← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الثامن: الأصل في الطاهرات أنها تتبع الأوصاف الطيبة، والأصل في النجاسات أنها تتبع الأوصاف الخبيثة، فعصير الفاكهة مثلًا إذا استحال خمرًا نجس للاستخباث الشرعي، وإن استحال خلًّا طهر للطيب الشرعي والحسي. التاسع: المقصود من التطهر من الأحداث والأخباث هو تعظيم الله وإجلال الرب من أن يناجى أو يتلى كتابه، أو يمكث في بيوته مع وجود الأحداث والأخباث، واستثني من الأخباث كل نجاسة يعم الابتلاء بها، كفضلة الاستجمار، وطين الشوارع ودم القمل والبراغيث، فإنه يعفى عن ذلك في الصلاة، لأن ما يفوت من مصالح الصلاة أعظم من مصلحة ما يفوت من مصلحة الأخباث. العاشر: ستر العورات والسوءات واجب وهو من أفضل المروءات، لكن يجوز تركه للضرورات والحاجات، فالحاجات كنظر كل واحد من الزوجين إلى صاحبه، ونظر الشهود للمشهود عليها، ونظر الأطباء بحاجة المداواة، والنظر من المرأة لمن يريد خطبتها، والضرورات كنظر الطبيب إلى العورات والسوءات لشدة الحاجة، ويقتصر منه على مكان المرض والجرح فقط، فالضرورة والحاجة تقدر بقدرها. الحادي عشر: يجب التوجه إلى الكعبة في جميع الصلوات لأنها أفضل الجهات، ولأنها المنصوص عليها: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. لكن يجوز ترك التوجه للكعبة في النوافل، السفر تحصيلًا لمصالحها، وجعل صوب السفر بدلًا من صوب الكعبة، لأن الحاجة ماسة إليه، كما

стр. 1367

جعلت جهة محاربة الكفار بدلًا من القبلة لمسيس الحاجة إليها عند التحام القتال. الثاني عشر: يجب أداء جميع أركان الصلاة، وأستثني من ذلك الفاتحة وقيامها بحق المسبوق للمبادرة إلى شرف الاقتداء بالإمام والدخول في الجماعة. الثالث عشر: مسابقة المأموم للإمام في أركان الصلاة مبطلًا لصلاته، إلا في حال الغفلة والنسيان. الرابع عشر: لبس الذهب محرم على الرجال إلا لضرورة وكذلك الفضة إلا الخاتم وآلات الحرب، وكذلك لبس الحرير محرم على الرجال إلا لضرورة أو حاجة ماسة. الخامس عشر: الصلاة على الأموات واجبة لحاجتهم إلى رفع الدرجات وتكفير السيئات، ويستثنى من ذلك الأطفال، فلا يدعى لهم بتكفير السيئات لأنهم لا ذنوب لهم، لكن يدعى لهم برفع الدرجات لافتقارهم إلى ذلك. ولا يصلى على الشهداء لأنه يغفر لهم كل ذنب بأول قطرة من دمائهم إلا الدَين، وتركت الصلاة عليهم ترغيبًا للناس في الجهاد في سبيل الله، وقد صلى الصحابة ﵃ على الرسول ﷺ مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأنهم مأمورون بالصلاة عليه قبل موته وبعد موته. وليست الصلاة عليه شفاعة له ولكننا أمرنا أن نكافئ من أسدى إلينا معروفًا، فإن عجزنا ندعو له بدلًا من مكافأته، فنحن ندعو الله أن يكافئه عنا لعجزنا عن مكافأته ﷺ .

стр. 1368

السادس عشر: تكفين الأموات على الهيئة المشروعة إكرامًا لهم واجب، وكذا التطهير من النجاسات، واستثني من ذلك الشهداء، فإنهم يدفنون في ثيابهم بكلومهم ودمائهم ليقدموا على الله بما يوجب العطف عليهم والرحمة لهم، لأنهم بذلوا في طاعة الله أنفث الأشياء وأحبها إليه. وكذلك المحرم إذا مات يدفن في ثيابه لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا، لأنه بذل ما يستطيع في هذه العبادة التي يحبها الله. السابع عشر: لا تصح النيابة في شيء من العبادات كالإيمان والصلوات والأذكار والأدعية وقراءة القرآن ونحو ذلك، لأن الغرض من هذه العبادات تعظيم الإله ﷻ . وليس المستنيب معظمًا بتعظيم النائب، واستثني من ذلك الحق والعمرة في حق العاجزين إما لهرم أو مرض لا يرجى برأه، أو موت، ولم يستثنى من الصلوات إلا ركعتا الطواف في نسك الاستنابة، لأنها تابعة للنسك، وكذا الصيام لا يصوم أحدًا عن أحد، وأستثني من ذلك من مات وعليه صيام واجب لم يستطع صيامه. يقول النبي ﷺ : «من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه» أخرجه الترمذي (١). وكذا الصدقة عن الميت مشروعة لحصول النفع لباذليها والمبذولة عنه والمبذولة له. الثامن عشر: خروج وقت العبادة المقدر يجعلها قضاءً إلا في جمع التأخير، أو الخطأ في يوم العيد، فإنها تكون أداءً.

