اقترب منهم طيلة إقامتهم في الكهف ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٨].
فسبحان الحفيظ الذي حفظ كل ذرةٍ ومجرةٍ بقدرته وقوته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
هو سبحانه الحفيظ الذي حفظ أولياءه بقذف الرعب في قلوب أعدائهم، فيهربون خوفًا من أوليائه: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].
هو سبحانه الحفيظ الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ [هود: ٥٧].
ومَن هذه أسماؤه، وهذه صفاته، وهذه أفعاله، وهذه قدرته؛ هو وحده الذي يستحق العبادة، وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
والعابدُ جهده على نفسه، والداعي إلى الله جهده على نفسه، وعلى غيره، والذرة ليست كالمجرة، والقطرة ليست كالبحر: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
العابد يُطمئِن نفسه، والداعي يُطمئِن نفسه وغيره، ليكثر المطمئنون؛ والداعي يبكي لنجاة نفسه، ونجاة غيره، أما العابد فيبكي لنجاة نفسه فقط؛ لذلك ابتسامة الداعي أحب إلى الله من بكاء العابد، لأن بكاء العابد لنجاة نفسه، وابتسامة الداعي لنجاة غيره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 1717
والموت ليس أعظم مصيبة في الحياة؛ بل أعظم مصيبة في الحياة أن يموت الخوف من الله ونحن على قيد الحياة.
وعقول الناس ثلاثة:
عقولٌ عظيمةٌ كبيرةٌ تتكلم عن العظيم الكبير سبحانه.
وعقولٌ متوسطةٌ تتكلم عن الأشياء والأحداث.
وعقولٌ صغيرةٌ تتكلم عن الناس والشهوات.
والناس اثنان، إما شاربٌ علقمًا، أو شاربٌ عسلًا؛ إما راكبًا، أو مركوبًا؛ وبالشدة يُقاس الصبر، وفي النقاش يُقاس العقل، وفي المواقف تُقاس الأخلاق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وسنُّة الله في الدنيا أنه أخفى قدرته وراء الأسباب، فإذا أراد الله هداية الناس أرسل الرسل، وأنزل الكتب، فاهتدى من أراد الله هدايته، وبقي على الكفر من يعلم أنه لا يهتدي، ولا يزكو على الإيمان، فالهداية بيد الهادي، كما أن الرزق عند الرزاق وحده: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والدعوة إلى الله للداعي تركيزًا، ولغيره تذكيرًا بالعهد الأول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فالداعي يذكر بذلك العهد: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ٢١].
فصاحب الدكان، وصاحب الفرن، وصاحب الزراعة، عَمِلَ ذلك لنفع نفسه، وإن استفاد الناس مما عنده، لكنه يستفيد منهم أولًا قبل أن يفيدهم،
стр. 1718
وهكذا نحن نقوم بالدعوة إلى الله لأجل مصلحتنا، وبسببها يستفيد الناس من جهدنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ولكي نتزكى نحرص على أن ننفع أكثر مما نستنفع، ونِعم الغني يقف على باب الفقير ليعطيه، وبئس الفقير يقف على باب الغني ليأخذ منه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وعند الاستغفار نستحضر جميع الذنوب والمعاصي، ليكون الاستغفار لله أقوى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وعند الحمد لله نستحضر جميع النعم، ليكون الحمد والشكر أكمل وأعم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
وعند التكبير نستحضر عظمة الله وجلاله وكبرياءه، ليكون التكبير صادرًا من القلب: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
وعند التسبيح نستحضر صفات النقص والعيب التي فينا، ليكون التسبيح والتنزيه لله أقوى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وعند الدعوة إلى الله نستحضر الكفر، والشرك، والظلم، والفساد، في العالم، لتكون الدعوة أقوى، والداعي أرحم بالخلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
стр. 1719
اللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
والنبي ﷺ علَّم الصحابة ﵃ في مكة كمال العبودية لله ، بالتوحيد والإيمان، ثم في المدينة علَّمهم أقسام العبادة من وضوءٍ، وصلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍ، وغيرها …
ولما اكتملت في الصحابة كمال العبودية، وكمال العبادة، ﵃، ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والملائكة سجدوا كلهم لآدم سجود طاعة لمن أمرهم بالسجود، لا سجود عبادة؛ لأن كل ما في الكون مسخرٌ للإنسان الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، لمَّا قبِل الخلافة في الأرض.
