الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ومن عرف الله أكثَرَ من ذِكره، وتكبيره، وحمده، وشكره.
وأفضل الذِّكر ما كان خفيًا بين العبد وربه، لأنه أقرب إلى الإخلاص، إلَّا ما ورد الشرع بإظهاره: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
ومن عصى الله غافلًا، أو جاهلًا، أو ناسيًا، أو متعمدًا فليذكُرِ الله تائبًا، نادمًا، معتذرًا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦].
وعلامة الإيمان الإكثار من ذكر الله، وعلامة الكفر عدم ذكر الله، وعلامة النفاق الإقلال من ذكر الله، لأنهم لم يؤمنوا به حتى يذكروه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
وذِكر الله لك في الصلاة أعظم من ذِكرك له؛ لأنك أيها المسلم إذا ذكرت ربك في الصلاة أديت واجب العبودية، لكن الله إذا ذَكرك وأنت في الصلاة أحبك، ومنحك الرضا، ومنحك السعادة، والأمن والطمأنينة، وغفر لك: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
стр. 1542
وعلم الدين ينقسم إلى قسمين:
مهمٌ وأهم، وحسنٌ وأحسن، وواجبٌ وأوجب؛ فالعلم بأحكام الدين كأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغيرها مهمٌ، وحسنٌ، وواجبٌ، حتى يَعبُدَ المسلم ربه بهذه الأعمال، ولكن العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله أهم، وأحسن، وأوجب؛ لأنه يثمر كمال التوحيد، والإيمان، والتقوى، فإذا عرفت ربك فاعلم بعد ذلك ما أمرك به، لتفوز برضوانه إذا عرفته وأطعته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
فقه الدعوة إلى الله:
والدعوة إلى الله أحسن الأعمال بعد الإيمان، لأن الله يخرج بها الناس من الشرك إلى التوحيد، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
فوظيفة كل مسلم الأساسية هي الدعوة إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 1543
ووظيفة المسلم الفرعية الخاصة: مدرس، معلم، قاضي، تاجر، طبيب، مهندس، عامل، حِرفي، .. وهكذا.
والله أمرنا بهذا وهذا لتستقيم هذه الحياة لنا كلها على أوامر الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
فالدعوة إلى الله وظيفة الأمة كلها وجالاً ونساء: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وجهد الدعوة إلى الله يثمر جهد العبادة، وجهد الإيمان، وجهد التقوى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والإنسان يخرج من الدنيا فقط بأمرين: بالحسنات، أو السيئات، أو بالحسنات والسيئات، ثم يُجازى بما عمل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة/ ٦ - ١١].
وأعظم الحسنات وأوسعها لا توجد إلا في الدعوة إلى الله، لماذا؟
لأن الدعوة تثمر المؤمنين، والمتقين، والمحسنين، والمصلين، والصائمين، والمزكين، والدُعاة إلى الله وغيرهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي
стр. 1544
جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
فأحسن الجهود في الحياة: هو جهد الدعوة إلى الله في كل زمانٍ، وفي كل مكانٍ، وفي كل حالٍ، مع فعل الواجبات والمستحبات، وترك المنهيات والمكروهات: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فالتأسّي بالنبي ﵌ ينقسم إلى قسمين:
حسنٌ وأحسن، وواجبٌ وأوجب؛ فالأحسن والأوجب أن يكون جهدي كجهده ﷺ ، ودعوتي كدعوته، وأخلاقي كأخلاقه، ويومي كيومه، وليلي كليله، والحسن والواجب أن تكون عبادتي كعبادته، وصلاتي كصلاته، وسواكي كسواكه، وأكلي كأكله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الدين لك، وجهد الدعوة عليك، والعبادة فيما بينك وبين ربك، والدعوة فيما بينك وبين الخلق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فقه حلاوة الإيمان:
أسعد الناس في الدنيا والآخرة من آمن بالله واستقام على أوامره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
стр. 1545
فإذا عرفت أيها الإنسان أنك المخلوق الأول، وأنك لن تدوم في الأرض، وأنك ستصير إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض إن آمنت، وأنك سترى ربك يوم القيامة الذي آمنت به، وأخلصت العبادة له؛ سارعت إلى كل طاعة وابتعدت عن كل معصية، وعظّمت من خلقك، ورزقك وهداك، وحمدته وشكرته، وأحببته ومجدته، وسجدت لعظمته، وتصاغرت لكبريائه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأعقل الناس من آمن بالله، وصدَّق أخباره، وطبَّق أحكامه، وأخلص العبادة له؛ ففاز برضوانه، وعظيم ثوابه، ونجا من سخطه وعقابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وفي هذه الحياة الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة؛ وجنة الدنيا هي معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وتعظيمه، وحبه، وعبادته وحده لا شريك له: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
فأسعد الناس من آمن بمن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وحلاوة الإيمان أحلى من كل حلو، وأغلى من كل شيء؛ ومن دفع قيمة حلاوة الإيمان ذاق حلاوة الإيمان، وقيمة حلاوة الإيمان هي القيام بالدعوة إلى الله، وعبادة الله ، وتعليم شرعه، والإحسان إلى خلقه: ﴿وَمَنْ
стр. 1546
أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وإذا ذُقت أيها المسلم حلاوة الإيمان بذلت الغالي والنفيس من أجل الله ، وكنت أسعد الناس في الدنيا والآخرة، فالذي يشدك إلى جميع الأعمال الصالحة هو حلاوة الإيمان، لكن حلاوة الإيمان ثمنها باهظٌ جدًا؛ فثمنها البذل والتضحية، والترك من أجل الله، ثم تأتي النتائج عظيمةٌ جدًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وحلاوة الإيمان تشد العبد إلى عبادة الله، والأعمال الصالحة ثمرة حلاوة الإيمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
فمن عرف حقائق الإيمان، وأعمال الإيمان، وما ذاق حلاوة الإيمان لم تسارع نفسه للعمل بمقتضى ذلك الإيمان؛ فمن ذاق حلاوة الإيمان وجد الأنس والسرور، والمحبة والرغبة في كل عبادة، في كل درس، في كل موعظة، في كل دعوة، في كل إحسان، في كل صدقة، في كل عمل صالح كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومن ذاق حلاوة الإيمان قام بين يدي ربه قانتًا، راكعًا، ساجدًا، ومسبحًا، وسائلًا، ومستغفرًا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
стр. 1547
ومن ذاق حلاوة الإيمان قام بين يدي ربه عابدًا له، ومسبحًا بحمده، وقام بين يدي خلقة داعيًا إلى الله، ومعلمًا لشرع الله، ومحسنًا الى خلق الله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
حلاوة الإيمان هي ثمرة معرفة الله بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ فمن عرفها أدَّى كل عبادة بالحب لله، والتعظيم له، والذل له، كما قال الله عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فلم يذق طعم الإيمان ولا حلاوة الإيمان، ولا حقيقة الإيمان، من قرأ القرآن بلسانه أو سمعه بأذنه، وقلبه غافلٌ عن تدبره، وقلبه غافل عن أخباره وأحكامه، فلا هو يصدق الأخبار، ولا هو يطبق الأحكام: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
لم يَذُق حلاوة الإيمان من كان دومًا آخر الداخلين إلى المسجد، وأول الخارجين منه، لم يَذُق حلاوة الإيمان من اشتغل بأمور دنياه وغفل عن أمور أخراه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
لم يَذُق حلاوة الأيمان من نافس في المناصب، وأشغل جُلّ أوقاته في الشهوات والمكاسب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].
стр. 1548
لم يَذُق حلاوة الإيمان من ثقُلت عليه الطاعات، ونام عن الواجبات، وأشغلته نفسه بالمباحاتِ والشهوات.
لم يَذُق طعم الإيمان وحلاوته من كان جاهلًا بالله وأسمائه، وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وجزيل نعمه وإحسانه، وكمال رحمته وحلمه، وعظمة قوته، وشدة انتقامه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
لم يَذُق حلاوة الإيمان من وجد الأنس والسرور بالمخلوقات، فاشتغل بها عن محبوبات الرب من الأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة.
لم يَذُق حلاوة الإيمان من شغله حب الأموال والشهوات، والمخلوقات، والمصنوعات، عن حب الله، وحب كتابه، وحب رسوله، وحب دينه، والعمل بشرعه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
لم يَذُق حلاوة الإيمان من أشغله الشيطان بالغبية والنميمة، والسب والشتم، والقيل والقال عن ذكر الله وتسبيحه، وحمده وشكره، وطاعته وعبادته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
стр. 1549
لم يَذُق حلاوة الإيمان من قدَّم الشهوات البهيمية، والمحبوبات البدنية على الاشتغال بزيادة الإيمان، والاستكثار من الأعمال الصالحة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
فليس الشأن أن تحب الله ورسوله فقط؛ إنما الشأن كل الشأن أن يحبك الله ورسوله، ولن يحبك الله ورسوله حتى تؤمن بالله، وتطيعه، وتعبده، وتتبع رسوله بكل ما جاء به من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، وغيرها من شرائع الإسلام: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
لم يَذُق طعم الإيمان من أطلق بصره في الشهوات المحرمة، والصور الفاتنة، ورؤية الكاسيات العاريات: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣٠ - ٣١].
لم يَذُق طعم الإيمان، ولا حقيقة الإيمان، ولا حلاوة الإيمان، ولا حلاوة العبادة من أضاع أوقاته في الغفلات، والشهوات، والمباحات، وغفل عن ذكر ربه، وعبادته والدعوة إليه، وتعليم شرعه، والإحسان إلى خلقه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
٦ - الخزانة السادسة
فقه الإيمان باسم الله الجميل:
الله هو وحده الذي يستحق العبادة دون سواه؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والنعوت الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الجميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، الجميل الذي له نعوت الحُسنِ، والإحسان، والجلال والجمال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ جميلٌ يُحبُّ الجَمالَ». أخرجه مسلم (١).
هو سبحانه الجميل الذي له الجمال كله من جميع الوجوه، الجميل الذي كل جمالٍ في العالم فمن آثار جماله، الجميل الذي وهب الجمال لكل جميل، هو سبحانه الجميل الذي لا أحد أجملَ منه، فلو اجتمع كل جمال المخلوقات العلوية والسفلية في واحد، ثم جُعلت جميعها على جمال ذلك الواحد، ثم نُسب هذا الجمال كله إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراجٍ ضعيفٍ إلى عين الشمس: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
стр. 1552
وجمال الجميل سبحانه على أربع مراتب:
جمال الذات.
جمال الأسماء.
جمال الصفات.
جمال الأفعال.