стр. 1369

التاسع عشر: فوات العبادات موجب لقضائها غير ناقل إلى عبادة أخرى، واستثني من ذلك من فاته الحج وهو محرم فإنه يتحلل بعمرة ويقضيه العام القادم إن كان حجه واجبًا. المستثنيات من القواعد الشرعية: قد مر معنا المستثنيات في العبادات، والآن نذكر المستثنيات في المعوضات وسائر التصرفات. ولذلك أمثلة: أحدها: أن الرضا شرط في جميع التصرفات إلا أن يتعذر الرضا، كالحاكم يتصرف فيما فيه المصلحة إيصالًا للحق إلى مستحقه، ونفعًا للممتنع ببراءة ذمته من الحق من بيع أو إجارة أو طلاقًا أو فسخ، فهنا يجري الحكم ولو لم يحصل الرضا، وأجمع آية في جلب المصالح ودفع المفاسد قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. والعدل هو التسوية والإنصاف، والإحسان إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة، والإحسان يكون في أمور الدنيا وأمور الآخرة، فالإحسان في أمور الآخرة يكون بالدعوة إلى الله، وتعليم العلم الشرعي، والإفتاء والإعانة على الطاعات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].

стр. 1370

والإحسان في أمور الدنيا يكون بالعطايا الدنيوية ودفع المضار، والعفو عن المظالم وإسقاط الحقوق: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. الثاني: أن الله قسم أموال المصالح العامة على قدر الحاجات والضرورات، وقسم الغنائم على قدر الحاجات، فجعل للرجل سهم لأن له حاجة واحدة، وجعل للفارس ثلاثة أسهم لأن له ثلاث حاجات، حاجة لنفسه، وحاجه لفرسه، وحاجة لسائس فرسه. وكذلك قسم الله المواريث الأبناء والبنات والإخوة والأخوات على قدر الحاجات، فجعل للإناث من هؤلاء سهمًا واحدًا، وللذكور سهمين لأن للذكور في الغالب حاجتين، حاجة لنفسه، وحاجة لزوجته، وللأنثى في الغالب حاجة واحدة لأنها موكوله من الرجل أبًا أو زوجًا. وقدم الأبناء على الآباء في باب التعصيب؛ لأن الابن بضعة من الأب وبعض له، فكان بعض الميت أحق بماله من أبيه لأنه أقرب إليه، وقدم الآباء على الإخوة والأخوات لأنهم أقرب إلى الميت منهم، وقدمت البنات على الأخوات لأنهن بضعة من الأموات، فسبحان الله وبحمده على كمال حكمته وإحسانه إلى خلقه ورحمته بعباده. الثالث: من أتلف شيء من الأموال والأنفس عمدًا بغير حق لزمه ضمانه، جبرًا لما فات من الحق. ويستثنى من ذلك أمور: أحدها: ما أتلفه الكفار على المسلمين من النفوس والأموال، فإذا أسلموا فإنهم لا يضمنونه لما في تضمينهم من التنفير من الإسلام.

стр. 1371

الثاني: ما أتلفه المرتدون حال القتال، فإذا تابوا فإنهم لا يضمنونه، لما في التضمين من التنفير من التوبة والإسلام، فالتوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله. الثالث: ما يتلفه البغاة على أهل العدل حال القتال، فإنهم لا يضمنونه إذا تابوا لما فيه من التنفير عن الطاعة والإذعان. الرابع: ما يتلفه العبيد على السادة، فإنهم لا يضمنونه مع تحريم إتلافه. الخامس: إذا أتلف الإمام أو الحاكم شيءً من النفوس أو الأموال للمصلحة، فإنه يجب الضمان على بيت المال، لأنهما يتصرفان عن المسلمين، ولأن ذلك يكثر فيه حقهما فيتضرران به. السادس: أن الجلاد إذا قتل بالحد أو القصاص فيما دون النفس ممن لا يجوز قتله لم يضمن، لأنه مأذون له بإقامة الحد أو القصاص ويضمن بيت المال ذلك. الرابع: الزكاة واجبة للحيوان المأكول تقليلًا لما فيه من الدم النجس، واستثني من ذلك ما لا يقدر على زكاته من الوحوش والطيور المباحة، وشوارد الأنعام فإن جرحها يقوم مقام زكاتها، لتعذر زكاتها وكذلك لو سقط حيوان في بئر وتعذر إخراجه، وأمكن طعنه في بعض مقاتله حل بذلك، لأن الأصول إذا ضاقت اتسعت: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. الخامس: لا يجوز تعطيل الإنسان عن منافعه وأعماله واستثني من ذلك تعطيل المدعى عليه إذ استدعاه الحاكم بطلب من خصمه لإحضاره، لما فيه من المصلحة العامة.

