة في الفاعل، كمن وطئ امرأة يظنها زوجته أو مملوكته.
الثاني: شبهة في الموطوءة، كوطء الشركاء الجارية المشتركة بينهم.
الثالث: شبهة في السبب المبيح للوطء، كالنكاح المختلف في صحته.
فالشبهة الأولى: تدرأ الحد عن الواطئ لأنه غير آثم والنسب لاحق به، والمهر واجب عليه، والعدة واجبة على الموطوءة.
والشبهة الثانية: تدرأ الحد عن الواطئ؛ لأن ما فيها من ملكه يقتضي إباحة الوطء، وما فيها من ملك غيره يقتضي تحريم الوطء، فالشراكة فهذه المرأة المملوكة لا يبيح لواحد من الشركاء وطؤها، ولو قتل أحد الأولياء الجاني بغير إذن شركائه أثم ولم يقتص منه، ولا يأثم إثم من قتل من لا شركة له فيه.
والشبهة الثالثة: تدرأ الحد عن الواطئ لوجود التعارض بين أدلة التحريم والتحليل، فإن الحلال ما قام عليه الدليل على حله، والحرام ما قام الدليل على حرمته، وليس أحدهما أولى من الآخر، وإنما غلب درء الحدود مع تحقق الشبهة؛ لأن المصلحة الكبرى استبقاء الإنسان لعبادة الله التي خلق من أجلها.
والحدود أسباب مهلكة فلا تثبت إلا بيقين مقصود: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 1351
٦ - الخزانة السادسة
أهم الأصول والقواعد الشرعية:
مصادر الفقه الإسلامي أربعة:
القرآن .. والسنة .. والإجماع .. والقياس.
القرآن والسنة: هما أصل الأدلة الشرعية.
والإجماع: هو اتفاق علماء الأمة على حكم شرعي مبني على الكتاب والسنة، كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس.
والقياس: هو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما، ومثاله تحريم المخدرات قياسًا على تحريم الخمر لعلة الإسكار.
أقسام الأحكام الشرعية:
تنقسم الأحكام الشرعية إلى خمسة أحكام هي:
الأول: الواجب، وهو ما طلب الشرع فعله طلبًا جازمًا، يثاب فاعله امتثالًا، ويستحق العقاب تاركه كالصلوات الخمس.
الثاني: المستحب، وهو ما طلب الشرع فعله طلبًا غير جازم، يثاب فاعله امتثالًا، ولا يعاقب تاركه، كأنواع التطوع من صلاة وصيام وصدقات وأذكار ونحوها، ويسمى المندوب والمسنون والتطوع.
الثالث: المحرم وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا، ويثاب تاركه امتثالًا، ويستحق العقاب فاعله كالكفر والشرك والزنا والربا والظلم والبغي ونحو ذلك من الكبائر والمحرمات.
الرابع: المكروه وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمًا، يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله .. في الصلاة ونحوه.
стр. 1352
الخامس: المباح وهو ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته، وهو ما خير الله المسلم بين فعله وتركه، لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، كالأكل من أنواع الطيبات، وصيد البر والبحر، وأكل طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم.
وقد ينوي المسلم بفعل المباح للاستعانة به على طاعة الله فيؤجر، وقد يتوصل بالمباح إلى الخير فيلحق بالمأمورات، وقد يتوصل بالمباح إلى الشر فيلحق بالمنهيات: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
أقسام الأوامر الشرعية:
تنقسم الأوامر الشرعية من حيث الثبات والتغير إلى قسمين:
الأول: أحكام ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا اجتهاد الأئمة مثل الأحكام الواردة بالنص من القرآن والسنة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة شرعًا، وأركان الإسلام وغيرها.