فجمال الذات: ذاته سبحانه أجمل الذوات، وأكمل الذوات، وذلك أمرٌ لا يدركه سواه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وكلما قويت معرفة الجميل في القلب زادت المحبة له، وزاد القرب منه، فكيف إذا حصلت الرؤية له يوم القيامة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
أما جمال الأسماء: فأسماء الله أحسن الأسماء، وأجمل الأسماء، فهي في غاية الحُسن، والجمال، والجلال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
أما جمال الصفات: فصفات الله أجمل الصفات، لأنها صفات مدحٍ، وحمدٍ، وثناءٍ، وجمالٍ، وكل جمالٍ في الخلق فمن آثار جمال صفاته، فهو الحي بجميع صفات الكمال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
стр. 1553
أما جمال أفعاله: فأفعاله كلها في غاية الحسن والجمال؛ لأنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يُحمد ويُشكر عليها، وبين أفعال العدل التي يُحمد ويُشكر عليها لموافقتها الحكمة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
فسبحان الجميل الذي جميع أفعاله في منتهى الحسن والجمال، والعدل والإحسان، والحكمة والرحمة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن هذه أسماؤه، وهذه صفاته، وهذه أفعاله؛ هو وحده الذي يستحق العبادة دون سواه، فيستحق أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو سبحانه الجميل الذي له وحده الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى في السموات والأرض: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
هو سبحانه الجميل الذي لا منتهى لجماله، الجميل الذي لا أجمل منه، ولجلاله وجماله حَجبَ عنه خلقه بالنور، فلا يرونه إلا إذا أَذن لهم برؤيته يوم القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وهؤلاء هم المؤمنون.
стр. 1554
وقال النبي ﷺ : «حِجابُهُ النُّورُ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». أخرجه مسلم (١)
هو سبحانه الجميل الذي أحسن كل شيء خلقه اتقانًا، وشكلًا، وجمالًا، وصُنعًا: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
هو سبحانه الجميل الذي جمَّل عباده بزينة اللباس لأبدانهم، وجمل قلوبهم بزينة الإيمان والتقوى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
هو سبحانه الجميل الذي أمر عباده بالتجمّل له عند التعبُّد له في بيوته، فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
والله هو الملك الحق، الجميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ الجميل الذي يحب الجميل من الأقوال والأفعال والأخلاق، من الذكر والدعاء، والجميل من الأخلاق، والإحسان: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 1555
هو الجميل الذي جمَّل أولياءه بحسن عبادته: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
هو سبحانه الجميل الذي كل خلقه جميل، وكل أمره جميل، وكل شرعه جميل، وكل ثوابه جميل، وكل عقابه جميل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
هو الجميل الذي جمَّل أنبياءه ورسله بأحسن الأخلاق، وأعطى يوسف ﵌ شطر الحسن، وأعطى محمداً ﷺ الحسن كله، فهو أحسن الناس خلقًا وخُلقًا، كما قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
هو سبحانه الجميل الذي إذا تجلى لعباده بصفات الجلال، والجمال استنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها، وقوة التعظيم كلها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وحظك ياعبدَ الجميل من هذا الاسم الجميل أن تتعبد لله به، فتُجمِّل ظاهرك وباطنك بالجمال الذي يحبه الله ؛ فتُجمّل باطنك بالتوحيد والإيمان، واليقين والتقوى، وحب الله ورسوله ﷺ ، ودينه والمؤمنين، والخوف من الله، والرجاء له، والتوكل عليه، وحسن الظن به، وإخلاص العمل له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
стр. 1556
وتُجمِّل يا عبد الجميل ظاهرك وجوارحك بأنواع العبادات القولية والفعلية، وأحسن الآداب والأخلاق، وتجمِّل بدنك بإظهار نعمة الله عليك في لباسك، وطعامك، ومركبك، ومسكنك؛ لأن الله جميلٌ يحب أن يرى أثر نعمته على عبده: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
ومن عرف الجميل سبحانه أحبه واشتاق إلى رؤيته، وسارع إلى كل ما يحبه ويرضاه، كما هي حال الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فجَمِّل نفسك لربك بأنواع الطاعات والقُربات، وجمّل نفسك بين خَلقه بأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، وجمِّل غيرك من الناس بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وعليك بالتحلي بمكارم الأخلاق، وجميل الفِعال بين خلقه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
واجتنب يا عبد الجميل كل ما يضادُّ جمالك: من الشرك، والنفاق، والكِبر، والعُجب، والرياء، والحسد، والظلم والعدوان: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١].