стр. 1372

السادس: من قدر على استيفاء حق له مضبوط معين فله استيفاؤه، كانتزاع المغصوب من غاصبه، وانتزاع المسروق من سارقه، واستثني من ذلك القصاص، فإنه لا يستوفى إلا بحضرة الإمام أو نائبه، ولا ينفرد مستحقه باستيفائه لأنه غير مضبوط في شدة وقعه وإيلامه، وكذلك التعذير، لا يفوض إلى مستحقه بل يتولاه الإمام، وكذلك الحدود لما يخشى في ذلك من مجاوزة حد الشرع في شدة الضرب. وكذلك لا تفوض هذه الأمور إلى عدو المحدود أو الجاني لما قد ينتج عن ذلك من الجور، ولا تفوض إلى الآباء والأبناء لاتهامهم في تخفيفه عن القدر المشروع: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 1373

٨ - الخزانة الثامنة الاقتصاد في الأفعال والأقوال: المنازل ثلاث: ١ - التقصير في جلب المصالح. ٢ - والإسراف في جلب المصالح. ٣ - والتوسط بينهما، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩]. فلا يكلف الإنسان نفسه من الطاعات والنوافل إلا ما يطيقه ويطيق المداومة عليه، ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة كما قال النبي ﷺ : «لِيُصَلّ أحدُكم نشاطَه، فإِذا كَسَلَ أَوْ فَتَرَ فليقَعَدَ» متفق عليه (١). وكل من تكلف من العبادة ما لا يطيقه فقد تسبب إلى تبخيث عبادة الله إليه، ومن قصر عما يطيقه فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وقد نهى الرسول ﷺ عن التنطع في الدين، والتنطع: التكلف والعلو، كما قال ﷺ : «هَلَكَ المُتَنَطِّعُوْنَ» أخرجه مسلم (٢).

стр. 1374

وأنكر الرسول ﷺ على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام الليل وصيام النهار، واجتناب النساء، وقال له: «أرغِبتَ عن سُنتي؟ قال: لا والله يا رسولَ الله، ولكن سُنَّتك أطلُبُ، قال: فإني أنامُ وأصلِّي، وأصومُ وأُفطر، وأنكِحُ النساءَ، فمن رغب عن سنتي فليس مني» أخرجه أبو داود وأحمد (١). ونهى النبي ﷺ عثمان بن مظعون وأصحابه مما عزموا عليه من سرد الصوم وقيام الليل والاختصاء، وكانوا قد حرموا الفطر والنوم على أنفسهم ظنًا أنه قربة إلى ربهم، فنهاهم الله عن ذلك، لأنه من الغلو في الدين ومجاوزة حدود الله فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]. والاقتصاد في الشريعة أنواع: أحدها: الاقتصاد في العبادات وهو أنواع: أحدها: الاقتصاد في ماء الوضوء والغسل، فلا يستعمل من الماء إلا قدر الإسباغ، النبي ﷺ : «يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» متفق عليه (٢). وتوضأ النبي ﷺ مرة مرة، مرة اثنتين، وثلاثًا، وداوم على الثلاثة، فمن نقص عن الواحدة فقد أساء، ومن زاد عن الثلاث قاصدًا لقربة لله بالزيادة فقد أساء لتقربه بما ليس قربة إلى ربه، وإن قصد به تبردًا أو تنظفًا بالماء، أو تداويًا فلا بأس بذلك. الثاني: الاقتصاد في قيام الليل، فقد نهى ﷺ عن السرف في قيام الليل، وقال: «خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَواللَّه لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» متفق عليه (٣).

стр. 1375

وفي رواية «فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» متفق عليه (١). الثالث: الاقتصاد في المواعظ، فإن المواعظ إذا كثرت أو طالت لم تؤثر في القلوب، فتسقط فائدة الوعظ بإكثارها. عن ابن مسعود قال: «كان رسول الله ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بالموعِظَةِ، مَخَافَة السآمة علينا» أخرجه البخاري (٢). الرابع: الاقتصاد في الدعاء لأن الغالب على أدعية الرسول ﷺ في الصلاة وغيرها اختصار الأدعية، لأن الله أمر بالتضرع والخفية في الدعاء، فإذا أطال الدعاء عزب التضرع والإخفاء. الخامس: عدم الجهر بالكلام في الذكر والدعاء لأن الله يسمع الخفي كما يسمع الجلي فرفع الصوت في مناجاة الرب فضول لا حاجة إليه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]. وكذا الصوم، وكذا الكلام مع الناس لا يخافت به بحيث لا يسمعه الحاضرون، ولا يرفعه فوق حد سمعهم لأن ذلك فضول لا حاجة له، وشرع رفع الصوت في الأذان لكثرة السامعين، وشرع خفضه في الإقامة لقلة الحاضرين. السادس: زيارة الإخوان لا يكثر فيها لئلا يملون ويستثقلونه، ولا يقلل منها بحيث يشتاقونه ويعتبونه.

