← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

٥ - الخزانة الخامسة محاسن الدعوة إلى الله: الله خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، لأنه الرحمن الذي قال سبحانه: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». متفق عليه (١). فما أرحم الله بخلقه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. فمن خالف طريق رحمته، صار إلى طريق عذابه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وأعلى عمل في الدين هو الدعوة إلى الله، لما فيها من المنافع العظيمة للداعي والمدعو؛ ومن أجل أسفار الدعوة، وأعمال الدعوة، جعل الله الرُّخَص في الدين، مِنْ قصْر الصلاة وجمعها، والفطر في السفر، والتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله، .. ونحو ذلك من الرخص. لهذا الله لم يجعل فوق الدعوة عملًا للوصول إليه، لأن الشريعة مركَّبة على الرُّخصة، والدعوة مركبة على العزيمة، فلا يوجد لأحد رخصة

стр. 1752

في ترك الدعوة إلى الله، فالدعوة على الجميع رجالًا، ونساءً، وصغارًا، في الحضر والسفر، والصحة والمرض: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. فالنفر في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الله، هو أعظم الأسفار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]. فالدعوة إلى الله أحسن الأعمال، وأكثرها أجرًا، ولهذا شرَّف الله بها جميع هذه الأمة، فقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. والشيطان عدوٌ مبين يدعو إلى الباطل، والرُسل يدعون إلى الحق، والشيطان يأتي ليخرج الإنسان من شيئين: يأتي في الظلمة ليخرج الناس من الطاعات إلى المعاصي، ويأتي في النور ليخرج الإنسان المسلم من الكل إلى الجزء، ويشغله بالجزء عن الكل الذي هو الدعوة، التي يقول الله عنها لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 1753

ومشكلة إبليس ليست مع المصلين، والصائمين، والمنفقين؛ بل مشكلته مع الدعاة إلى الله، والمعلمين لشرع الله، لأنهم يُطفئون الحرائق التي يشعلها، ويُحيون السنة في أمة محمد ﷺ ، ولهذا قال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وقال الله تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. والصلاة في مكة أفضل من مئة ألف صلاة، وصلاةٌ واحدةٌ في مكة تساوي صلاة خمس وخمسين سنة خارج مكة، والصحابة أذكى الناس؛ لذا تركوا مكة والمدينة، لأن مقصودهم كيف يكون العالم كله كمكة والمدينة، وكيف تمتلئ صحائفهم بحسنات المصلين، والصائمين، والمنفقين، والمستغفرين، والمسبحين، وكل نبي أُعطيَ الهجرة والدعوة، لأن الهجرة سبب الهداية: كما قال الله عن إبراهيم ﷺ : ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦]. والله افترض على هذه الأمة الدعوة والهجرة، وبهذه ربَّى الله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ والهجرة ترك كل الدنيا من أجل الدين إلى الأبد، ونشره في العالم كله إلى الأبد، والصحابة تركوا من أجل ذلك كل الدنيا لأعدائهم؛ لأبي جهل، وأبي لهب، والوليد بن المغيرة وغيرهم، فتركوا كل الدنيا لإقامة كل الدين في العالم إلى الأبد: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].

стр. 1754

والأنصار بذلوا كل شيء من أجل الدين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. فالمهاجرون تركوا، والأنصار بذلوا، فالتقت الهجرة والنصرة، ثم جاء الثالث وهو الرضوان من رب العالمين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. والهجرة أن تترك دنياك من أجل دينك، والنُصرة أن تبذل دنياك من أجل دينك؛ فالنُّصرة ترك دنياك من أجل دينك، ولكن تترك لإخوانك المؤمنين، كما ترك الأنصار أموالهم لإخوانهم المهاجرين؛ كعبد الرحمن ابن عوف، وعمر، وسعد، .... فالمهاجرون تركوا دنياهم لأعدائهم، والأنصار تركوا دنياهم لأحبابهم المؤمنين؛ والمهاجرون أعلى في البذل والترك، فأفضل الصحابة المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].