стр. 1557
واعلم يا عبد الجميل أن جمال المسلم في تحقيق كمال العبودية لله في كل حال، لأن جمال القلوب هو الأصل، وجمال الأبدان ابتلاء، جمال الإنسان في توحيد ربه والإيمان به، والاستقامة على أوامره، والتحلي بمكارم الأخلاق، فهذا هو الجمال الحقيقي: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
فكن جميلًا بأقوالك الحسنة، وأعمالك الصالحة، وأخلاقك الكريمة؛ كن جميلًا بإيمانك، جميلًا في الرحمة، جميلًا في الإحسان، جميلًا في العفو، جميلًا في الكرم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
كن جميلًا في عبادتك، كن جميلًا بدعوة الناس إلى ربهم، جميلًا في تعليمهم شرع الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وإذا عرفت الجميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ فكبّره، وعظمّه، واحمده، واشكره، لما تراه من جلاله وجماله، واحمد الجميل لما تراه من جماله، وجمال إنعامه وإحسانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
اللهم يا جميل جملنا بما تحبه وترضاه من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، وزينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
ومعرفة الله في باب التوحيد والإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وبمنزلة القلب من البدن؛ لما تثمره من حب الله، وتعظيمه، وحمده،
стр. 1558
وطاعته، وعبادته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فقه الإيمان باسم الله الرفيق:
الله له صفات الجلال، وصفات الجمال؛ ومن أسماء جماله اسم الله الرفيق، ومن صفات جماله الرفق بعباده، فهو سبحانه الرفيق بذاته، الرفيق بصفاته، الرفيق بأفعاله، الرفيق في أحكامه، الرفيق بأهل طاعته، بتيسير الشعائر والشرائع لهم، الرفيق بأهل معصيته بحلمه عليهم، وإمهالهم، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
هو سبحانه الرفيق اللطيف بعباده، الرؤوف الرحيم بهم، الرفيق الذي كلفهم بما يطيقون، ولم يكلفهم بما لا يطيقون: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
هو سبحانه الرفيق الذي لا أرفق منه، اللطيف الذي لا ألطف منه، يسّر على خلقه كل ما يصلح حياتهم في الدنيا والآخرة، الرفيق الذي لا نهاية لرفقه، خلق الخلق ويسر لهم أمور معاشهم في كل زمان ومكان، وسهل لهم أسباب الخير كلها: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ [الأعراف: ١٠].
هو سبحانه الرفيق الذي أحسن إلى عباده بأنواع الإحسان، وأكمل لهم الدين، وضاعف لهم الأجور، وغفر الذنوب، وأمرهم بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، وأعانهم على ذلك، وشرعَ لهم الرُّخص الشرعية ليدفع عنهم
стр. 1559
الحرج: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
هو سبحانه الرفيق الذي يرفق بك من دون عِوض، فيجيبك إذا دعوته، ويعطيك إذا سألته، ويؤمِّنك إذا خفت، ويشفيك إذا مرضت، ويطعمك إذا جعت، ويسقيك إذا عطشت، ويغنيك إذا افتقرت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
هو سبحانه الرفيق في جميع أفعاله وأوامره، وجميع تدبيره وتصريفه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمر كله». متفق عليه (١).
هو سبحانه الرفيق بعباده، ساق إليهم أرزاقهم من فضله، وقسَم لكل مخلوقٍ رزقه كميةً ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
هو سبحانه الرحيم الرفيق بعباده، أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ليعرفوا ربهم، ويعبدوه وحده لا شريك له: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
هو سبحانه الرفيق الرحيم بعباده أنزل عليهم القرآن، ويسّر لهم تلاوته، وفهمه، وحفظه، والعمل به: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾ [القمر: ٢٢].
стр. 1560
هو سبحانه الرفيق الرحيم الذي يبتلي عباده بأنواع الابتلاء؛ لأنه يحب من عباده أن يدعوه أن يكشف عنهم الكروب والمصائب: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وأحب العباد إلى الله من اتصف بصفاته على شاكلة العبودية.
فالله مؤمنٌ يحب المؤمنين، ومحسنٌ يحب المحسنين، وشكورٌ يحب الشاكرين، وتوابٌ يحب التوابين، وجميلٌ يحب الجمال، وعفوٌ يحب العفو، ورحمنٌ يحب الرحمة، ورفيقٌ يحب الرفق: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
و أبغض الخلق إلى الله من اتصف بضدّ صفاته.
فالله لا يحب الكافرين، ولا يحب الظالمين، ولا يحب المنافقين، ولا يحب المجرمين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب المعتدين.
واعلم أن العبد كلما اتصف بالصفات التي يحبها الله كلما تنزلت عليه بركات تلك الصفة، فمن رحم الناس ﵀، ومن عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن كان محسنًا أحسن الله إليه، ومن كان رفيقًا رَفقَ الله به، وما مُنِعَ الخير عن الإنسان إلا بسبب الشدة، والقسوة، والاستعجال، وعدم الرفق بالناس، ومن حُرِمَ الرفق حُرِمَ الخير كله.
قال النبي ﷺ : «من يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الخير كله». أخرجه مسلم (١)
стр. 1561
٧ - الخزانة السابعة
فقه الإيمان باسم الله الرفيق:
مقصود الرب من خلقه تحصيل صفاته، والتعبد له بها على شاكلة العبودية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
ومن عرفَ الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ اطمأن قلبه إلى قضاء الله وقدره، وشرعه، وزرع ذلك في قلبه شجرة الإيمان، التي تثمر شجرة الإحسان، التي تورثه حُسن التعبد لله ، الذي يثمر له الجنة والرضوان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
ومن عرف ربه باسمه الرفيق رفق بنفسه فلم يحمّلها ما لا تطيق، وراقب نفسه، وحاسبها على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من النيات والأقوال والأفعال، لعلمه أن ربه قريبٌ رقيبٌ عليه، عليمٌ لا يخفى عليه شيء: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وحظك أيها العبد من اسم الله الرفيق أن ترفُق بنفسك، بحَملها على طاعة الله، واجتناب معاصيه بلا تشديدٍ ولا تعسيرٍ، وأن تجعل الرفق قائدك ودليلك مع جميع الخلق في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين، لتصل إلى قلوب الناس بحسن الرفق واللطف،
стр. 1562
وتؤثر فيهم حُسن أخلاقك ليكون لأمرك ونهيك وقعًا في قلوبهم، ويكون ذلك عونًا لك على ما تريد منهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فعليك يا عبد الرفيق بالرفق والتأني في كل الأمور مع النفس، ومع الخلق، ومع الإنسان، ومع الحيوان، ومع الأهل، والأقارب، والجيران: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٢ - ١٣].