الثاني: أحكام تتغير بحسب اقتضاء المصلحة لها زمانًا ومكانًا وحالًا، والمصالح والمنافع تتغير بتغير الزمان والمكان، والحال مثل العادات والأعراف ومقادير التعذيرات، وهذه أحكام اجتهادية لا تستند مباشرة على نصًا شرعي بل مصدرها عرف أو مصلحة سكتت عنها النصوص الشرعية، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 1353
حكم فعل الأوامر الشرعية:
أوامر الله مبنية على العدل والإحسان والرحمة والسماحة، فيؤدي العبد الأوامر الشرعية منها بقدر الاستطاعة، ويجتنب المنهيات مطلقًا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
وقال النبي ﷺ : «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» متفق عليه (١).
فقه أقوال النبي ﷺ وأفعاله:
إذا حث النبي ﷺ على أمر أو نهى عن شيء، ثم فعل خلافه، فهو لبيان الجواز، لكنه يواظب على الأفضل منه، فإذا حث النبي ﷺ على أمر أو نهى عنه في واقعة أخرى، ثم فعل خلافه، فهو لبيان الجواز، لكنه يواظب ﷺ دائمًا على الأفضل منه.
ومثاله، حث النبي ﷺ على الوضوء ثلاثًا، وتوضأ مرة ومرتين، وزجر عن الشرب قائمًا، وشرب قائمًا، وطاف بالبيت ماشيًا وراكبًا، ومشى حافيًا ومنتعلًا، فهذا وأمثاله كله لبيان الجواز، لكن الرسول ﷺ واظب على الأفضل منه وهو الوضوء ثلاثًا، والشرب جالسًا، والطواف ماشيًا، والمشي منتعلًا.
стр. 1354
والقول مقدم على الفعل، لأن الفعل مظنة الخصوصية، أما القول فهو قطعي بالعموم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
أهم الأصول والقواعد الشرعية في الفقه الإسلامي:
أن اليقين لا يزول بالشك، والأصل الطهارة في كل شيء، إلا ما دل الدليل على نجاسته، والأصل براءة الذمة إلا بدليل، والأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه، وأن المشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، وأن الواجبات لا تلزم إلا بعد العلم بها والتمكن من العمل بها.
وأنه لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة، وأن الواجبات تلزم المكلفين، وأن جميع الشروط في العبادات والمعاملات تعتبر حسب الإمكان، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويختار أعلى المصلحتين، ويرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم، وأن الحكم يدور مع علته ثبوتًا وعدمًا، والإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم.
والأصل في العبادات الحذر إلى ما دل الدليل عليه، والأصل في العادات والمعاملات الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، والأصل في الأوامر الشرعية الوجوب إلا إذا دل الدليل على الاستحباب أو الإباحة.
والأصل في النواهي الشرعية التحريم، إلا إذا دل الدليل على الكراهة، والأصل في المنافع الحل، والأصل في النجاسات والمضار الحرمة.
стр. 1355
كل عبادة مركبة من أجزاء فإنه لابد فيها من أمرين:
الترتيب والموالاة، كالوضوء والصلاة، والحج والعمرة وغيرها.
الفرق بين فرض الكفاية والعين:
أن فرض العين يتعلق بالعامل، كالصلوات الخمس والصوم ونحوهما.
وفرض الكفاية يتعلق بالعمل المطلوب فعله، كالأذان وتجهيز الميت ونحوهما، فإذا قام بتلك أحد سقط الإثم عن الباقين.
أفعاله ﷺ :
أفعال النبي ﷺ ثلاثة أقسام:
الأول: الفعل الجبلي المحض.
الذي تقتضيه الطبيعة البشرية كالقيام والقعود والأكل والشرب، والنوم والسهر، فهذا لم يفعله ﷺ للتشريع والتأسي، فلا يقول أحد: أقوم وأقعد تقربًا إلى الله اقتداءً بنبيه ﷺ .
الثاني: الفعل التشريعي المحض.
كأفعال الصلاة، وأفعال الحج ونحو ذلك من أحكام الشريعة، فهذا وأمثاله فعله النبي ﷺ من أجل التأسي بيه، فنفعله كما فعله، وهذا هو الغالب، فيجب علينا الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ في سيرته وسريرته وسنته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 1356
الثالث: الفعل المحتمل بالتشريع والجبلي.
