بعد أن أمهله الله ليتوب، فلم يستجب: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
فتعبَّد لله يا عبد الحيي بخلق الحياء، فالله حيي يحب الحياء وأهله، و «كانَ النَّبيُّ ﵌ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا». متفق عليه (١).
والحياء شعبةٌ من شعب الإيمان؛ وإذا عرفت هذا، فاعلم أن حياء الناس أنواع:
حياء الجناية: فمن عصى الله استحيا منه، وهو يتقلب في نعمه.
وحياء الجلال: فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلَّه، واستحيا من تقصيره في عبادته: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وحياء التقصير: فمن قصر في حق الله استحيا منه.
وحياء السؤال: فيستحي العبد أن يسأل ربه وهو مقيمٌ على معاصيه.
واعلم يا عبد الله أن الحياء والإيمان قُرِنا معًا؛ فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر، وكلما زاد الإيمان في القلب زاد الحياء، وكلما قلَّ الإيمان قلَّ الحياء، فكن حييًا من ربك العزيز الرحيم، فلا تعصه بنعمه، وكن حييًا من خلقه، فلا تفعل ما يسوء بينهم ومعهم، ولا تكن أسوةً سيئةً لهم في أقوالك، وأعمالك،
стр. 1577
وأخلاقك قال النبي ﷺ : «إنَّ ممَّا أدركَ النَّاسُ من كلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تستحْ فاصنَعْ ما شئتَ». أخرجه البخاري (١)
واعلم أن الحياء درجات؛ فمن استحى من الناس، ولم يستح من نفسه، فنفسه أخس عنده من الناس، ومن استحى من الناس ولم يستح من ربه، فهو أجهل الناس بربه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨].
فاستحِ يا عبد الله من نفسك، واستحِ من الناس، واستحِ من ربك العظيم أن تعصيه وأنت في ملكه، وتأكل من رزقه، وتحت عنايته.
ومن قوي حياؤه استحى من الأحياء والأموات، واستحى في سره وعلانيته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال النبي ﷺ : «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه». متفق عليه (٢).
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وارزقنا عبادتك كأننا نراك، واغفر لنا زلاتنا، وعثراتنا، إنك أنت العفو الغفور الرحيم.
стр. 1578
٩ - الخزانة التاسعة
فقه الإيمان بالقدر:
القدر: هو كل ما قضاه الله وقدره في هذا الكون العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فكل ما يجري في الكون من خلقٍ، وأمرٍ، وتدبيرٍ، وتصريفٍ، وحركةٍ، وسكونٍ، وحياةٍ، وموتٍ، وخوفٍ، وأمنٍ، وغنى، وفقر، وصحة، ومرض، وغير ذلك، كل ذلك وأمثاله كائنٌ بقضاء الله وقدره: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ [الرعد: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٣].
فيجب على المؤمن أن يؤمن بأقدار الله كلها، ولكن هذا لا يمنعه من فعل الأسباب المشروعة، لأن الله قدَّر الأقدار مربوطةً بأسبابها، فالله قدَّر جميع الأرزاق لكل أحد مربوطةً بأسبابها، فنأخذ بالأسباب الشرعية بأبداننا، ونتوكل على الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فالأكل، والشرب، واللباس مأمورٌ به شرعًا، فندفع قدرَ الجوع والظمأ والعُري بقدر الأكل والشرب واللباس، لأننا في دار الأسباب، ولابد من فعل
стр. 1579
الأسباب، امتثالًا لأمر الله الذي أمر بها، والدعاء من أعظم الأسباب التي تحصل بها المطالب؛ فإذا قدَّر الله المرض أو الفقر على أحد فيدفع ذلك بالدعاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والمؤمن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأقدار الله الكونية تجري على كل من في الكون من المخلوقات، ومن هؤلاء الإنسان الذي تجري عليه أقدار الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
فكل إنسانٍ تجري عليه، وتحصل منه، ثلاثة أفعال:
فعلٌ يقع عليه من ربه، وفعلٌ يقع منه، وفعلٌ يقع فيه.
فالفعل الذي يقع فيِّ من ربي لا خيار لي فيه، فأنا فيه مُسيّرٌ؛ كلون جسمي، وطولي، وعرضي، وتشغيل قلبي وجوارحي، كل ذلك من رحمة الله أنه تكفل به، فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وكذلك الذي يقع على الإنسان من خارجه مسيّرٌ فيه، لا خيار له فيه، بل هو مسخرٌ ومسيّرٌ فيه؛ كما لو أصابه الله بمرض، لأنه فعلٌ يقع عليه من فاعلٍ آخر، وهذا وما قبله لا تكليف على الإنسان فيه، لأنه لا خيار له فيه، وهو مقهورٌ عليه.