وقال النبي ﷺ : «ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا نزع من شيء إلا شانه». أخرجه مسلم (١).
واعلم أنك إذا رفقت بمن سبَّك أو شتمك، أو آذاك من الخلق، فإن الله سيدفع عنك شرهم، ويدفع عنك من شرهم ما لم يندفع عنك بمقابلتهم بمثل أفعالهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
ومن عرف ربه باسمه الرفيق أثمر له الحياء من ربه، وخوفه، ورجائه، ولزوم الاستقامة على أوامره في كل حال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
стр. 1563
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن عرف الرفيق سبحانه رفق بخلقه؛ فوصلَ من قطعه، وأعطى من حرمه، وعفا عمن ظلمه، وأحسن إلى من أساء إليه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وحظ الحاكم من اسم الله الرفيق أن يرفق برعيته؛ فيحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ويأخذ بأيديهم إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، ويحكم بينهم بالحق والعدل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وحظ الداعي إلى الله من اسم الله الرفيق أن يكون رفيقًا، رحيمًا، لينًا بمن يدعوهم إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وحظ المعلم من هذا الاسم الكريم أن يكون رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، وأن يكون رفيقًا بطلابه، وقدوةً حسنةً لهم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وحظ المدير أو المسؤول من هذا الاسم الكريم أن يكون قدوةً حسنةً لموظفيه، ومراجعيه، وأن يأمر موظفيه بما يأتمر به، وينهاهم عما ينتهي عنه،
стр. 1564
ويشكر محسنهم، ويرفق بمن أساء منهم، ولا يعنفهم، بل يرشدهم إلى معالي الأمور.
قال النبي ﷺ : «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ». متفق عليه (١).
وإذا أكرمك الله بالرفق فارفق بنفسك، وارفق بغيرك من مسلمٍ وكافرٍ، وبهيمةٍ وحيوان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وإذا زلَّ أخوك في معصيةٍ فلا تفضحه؛ بل استره، وخذ بيده إلى الخير، ولا تسُبَّ أخاك واحمد الله الذي عافاك: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وإذا اشتدت عليك الأمور، وأغلقت عليك الأبواب؛ فقف بباب الرفيق الرحيم الذي يفتح الأبواب، ويسهل الأمور: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
اللهم يا رفيق ارفق بنا في جميع أحوالنا، وارفق بأحوال أمة محمد ﷺ ، وارزقنا الرفق والحلم، والصبر، والتأني في جميع الأمور، وجنبنا الشدة في الأمور: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
стр. 1565
فقه الإيمان باسم الله المعطي:
الله هو الحكيم العليم المعطي الذي خلق الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وساق إليهم أرزاقهم في كل زمانٍ ومكان: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فسبحان المعطي الذي يعطي ما لا يُحصى من النعم، والأرزاق، والأقوات في كل زمانٍ ومكان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هو سبحانه المعطي الذي أعطى كل شيءٍ خلقه، ثم هداه إلى ما تَصلح به حاله، كما قال : ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].
هو سبحانه المعطي الذي خلق الشمس وأعطاها قوة الإضاءة والحرارة، وخلق القمر وأعطاه قوة الإنارة، وخلق البحار والمياه وأعطاها قوة الإغراق والسَيَلان، وخلق الجبال وأعطاها قوة الرسو والثبات: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو سبحانه المعطي الذي خلق بدنَ الإنسان وأعطاه قوة المشي والحركة، وخلق العينين وأعطاها قوة الإبصار، وخلق الأذنين وأعطاها قوة السمع، وخلق اللسان وأعطاه قوة الكلام، وخلق العقل وأعطاه قوة الفهم والتفكير، وخلق اليدين وأعطاها قوة الحركة والبطش والدفع، وخلق الرجلين وأعطاها قوة المشي والسرعة: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].
стр. 1566
هو سبحانه المعطي الكريم الذي خلق آدم وذريته، وأكرمهم بنعم لا تُعدّ ولا تُحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض، ليستعينوا به على عبادة ربهم، وشكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وهداهم إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة بالدين الذي يسيرون إلى ربهم بموجبه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
هو سبحانه المعطي جميع النعم لكل خلقه مَنْ يطيعه، ومن يعصيه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هو سبحانه الذي أعطاك الخلق فوجدت، وأعطاك الروح فحييت، وأعطاك اللسان فتكلمت، وأعطاك العين فأبصرت، وأعطاك الأذن فسمعت، وأعطاك اليد فأكلت بها وشربت، وأخذت بها وأعطيت، وكتبت بها ومحيت، وأعطاك الرجلين فمشيت بهما إلى حوائجك، وهربت بهما من عدوك، وأعطاك الذكاء فحفظت، وأعطاك العقل فعقلت: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ [الملك: ٢٣].
стр. 1567
وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
هو سبحانه المعطي الذي ملأ الكون بأنواع النعم من أجلك لتحبه، وتحمده، وتعبده: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
هو سبحانه المعطي وحده لا شريك له، وكل عطاءٍ في الكون فمن عطائه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
هو سبحانه المعطي أمر الوجود لكل موجود، المعطي الحياة لكل حي، المعطي الرزق لكل مرزوق، المعطي العلم لكل عالم، المعطي الرحمة لكل راحم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، واللَّهُ المُعْطِي وأَنَا القَاسِمُ». متفق عليه (١).