والله خلق آدم ﷺ ، ثم خلق جميع ذريته في صلبه، ثم أخرجهم من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم، ثم ردهم إلى صلبه، وحفظهم في خزائن غيبه، فأرواحهم تنزل إلى الأجساد كلما تهيأ الجسد للسكن: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].
والله وَعدَ على الأعمال من إيمانٍ وصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍ، … وغيرها من العبادات؛ وليس وَعْدُ الله على الأحوال من غنىً وفقرٍ، أو عافيةٍ أو مرضٍ، أو جاهٍ أو رياسةٍ .... أو غيرها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
стр. 1720
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وحياة الرسول ﷺ مقصودة ميسرة، يستطيع الغني والفقير، والرجل والمرأة، أن يعيشها، ويتجمَّل بها؛ من عبادةٍ، ودعوةٍ، وتعليمٍ، وإحسانٍ إلى الخلق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومسؤولية المسلم حفظ الإسلام لا المسلم، فالمسلم يحافظ على بقاء الإسلام، وتعليمه، ونشره كاملًا غير منقوص: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وكلما تكلَّم العبد عن الله شعر أنه بعيدٌ عن الله، وعرف أن الذي أبعده عن الله غيرُ الله من الأموال، والشهوات، والأشخاص.
والدعوة حقًا تكون بالدعوة إلى الله، وتعريف الناس بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأكثر الناس لم يفهم الدعوة، ولم يفهم أجور الدعوة؛ ولم يفهم عقوبة تركها، ولذلك لم يقم بالدعوة إلى الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
والكِبر أعظم الذنوب، وهو ذنب إبليس، والمستكبر لا يؤدي العبادة، ولا يقوم بالدعوة، ولا يقوم بتعليم شرع الله، ولا يُحسن إلى خلقه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
стр. 1721
وقال : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وحقيقة التوحيد: أن يتيقَّن العبد أن جميع الأحوال والأشياء بيد الله وحده، لا يأتي بها ولا يرفعها إلا الله وحده، والموقن يكشف حاله لربه القادر، ولا يكشف حاله لغيره، كما قال يعقوب ﷺ : ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
وخزائن البركة والأشياء كلها عند الله وحده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والبركة هي جندٌ خفي من جنود الله، يُكرِمُ الله بها من يشاء من عباده، فإن حلَّت البركة في المال كثَّرته، وإن حلَّت في الولد أصلحته، وإن حلَّت في البدن قوته، وإن حلَّت في القلب أسعدته، وإن حلَّت في الوقت وسعته، وإن حلَّت في الكلام حسَّنته: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وهذا الدين العظيم يقوم على أصولٍ عظيمةٍ:
الأول: الإيمان بالله، وإخلاص العمل له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثاني: اجتماع القلوب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
стр. 1722
الثالث: الشورى مع الطاعة، والطاعة تكون من الأدنى للأعلى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٨]
وأعظم من تجب طاعته هو الله ورسوله، ثم أولوا الأمر: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
الرابع: التضحية من أجل الدين بالمال، والنفس، والوقت، والبلد، والأهل، والشهوات، وذلك لإعلاء كلمة الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
فالمؤمن يضحي بكل ما يملك، ويسير في الأرض، لإعلاء كلمة الله، من بلدٍ إلى بلد، ومن غزوةٍ لغزوة، ومن قارَّةٍ إلى قارَّةٍ، والصحابة ﵃ وصلوا إلى أعلى قمةٍ في التضحيات، حتى ﵃، ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والتضحية: هي البذل والترك من أجل الدين، فنبذل الأدنى من أجل الأعلى، ونبذل الدنيا من أجل الدين، ونبذل الحسن من أجل الأحسن.