وضابطه أن تكون الجبلة البشرية تقتضيه، ولكنه وقع متعلقًا بعبادة أو في وسيلتها، كالركوب في الحج وجلسة الاستراحة في الصلاة، والرجوع من صلاة العيد من طريق أخرى، والضجعة على الشق الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، والنزول للمحصب بعد النفر من منى وغير ذلك، هذا وأمثاله محتمل للأمرين ولمن شاء فعله أو تركه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
شروط قبول العمل الصالح:
العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون العمل خالصًا لله لأن الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثاني: أن يكون العمل موافقًا لما جاء به الرسول ﷺ ، لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: أن يكون فاعله مؤمنًا، لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فإذ اجتمعت هذه الشروط قبل الله العبد، وإذا اختل شرط منها بطل العمل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 1357
آفات العمل الصالح:
يعرض للعامل إذا عمل عملًا صالحًا كالصلاة والصيام والصدقات ونحوها ثلاث آفات هي:
رؤية العمل.
وطلب العوض عليه.
ورضاءه به وسكونه إليه.
فالذي يخلصه من رؤية عمله مطالعة منة الله عليه، وتوفيقه له، وأنه من الله لا من العبد.
والذي يخلصه من طلب العوض عليه علمه بأنه عبد محض مملوك لسيده لا يستحق على الخدمة أجرة، فإن أعطاه سيده شيءً من الأجر فهو إحسان وإنعام من سيده لا عوضًا عن العمل.
والذي يخلصه من رضائه بعمله وسكونه إليه مطالعة عيوبه وتقصيره في عمله، وما فيه من حض النفس وشيطان وعلمه بعظيم حق الله، وأن العبد أعجز وأضعف من أن يقوم به على الوجه الأكمل.
نسأل الله الإخلاص والعون والاستقامة وحسن العبادة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
حفظ العمل الصالح:
ليس الشأن في أداء العمل الصالح فحسب، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه، فالرياء وإن دق مفسدًا للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر، وكون العمل غير مقيد بإتباع السنة محبطًا للعمل، والمن به على الله تعالى بقلبه مفسدًا له، وللخلق منقصًا له، وتعمد مخالفة أوامر الله
стр. 1358
والاستهانة بها مبطلًا له، ونحو ذلك مما يهدم بنيان العمل الصالح ويقوض أركانه.
فانتبه لنفسك أيها العبد المسلم، واعبد ربك الملك الحق الذي يراك ويسمعك كما يليق بجلاله وعظمته وكبريائه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
واعلم أن العمل الصالح ينطلق منك عملًا ويرجع إليك ثوابًا، والعمل السيئ ينطلق منك عملًا ويرجع إليك عقابًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
أهمية النية:
النية في الشرع هي العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله ، والنية شرطً لصحة العمل وقبوله وإجزائه، ومحلها القلب، وهي مهمة في كل عمل، لقول النبي ﷺ : «إنَّمَا الأعمالُ بالنّياتِ، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نَوى» متفق عليه (١).
والنية تنقسم إلى قسمين:
الأول: نية العمل، بأن ينوي المسلم الوضوء أو الغسل أو الصلاة مثلًا.
الثانية: نية المعمول له، وهو الله فينوي بالوضوء أو الغسل أو الصلاة وغيرها تقربًا إلى الله وحده، وهذه أهم من الأولى وكلاهما لازم في
стр. 1359
كل عمل وكبريائه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيْهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» رواه مسلم (١).
معني الإخلاص:
الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، بتصفية العمل لله عن ملاحظة المخلوقين، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره، وإذا أخلص العبد لله اجتباه ربه، فأحيى قلبه وقربه إليه وحبب إليه الطاعات وكره إليه المعاصي، بخلاف القلب الذي لم يخلص فإن فيه طلبًا وشوقًا وإرادة تارة إلى الرئاسة وتارة إلى الشهرة، وتارة إلى الدرهم والدينار.