وأما الفعل الذي يقع مني كالطاعات والمعاصي، والكلام والكتابة، والأكل والشرب، والحب والبغض، فهذا الإنسان مخيرٌ فيه، لا مسيّرٌ، ولهذا خاطب
стр. 1580
الله الإنسان بقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فكل شيءٍ الإنسان فيه مسيّرٌ لا تكليف عليه، وكل شيءٍ الإنسان فيه مخيّرٌ فهذا مناط التكليف، ومنطقة الاختيار، وهي منطقة التكليف، وجهة التكليف؛ الله اختار لهذا الإنسان وكرَّمه بمنهجٍ يسير عليه، يحقق له المصالح في الدنيا والآخرة، ويدفع عنه المفاسد في الدنيا والآخرة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
ولولا أن الإنسان غيرُ صالحٍ للفعل لما قال له ربه افعل، وهو وفعله ومشيئته وإرادته مخلوقٌ لله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال : ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
والقدر الذي يجري على الإنسان وغيره محبوبٌ ومكروهٌ، والقدر المكروه لا يرفعه الله عن العبد حتى يرضى، ويسلّم بما جرى عليه من ربه، وأنه حق، ثم بعد ذلك يرفعه الله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
стр. 1581
والله حكيمٌ عليمٌ، قدَّر المقادير كلها في أوقاتها، وأماكنها، وأحجامها، وأنواعها: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٨ - ٩].
وقال : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
ومن أعظم الأدلة على أن الإنسان مخيرٌ في أفعاله، أن الله خاطبه بالأمر والنهي، ولولا أنه مخيرٌ في الفعل والترك، لما وجَّه الله إليه ذلك، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ولو كان الإنسان في أفعاله مسيرًا لا مخيرًا لأُلغي التكليف، وأُلغي الثواب والعقاب، ولما أوجد الله الجنة والنار: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية: ٢٢].
وحلاوة الإيمان بالقضاء والقدر:
إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
стр. 1582
والله سبحانه خلق الإنسان مخيرًا لا مسيَّرًا، وهو الحكيم الخبير الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء؛ فالإنسان إذا أراد الضلال، أراد الشهوات، أراد التفلت من أوامر الله، لأنه مخير، فالله يسمح له بذلك مع أنه نهاه عن ذلك، لأنه مخير!!.
والذي أراد الهدى يهديه الله ويعينه على ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فسبحان من بيده مقاليد الأمور يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، بعلمه وحكمته: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
فالله يهدي من أقبلَ عليه، ويضل من أعرض عنه، والإضلال الجزائي من الله، مبنيٌ على الضلال الاختياري من العبد: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨].
وكون الإنسان يُسأل يوم القيامة عما فعل، دليلٌ على أنه مختارٌ فيما يفعل من خيرٍ أو شر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
стр. 1583
والله سبحانه سيحاسب كل إنسانٍ يوم القيامة على ما فعله واختاره في الدنيا، وهذا دليلٌ على أنه مختارٌ فيما يفعل، لا مسيرٌ ولا مجبور: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
والله سبحانه عزيزٌ حكيمٌ لا يختار للناس إلا ما هو خير لهم في دُنياهم وأُخراهم، ولو أجبرهم على فعل شيء لما أجبرهم إلا على الحق والهدى، ولكنه لم يفعل؛ بل تركهم مختارين يفعلون ما شاءوا، بعد أن عرفهم بالحق ورغبهم فيه، وعرفهم بالباطل وحذرهم منه، وعرفهم الهدى من الضلال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣].
فما أجهل الإنسان إذا نَسب أخطاءه ومعاصيه إلى القضاء والقدر، وينسى أنه فعلها بنفسه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
وما أجهل الإنسان ينسب فضائله وتفوقه إلى نفسه، وليس إلى ربه الذي بيده ملكوت السموات والأرض: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
стр. 1584
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
وقد بيَّن الله في كتابه الكريم الحقَّ، ورغَّب فيه، وبيَّن الباطل، وحذَّر منه، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
أركان الطغيان:
بيَّن الله في القرآن العظيم الطغيان، وصفات الطغاة؛ كنمرود، وفرعون، وهامان، وقارون وغيرهم من الطغاة والمفسدين.