والصحابة ﵃ ضحوا بأوقاتهم، وأموالهم، وأنفسهم، وشهواتهم، وبلادهم، وأهلهم، من أجل إعلاء كلمة الله.
стр. 1723
وبقدر التضحيات تكون النصرة الفورية؛ فإبراهيم ﵌ ضحى بالحياة حين أُلقي في النار، فوهب الله له الحياة فوراً: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وضحى بالبلد، فأعطاه الله أحسن بلد، مكة، وبنى البيت العتيق فيها: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].
وضحى بالولد، فأحيا الله الولد، إسماعيل، وأخرج من نسله أحسن ولد سيد بني آدم محمد ﷺ .
وضحى إبراهيم ﷺ بأم الولد هاجر، فجعلها الله أمًا للعرب، وجعل خطواتها بين الصفا والمروة نُسكًا يُتعبد به المؤمنون إلى يوم القيامة في الحج أو العمرة.
فضحى إبراهيم ﷺ بالمخلوق من أجل الوصول إلى الخالق، وبنى البيت من أجل الوصول إلى رب البيت، وجعله قيامًا، وجعله مقصدًا يؤمه الناس إلى يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وضحى إبراهيم ﷺ بماله للضيفان، فأصبح خليلًا للرحمن: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
فالثلاثة إبراهيم وهاجر وإسماعيل، ضحوا، فقبل الله تضحياتهم، وجعل الأنبياء والرسل من نسلهم إلى يوم القيامة، وختمهم بأفضلهم محمد ﷺ .
стр. 1724
وتلك التضحيات فوق العقول، وعلى قدر التضحيات تأتي العزة والنصرة، والفوز، والفلاح، والعون والمدد من الله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
والدين والإيمان والتقوى لباسٌ وزينةٌ: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
ولكن هذا اللباس، وهذه الزينة، تتمزق بالمعاصي، فرقِّعه أيها العبد بالاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
والعاقل إذا غرَّه الشيطان فعصى ربه استتر ولم يجاهر، واستغفر ولم يصرّ، واعترف ولم يبرر، وأحسنَ بعدما أساء: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وأعظم الجهود:
جهد الدعوة إلى الله:
لما فيه من دخول الناس في هذا الدين، ونجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة، لهذا فهو جهد اللطائف والرحمة والإحسان؛ وهذا الجهد العظيم لا يحتاج إلى صحة، فقد دعا أيوب ﷺ وهو مريض؛ ولا يحتاج إلى حرية، فقد دعا
стр. 1725
يوسف ﷺ وهو رقيق؛ ولا يحتاج إلى فضاء، فقد دعا يوسف ﷺ وهو في السجن؛ ولا يحتاج إلى وفرة الطعام، فقد دعا محمد ﷺ وهو جائع؛ ولا يحتاج إلى مال، فقد دعا الأنبياء جميعًا وهم فقراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وبداية الرجاء في الخالق اليأس من المخلوق، ففي الجب كان ليوسف ﷺ اليأس الكامل من الخلق، فجاء النصر الكامل على الخلق من الخالق، وخرج يوسف ﵌ من الجب إلى السجن، ثم إلى القصر: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٦ - ٥٧].
وبقدر صفاتك الحسنة أيها العبد يكون قربك من ربك؛ فلا يجاور الكريم إلا كريم، ولا يجاور الحليم إلا حليم، ولا يجاور الغفور إلا غفور، ولا يجاور الشكور إلا شاكر، ولا يجاور الرحمن إلا رحيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
في القرآن عشر آيات تقريبًا في غذاء البدن، وباقي آيات القرآن في غذاء القلب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وكل علاقةٍ مع الدنيا فيها فقرٌ، وذلةٌ، وهوانٌ، ومهانةٌ، وعذابٌ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وكل علاقةٍ مع الدين فيها غنىً، وعزةً، وراحةً، وطمأنينةً، وسعادةً في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ
стр. 1726
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وهذه الدنيا دار الإيمان والعمل والمجاهدة، والآخرة دار الثواب أو العقاب؛ وجُهدُ النبي ﷺ أربعة أنواع:
جُهدُ العبادة
وجُهد الدعوة
وجُهد التعليم
وجُهد الأخلاق.