فالأعمال ثلاثة:
طاعة .. وشهرة .. وشهوة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
حكم الإيثار:
الإيثار ثلاثة أقسام:
الأول: إيثار ممنوع.
وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعًا، كماء الوضوء الذي لا يكفي إلا لواحد، فهذا لا يجوز لك أن تؤثر به غيرك، لأنه يستلزم إسقاط الواجب عنك.
стр. 1360
الثاني: إيثار مباح.
كالإيثار بالأمور المستحبة، كأن تؤثر غيرك بالصف الأول الذي أنت فيه، وهذا تركه أولى إلا لمصلحة كما لو كان أباك.
الثالث: إيثار مستحب.
كأن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي كما لو آثرته بطعامً وأنت جائع: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
وعلى المسلم أن يسارع إلى كل طاعة وإلى كل عبادة، لينال رضوان الله ويفوز بجنته: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 1361
٧ - الخزانة السابعة
الصفات التي تؤدى بها الأعمال الصالحة:
كل عملًا لابد له من صفات يؤدى بها ليكون صالحًا مثمرًا مقبولًا، سواء كان من العبادات، كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، أو كان من المعاملات كالبيع والإجارة، والصلح والوكالة وغيرها، أو كان من الآداب والمعاشرات، أو الأذكار أو الأدعية أو غيرها من أوامر الله كالدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وأهم الصفات التي يجب توافرها في كل عمل ليكون مثمرًا مقبولًا ما يلي:
الأول: اليقين بأن هذا العمل الذي أمر به الله ورسوله به فيه فقط قضاء حاجاتنا وفوزنا ونجاتنا في الدنيا والآخرة بلا ريب: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: إخلاص العمل لله وحده لا شريك له.
لأنه هو الذي خلقنا وهدانا إليه، وأعاننا عليه، وهو الذي يثبتنا عليه، ويجزينا به ثوابًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأعمال الدين غالية لا يستطيع أحدًا أن يدفع قيمتها إلا الله وحده، فكل من في السماوات والأرض لا يستطيعون أن يعطوا أحدًا ثواب تسبيحة واحد أو حسنة واحدة، فأخلص العمل لمن وعدك بأجره وهو الله وحده لا شريك له: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 1362
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الثالث: إتباع الرسول ﷺ في كل عمل، بأن تفعله كما فعله ﷺ ، وتستحضر لو كان النبي ﷺ حاضرًا أو في مكاني ماذا سيفعل في هذه الحالة؟
فأفعله إن علمت به، وإن جهلت سألت من يعلمه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
الرابع: استحضار فضيلة العمل
فالأعمال ثقيلة على النفوس، وإذا عرفنا فضائلها سهل القيام بها والمداومة عليها، والإكثار منها والدعوة إليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
فنعرف فضائل الذكر والصلاة والصوم والحج والدعوة إلى الله، وصلة الرحم وغيرها من أعمال البر ليسهل القيام بها والمداومة على فعلها، والإكثار منها.
الخامس: الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فنستحضر أن الله يرانا ويسمع كلامنا، ويعلم أحوالنا ويراقب تصرفاتنا، فنحسن له العمل، ونعبده كأننا نراه ونستحضر أن الله مطلع علينا وسيجازينا بأعمالنا.