стр. 1376

السابع: الاقتصاد في العقوبات والحدود والتعذيرات، فيعاقب كل واحدًا من الجناة حسب قوته وضعفه، وكذا رجم الزاني لا يرجم بحصايات ولا بصخرات كبار، وإنما يرجم بحجر لطيف يرجم به في العادة، لأن إقامة الحد للزجر لا للتعذيب. وكذا الاقتصاد في الضرب والجلد لا يبالغ فيه إلى سفح الدم ولا يضرب ضربًا لا أثر له في الزجر والردع، وكذا سوط الضرب بين سوطين، ألا يكون حديدًا يقطع الجلود، ولا بال لا يحصل به المقصود. الثامن: الأكل والشرب، لا يتجاوز فيهما حد الشبع والري، ولا يقتصر منها على ما يضعفه ويضنيه، ويقعده عن العبادات والتصرفات: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]. التاسع: مخالطة النساء، لا يكثر منها بحث تغلب عليه أخلاقهن، ولا يقللها بحيث يتأذين بذلك وينفرن منه. العاشر: دراسة العلوم لا يكثر منها بحيث يؤدي إلى السآمة والكراهة، ولا يقللها بحيث يعد مقصرًا فيها. الحادي عشر: ألا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة عاجلة أو آجلة، أو درأ مفسدة عاجلة أو آجلة مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير، فلا يكثر من المزح والضحك واللعب والمدح المباح، ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس الحاجة إليه، ترغيبًا للممدوح لينشط في أعمال الخير وتذكيرًا له بالنعمة ليشكرها.

стр. 1377

ومدح النفس أقبح من مدح الغير، لأن غلط الإنسان في حق نفسه أكثر من غلطه في حق غيره، فلا أحب للإنسان من نفسه، فلهذا يرى عيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]. ولا يمدح الإنسان نفسه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كأن يخطب إلى قوم ليرغبهم في نكاحه، أو يكون خاملًا فيعرف بأهليته للولايات والمناصب الدينية، ليقوم بما فرض الله عليه، كما قال يوسف ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥]. وقد يمدح نفسه ليقتضي به فيما مده به نفسه من الفضائل، كقول عثمان ﵁: أتغنيت منذ أسلمت وما تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ ، وهذا مختص بالأقوياء الذين يأمنون على أنفسهم الفخر والعجب، ويقتضى بهم بأمثالهم، واجب حفظ الكلام بما يجر مصلحة أو يدرأ مفسدة. كما قال النبي ﷺ : «من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَوْ ليصمت» متفق عليه (١). ويجوز للإنسان المزاح أحيانًا لما فيه من الاسترواح، إما للمازح أو للممزوح معه، أو لهما معًا، أما المزاح المؤذي المغير للقلوب الموحش للنفوس فلا ينفك عن تحريمًا والكراهة حسب ثقله وخفته.

стр. 1378

وكان ﷺ يمزح جبرًا للمزوح معه وإلى سلة ولا يقول إلا حقًّا، كقوله ﷺ لأخ أنس بن مالك: «يا أَبا عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» متفق عليه (١). فشرط المزاح المباح أن يكون بالصدق لا بالكذب، والطريق إلى إصلاح القلوب يكون بتطهيرها عن كل ما يباعد عن الله من الأخلاق السيئة، وتزيينها بكل ما يقرب إلى الله من الأحوال والأقوال والأعمال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت/ ٣٤ - ٣٥]. القراءة من أعظم سبل العلم: وأعظم أنواع القراءة قراءة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكتب العلماء التي تشرحهما وتبين ما فيهما من أسرار وأحكام: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. والله سبحانه خلق الإنسان وعلمه ما لم يكن يعلم فطرة، وأمره أن يتعلم عن طريق القراءة، فقال سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. فهذه الآيات أول ما نزل من القرآن تأمر بالقراءة. وقراءة الإنسان من أربعة أنواع: الأولى: قراءة البحث والإيمان.

стр. 1379

اقرأ الآيات الكونية والآيات القرآنية من أجل أن تؤمن بالله وتعلم أسماءه وصفاته وأفعاله وعظمة ملكه وسلطانه، وأول ما تبدأ به نفسك منذ كنت علقة إلى أن أصبحت إنسانًا كاملًا سويًّا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. ثم رتب على ذلك خمسة أمور: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧] وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦]. فهذه قراءة البحث والإيمان: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 1380

الثانية: قراءة الشكر والعرفان. اقرأ لتعرف ربك الكريم، الرزاق المنعم لنعمة، نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة الهداية والرشاد، وإذا عرفت الكريم الرزاق وجب عليك شكره. قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ [العلق: ٣ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. الثالثة: قراءة الوحي والإذعان. فكل شيء عجز العقل عن إدراكه من أمور الغيب علمنا الله به، فعلى الإنسان أن يذعن للوحي، ويسلم لما جاء فيه ويصدق به، فعلم الإنسان محدود موهوب، وعلم الله ذاتي مطلق: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥]. كأخبار الجنة والنار، وما يجري في عرسات القيامة، والأخبار عن الملائكة، وإلى ذلك من أمور الغيب يجب على الإنسان يذعن له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي

стр. 1381

خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤]. فاقرأ لتعلم أنك لم تحصل العلم الذي ينبغي: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤]. فهذه القراءات كلها محمودة، وكلها مأمور بها، وكلها يتعبد لله بها. القراءة الرابعة: قراءة العدوان والطغيان وهي كل قراءة تسبب الفساد والخسران كما قال الله بعد تلك الآيات: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨]. وهذه قراءة مذمومة، فكل قراءة فيما يفسد البشرية وتدمير الحياة والأحياء، وإشاعة الفساد والعري، وأكل أموال الناس بالباطل، كل ذلك من العدوان والطغيان بالعلم الذي يهلك الحرث والنسل، وهذه قراءة الكفار الذين ينشرون محاسن الدنيا وشهواتها ويأكل القوي منهم الضعيف، ويستعبد كبارهم صغارهم، كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. وكما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ

стр. 1382

اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٧ - ١٠]. بهذا فإن القراءة من أعظم أبواب العلم، وأحسن ما يقرأ كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠]. الدروس والمحاضرات والتأليف والنشر إنما هو تزيين شجرة الدين، وذلك بمنزلة الأغصان والأوراق والثمار، ولكنه لا ينفع إلا إذا صحت الجذور، وسقيت بماء الإيمان والتقوى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. ويتم ذلك بما يلي: ١ - نفخ روح الإيمان في قلوب الناس. قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].

стр. 1383

الثاني: أن يكون بالعمل لا بالادعاء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]. الثالث: أن يكون ميدان الداعي نفسه أولًا، ثم الناس ثانيًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والناس في العمل ينقسمون إلى أقسام: فالصلاة عمل، ومقصدها أن تنهي عن الفحشاء والمنكر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. والصوم عمل، ومقصده التقوى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. والزكاة عمل، ومقصدها تطهير الإنسان من الشح والبخل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. والحج عمل، والمقصد التقوى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].

стр. 1384

والناس في العمل والمقصد أربعة أقسام: من الناس من يهتم بصورة العمل، والمقصد من العمل، وهؤلاء بأرفع المنازل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. ومن الناس من يهتم بالعمل دون المقصد، ومنهم من يهتم بالمقصد دون العمل، ومنهم من لا يهتم بالعمل، ولا بالمقصد: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وكل عمل يتحقق فيه الإخلاص والمتابعة يحصل أثره بعده، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. والله أوجب علينا العلم والعمل، فقال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 1385

وإزالة الأذى عن الطريق الحسي، طريق الأبدان، وإزالة الأذى عن الطريق المعنوي، طريق القلوب، كل ذلك مما يقرب من الله، وإزالة الأذى عن طريق القلوب أعظم أجرًا من إزالة الأذى عن طريق الأقدم، وفي كل خير، فإزالة الأذى عن طريق المسلمين يكون بالوقوف لكل داعية شر، أو إلحاد، أو مجون، أو فسوق، أو بدعة، وذلك بالرد عليه، وناصحته، وإسكاته، لألا يضل الناس، فإن لم يجدي ذلك فعلى الإمام استتابتهم فإن لم يتوبوا قتلوا لدرء، أو لقطع دابر الشر وأهله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. وقال النبي ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه» متفق عليه (١). وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فعلى العلماء أن يبينوا للناس ما نزل إليهم، وأن يتقوا الله، ولا يكتموا ما علمهم الله، وتوبة من كتم العلم. تحصل توبة كاتم العلم بثلاثة أمور: الأول: التوبة، وهي الرجوع عن ما حصل من كتمان. الثاني: الإصلاح لما فسد؛ لأن كتمان العالم الحق حصل به فساد.

стр. 1386

الثالث: بيان الحق غاية البيان؛ لأن كتمان الحق حصل به ضلال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٢]. فلابد لعلماء الأمة من بيان ما كتموا، وإصلاح ما حصل بكتمان من فساد، والتوبة من ذلك، إلا الذين تابوا من بعد ما ظلموا، وأصلحوا ما أفسدوا، وبينوا ما كتموا، فهؤلاء يقول الله لهم: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٦٠]. والتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، فيرجع الإنسان من الشرك إلى التوحيد، ومن الظلم إلى العدل، ومن البدعة إلى السُنة، ومن الكبر إلى الذل، ومن الزينة إلى العفاف، وهكذا يرجع من كل معصية إلى ما يقابلها من الطاعة لله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ [التحريم: ٨].