وكل هذه الجهود الأربعة يومية، وكل يوم تتحسَّن عبادة النبي ﷺ ، وكل يوم تتحسن دعوته، وكل يوم يتحسن تعليمه، وكل يوم تتحسن أخلاقه، فيرحم كل يوم، ويعفو كل يوم، ويحسن كل يوم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
стр. 1727
٣ - الخزانة الثالثة
أركان التوحيد:
أركان التوحيد ثمانية وهي:
الأول: توحيد الله بذاته، فالله هو الواحد الأحد لا شريك له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
الثاني: توحيد الله بأسمائه الحسنى:
كالسميع والبصير، والحي والقيوم، والعليم، والقدير، وغيرها من أسمائه الحسنى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثالث: توحيد الله بصفاته العلى
كالحياة، والقدرة، والعلم، والسمع، والبصر، وغيرها من الصفات العلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وكمال التوحيد يحصل للعبد بكمال معرفة الله بذاته، وأسمائه، وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة عظمة نعمه وآلائه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وبقدر العلم بتلك المعارف العظيمة؛ يمتلئ القلب بالتوحيد، والإيمان، والتقوى، ويتسع لأنواع الطاعات والقُربات، والعبادات، وينشرح الصدر لفعل الخيرات، و ينشغل اللسان بالذكر، والدعاء، والدعوة، والحمد، والثناء على رب العالمين، وتنقادُ الجوارح لكل عملٍ صالحٍ يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وهذه الأركان الثمانية يحصُل بها للعبد كمال توحيد الله بذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله، وتوحيده بالعبادة، وتوحيد كتابه ورسوله ﷺ بالإتباع، ويعبد العبد ربه بكمال الحب لله، وكمال التعظيم له، والذل له، وينال أعظم الثواب والأجر على ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 1730
والدنيا تُؤخذ بالأسباب المادية، والآخرة تؤخذ بالأعمال الصالحة؛ والدنيا كلها فيها العذاب الأدنى، والنعيم الأدنى، يسرها أو عسرها كله قطرة بالنسبة لما في الآخرة من النعيم أو العذاب.
والله أرسل الأنبياء لإصلاح الآخرة، لا لإصلاح القطرة، وهي الدنيا الدار الفانية، فنأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعطي للآخرة بقدر الطاقة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
والأصل في حياة المسلم الدعوة إلى الله، والرهبانية ابتدعها بنو إسرائيل، وتركوا الدعوة إلى الله، فبعث الله محمدًا ﷺ وأمته بالدعوة إلى الله، وعبادة الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وقال عن أمته ﷺ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
ومقصود الدين الأعظم أن يرضى الله عنك، ومتى يرضى الله عنك؟، يرضى الله عنك إذا رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ ﷺ رسولًا.