وعطاء المعطي ﷻ ليس له حدودٌ ولا قيودٌ، يعطي جميع مخلوقاته في كل آن، ولا ينقص ما في خزائنه مثقال ذرة: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال في الحديث القدسي: «يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِنْدِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ». أخرجه مسلم (٢)
стр. 1568
هو سبحانه الحكيم العليم المعطي، الذي يعطي من يستحق العطاء، ويمنع من يستحق المنع، وهو الحكيم العليم الخبير في عطائه ومنعه، فإن أعطى فتفضل وإكرام وإصلاح، وإن منع فتربيةٌ وصلاح وتأديب: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
فسبحان المعطي الذي بيده الملك والملكوت، وله العزة والجبروت: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والله هو الكريم الأكرم المعطي لكل نعمة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هو سبحانه المعطي الذي أعطى من شاء من عباده المال، وجعلهم مستخلفين فيه، وبحسب كسبه والإنفاق منه يكون الثواب والعقاب: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧].
واعلم أيها العبد أن المال لله في يدك، وأنت مستخلفٌ في التصرف فيه حسب أمر من أعطاك إياه، كما يمتثل الخازن أمرَ صاحب المال بإعطاء من عيَّنه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
هو سبحانه المعطي الكريم الذي يدرُّ على عباده أنواع العطاء، ويوالي عليهم النعم، ويغمرهم بأنواع الإحسان والإكرام في كل زمانٍ ومكان: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
стр. 1569
فأرضٌ يسكنون فيها، وزروعٌ وثمارٌ يأكلون منها، وحيواناتٌ وطيورٌ يأكلون من لحومها، ويركبون عليها، ويشربون ألبانها، وأنهارٌ وعيونٌ يشربون من مائها، وبحارٌ يركبونها، ويأكلون من لحوم أسماكها، وهواءٌ يتنفسون منه، وشمسٌ وقمرٌ يهتدون بنورهما، وصحةٌ في الأبدان، وأمنٌ في الأوطان، وأموالٌ، وأزواجٌ، وأولادٌ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فما أعظم عطاء الله لعباده؛ فهو سبحانه المعطي لكل نعمةٍ على مرِّ الدهور والأوقات: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
هو سبحانه المعطي الذي بيده مقاليد الأمور، إذا أعطاك، من يمنعه؟ وإذا منعك، من يعطيك سواه؟.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
وإذا عرف العبد أن ربه هو الغني الذي لا تنقص خزائنه أبدًا، الكريم الذي كل ما في الكون من كرمه، المعطي الذي كل ما في الوجود من عطائه وإحسانه، وأنه الملك الذي بيده الخلق والأمر، والعطاء والمنع، إذا عرف ذلك؛ كبَّر ربه وعظَّمه، وأحبَّه ووحَّده، وحمده ومجَّده لما يراه من عظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة عطائه وإكرامه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
стр. 1570
قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
واعلم يا عبد المعطي أن من عرف ربه باسمه المعطي؛ حَمِده وشكره وأحبه، ومن شكره وأحبه عَمِلَ بشرعه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتعظيم شعائره: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
ومن عرف ربه باسمه المعطي طمع في ثوابه، وخاف من عقابه، وتصاغر لكبريائه، وسأله وحده جميع حوائجه، وتعلق به وحده في جلب المنافع، ودفع المضار: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم أن يعطي للخلق مما أعطاه الله، فإن أعطاه الله مالًا أنفق منه في وجوه البر، والخير والإحسان، وعلى الفقراء والمحتاجين، فمِن شُكرِ الله على نعمة المال الجودُ به، وإعطائه من يستحقه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
وإن أعطاه الله علمًا؛ فعليه العمل به، ونشره، وتعليمه للناس: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وإن أعطاه المعطي خُلقًا حسنًا فعليه أن يشكر ربه على هذا العطاء، وأن يُخالق الناس بخلقٍ حسن، فيصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وإن أعطاه الله منزلةً و جاهًا عند الناس؛ فعليه أن ينفع الناس، خاصةً الفقراء والمحتاجين، ويتعبد لمن أعطاه بقضاء الحوائج، وتيسير أمور الناس: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ
стр. 1571
سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فعلى كل من وهبه الله عطاء من مالٍ أو علمٍ، أو جاهٍ، أو قوةٍ، أن ينفع الناس بذلك، ويشكر نعمة الله عليه، ولا يمنُّ على الخلق، لأنه يعطيهم مما أعطاه الله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
واعلم أن الأيدي ثلاث:
فيَدُ الله هي العليا
ويدُ المعطي هي التي تليها
ويد السائل السفلى
فأعطِ لنفسك ولغيرك مما أعطاك الله، ولا تبخل به: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٤ - ١٠].
стр. 1572
٨ - الخزانة الثامنة
فقه الإيمان باسم الله الحى:
الله هو الملك الحق الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الحيي الستير الذي لا يفعل ما لا يتناسب مع عظمته وجلاله، ومع عظيم عفوه وحِلمه، وما لا يتناسب مع سعة رحمته وكرمه.