стр. 1387

٩ - الخزانة التاسعة طلب العلم من أفضل الأعمال، لما يثمره العلم من الإيمان والتقوى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. والعلم جهاد في سبيل الله، وهو عديل للجهاد في سبيل الله في كتاب الله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. بل العلم والفقه في الدين أفضل من الجهاد في سبيل الله، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدين» (١) متفق عليه. فطلب العلم من أعظم الأعمال؛ لأنه لا يمكن أن يصلي المصلي، ويزكي المزكي إلا بعلم، ولا يمكن أن يجاهد المجاهد، ولا يحج الحاج إلا بعلم، فالعلم أصل كل عمل يتقرب به إلى الله : ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. ويقول النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٢) أخرجه البخاري. ولا فرق بين المجاهد الذي يدفع بسلاحه العدو عن المسلمين، وبين طالب العلم الذي يستخرج المسائل من بطون الكتب، ويضرب بها الجهل والبدع، كل منهما مجاهد في سبيل الله، في بيان شريعة الله وحفظها: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 1388

والناس مختلفون في ذلك، فمن الناس من يكون الجهاد في سبيل الله في حقه أفضل؛ لأنه قويٌ شجاعٌ مقدام، ولا رغبة له في العلم، فهو قليل الحفظ، بطيء الفهم، فهذا الجهاد في حقه أفضل، وكل ميسر لما خلق له، ومن الناس من ليس عنده قدرة بدنية، ولا شجاعة قلبية، لكن عنده ذكاءٌ، وفهمٌ، وفطنةٌ، وحفظٌ، واجتهاد، فهذا طلب العلم في حقه، وتعليم الناس إياه أفضل من الجهاد، فإن تساوى الأمران فطلب العلم أفضل؛ لأنه الأصل، ولأنه ينتفع به الناس أحياءً وأمواتًا، كما قال النبي ﷺ : «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» أخرجه الترمذي (١). وقال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدين» (٢). وطلب العلم فرض كفاية، وكل من طلب العلم أثابه الله ثواب الفرض، وثواب الفرض أعظم من ثواب النافلة، ومن طلب العلم فقد قام بفرض عن جميع الأمة: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. وقد يكون طلب العلم فرض عين، فيما إذا أحتاج الإنسان إليه في نفسه، كمن أرد أن يصلي فلابد أن يتعلم أحكام الصلاة، ومن أراد أن يحج فلابد

стр. 1389

أن يتعلم أحكام الحج، وهكذا الزكاة والصيام، والبيع والشراء؛ لأن تلك عبادات فرضها الله، والعبادة لا تصح إلا بعلم. قال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدين» متفق عليه (١). أما بقية العلوم كالصناعة، والزراعة، والطب، فهي فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقيين. والعلماء ثلاثة أقسام: عالم أمة .. عالم دولة .. عالم ملة. فعالم الملة: هو الذي يتعلم العلم، ويبلغ العلم، ويعلم الدين، كما جاء عن الله ورسوله، يبتغي بذلك وجه ربه، وهذا نائب النبي ﷺ في أمته: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. فالعلماء للأمة كالنجوم في السماء، النجوم زينة للسماء، والعلماء زينة للأمة، وهم مصابيح يهتدي الناس بعلمها، ويعرفون البدعة من السنة، والحق من الباطل. وعالم الدولة: هو الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيأتي به، ولو كان مخالفًا لحكم الله ورسوله، فهذا عالم ضلالة.

стр. 1390

وعالم الأمة: هو الذي ينظر ماذا يرضي الناس فيأتي به، ولو كان الحكم مخالفًا لحكم الله ورسوله، إذا كان موافقًا لأهواء الناس، فهذا عالم ضلالة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وينبغي للإنسان إذا تكلم مع الناس تعليمًا، أو كلامًا، أو محادثًا، أن يكملهم بكلام بين، واضح، مختصر، فلا يستعجل في الكلام، ولا يدغم الحروف؛ ليفهم الكلام المخاطب بدون مشقة، وبدون كُلفة: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل: ٣٥]. وإذا لم يفهم المخاطب، أو كان سمعه ثقيلًا، أو كان هناك رجة، أو احتمال لبس، فهنا يستحب أن يكرر الكلام حتى يُفهم منه المراد، وكان ﷺ إذا سلم، سلم ثلاثًا، يُسلم مرة فإذا لم يُجب سلم الثانية، فإذا لم يُجب سلم الثالثة، فإذا لم يُجب تركه، وكذلك الاستئذان، يستأذن ثلاثًا مثل ذلك: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. العلماء ثلاثة أقسام: الأول: عالم بالله تعالى، وبأمر الله تعالى، وبأيام الله تعالى، وهؤلاء هم أهل العلم الذي يورث الخشية، وهؤلاء هم الصديقون، فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه من ربه، وظهر خشوعه، وخشيته لمولاه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. الثاني: عالم بالله، لا بأمر الله، ولا بأيام الله، وهم عموم المؤمنين.