ويرضى الله عنك بثلاث: أن ترضى بعطائه، وترضى بقضائه، وترضى ببلائه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ
стр. 1731
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فعطاء الله من النعم عطاءً يستوجب الشكر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقضاء الله وبلاؤه عطاءٌ يستوجب الصبر، وكل ذلك عبادةٌ لله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والله هو الرحمن الرحيم، أنزل رحمةً واحدةً من مائة رحمة، يتراحم بها الخلق في الدنيا، ولو أنزل رحمتين لما وجدت أحدًا من الخلق يتصادم مع الآخر: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
والله وحده هو الملك الحق الذي خلق كل شيء، ويتصرَّف وحده بكل شيء؛ الحياة والموت بيده، والخلق والأمر بيده، والعزة والذلة بيده، والغنى والفقر بيده، والأمن والخوف بيده، والعافية والمرض بيده، والعطاء والمنع بيده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 1732
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
وأول وأعظم أمر هو التوحيد والإيمان، ثم الدعوة إلى التوحيد والإيمان؛ فالمقصود الدين عبادة، ثم جهد الدين دعوةً وتعليمًا وإحسانًا إلى الخلق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فالمقصود الأعظم من حياة المسلم أربعة أمور:
عبادة الله وحده
والدعوة إلى الله
وتعليم شرع الله
وحُسنُ الأخلاق
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 1733
إن وعدُ الله على الأعمال لا على الأحوال؛ فالأحوال من غنىً أو فقر، أو أمن أو خوف، أو غيرها كلها بيد الله وحده، والأعمال بأيدينا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والعلم الحقيقي:
هو العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، المقرون بخشية الله، فإذا تجرَّد العلم عن الخشية صار معلوماتٍ لا علم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يخرجون إلى الناس بالدين الكامل، فيهتدي الناس بسببهم ممن أراد الله هدايته: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والصحابة أخذوا من النبي ﷺ الدين الكامل، وخرجوا به إلى الناس، فآمن الناس، ونحن نخرج في سبيل الله الآن لتحصيل الدين، والإيمان، والصفات، وإذا جاء ذلك فينا اهتدى الناس بسببنا، فأهل الصفات هم الذين اشتراهم الله ؛ يتزينون بالدين، ثم يزينون الناس به، وهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
стр. 1734
فهؤلاء هم أهل الصفات العالية، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل وأتباعهم.
فهذه عشر صفات لمن اشتراهم الله ، ووعدهم على ذلك الجنة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
أسباب رفع البلاء:
يرفع الله البلاء عن العبد بأسباب، أهمها:
الأول: الرضا بقدر الله، واليقين على أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وعلامة الرضا: أن يكون سرورك بالمصيبة كسرورك بالنعمة، لأن ربك الرحمن الرحيم لا يفعل بك إلا ما هو رحمةً لك: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
الثاني: الصبر بأنواعه الثلاثة:
الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على أقدار الله المؤلمة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال النبي ﷺ لابن عباس: «واعلَمْ أنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مع الكرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا». أخرجه أحمد والترمذي (١).
стр. 1735
الثالث: الحمد والشكر؛ فكل ابتلاءٍ من الله لعبده يرفع الدرجات، ويكفْر الله به السيئات، وتقوى به توحيد العبد: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فإذا أصابك بلاءٌ فاصبر، فإن استطعت فارضَ، فإن استطعت فاشكر.
الرابع: التوبة والاستغفار من جميع الذنوب: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
الخامس: قوة اليقين على أن الله لا يرد سائلًا، وعدم اليأس إذا كان الأمر عظيمًا ثم تأخرت الإجابة: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
وقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
السادس: الدعاء برفع البلاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
السابع: تفويض الأمر إلى الله، وكمال التوكل عليه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
стр. 1736
وقال الله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر: ٤٤].
الثامن: كمال اليقين على أن ما وقع من مكروهٍ للعبد هو الذي يجب أن يكون، وأن فيه خيرٌ له قطعًا، وأن الذي قدَّره هو وحده الذي يرفعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
التاسع: تقوى الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
العاشر: امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، فاحفظ الله يحفظك، وتعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الحادي عشر: الإكثار من الصدقات، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
стр. 1737
الثاني عشر: الفزع إلى الأعمال الصالحة، والاستكثار منها عند ورود الأحوال الشديدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
فالله سبحانه يرسل الأحوال لإصلاح الأعمال، فإذا جاءت الأحوال الشديدة نفزع إلى التوبة والاستغفار، ونستقيم على أوامر الله، ثم الله يصلحُ أحوالنا، ويقضي حاجاتنا، إذا أصلحنا أعمالنا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 1738
٤ - الخزانة الرابعة
فضل العلم والإيمان والأعمال:
الله هو الملك الحق، القادر على كل شيء، يفعل بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، وبقلة الأسباب، وبكثرة الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
هو سبحانه الحفيظ الذي حفظ موسى ﷺ مع ضعفه في البحر: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
وأغرق سبحانه فرعون في البحر مع عظمة ملكه وسلطانه وجبروته، كما قال الله عن فرعون وجنوده: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٤ - ٥٦].