وقد بيَّن الله في القرآن الكريم أن الطغيان في كل زمانٍ ومكان يقوم على خمسة أركان:
الأول: المَلكُ الطاغية الجبار، الذي يرى أن كل الناس عبيده، يفعل بهم ما يشاء، ويرى كل شيءٍ في الأرض مُلكه، يفعل به ما يشاء، كما قال الله عن فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
الثاني: الوزير المزيِّن للطاغي سوءَ عمله؛ كهامان وزير فرعون، الذي زيَّن لفرعون جميع أفعاله، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
стр. 1585
الثالث: التاجر الفاجر الذي يسخِّر أمواله في خدمة الطاغية طمعًا فيما عنده، كقارون، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٥].
وقال عن قارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٧].
الرابع: عالِم السوء الذي يسخِّر علمه لبقاء الطاغية، طمعًا فيما يناله من الطاغية من مالٍ أو جاه، كسحرة فرعون، الذين قالوا لفرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢].
الخامس: الإعلاميون الكاذبون الذين يجحدون الحقائق، ويقلِبون الأمور لما يخدم الطاغية، طمعًا فيما عنده من ثواب، ويمثّله الحاشدون من جند فرعون، كما قال سبحانه عنهم: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٣٦ - ٤٠].
стр. 1586
فهذه هي الأركان الخمسة للطغيان في كل زمانٍ ومكان، إذا اجتمعت تحققت أسباب البطش الإلهي بالطاغية وجنوده، كما قال سبحانه: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٩ - ٤٠].
وقال عن فرعون وجنوده وأعوانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦].
وقال الله عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
فالطغيان مرضٌ بشريٌ يصيب أهل هذه الأركان الخمسة، فيَخرج به من العدل والإحسان إلى البغي والعدوان، ومن الصلاح والإصلاح إلى الفساد والإفساد: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
فهؤلاء الطغاة هم أضلُّ خلق الله، لأنهم فسدوا وأفسدوا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥].
والله هو الرزاق ذو القوة المتين، خلق الخلق لعبادته، وتكفَّل بجميع أرزاقهم، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ
стр. 1587
مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ورزق الله لعباده في الأرض مقيدٌ محدود؛ لما يعلمه الله سبحانه أن البشر في الدنيا لا يُطيقون أن يفتح الله عليهم فيضه ورزقه غير المحدود: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٧ - ٢٨]
والله حكيمٌ عليم يعلم أن البشر في الدنيا لا يطيقون الغنى إلا بقدر، ولو بسط لهم الرزق كما يبسطه في الآخرة لبغوا وطغوا: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
ومن رحمة الله بعباده أن جعل رزقهم في الدنيا مقدّرًا محدودًا بقدر ما يطيقون، وبقدر ما يصلحهم، واستبقى فيضه العظيم المبسوط يوم القيامة بلا حدود ولا قيود لمن آمن به واتقاه في الدنيا: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال عن المؤمنين: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
والله سبحانه خلق جميع المخلوقات، وتكفَّل بأرزاقهم كميةً ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا، وقَسَمها، فكل مخلوق سيأتيه رزقه في وقته ومكانه، ومقداره وزمانه، ويطرق عليه بابه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢].
стр. 1588
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
واعلم أيها العبد أنك إذا رأيت النساء تكدح في طلب المعاش، فاعلم أن هناك نقصُ رجولةٍ في المجتمع، كما قال سبحانه عن المرأتين في قصة موسى ﷺ : ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤].
وأرزاق الله لعباده أنواعٌ كثيرةٌ؛ فالعلم رزقٌ، والذكاء رزقٌ، والعقل رزقٌ، والسمع رزقٌ، والبصر رزقٌ، والهداية رزقٌ، والإيمان رزقٌ، والطعام والشراب رزقٌ، والأمن رزقٌ، والعافية رزقٌ، والله سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
فسبحان من خلق أنواع الأرزاق، وجعل لكل مخلوقٍ رزقه، من حيوانٍ، وإنسانٍ، وجان: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨].
ومن هذا رزقه، وهذا عطاؤه، وهذا كرمه، وهذا إحسانه، هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 1589
١٠ - الخزانة العاشرة
مراتب الأنبياء والرسل:
من رحمة الله بعباده، وعنايته بهم، والإحسان إليهم، أن خَلَقهم في أحسن تقويم، واصطفاهم بأن خلق أباهم آدم ﷺ بيده، وأكرمهم جميعًا بكراماتٍ عظيمةٍ، وساق إليهم أرزاقهم في أماكنهم، واجتبى منهم الأنبياء والرسل، وأرسلهم إليهم في كل زمانٍ ومكانٍ، يدعونهم إلى عبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
و قد بلغ عدد الأنبياء والرسل مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهؤلاء كلهم قاموا بالدعوة إلى الله في أزمنة مختلفة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وأول الرسل بعد آدم نوحٌ ﷺ ، وآخرهم سيدهم وأفضلهم محمدٌ ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقد اصطفى الله جميع الأنبياء والرسل، وأرسلهم على مدى الزمان إلى خلقه، وفضَّل بعضهم على بعض، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا
стр. 1590
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقد خصَّ الله كل طائفةٍ من الأنبياء والرسل بنوع من الإكرام والفضل، وجعلهم مراتب على النحو التالي:
الأولى: مرتبة الملك والسلطان والقوة، وقد أعطى الله داود وسليمان ﵉ من هذا الباب نصيبًا عظيمًا.