هو سبحانه الحيي الذي مع كمال الغنى عما سواه، وكمال قدرته على كل ما سواه؛ يستحي من هَتكِ سِترِ من عصاه، ويستحي من فضيحته بين الناس، فيستره، ثم يعفو عنه، ويغفر له: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
هو سبحانه الحيي الذي يستحيي ممن شاب في الإسلام أن يعذبه ويفضحه، الحيي الكريم الذي يستحيي ممن مدَّ يديه إليه بالدعاء أن يردهما صفرًا خائبتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
هو سبحانه الحيي، الحليم، الستير؛ فهو سبحانه الحليم الذي لا يعاجل العاصي بالعقوبة، بل يمهله ليتوب إليه، ويستره، ويستر عليه ذنبه، لأنه الستير، ويقبل توبته إذا تاب إليه، لأنه التواب، ويستحي منه إذا انكسر بين يديه مقرًا بذنبه، فيجيب دعاءه، ويغفر ذنبه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
стр. 1573
وقال النبي ﷺ : «إن اللهَ حليمٌ حييٌّ، سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحياءَ والسِتْرَ، فإذا اغتسَلَ أحدُكم فلْيَسْتَتِرْ». أخرجه أبو داود، والنسائي. (١)
وهو سبحانه الحيي الذي حياؤه حياء كرمٍ وبر، وحياء جلالٍ وجمال، فهو سبحانه مع كمال ذاته وأسمائه وصفاته، وكمال غناه، وكمال قدرته حليمٌ حييٌ يستحي من هتك ستر عبده العاصي وفضحه، مع أنه أفقر شيءٍ إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
هو سبحانه الحيي الذي لا يستحيي من الحق أن يبيَّنه، ولا يستحيي من ضرب الأمثال في تقرير الحق لأنه حق، والله لا يستحيي من الحق.
قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
فسبحان الحيي في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أحكامه.
ما أمر بشيءٍ إلا أعان عليه، وما نهى عن شيءٍ إلا أغنى عنه، ما أمر بشيءٍ إلا واطمأنت النفوس إليه، وما نهى عن شيءٍ إلا أبغضته النفوس، واستحيت من فعله، ولا أباح شيئاً إلا سهل الوصول إليه، ولا خلق شيئاً إلا أحسن صورته.
فاعلم يا عبد الحيي إن الحياء أن تستحي من الذي خلقك، ورزقك، وهداك أن تعصيه في ملكه بنعمه، وهو يراك ويسمعك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
واعلم أن التوحيد ألا ترى مع الله أحدًا، وكلما زاد التوحيد والإيمان في قلب العبد زاد إيمانه بربه، وزادت محبته له، وزادت تقواه له، وزاد الحياء منه:
стр. 1574
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فاستحي من الله أن تشرك معه غيره، واستحي من الله أن تدعو غيره، واستحي من الله أن تعصيه في ملكه، وأستحي من الله أن تعصيه بنعمه، واستحي من الله أن تخالف أمره: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وإذا كان الله حييٌ، كريمٌ، رحيمٌ، يستحي من عبده إذا رفع يديه إلى السماء أن يردهما صفرًا خائبتين؛ فمتى يستحي العبد من ربه أن يعصيه؟ وهو يسكن في ملكه، وهو الذي غمره بأنواع نعمه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
من عرفَ الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الجميلة استحى من ربه أن يعصيه، وعظُم حياؤه ممن خلقه ورزقه وهداه، وانقبضت نفسه عن محارم الله، وابتعد في ظاهره وباطنه عن معصية من يسمعه ويراه؛ لعلمه أن الله معه يراه ويسمعه، ويحصي عليه عمله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ [الأحزاب: ٥٤].
والحياء من الله أن تحفظ أيها العبد الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، وأن تستقيم على أوامر الله التي كلها من أجل سعادتك في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
стр. 1575
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم محبة الله، وتعظيمه، وحمده، وشكره على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى؛ لما يعلمه من إمهال العصاة، وعدم معاجلتهم بالعقوبة، لكمال حلمه ورحمته: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
وقال رسول الله ﷺ : «ليس أحَدٌ أصْبَرُ علَى أذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ له الوَلَدَ، ثُمَّ يُعافيهم ويَرْزُقُهُمْ». متفق عليه (١).
فسبحان الرحيم، الحيي، الستير، الذي لو عاجل العصاة بالعقاب لما ترك على ظهر الأرض أحدًا: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
ومن عرف ربه باسمه الحيي استحيا منه، ومقت نفسه؛ لما يراه من عظمة جلاله وجماله، وعظمة إحسانه إليه، وعظيم تقصيره في عبادته، وأن عبادته لا تليق بجلال الله، وأن قدر الله أعلى وأجلّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وكذا الحذر من غضب الله؛ لأنه إذا غضب لم يقف لغضبه شيء، والحليم الرحيم لا يغضب إلا على من لا يستحق الرحمة لكبره، وإصراره، وعناده
стр. 1576
بعد أن أمهله الله ليتوب، فلم يستجب: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
فتعبَّد لله يا عبد الحيي بخلق الحياء، فالله حيي يحب الحياء وأهله، و «كانَ النَّبيُّ ﵌ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا». متفق عليه (١).
والحياء شعبةٌ من شعب الإيمان؛ وإذا عرفت هذا، فاعلم أن حياء الناس أنواع:
حياء الجناية: فمن عصى الله استحيا منه، وهو يتقلب في نعمه.