والله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق في فمه اللسان، وهو مخلوقٌ عظيم؛ فاللسان أعظم ما يكسب به العبد حسناته لنفسه بكثرة ذكر الله، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله؛ واللسان أعظم ما يُهدي به الإنسان حسناته لغيره بالغيبة والنميمة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
والتقوى الشاملة: أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك.
والتقوى عبارة عن اتقاء الله، واتقاء الكفر، واتقاء الشرك، واتقاء النفاق، واتقاء المعاصي، واتقاء العذاب، واتقاء النار.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١].
стр. 1745
والصدقُ أحسن الأخلاق بعد الإيمان فألزمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
والصدق ثلاثة أنواع:
صدقٌ في النية.
وصدقٌ في القول.
وصدقٌ في الفعل.
فالصدق في النية: إمضاء العزم حتى يبلغ الفعل، ابتغاء وجه الله. والصدق في القول: هو مجانبة الكذب: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
وصدقٌ في الفعل: وهو الإتيان بالفعل على وجه الكمال ابتغاء وجه الله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
والقنوت: هو الدوام على العبادة، والمواظبة عليها.
قال الله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
стр. 1746
والدين هو الجزاء، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
والطاعة تسمى دينًا، لأنها سبب الجزاء: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
أقسام الناس:
أقسام الناس في الدنيا ستة: كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧].
والناجون من عذاب الله هم المؤمنون فقط: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢].
فاليهود يدَّعون التشبيه والتجسيم، والنصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة، ويدَعون إلاهية عيسى ﷺ ، والمشركون يدَّعون وجوب عبادة الأوثان، والمسلمون يعبدون الله وحده لا شريك له، ويعتقدون وجوب عبادته سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
стр. 1747
وعلى قدر الجهد للدين عبادةً ودعوةً، يأتي نور الهداية في القلب، وعلى قدر الهداية يكون صدق العمل، وحسن العمل، وقبول العمل، وثواب العمل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وعلى بساط التواضع تنبُت أعمال العبودية، وتُثمر الأعمال الرضية، والأخلاق الزكية، والدرجات العلِية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإذا نقص جهد الدعوة والعبادة نقص الإيمان في القلب، ثم نقصت الأعمال، ثم فسدت الأحوال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وإذا زاد شكل الجهد للدين مع التضحيات؛ يزيد الأفراد، ويزيد الإيمان، وتزيد الصفات، وتزيد الأعمال، ولو زاد شكل الجهد للدين بدون التضحيات يزيد الأفراد، وتنقص الصفات: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢].
ومن جاء في قلبه نور الهداية سهُلت عليه الأمور، وأحبَّ الطاعات، وأبغض المعاصي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ
стр. 1748
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومن نقص في قلبه نور الهداية، ثقُلت عليه الأوامر، وأحبَّ المعاصي، وثقُلت عليه الطاعات: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
أفضل الأنواع:
خلق الله جميع المخلوقات، وفضَّل بعضهم على بعض، فكل كثرة لا بد فيها من واحدٍ يكون هو الأعلى، والأفضل، والرئيس.
فالمعادن أنواع، وأفضلها الذهب؛ والنبات أنواع، وأفضله التمر؛ ولهذا يُسنُّ للصائم أن يفطر عليه إذا كان صائمًا؛ والمركَّبات أنواع، ورئيسها الحيوان؛ والحيوان جنس تحته أنواع، وأفضله الإنسان؛ والإنسان أنواع، وأفضلهم النبي والرسول.