стр. 1363
فالعبد حقًّا من عمل لله في الخلوة أو مع الناس على حد سواء، وتوجه إليه وحده بقلبه وقالبه، ولم يلتفت لأحد سواه، ومن أحسن عمله لله بحضرة الناس وأساء عمله في الخلوة فقد استحضر عظمة المخلوق لا الخالق، وهذا هو النفاق ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
السادس: المجاهدة فنجاهد أنفسنا لتسارع إلى كل عمل صالح، ونفطم نفوسنا مما تحب وتريد إلى ما يحبه الله ويريده، ونبذل كل ما نملك من أجل رضا الله، وفعل ما يحب واجتناب ما يكره، فالعبد حقًّا من قدم مراد الله على مراد نفسه، وقدم ما يحب الله على ما تحبه نفسه، فمن وفقه الله لهذا فهو المجاهد حقًّا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وإذا قمنا بالأعمال بهذه الصفات انتشر العلم والعمل، وانتشرت الصفات والأخلاق الطيبة، وإذا قمنا بالعلم والعمل بدون هذه الصفات انتشر العلم والعمل بدون الصفات وكثر الجدل والخلاف، وطلب الرخص، والكسل والرياء، وهبت الفتن وانتشرت الفرق والأحزاب: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
ومن قام بالعمل بهذه الصفات حصل على موعودات الله في الدنيا والآخرة، ومن قام بالعمل وقد أخل بإحدى هذه الصفات، لم يحصل له الموعود عن العمل، ولا ينجو من الخسارة إلا من أكمل وسائل النجاة الأربعة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
стр. 1364
المستثنيات من القواعد الشرعية:
شرع الله لعباده أحكامًا تحقق مصالح عاجلة أو آجلة، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربي على تلك المصالح، وكذلك شرع الله السعي في درأ المفاسد عاجلة أو آجلة تجمع كل قاعدة منها علة واحدة.
ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تربي على تلك المفاسد رحمة من الله بعباده ورعاية لهم ورفقًا بهم، ويعرف ذلك بما خالف القياس، وهو جارِ في العبادات والمعاملات وسائر التصرفات.
فأما ما يجري في العبادات فأنواع:
أحدها: تغير أحد أوصاف الماء بشيء سالب لطهوريته، استثني منه ما يشق حفظ الماء منه.
الثاني: استعمال أواني الذهب والفضة حرام على الرجال والنساء، لكنه يباح عند الحاجة، ففقد الآنية المباحة رحمة من الله بعباده: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
الثالث: الطهارة تكون على أصل محل الحدث، لكن جاز المسح على الخفين، والعمامة والجبيرة لمسيس الحاجة إلى ذلك رحمة العباد وتخفيفًا عليهم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الرابع: الصلاة مع الحدث ممنوعة، لكنها جازت للمتيمم عند فقد الماء، أو التضرر باستعماله، أو عدم القدرة على استعماله، إقامة لمصالح الصلاة
стр. 1365
التي لا تدانيها مصلحة الطهارة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
الخامس: الحدث مانع من الصلاة، قاطعًا لها بعد انعقادها، لكنه غير مانعًا في حق المستحاضة، ومن عذره دائم كسلس البول والمريء، لأن ما يفوت من مصالح الصلاة أعظم مما يفوت من مصالح الطهارة، فلا إله إلا الله ما أحسن هذه الشريعة: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
السادس: الجمادات كلها طاهرة، واستثني منها الخمر تغليظًا لأمرها، وتنفيرًا من مفاسدها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
والحيوانات كلها طاهرة، واستثني منها الكلب والخنزير، تغليظًا لأمرهما وتنفيرًا من مخالطتهما لأن الكلب يروع الضيف، والخنزير أسوأ حالًا من الكلب لأنه يأكل النجاسات، ولا يجوز اقتناء الكلاب إلا لحاجة ماسة، لصيد أو حراسة ماشية أو زرع.
السابع: الميتات كلها نجسة، لأن الموت مظنة التعفن والاستقذار، واستثني من ذلك الآدمي لكرامته، والسمك والجراد لمسيس الحاجة إليه رحمة من الله بعباده: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
стр. 1366
الثامن: الأصل في الطاهرات أنها تتبع الأوصاف الطيبة، والأصل في النجاسات أنها تتبع الأوصاف الخبيثة، فعصير الفاكهة مثلًا إذا استحال خمرًا نجس للاستخباث الشرعي، وإن استحال خلًّا طهر للطيب الشرعي والحسي.