стр. 1755

والذي يقبل الله دعوته هو من كانت حياته مطابقة لدعوته، ومن كانت حياته مخالفة لدعوته لم تُقبل دعوته: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. ومقصود الدعوة إلى الله تحصيل معية الخالق، وباب النبوَّة أُغلق وبقي في الأمة باب الصفات: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. وفي بدرٍ، الله غيَّر نظام القلوب، والعيون، والأقدام، فالله سبحانه أنزل السكينة في قلوب المؤمنين في بدر، وقذف الرُّعب في قلوب الكافرين. وقلَّل الكفار في أعين المؤمنين، وكثَّر المؤمنين في أعين الكفار. وأنزل المطر ليثبِّت به أقدام المؤمنين، وكان طينًا تغوص به أقدام الكفار في أرض المعركة. والنبي ﷺ كان يدعو الله في العريش، وأبو جهل يدعو هُبَل ويستفتح، والنبي ﷺ يدعو ويبكي في العريش، وأبو بكر يقول له إن الله مُنجزٌ لك ما وعدك، وأبو بكر يبكي في الغار في مكة، والنبي ﷺ يقول له: لا تحزن إن الله معنا، وذلك لكمال الصفات فيهما. وأما بكاء النبي ﷺ في غزوة بدر فكان خائفًا أن ينقص إيمان واحد ممن شاركوا في المعركة من ثلاث مئة رجل، فتنقُص الصفات، فتُرفَع النُّصرة، أما في الغار فكان الرسول ﷺ مطمئنٌ على إيمان أبي بكر، ولذا قال له: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].

стр. 1756

وأي جهدٍ انفرادي سهل، وأي جهدٍ اجتماعي صعب، لأن الجهد الاجتماعي لا بد أن تتنازل فيه عن مزاجك ورأيك، وتخضع للشورى بالطاعة، وتلك هي التربية الصحيحة. ومقصد الدعوة إقامة كل الأمة على مزاج النبي ﷺ ، وفِكر النبي، وعمل النبي، وجُهد النبي، وأخلاق النبي: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والله سبحانه قال عن المؤمنين في غزوة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]. ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ١٠]. فالصحابة كانوا في بدر كلهم في الاستغاثة والدعاء، فالإجابة جاءت للجميع، لأن صفاتهم مقبولة، فجاءت الصفات، ثم جاءت المعيِّة، ثم نزلت الملائكة معهم تحمل سيوفًا من نار: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١١ - ١٢]. فالله أوحى إلى الملائكة، فنزل إلى أرض المعركة ألفٌ، ثم ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف، ثم قال الله إني معكم، لماذا؟ لأن صفات الصحابة وصلت إلى أن تكون معية الله معهم، ومن كان الله معه فكل شيء معه، لهذا أفضل الخلق بعد الأنبياء هم المهاجرون والأنصار،

стр. 1757

وكل خيرٍ في العالم الآن إلى يوم القيامة ففي صحائف المهاجرين والأنصار: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. والخلاف غير الاختلاف: فالخلاف يكون بالرأي، وهو محمودٌ، والاختلاف يكون بالفعل، وهو مذمومٌ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. فإذا اختلفنا في الرأي، فلا نختلف في الفعل، والإصرار على الرأي يولد الغضب، فإذا جاء الغضب رأيت الحق باطلًا، والباطل حقًا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. ومعرفة الله تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة النبي ﷺ تكون بمعرفة مقصده؛ وهو الدعوة إلى الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]. وأعظم مِنَّة من الله على الناس نعمة الإسلام: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].