والأنبياء والرسل كثيرون، وسيدهم وأفضلهم واحد، وهو محمدٌ ﷺ سيد بني آدم، وأفضل أهل الأرض المؤمن.
والملائكة كثيرون، وسيدهم جبريل ﷺ ، وهو أفضل أهل السماوات.
وكتب الله كثيرة، وأحسنها وأكملها القرآن الكريم؛ وكلام البشر كثير وأفضله وأحبه إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
стр. 1749
وأفضل الكلام كله على الإطلاق «لا إله إلا الله»؛ والليالي كثيرة، وأفضلها ليلة القدر؛ والأيام كثيرة وأفضلها يوم الجمعة من الأسبوع؛، ويوم عرفة من العام.
والناس كثيرٌ، وأفضلهم المؤمنون، وأفضل المؤمنين الأنبياء والرسل، وأفضل الأنبياء والرسل أولو العزم، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدٌ عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأفضل أولي العزم الخليلان: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأفضل الخليلين سيد الأنبياء والرسل محمدصلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله رحمة للعالمين بالدين الكامل الى يوم القيامة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ولهذا أمرنا الله بالاقتداء به، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
ونِعمُ الله على عباده لا تُعدُ ولا تُحصى؛ تستوجب منهم حمده، وشكره، وعبادته وحده لا شريك له.
والإسلام أعظم نعمة، والشكر على نعمة الإسلام أعظم شكر، ولهذا طلب الله من جميع الأنبياء والمؤمنين أن يشكروا ربهم على هذه النعمة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
والشاكر هو من قام بالدين، وقام بجُهد الدين: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
стр. 1750
والشكر هبةٌ من الله، فهو الذي أنعم بجميع النعم، وهو الذي أعان على شكرها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والدعوة إلى الله أم الأعمال، وأفضل الأعمال، وأحسن الأعمال، ومن عظَّم هذا العمل العظيم جاءت في قلبه عظمة الله، وعظمة أوامر الله، وعظمة محمد رسول الله، وعظمة القرآن، وعظمة الإسلام.
وإذا خرجت عظمة الدعوة إلى الله من حياة الناس، خرجت من القلوب عظمة الله، وعظمة أوامره، وعظمة كتابه، وعظمة رسوله، وعظمة أوامره: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 1751
٥ - الخزانة الخامسة
محاسن الدعوة إلى الله:
الله خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، لأنه الرحمن الذي قال سبحانه: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». متفق عليه (١).
فما أرحم الله بخلقه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
فمن خالف طريق رحمته، صار إلى طريق عذابه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وأعلى عمل في الدين هو الدعوة إلى الله، لما فيها من المنافع العظيمة للداعي والمدعو؛ ومن أجل أسفار الدعوة، وأعمال الدعوة، جعل الله الرُّخَص في الدين، مِنْ قصْر الصلاة وجمعها، والفطر في السفر، والتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله، .. ونحو ذلك من الرخص.
لهذا الله لم يجعل فوق الدعوة عملًا للوصول إليه، لأن الشريعة مركَّبة على الرُّخصة، والدعوة مركبة على العزيمة، فلا يوجد لأحد رخصة
стр. 1752
في ترك الدعوة إلى الله، فالدعوة على الجميع رجالًا، ونساءً، وصغارًا، في الحضر والسفر، والصحة والمرض: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].
فالنفر في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الله، هو أعظم الأسفار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].