الثانية: مرتبة البلاء الشديد، والمحنة العظيمة؛ وقد خصَّ الله أيوب ﵇ بهذه المرتبة العظيمة.
الثالثة: من جمع بين الملك والبلاء؛ وهو يوسف ﷺ ، فإنه نال البلاء العظيم في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك والعزة في آخر الأمر، كما قال في دعائه.
قال الله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
الرابعة: مرتبة قوة المعجزات، وكثرة البراهين الدالة على وحدانية الله، والمهابة العظيمة، والصولة الشديدة، والتخصيص بالتكريم والتقريب، وهذا كان في حق موسى وهارون ﵉.
الخامسة: الزهد الشديد، والإعراض عن الدنيا، وزينتها، وزخارفها، وترك مخالطة من غرته الدنيا، وهذا في حق زكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس ﵈، ولهذا وصفهم الله في كتابه بأنهم من الصالحين.
стр. 1591
السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم أتباع من الخلق؛ وهم إسماعيل، واليسع، ويونس، ولوطًا ﵈.
السابعة: من خصَّه الله بجميع فضائل الأنبياء والرسل، وهو سيد الأنبياء والرسل، وسيد الخلق أجمعين محمدٌ ﵌، الذي جمع محاسن الأقوال، والأعمال، والأخلاق، كما أثنى عليه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقد ذكر الله هؤلاء الأنبياء والرسل في سورة الأنعام، ثم أمر رسوله ﷺ بالاقتداء بهم.
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٧].
ثم قال الله لرسوله محمدٍ ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
والله خالق كل شيء؛ خلق الجن والإنس، وخلق غيرهم من المخلوقات: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 1592
وحكمة خلق إبليس:
أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، وإبليس كان معهم حين ذاك، فإن كان إبليس سبقهم بالعبادة وهو مختار، فيجب أن يسجد معهم، لأنه أفضل منهم، وإن كانت الملائكة أرفع منه بمحض الخِلقة، فيجب أن يسجد، لأن الأمر إذا توجه للأعلى فيجب أن يسجد معه الأدنى من باب أولى.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والذي منع إبليس من السجود لآدم، هو الكبر والحسد لآدم لمَّا تحمَّل الأمانة، لأنه يرى أنه خيرٌ منه، كما قال الله عنه أنه قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٦].
ومعنى هذا أن الأعلى لا يصح أن يسجد للأدنى، وبعد جريمة الكفر والكبر والحسد والفخر من إبليس، لعنه الله وأهبطه إلى الأرض التي فيها أهل الطاعة، وأهل المعصية، وأهل الإيمان وأهل الكفر، وأخرجه من السماء التي كلها طاعاتٌ ونور.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص: ٧٧ - ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٣].
стр. 1593
وجريمة إبليس من أعظم الجرائم؛ لأنه أعلن بالمعصية لربه أمام من لا يعرفون إلا طاعة من خلقهم، وهم الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
فعمل إبليس الأول أهَّله ليكون في العلو لقوة عبادته، وعمله الأخير أهَّله ليكون في الأسفل، ثم في النار، فرفع إبليس مع الملائكة في السماء إيمانه وعمله الصالح، وأهبطه إلى الأرض كفره وعمله السيئ، كما أهبطت آدم ﷺ إلى الأرض معصيته، لأن السماء والجنان محل أهل الطاعات، أما الأرض ففيها من يطيع الله، ويعصيه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
ومعصية إبليس كانت عن كفرٍ، وكبرٍ، وحسدٍ، وبغيٍ، واحتقار، أما معصية آدم فهي عن ضعفٍ، وشهوةٍ، ونسيانٍ، ولهذا تاب آدم فتاب الله عليه، واستكبر إبليس فلعنه الله، فالأنبياء والرسل أئمة الحق والهدى، وإبليس وذريته أئمة الباطل والهوى والضلال.
стр. 1594
قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة: ١٤٨].
ولعظيم كفر إبليس، وكبره، وحسد، طلب من ربه إمهاله إلى يوم القيامة، فأمهله حيًا إلى يوم الوقت المعلوم.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
فماذا قال إبليس لربه بعد هذا الإمهال؟.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٨].