стр. 1758

وأسباب الحق المجاهدة، وأسباب الباطل المُشَاهدَة، ففرعون عنده أسباب الباطل المُشَاهدَة من المُلك، والمال، وقوة السلطان، حتى قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ [الزخرف: ٥١]. وموسى ﷺ ، وأمه، وزوجه، وأخته، وزوج فرعون آسية، عندهم أسباب المُجاهَدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. كم فرعون ملكه عظيم، وأسبابه عظيمة، وجنوده عظيمة، وكم النساء ضعيفات؟ وكم ضعف أسبابهن؟ ولكن مجاهداتهن عظيمة، كآسية، وخديجة وغيرهن من المؤمنات. والله ﷻ ذكر في القرآن الكريم أسباب إظهار الحق، وأسباب إبطال الباطل، فإيمان بني إسرائيل مُزِجَ مع المعصية، والسبب: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]. فلما تركوا الدعوة إلى الله جاءت المعاصي، مع أنهم أبناء أنبياء، فامتزج الإيمان مع المعاصي فجاءت العقوبة نقدًا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. ولكن الإيمان في حياة الصحابة كامل مقرونٌ بالطاعة الكاملة، مع أن آباء الصحابة كانوا عبَّاد الأصنام، وآباء بني إسرئيل أنبياء، ولكن ليس بين الله وبين الناس نسبٌ إلا التقوى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 1759

فبنو إسرائيل بسبب المعصية، وترك الدعوة، وقعَ الناس في المعاصي، فسلَّط الله عليهم أسوأ الخَلق وشرهم فرعون؛ الذي ادَّعى لنفسه الربوبية، فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. وادَّعى لنفسه الألوهية، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. فأصبح فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. فسبب العذاب ترك الدعوة إلى الله، ورفع العذاب لا يكون إلا بالدعوة إلى الله، فأرسل الله موسى ﷺ إلى فرعون، وبني إسرائيل، بالدعوة إلى الله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٥ - ٦]. فكل حياة موسى ﷺ ابتلاءات، لكن جاءت بعدها العطايا العظيمة، ودمَّر الله فرعون، وأورثَ بني إسرائيل أرضه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٧].

стр. 1760

٦ - الخزانة السادسة فقه الخلق والأمر: الله سبحانه جعل لكل شيء في هذه الدنيا أساساً، فأساس الدنيا المُشاهَدة، وأما أساس الدين فهو المجاهدة: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. فالمشاهدة للمخلوقات والأشياء للجميع، والمجاهدة للحصول على الإيمان الذي يريده الله للمؤمن؛ لذلك هناك ثلاثة أمور: علمُ الدين. وأعمال الدين. وحقيقة الدين. فعلم الدين يشترك فيه المسلم والكافر، فكم من حفاظ للقرآن والسنة من المسلمين وغيرهم. وأعمال الدين يشترك فيها المسلم والمنافق؛ فالمنافقون في مسجد النبي ﷺ في المدينة كانوا يصلون سبع صلوات؛ الصلوات الخمس، وصلاة الضحى، وصلاة التهجد: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. لكن هل المقصود علم الدين فقط؟ أو أعمال الدين فقط؟ أم حقيقة الدين؟ المقصود الأعظم حقيقة الدين، ولا يقوم على الحقيقة ظاهرًا وباطنًا إلا المؤمن.

стр. 1761

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والله هو الحق، الذي يريد الحق، ويعطي الثواب على الحق، لأنه الحق الذي أمر بالحق، وتَعامُل الناس مع بعضهم بالحقائق لا بالصور: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٠]. فالله يريد منا الحقيقة، والحقيقة للحصول عليها لابد من المجاهدة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وما هي الحقيقة؟ هي البصيرة؛ والبصيرة نظر القلب إلى الحق، والاستقامة على العمل حتى الممات: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤]. فمن عرف الحق، وعمل بالحق، نال الثواب على الحق: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢]. والنفاق أخطر شيء على المسلمين، فالمنافقون في عهد النبي ﷺ لم يقولوا بقلوبهم في حياتهم «لا إله إلا الله»، وكذا لم يقولوا لا بألسنتهم ولا بقلوبهم: «لا إله إلا الله» عند الموت، مع أنهم صلوا مع النبي ﷺ ، وخرجوا