فالدعوة إلى الله أحسن الأعمال، وأكثرها أجرًا، ولهذا شرَّف الله بها جميع هذه الأمة، فقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
والشيطان عدوٌ مبين يدعو إلى الباطل، والرُسل يدعون إلى الحق، والشيطان يأتي ليخرج الإنسان من شيئين:
يأتي في الظلمة ليخرج الناس من الطاعات إلى المعاصي، ويأتي في النور ليخرج الإنسان المسلم من الكل إلى الجزء، ويشغله بالجزء عن الكل الذي هو الدعوة، التي يقول الله عنها لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 1753
ومشكلة إبليس ليست مع المصلين، والصائمين، والمنفقين؛ بل مشكلته مع الدعاة إلى الله، والمعلمين لشرع الله، لأنهم يُطفئون الحرائق التي يشعلها، ويُحيون السنة في أمة محمد ﷺ ، ولهذا قال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
وقال الله تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
والصلاة في مكة أفضل من مئة ألف صلاة، وصلاةٌ واحدةٌ في مكة تساوي صلاة خمس وخمسين سنة خارج مكة، والصحابة أذكى الناس؛ لذا تركوا مكة والمدينة، لأن مقصودهم كيف يكون العالم كله كمكة والمدينة، وكيف تمتلئ صحائفهم بحسنات المصلين، والصائمين، والمنفقين، والمستغفرين، والمسبحين، وكل نبي أُعطيَ الهجرة والدعوة، لأن الهجرة سبب الهداية: كما قال الله عن إبراهيم ﷺ : ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦].
والله افترض على هذه الأمة الدعوة والهجرة، وبهذه ربَّى الله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ والهجرة ترك كل الدنيا من أجل الدين إلى الأبد، ونشره في العالم كله إلى الأبد، والصحابة تركوا من أجل ذلك كل الدنيا لأعدائهم؛ لأبي جهل، وأبي لهب، والوليد بن المغيرة وغيرهم، فتركوا كل الدنيا لإقامة كل الدين في العالم إلى الأبد: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
стр. 1754
والأنصار بذلوا كل شيء من أجل الدين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
فالمهاجرون تركوا، والأنصار بذلوا، فالتقت الهجرة والنصرة، ثم جاء الثالث وهو الرضوان من رب العالمين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والهجرة أن تترك دنياك من أجل دينك، والنُصرة أن تبذل دنياك من أجل دينك؛ فالنُّصرة ترك دنياك من أجل دينك، ولكن تترك لإخوانك المؤمنين، كما ترك الأنصار أموالهم لإخوانهم المهاجرين؛ كعبد الرحمن ابن عوف، وعمر، وسعد، ....
فالمهاجرون تركوا دنياهم لأعدائهم، والأنصار تركوا دنياهم لأحبابهم المؤمنين؛ والمهاجرون أعلى في البذل والترك، فأفضل الصحابة المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
стр. 1755
والذي يقبل الله دعوته هو من كانت حياته مطابقة لدعوته، ومن كانت حياته مخالفة لدعوته لم تُقبل دعوته: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
ومقصود الدعوة إلى الله تحصيل معية الخالق، وباب النبوَّة أُغلق وبقي في الأمة باب الصفات: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وفي بدرٍ، الله غيَّر نظام القلوب، والعيون، والأقدام، فالله سبحانه أنزل السكينة في قلوب المؤمنين في بدر، وقذف الرُّعب في قلوب الكافرين.
وقلَّل الكفار في أعين المؤمنين، وكثَّر المؤمنين في أعين الكفار.
وأنزل المطر ليثبِّت به أقدام المؤمنين، وكان طينًا تغوص به أقدام الكفار في أرض المعركة.
والنبي ﷺ كان يدعو الله في العريش، وأبو جهل يدعو هُبَل ويستفتح، والنبي ﷺ يدعو ويبكي في العريش، وأبو بكر يقول له إن الله مُنجزٌ لك ما وعدك، وأبو بكر يبكي في الغار في مكة، والنبي ﷺ يقول له: لا تحزن إن الله معنا، وذلك لكمال الصفات فيهما.
وأما بكاء النبي ﷺ في غزوة بدر فكان خائفًا أن ينقص إيمان واحد ممن شاركوا في المعركة من ثلاث مئة رجل، فتنقُص الصفات، فتُرفَع النُّصرة، أما في الغار فكان الرسول ﷺ مطمئنٌ على إيمان أبي بكر، ولذا قال له: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].