والله سبحانه هو الحق الذي يهدي ولا يغوي، ولكن إبليس كذب على ربه بالإغواء؛ فالإغواء إغراءٌ بالمعصية، والله يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فالإغواء والإضلال من صفات المكلفين؛ كالهداية إلى الحق والخير، كما قال سبحانه عن آدم وزوجه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢].
стр. 1595
وقال سبحانه عن إبليس: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢١].
فالله خلق إبليس مختارًا، كما خلق آدم مختارًا، فقال عن آدم: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وقال عن إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والله سبحانه أرسل الأنبياء، ليأمروا الناس بالإيمان والطاعات، وعبادة الله وحده، وأرسل الشياطين ليأمروا الناس بالكفر والمعاصي: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
والإنسان مبتلى بين هؤلاء وهؤلاء.
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
стр. 1596
لهذا نلجأ إلى الله ونفر إليه من شر الشيطان، وكيده ومكره، لأن الذي مكَّن الشيطان من الإنسان، وجعله يجري من ابن آدم مجرى الدم، هو القادر على حماية عباده منه، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
ولقد أضل الشيطان كثيراً من بني آدم، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وفقهنا في الدين، يا ذا الجلال الإكرام.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
وهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؛ فقد أكرمها الله بأحسن الكتب، وأفضل الرسل، وأحسن الشرائع، وأفضل البلاد، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
стр. 1597
فضائل الرسول ﷺ :
رسول الله ﷺ رسولٌ لكل البشرية إلى يوم القيامة، جمع الله فيه محاسن الأقوال، والأعمال، والأخلاق، والآداب.
فهو إمام الأنبياء، والمرسلين، وخليل رب العالمين، ورسول الله إلى الناس أجمعين، فهو ﷺ خيرٌ من كل أحد، وله الفضل على كل أحد، وزكَّاه ربه الواحد الأحد، فقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
زكَّاه ربه إجمالًا وتفصيلاً في كتابه الكريم.
فالإجمال كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فهو ﷺ الرحمة المهداة لكل الخلائق مِنْ بِعثته، وأول من استفاد من هذه الرحمة من آمن به: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وهو ﷺ رحمةٌ على المنافقين بالستر لهم على ما في قلوبهم، ورحمةٌ على الكفار والمشركين بالإمهال، وعدم أخذهم بالعذاب، ورحمةٌ على البشرية كلها إلى قيام الساعة.
قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
стр. 1598
وكما زكَّى الله رسوله محمدًا ﷺ بالإجمال، فقد زكَّاه ربه في القرآن بالتفصيل، فقد كان خُلُقُه القرآن، يتخلَّق بأخلاقه، ويتأدَّب بآدابه، ويصدِّق أخباره، ويمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه.
والقرآن الكريم عدد آياته ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية، وقد جمع الله فيه ثلاثة أشياء:
صورة النبي، وسيرة النبي، وسريرة النبي ﷺ ، وقد ذكر الله هذه الثلاث في أكثر من ألفي آية من كتاب الله ، فذكر صورة النبي ﷺ بالتفصيل من الرأس إلى القدم.
فذكر بصره بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧].
وذكر سمعه بقوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [التوبة: ٦١].
وذكر لسانه بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وذكر وجهه بقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤].
وذكر قلبه بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وذكر صدره بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١].
وذكر ظهره بقوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح: ٣].
وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣].
فهو ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين، وخاتَم النبيين؛ وأمته ثلاثة أصناف:
ظالمٌ لنفسه، ومقتصدٌ، وسابقٌ بالخيرات، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢].
وكلهم في الجنة كما قال سبحانه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٣ - ٣٤].
فالسابقون من أمته يدخلون الجنة بغير حساب، وأما المقتصدون فيدخلون الجنة برحمة الله، وأما الظالمون لأنفسهم فيدخلون الجنة بشفاعة رسول الله ﷺ .
والرسول ﷺ بعثه الله رحمة للعالمين، ونحن يجب أن نكون رحمة للعالمين، لأننا من أتباعه، فنقوم بأعماله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 1601
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٨ - خزائن العلم والإيمان
القسم الثالث
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 1602
٨ - خزائن العلم والإيمان
القسم الثالث
١ - الخزانة الأولى
فقه استحضار النية في الأعمال:
النيّة: هي أصل العبادات، والنية هي القصد للعمل تقربًا إلى الله وحده، وطلبًا لمرضاته وثوابه، وتنقسم النية إلى قسمين:
الأول: نية العمل: من طهارةٍ، وصلاةٍ وصدقةٍ، وصومٍ، ونحو ذلك.