التاسع: المقصود من التطهر من الأحداث والأخباث هو تعظيم الله وإجلال الرب من أن يناجى أو يتلى كتابه، أو يمكث في بيوته مع وجود الأحداث والأخباث، واستثني من الأخباث كل نجاسة يعم الابتلاء بها، كفضلة الاستجمار، وطين الشوارع ودم القمل والبراغيث، فإنه يعفى عن ذلك في الصلاة، لأن ما يفوت من مصالح الصلاة أعظم من مصلحة ما يفوت من مصلحة الأخباث.
العاشر: ستر العورات والسوءات واجب وهو من أفضل المروءات، لكن يجوز تركه للضرورات والحاجات، فالحاجات كنظر كل واحد من الزوجين إلى صاحبه، ونظر الشهود للمشهود عليها، ونظر الأطباء بحاجة المداواة، والنظر من المرأة لمن يريد خطبتها، والضرورات كنظر الطبيب إلى العورات والسوءات لشدة الحاجة، ويقتصر منه على مكان المرض والجرح فقط، فالضرورة والحاجة تقدر بقدرها.
الحادي عشر: يجب التوجه إلى الكعبة في جميع الصلوات لأنها أفضل الجهات، ولأنها المنصوص عليها: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
لكن يجوز ترك التوجه للكعبة في النوافل، السفر تحصيلًا لمصالحها، وجعل صوب السفر بدلًا من صوب الكعبة، لأن الحاجة ماسة إليه، كما
стр. 1367
جعلت جهة محاربة الكفار بدلًا من القبلة لمسيس الحاجة إليها عند التحام القتال.
الثاني عشر: يجب أداء جميع أركان الصلاة، وأستثني من ذلك الفاتحة وقيامها بحق المسبوق للمبادرة إلى شرف الاقتداء بالإمام والدخول في الجماعة.
الثالث عشر: مسابقة المأموم للإمام في أركان الصلاة مبطلًا لصلاته، إلا في حال الغفلة والنسيان.
الرابع عشر: لبس الذهب محرم على الرجال إلا لضرورة وكذلك الفضة إلا الخاتم وآلات الحرب، وكذلك لبس الحرير محرم على الرجال إلا لضرورة أو حاجة ماسة.
الخامس عشر: الصلاة على الأموات واجبة لحاجتهم إلى رفع الدرجات وتكفير السيئات، ويستثنى من ذلك الأطفال، فلا يدعى لهم بتكفير السيئات لأنهم لا ذنوب لهم، لكن يدعى لهم برفع الدرجات لافتقارهم إلى ذلك.
ولا يصلى على الشهداء لأنه يغفر لهم كل ذنب بأول قطرة من دمائهم إلا الدَين، وتركت الصلاة عليهم ترغيبًا للناس في الجهاد في سبيل الله، وقد صلى الصحابة ﵃ على الرسول ﷺ مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأنهم مأمورون بالصلاة عليه قبل موته وبعد موته.
وليست الصلاة عليه شفاعة له ولكننا أمرنا أن نكافئ من أسدى إلينا معروفًا، فإن عجزنا ندعو له بدلًا من مكافأته، فنحن ندعو الله أن يكافئه عنا لعجزنا عن مكافأته ﷺ .
стр. 1368
السادس عشر: تكفين الأموات على الهيئة المشروعة إكرامًا لهم واجب، وكذا التطهير من النجاسات، واستثني من ذلك الشهداء، فإنهم يدفنون في ثيابهم بكلومهم ودمائهم ليقدموا على الله بما يوجب العطف عليهم والرحمة لهم، لأنهم بذلوا في طاعة الله أنفث الأشياء وأحبها إليه.
وكذلك المحرم إذا مات يدفن في ثيابه لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا، لأنه بذل ما يستطيع في هذه العبادة التي يحبها الله.
السابع عشر: لا تصح النيابة في شيء من العبادات كالإيمان والصلوات والأذكار والأدعية وقراءة القرآن ونحو ذلك، لأن الغرض من هذه العبادات تعظيم الإله ﷻ .