стр. 1391

الثالث: عالم بأمر الله، لا بأيام الله، وهؤلاء هم المفتون بالحلال والحرام، وهذا العلم دواءٌ لأهل المسائل التي تحتاج إلى بيان: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. فالخشية هي الخوف المقرون بالتعظيم، فهي أخص من الخوف، فكل خشية خوف، ولا عكس، فالإنسان يخاف من البعوض ولكنه لا يخشاه، أما الله ﷻ فالعبد يخافه، ويخشاه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وأهل الخشية هم العلماء بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده، وأحكامه، فهؤلاء هم الذين يخشون الله بكمال معرفته بالله، ودينه، فهذه المعرفة سبب لخشية الله ﷻ ، ومن رزقه الله الخشية قلت ذنوبه، وإن أذنب أستغفر وتاب إلى الله لكمال معرفته بصفات جلال الله، وصفات جمال الله، فهو يخشى الله ويخافه بكمال معرفته به: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].

стр. 1392

والطريق الذي يسلكه المسلم في طلب العلم نوعان: الأول: الطريق الحسي الذي تقرعه الأقدام، كمن يأتي من بيته إلى مكان العلم في المسجد، أو المدرسة، أو البلد الفلاني. الثاني: الطريق المعنوي بأن يأخذ العلم من أفواه العلماء، أو من بطون الكتب، أو من أجهزة الاتصال المختلفة. فهذا وهذا كل منهما سلك طريقًا يلتمس فيه علم، وهذا الطريق يوصل إلى الجنة، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا بِه إِلَى الْجَنَّةِ» أخرجه مسلم (١). والعلم زينة المسلم؛ لينتفع به وينفع غيره، ومن سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام يوم القيامة، فلا يجوز للعالم أن يكتم العلم عن مسترشد جاء؛ ليعلم ويعمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. وإذا علمت أيها العالم إن السائل جاء يسأل أمحتانًا فقط ليس قصده العمل، ولا الانتفاع، فأنت بالخيار إن شئت فعلمه، وإن شئت لا تعلمه، كما قال سبحانه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]. وكذلك إذا علمت أنه يحصل من فتوى مفسدة كبيرة فلا بأس أن تؤجل الإفتاء إلى وقت تكون فيه المصلحة؛ لأنه أحيانًا تكون الفتوى سببًا للشر

стр. 1393

والفساد، فتأجيل الإجابة لحصول المصلحة، ودفع المفسدة، حكمة يرزقها الله من يشاء من عباده، وذلك جائز: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلمٍ فَكَتَمَهُ أُلجِمَ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ» أخرجه أحمد والترمذي (١). والله قد خلق الإنسان، وعلمه ما لم يكن يعلم بالفطرة، وزوده بوسائل العلم، وأمره أن يتعلم عن طريق القراءة، فقال سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].

стр. 1394

١٠ - الخزانة العاشرة الله هو رب العالمين، الذي يربي عباده بالنعم المادية، والنعم الروحية، ليربيهم ليسعدهم في الدنيا والآخرة، ويربيهم ليعلم العالم الجاهل، ويعلم الكبير الصغير. وأنواع التربية التي شرعها الله في القرآن خمسة: الأولى: تربية العلم بالله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. تنشأ جيلًا مؤمنًا، يكبر الله ويعظمه، ويحمده ويشكره، ويحبه ويطيعه، ويعبده: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. الثانية: تربية الدعوة إلى الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 1395

وهذه تنشأ جيلًا مؤمنًا يدعو إلى الله، ويستفيد من خزائن الله. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. الثالثة: تربية التعلم والتعليم: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. فهذه التربية تنشأ جيلًا مؤمنًا، يتعلم الدين، ويعمل بالدين، ويعلم الدين. الرابعة: تربية المراقبة: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]. تنشأ جيلًا مؤمنًا، يراقب الله في أقواله، وأعماله، وأخلاقه. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. الخامسة: تربية هذا عيب، تنشأ جيلًا مؤمنًا، يراقب الناس، ويستحي منهم، فضلًا عن مراقبة الله، والاستحياء منه ومن الملائكة: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» متفق عليه (١).

стр. 1396

اللهم أرزقنا هذه الثمرات، وأجمل الصفات: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. فالعلم زينة المسلم يعبد به ربه، ويعلمه لخلقه، ويكون نهرًا جاريًا له من الحسنات في حياته، وبعد موته: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وأمهات المصائب ثلاث: الأولى: قبض العلم، بقبض أروح علماء الشريعة، إذا ترك الناس العمل بشريعة الله. الثانية: ثم نزع القرآن من الصدور، ومن المصاحف في أخر الزمان إذا هاجر الناس كتاب ربهم، لا يقرؤونه، ولا يعملون به، ويرفع إلى الرب ﷻ . الثالثة: ثم نقل الكعبة إذا انتهك الناس حرماتها في أخر الزمان، يسلط الله عليهم بحكمته من يهدمها، ولا أحد يقول شيئًا، ينقلها حجرًا، حجرًا، ويرميها في البحر، وهو رجل من الحبشة، فالله حماها في الزمن الأول من أولئك الكفرة؛ لأنه يعلم أنه سيبعث في مكة رسولًا ينقل الناس بأذن الله من الضلال، والظلم، والشرك إلى الهدى، والعدل، والتوحيد: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥].