الثاني: نية المعمول له؛ بإخلاص العبادة لله وحده: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
والأعمال الصالحة سواءً كانت فرضًا أو نفلًا، إنما تَعظُم وتتفاضلُ، ويكثرُ أجرها، ويزيد ثوابها، حسب ما يقوم بقلب فاعلها من الإيمان، والإخلاص، والمتابعة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وصاحب النية الصادقة إذا حبسَه عذرٌ عن العمل أو إتمامه، فهو ملحقٌ بالقائم به فَضلًا من اللَّهِ ونعمةً ورحمةً: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ
стр. 1603
وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
وقال النبي ﷺ : «إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ لَهُ ما كانَ يعملُ مُقِيمًا صَحِيحًا». أخرجه البخاري (١).
وقال النبي ﷺ : «إنَّ بالمَدِينَةِ أقْوامًا، ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلَّا كانُوا معكُمْ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ». متفق عليه (٢).
وقال النبي ﷺ : «مَنْ أخَذَ أمْوالَ النَّاسِ يُرِيدُ أداءَها أدَّاها اللَّهُ عنْه، ومَن أخَذَها يُرِيدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ اللَّهُ». أخرجه البخاري (٣).
ومن قصد بكسبه وجميع حركاته وتصرفاته القيام بحق الله، وطَلبِ مرضاته؛ انقلبت عاداته إلى عبادات، وبوركَ له في أعماله؛ ومن فاتته هذه النية الصالحة فاته خيرٌ كثير.
قال النبي ﷺ : «إِنَّكَ لَنْ تَعْمَلَ عَمَلًا تبْتغِي بِهِ وجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجرْتَ عَلَيْهِ حَتَّى ما تَجْعلُه في فِيِّ امْرَأَتكَ». متفق عليه (٤).
وكل عبادةٍ أو معاملةٍ وقعت خلافَ أمر الله ورسوله فهي فاسدةٌ، مردودةٌ، باطلةٌ، لاغية لا يُعتدُّ بها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عملًا ليسَ عليهِ أمْرُنا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (٥).
стр. 1604
فهذا الدين العظيم له ميزانان:
ميزانٌ للأعمال الباطنة، وميزانٌ للأعمال الظاهرة.
قال النبي ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ مِنهُ، فَهو رَدٌّ». متفق عليه (٢).
فهذان الحديثان العظيمان الجامعان يدخل فيهما الدين كله؛ أصوله وفروعه، ظاهره وباطنه؛ فالأول ميزان الأعمال الباطنة، والثاني ميزان الأعمال الظاهرة، فلا يصحُّ أي عمل إلا بإخلاص العبادة لله وحده، والمتابعة لرسول الله ﵌، فمن أخلص العمل لله، متبعًا في ذلك رسول الله ﷺ ، فهذا عمله صحيحٌ مقبولٌ، وصاحبه داخلٌ في قوله سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
ومن فقد الإخلاص والمتابعة أو أحدهما، فعمله فاسدٌ مردودٌ، وصاحبه داخلٌ في قوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
فاستقم كما أُمِرتَ بإخلاص العبادة لله وحده: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وأدِّ عملك مطابقًا لعمل النبي ﷺ ، ولا تخالفه في شيءٍ من ذلك فتندم وتخسر: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
стр. 1605
والدين كله منحصرٌ في أمرين:
الاستقامة .. والنصيحة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال النبي ﷺ : «الدينَ النصيحةُ، الدينَ النصيحةُ، الدينَ النصيحةُ، قالوا: لمَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: للهِ، ولكتابِه، ولرسولِه، ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم». أخرجه مسلم (١)
فالنصيحة لله: الاعتراف والإقرار بوحدانيته، وربوبيته، وألوهيته، وتفرُّده ﷻ بجميع صفات الكمال على وجهٍ لا يشاركه فيها غيره: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والقيام بعبودية الله وحده لا شريك له، والإنابة إليه في كل وقتٍ، ومكانٍ، وحالٍ، مع لزوم التوبة والاستغفار دائمًا، لأن العبد لا بد له من التقصير والغفلة في حق الله، سواءً كان ذلك بسبب الجهل، أو الضعف، أو ترك واجبٍ، أو فعل محرمٍ، وبلزوم التوبة والاستغفار في كل حين ينجبر نقصه، ويتم عمله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 1606
وأما النصيحة لكتاب الله :
فتكون بفهمه وتدبره، وتعلم ألفاظه ومعانيه، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وأما النصيحة لرسول الله ﷺ :
فتكون بالإيمان به، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا تعبد الله إلا بما شرع، وتوقيره ﷺ ، ومحبته، وتقديمه في ذلك على النفس والمال والولد، واتباعه في كل ما جاء به، والاجتهاد في الاهتداء بهديه، ونشر سنته، ونصر دينه.
قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأما النصيحة لأئمة المسلمين:
وهم كل من له ولاية عامة، أو خاصة؛ كالحكام، والأمراء، والقضاة، والمدراء، وغيرهم، فتكون باعتقاد ولايتهم، والسمع والطاعة لهم في غير معصية الله، وحث الناس على ذلك، وبذل ما نستطيع من إرشاد الولاة، وتنبيههم بالحكمة إلى القيام بواجبهم، وإرشادهم في كل ما ينفعهم وينفع الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 1607
وأما النصيحة لعامة المسلمين:
فبالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يحب المرء لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فمن قام بهذه الحقوق الخمسة، واستقام على ذلك؛ حصَّل على عظيم الأجور، وسلم من جميع الشرور، وفاز بجميع المحاب في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ، قالَ: «قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ». أخرجه مسلم (١).
والإيمان بالله يشمل كل ما يجب اعتقاده من عقائد الإيمان، والانقياد والتسليم لله ظاهرًا وباطنًا، وما يَتْبعُ ذلك من أعمال القلوب من الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، وإرادة الخير، وكراهة الشر، وما يَتْبعُ ذلك من
стр. 1608
أعمال الجوارح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وبذلك يَكْمُل الإيمان، وتَحْصلُ الاستقامة، ويحصل الفلاح في الدنيا والآخرة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ [فصلت: ٦].
علاج وسوسة الشيطان:
الرحمن ﷻ ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والشيطان يوسوس لبني آدم ليخرجهم من النور إلى الظلمات، ومن الإيمان إلى الكفر، ومن التوحيد إلى الشرك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وأعظم وسوسة الشيطان في الإيمان بالله .
قال رسول الله ﷺ : «يَأْتي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فيَقولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ ولْيَنْتَهِ» متفق عليه (١).
стр. 1609
وفي لفظ: «فليَقُلْ آمنْتُ باللَّه ورُسُلِه» أخرجه مسلم (١).
وفي لفظ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولون: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟». أخرجه مسلم (٢).
فإبليس عدوٌ لآدم وذريته، ومن أعظم عداوته أنه يلقي هذا السؤال الباطل في قلوب بني آدم، إما بوسوسة محضة مباشرة منه، وإما على لسان شياطين الإنس، ومنافقيهم، وملاحدتهم.
وهذا السؤال الباطل يُدْفعُ بأمورٍ ثلاثة:
الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
والثاني: الانتهاء.
والثالث: الإيمان بالله .
أما الاستعاذة؛ فالشيطان عدوٌ مبينٌ للإنسان، يوسوس في قلوب الناس، ليشككهم بربهم، والإيمان به، فمن وجد ذلك في قلبه فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فمن تعوذ بالله منه بصدق أعاذه الله منه، وطرده عنه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
وبعد الاستعاذة بالله منه ينتهي العبد، ويقف، فإن الله جعل للعقول والأفكار حدًا تنتهي إليه، كما جعل للسمع والبصر والقدرة عند الإنسان حدودًا تنتهي إليها، وتقف عندها، فجميع المخلوقات تنتهي إلى الله الخالق الذي أوجدها،
стр. 1610
وجميع النعم تنتهي إلى الله الذي أنعم بها: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
فإذا وصلت العقول إلى الله ﷻ آمنت به، وانتهت، وأذعنت للخالق الذي خلقها، إذ لا يمكن وجود هذه المخلوقات بدون خالقٍ خلقها.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فالله سبحانه وحده هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
فليقف العقل عند حدِّه، كما وقف البصر عند حدِّه، ووقف السمع عند حدِّه، فإن العقل مخلوقٌ لا قدرة له على ما حُجِبَ عنه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
أما الأمر الثالث في دفع وسوسة الشيطان: فهو أن يدفعه بما يضاده من الإيمان بالله ورسله، وذلك بالنظر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية، وذلك يُثمر قوة الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
стр. 1611
وهذا الإيمان الصادق اليقيني يدفع جميع الشبه التي تضاده، فالحق يدفع الباطل، والإيمان يدفع الكفر، والتوحيد يدفع الشرك، واليقين يدفع الشك: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
فهذه الأمور الثلاثة التي بيَّنها النبي ﵌ تُبطل الشبهة التي يوسوس بها الشيطان وجنوده؛ فأمر أولًا بالاستعاذة بالله من الشيطان المُلقي بهذه الشبهة، ثم أمر بالانتهاء والكفّ الذي يُنهي التسلسل في الباطل، ثم أمر بتقوية الإيمان الذي يدفع كل ما يُضاده من الباطل.