وحياء الجلال: فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلَّه، واستحيا من تقصيره في عبادته: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وحياء التقصير: فمن قصر في حق الله استحيا منه.
وحياء السؤال: فيستحي العبد أن يسأل ربه وهو مقيمٌ على معاصيه.
واعلم يا عبد الله أن الحياء والإيمان قُرِنا معًا؛ فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر، وكلما زاد الإيمان في القلب زاد الحياء، وكلما قلَّ الإيمان قلَّ الحياء، فكن حييًا من ربك العزيز الرحيم، فلا تعصه بنعمه، وكن حييًا من خلقه، فلا تفعل ما يسوء بينهم ومعهم، ولا تكن أسوةً سيئةً لهم في أقوالك، وأعمالك،
стр. 1577
وأخلاقك قال النبي ﷺ : «إنَّ ممَّا أدركَ النَّاسُ من كلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تستحْ فاصنَعْ ما شئتَ». أخرجه البخاري (١)
واعلم أن الحياء درجات؛ فمن استحى من الناس، ولم يستح من نفسه، فنفسه أخس عنده من الناس، ومن استحى من الناس ولم يستح من ربه، فهو أجهل الناس بربه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨].
فاستحِ يا عبد الله من نفسك، واستحِ من الناس، واستحِ من ربك العظيم أن تعصيه وأنت في ملكه، وتأكل من رزقه، وتحت عنايته.
ومن قوي حياؤه استحى من الأحياء والأموات، واستحى في سره وعلانيته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال النبي ﷺ : «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه». متفق عليه (٢).
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وارزقنا عبادتك كأننا نراك، واغفر لنا زلاتنا، وعثراتنا، إنك أنت العفو الغفور الرحيم.
стр. 1578
٩ - الخزانة التاسعة
فقه الإيمان بالقدر:
القدر: هو كل ما قضاه الله وقدره في هذا الكون العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فكل ما يجري في الكون من خلقٍ، وأمرٍ، وتدبيرٍ، وتصريفٍ، وحركةٍ، وسكونٍ، وحياةٍ، وموتٍ، وخوفٍ، وأمنٍ، وغنى، وفقر، وصحة، ومرض، وغير ذلك، كل ذلك وأمثاله كائنٌ بقضاء الله وقدره: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ [الرعد: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٣].
فيجب على المؤمن أن يؤمن بأقدار الله كلها، ولكن هذا لا يمنعه من فعل الأسباب المشروعة، لأن الله قدَّر الأقدار مربوطةً بأسبابها، فالله قدَّر جميع الأرزاق لكل أحد مربوطةً بأسبابها، فنأخذ بالأسباب الشرعية بأبداننا، ونتوكل على الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فالأكل، والشرب، واللباس مأمورٌ به شرعًا، فندفع قدرَ الجوع والظمأ والعُري بقدر الأكل والشرب واللباس، لأننا في دار الأسباب، ولابد من فعل
стр. 1579
الأسباب، امتثالًا لأمر الله الذي أمر بها، والدعاء من أعظم الأسباب التي تحصل بها المطالب؛ فإذا قدَّر الله المرض أو الفقر على أحد فيدفع ذلك بالدعاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والمؤمن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأقدار الله الكونية تجري على كل من في الكون من المخلوقات، ومن هؤلاء الإنسان الذي تجري عليه أقدار الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
فكل إنسانٍ تجري عليه، وتحصل منه، ثلاثة أفعال:
فعلٌ يقع عليه من ربه، وفعلٌ يقع منه، وفعلٌ يقع فيه.
فالفعل الذي يقع فيِّ من ربي لا خيار لي فيه، فأنا فيه مُسيّرٌ؛ كلون جسمي، وطولي، وعرضي، وتشغيل قلبي وجوارحي، كل ذلك من رحمة الله أنه تكفل به، فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وكذلك الذي يقع على الإنسان من خارجه مسيّرٌ فيه، لا خيار له فيه، بل هو مسخرٌ ومسيّرٌ فيه؛ كما لو أصابه الله بمرض، لأنه فعلٌ يقع عليه من فاعلٍ آخر، وهذا وما قبله لا تكليف على الإنسان فيه، لأنه لا خيار له فيه، وهو مقهورٌ عليه.
وأما الفعل الذي يقع مني كالطاعات والمعاصي، والكلام والكتابة، والأكل والشرب، والحب والبغض، فهذا الإنسان مخيرٌ فيه، لا مسيّرٌ، ولهذا خاطب
стр. 1580
الله الإنسان بقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فكل شيءٍ الإنسان فيه مسيّرٌ لا تكليف عليه، وكل شيءٍ الإنسان فيه مخيّرٌ فهذا مناط التكليف، ومنطقة الاختيار، وهي منطقة التكليف، وجهة التكليف؛ الله اختار لهذا الإنسان وكرَّمه بمنهجٍ يسير عليه، يحقق له المصالح في الدنيا والآخرة، ويدفع عنه المفاسد في الدنيا والآخرة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
ولولا أن الإنسان غيرُ صالحٍ للفعل لما قال له ربه افعل، وهو وفعله ومشيئته وإرادته مخلوقٌ لله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال : ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
والقدر الذي يجري على الإنسان وغيره محبوبٌ ومكروهٌ، والقدر المكروه لا يرفعه الله عن العبد حتى يرضى، ويسلّم بما جرى عليه من ربه، وأنه حق، ثم بعد ذلك يرفعه الله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]