стр. 1397

ثم يسلط الله عليها من يهدمها في أخر الزمان إذا لم تبق لها وللدين حرمة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلمبكل ذلك إخبار تحذير، لا إخبار تقرير وإباحة، كما أخبر بأننا سنتبع سنن اليهود، والنصارى من قبلنا، فعلينا التمسك بالسُنة، وطلب العلم، حتى لا نَضل، ونُضل، ولا نهلك. عن عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلميَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا» متفق عليه (١). لم يسلم من كلام الناس أحد، ومن ظن أنه يسلم من كلام الناس فهو مجنون، فلابد للعالم أن يصبر على الناس أثناء تعليمهم، أو تدريسهم، أو إفتائهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨] فاليهود قالوا عن الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ [الحج: ٦٤]. والنصارى قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. وقال كفار مكة عن الملائكة: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩]. وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥].

стр. 1398

وقال الناس عن محمد ﷺ ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: ٣٠]. وكذا قالوا: كذاب، وساحر، وكاهن، فما ظنك أن يقول الناس فيمن ليس بإله، ولا ملك، ولا رسول، وكلام الناس كالصخور الثقيلة، إن حملتها على ظهرك انكسر، وأن وضعتها تحت قدميك علوت، وانتصرت، وأفضل شيء للنفس والناس معاملة الناس بالتي هي أحسن، وحب الخير لهم، وعدم الإساءة إليهم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومعاملة الناس بالتي هي أحسن تثمر ثمارات نافعة في الدنيا والآخرة؛ لأن الناس إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته، وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو مبغض فتطفي بلطفك جمرته، وتسلم من شره: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 1399

ومن أحسن الظن بالناس، وحملهم على المحامل الطيبة، سلمت له نيته، وانشرح صدره، وعفي قلبه ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢]. وإذا سُئل المسلم عما يعلم فعليه أن ينفع غيره بما يعلم، ولو وضع في الإفتاء لا عدل له، فيقول فيما يخاف أن يفتي به: "لا أدري"، "لا أعلم"، "ليس عندي جواب"، "أجبن عنه"، "استوحش منه"، "مسألة مشتبهة"، "أحب السلام"، "أحب العافية "، "أسأل غيري". قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]. وصفات الكمال في البشر ست هي: الإيمان بالله .. العلم .. الصدق .. البيان .. النصح .. الخُلق. وأكمل الناس في هذه الصفات الكريمة سيد الأنبياء والرسل، محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فقد جمع الله محاسن الأقوال، والأعمال، والأخلاق في الأنبياء، ثم فرقها في أمة سيد الأنبياء: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 1400

فالنبي صلى الله عليه وسلمأكمل الناس أخلاقًا، وإيمانًا، وعلمًا، ونصحًا، وبيانًا. فالإيمان، كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. والعلم، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. والصدق، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣]. والبيان، كما قال سبحانه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. والنصح، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وحُسن الخُلق، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ليصل الإنسان إلى التوحيد الحقيقي، والإيمان الحقيقي، والعبادة الحقيقية، والثواب الحقيقي، ويدخل جنة المعرفة الموصلة إلى جنة الآخرة، لابد له من معرفة سبعة أمور: الأول: معرفة الله بأسمائه، وصفاته وأفعاله، ومعرفة نعمه وخزائنه، ومعرفة وعده ووعيده، ومعرفة أركان الإيمان الستة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 1401

وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. الثاني: معرفة الدين الحق، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه إلى العباد؛ ليعملوا به ويعلموه للناس. قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. الثالث: معرفة الرسول، الذي أرسله الله بهذا الدين الحق، ومعرفة أقواله وأعماله وأخلاقه؛ ليتم للعبد الاقتداء به، والاهتداء بهديه، وإتباعه بكل ما جاء به. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 1402

ويجب على الإنسان أن يقتدي بالرسول ﷺ في خمسة أمور: في نيته وفكره وفي توحيده وإيمانه وفي توحيده وإيمانه وفي أعماله الصالحة وفي أخلاقه العالية. الرابع: معرفة هذا الإنسان الذي خلقه الله بيده، الذي سخر له ما في السموات، وما في الأرض، الذي يريد الله منه أن يكون له في الدنيا خليفة، وفي الآخرة جليسة، والجهد عليه حتى يؤمن بالحق، ويعمل بالحق، ويدعو إلى الحق: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. الخامس: معرفة عدو الإنسان، وهو الشيطان، ومعرفة خطواته، وكيده، ومكره بالإنسان؛ ليسلم الإنسان من شره، ويحذر من إتباعه، والوقوع في حبائله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].

стр. 1403

وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١ - ٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. السادس: معرفة الدنيا دار الإيمان والعمل، ومكان الابتلاء والاختبار، ودار الفناء والغرور. قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. السابع: معرفة الآخرة، دار الوعد، والوعيد، ودار الثواب، والعقاب، ومكان الخلود في دار القرار في الجنة، أو النار. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].

стр. 1404

وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. وقال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦] وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 1405

٨ - خزائن العلم والإيمان القسم الأول ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة
следующие страницы →