فبالاستعاذة قَطعُ السبب الداعي إلى الشر والشك، وبالانتهاء قَطعُ الشر، وإخماد ناره، وبالإيمان بالله القوي دفعُ كل معارضٍ يوسوس به الشيطان وجنوده من فتن الشبهات، وفتن الشهوات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ويسلم العبد من فتن الشبهات والشهوات: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
وإذا قامت شهادة التوحيد في القلب أنارت كل ظُلمة، وأحرقت كل شُبهة، لأنها كالشجرة الطيبة أصولها: شهادة التوحيد والإيمان، وفروعها القيام بشرائع الدين كلها، من حقوق الله، وحقوق عباده، وثمارها الثواب العاجل والآجل، وحُسن الخلق: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
стр. 1612
فقه الإيمان بالقضاء والقدر
الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، سابقه ولاحقه؛ أحد أركان الإيمان الستة الواردة في حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال النبي ﷺ : «أن تؤمِنَ باللَّهِ وملائكتِهِ ورسلِهِ وكتبِهِ واليومِ الآخرِ والقدَرِ خيرِهِ وشرِّه». متفق عليه (١).
فعِلمُ الله محيطٌ بكل شيء خلقًا وتدبيرًا وتقديرًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فالله سبحانه علم جميع أفعال العباد خيرها وشرها، وعلم جميع أمورهم وأحوالهم، وعلم كل ما كان وما يكون، وما سيكون، وكتب سبحانه كل شيء في اللوح المحفوظ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٣].
وجميع أفعال الله في ملكه تجري وفق العلم المطلق، المقرون بالقدرة المطلقة، المقرونة بالمشيئة المطلقة، المقرونة بالحكمة المطلقة، المقرونة بالخير المطلق: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
стр. 1613
والله سبحانه مع خلقه للعباد وصفاتهم وأفعالهم أعطاهم قدرةً، وإرادةً، ومشيئةً تقع بها أفعالهم بحسب اختيارهم، فأقوالهم وأفعالهم تقع بمشيئتهم وقدرتهم اللتين خلقهما الله فيهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وقد يسَّر الله كل مخلوق لما خلق له: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
فمن وجَّه وجهه لربه حبَّب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
ومن وجَّه وجهه لغير الله تولَّاه الشيطان، وولَّاه الله ما تولَّى، وخذله، ووكله إلى نفسه، فضلَّ وغوى، وليس له على ربه حجة، لأن الله أعطاه جميع الأسباب التي يقدر بها على الهداية، من العقول، والسمع، والبصر، ونزول الوحي، وإرسال الرسل، ولكنه اختار الضلال على الهدى، فلا يلومنَّ إلا نفسه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
стр. 1614
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠].
فلا يقع في مُلك الله شيءٌ لم يأذن به.
والله خلق الإنسان، وأعطاه حرية الاختيار، وخيَّره بأن يقوم بالحق، أو ينصرف إلى الباطل، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فالله لم يُكره أحدًا من الإنس والجن على الفعل، وإنما أعطاه الاختيار، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وعن علي ﵁ قال: «كانَ النبيُّ ﵌ في جَنَازَةٍ، فأخَذَ شيئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ به الأرْضَ، فَقالَ: ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلَّا وقدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، أمَّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الشَّقَاءِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]». متفق عليه (١)
стр. 1615
٢ - الخزانة الثانية
فقه الدعوة إلى الهدى
الهدى هو الإيمان بالله، والدعوة إلى الله، والعلم النافع، والعمل الصالح، وفضلُ الدعوة إلى الهدى عظيم، وثوابها كبير.
والدعوة إلى الضلالة ذنبها عظيم، وجرمها كبير، وعقابها أليم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وميادين الدعوة إلى الهدى والخير كثيرةٌ متنوعة:
فكل من علَّم علمًا من علوم الشريعة، أو فتح للناس أبواب العلم الذي ينفعهم في الدنيا والآخرة، فهو داعٍ إلى الهدى.
وكل من دعا إلى أي عمل صالح يتعلق بحقوق الله، أو بحقوق الخلق، فهو داعٍ إلى الهدى.
وكل من اهتدى في علمه أو عمله، فاقتدى به غيره، فهو داعٍ إلى الهدى؛ وكل من سبق غيره بعملٍ خيري، أو مشروع عام النفع، فهو داعٍ إلى الهدى؛ وكل من أبدى نصيحةً دينيةً أو دنيوية يُتوصلُ بها إلى الدين والخير، فهو داعٍ