وليس المستنيب معظمًا بتعظيم النائب، واستثني من ذلك الحق والعمرة في حق العاجزين إما لهرم أو مرض لا يرجى برأه، أو موت، ولم يستثنى من الصلوات إلا ركعتا الطواف في نسك الاستنابة، لأنها تابعة للنسك، وكذا الصيام لا يصوم أحدًا عن أحد، وأستثني من ذلك من مات وعليه صيام واجب لم يستطع صيامه.
يقول النبي ﷺ : «من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه» أخرجه الترمذي (١).
وكذا الصدقة عن الميت مشروعة لحصول النفع لباذليها والمبذولة عنه والمبذولة له.
الثامن عشر: خروج وقت العبادة المقدر يجعلها قضاءً إلا في جمع التأخير، أو الخطأ في يوم العيد، فإنها تكون أداءً.
стр. 1369
التاسع عشر: فوات العبادات موجب لقضائها غير ناقل إلى عبادة أخرى، واستثني من ذلك من فاته الحج وهو محرم فإنه يتحلل بعمرة ويقضيه العام القادم إن كان حجه واجبًا.
المستثنيات من القواعد الشرعية:
قد مر معنا المستثنيات في العبادات، والآن نذكر المستثنيات في المعوضات وسائر التصرفات.
ولذلك أمثلة:
أحدها: أن الرضا شرط في جميع التصرفات إلا أن يتعذر الرضا، كالحاكم يتصرف فيما فيه المصلحة إيصالًا للحق إلى مستحقه، ونفعًا للممتنع ببراءة ذمته من الحق من بيع أو إجارة أو طلاقًا أو فسخ، فهنا يجري الحكم ولو لم يحصل الرضا، وأجمع آية في جلب المصالح ودفع المفاسد قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والعدل هو التسوية والإنصاف، والإحسان إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة، والإحسان يكون في أمور الدنيا وأمور الآخرة، فالإحسان في أمور الآخرة يكون بالدعوة إلى الله، وتعليم العلم الشرعي، والإفتاء والإعانة على الطاعات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 1370
والإحسان في أمور الدنيا يكون بالعطايا الدنيوية ودفع المضار، والعفو عن المظالم وإسقاط الحقوق: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
الثاني: أن الله قسم أموال المصالح العامة على قدر الحاجات والضرورات، وقسم الغنائم على قدر الحاجات، فجعل للرجل سهم لأن له حاجة واحدة، وجعل للفارس ثلاثة أسهم لأن له ثلاث حاجات، حاجة لنفسه، وحاجه لفرسه، وحاجة لسائس فرسه.
وكذلك قسم الله المواريث الأبناء والبنات والإخوة والأخوات على قدر الحاجات، فجعل للإناث من هؤلاء سهمًا واحدًا، وللذكور سهمين لأن للذكور في الغالب حاجتين، حاجة لنفسه، وحاجة لزوجته، وللأنثى في الغالب حاجة واحدة لأنها موكوله من الرجل أبًا أو زوجًا.
وقدم الأبناء على الآباء في باب التعصيب؛ لأن الابن بضعة من الأب وبعض له، فكان بعض الميت أحق بماله من أبيه لأنه أقرب إليه، وقدم الآباء على الإخوة والأخوات لأنهم أقرب إلى الميت منهم، وقدمت البنات على الأخوات لأنهن بضعة من الأموات، فسبحان الله وبحمده على كمال حكمته وإحسانه إلى خلقه ورحمته بعباده.
الثالث: من أتلف شيء من الأموال والأنفس عمدًا بغير حق لزمه ضمانه، جبرًا لما فات من الحق.
ويستثنى من ذلك أمور:
أحدها: ما أتلفه الكفار على المسلمين من النفوس والأموال، فإذا أسلموا فإنهم لا يضمنونه لما في تضمينهم من التنفير من الإسلام.