стр. 1762

معه للجهاد، لأنهم كفار لا خير فيهم: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]. ومقصود جهد الدعوة إلى الله تحريك كل طاقة في الإنسان للعمل بالدين، ونشر الدين، حتى الممات: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. ولتحصيل البصيرة لا بد من بذل الطاقة في كل وقت للدين، فالإيمان حتى يدخل في القلب لا بد له من الجهد الدائم؛ فالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج هذا كله مستوى إسلامك، والمطلوب مستوى إيمانك، لذلك يُسأل الإنسان في القبر: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤]. فدخول الإنسان في الإسلام شيء، ودخول الإيمان في قلب الإنسان هذه درجة أعظم، فإذا دخل الإيمان في القلب حرك لسان المؤمن وقلبه وجوارحه بأعظم أعمال الدين؛ وهي الدعوة إلى الله، وعبادة الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ

стр. 1763

يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. اللهم ارزقنا الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، يا رب العالمين. فقه الكدح: الله على كل إنسان ثلاث سُنن، جمعها في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦]. فالأولى: سُنّة الكَدحِ، وأعظم الكدح كدح الأنبياء والرسل بجهد العبادة والدعوة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله تعالى: عن سيد الأنبياء والرسل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والله أوجب على الجميع في هذه الدنيا الكدح من أجل تحصيل المصالح، وبيَّن أفضل كدحٍ، ورغَّب فيه، وأثاب عليه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 1764

بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٠ - ١٤]. السُّنة الثانية: إلى ربك، فكل كدحٍ وعملٍ يرتفع إلى الله، فإن كانت أعمالك صالحة ترجمت فورًا شهواتٍ يوم القيامة في الجنة، فرحٌ وسرورٌ، وطعامٌ وشراب، وحورٌ وقصور. وأكثر الناس مجاهدةً في الدنيا من أجل الدين أكثرهم شهواتٍ يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وأقلُّ الناس مجاهدةً في الدنيا أقلهم شهوات يوم القيامة. ثم تنتقل لذة تلك الشهوات والمسرَّات من الجنة إلى قلب المؤمن الذي عملها في الدنيا، فالجنة ترسل هداياها إلى المؤمن في الدنيا؛ فمجالس الإيمان، ولذة العبادة من هدايا الجنة للمؤمن. والنار كذلك ترسل هداياها إلى الكافر والعاصي، عذابٌ وألمٌ، وضيقٌ، وشدةٌ، وتعبٌ، وحسرة، وخوف وحزن: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].

стр. 1765

فهدايا الجنة إخوانًا على سررٍ متقابلين، متحابين، متراحمين، وللقلب من ذلك في الدنيا نصيب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وهدايا النار متدابرين، متلاعنين، متقاطعين، متحاسدين: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وكدحُ السيئات يرتفع إلى الله ثم يُترجم في النار عذابًا أليمًا، وشديدًا، وعظيمًا، وشقاءً، وخوفًا، ثم ينتقل أثر ذلك إلى قلب الكافر في الدنيا: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. فالكدح كل يوم يرتفع، وكل يوم ينزل أثره على من عمل خيرًا كان أو شرًا. وأثر الحسنة على المؤمن البركة، وأثر السيئة نزع البركة. فللحسنة نورٌ في قلب المؤمن، وضياءٌ في الوجه، وصحةٌ في الجسم، وبركةٌ في الرزق، ومحبةٌ في قلوب الخلق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]. وللسيئة ظلمةٌ في الوجه، وسوادٌ في الوجه، وضيقٌ في القلب، ووهنٌ في الجسم، ومحقٌ في الرزق، وبغضٌ في قلوب الخلق؛ فكل الخلق يبغضونه، لأنه كفر بمن خلقه، ورزقه، وهداه، وأنعم عليه بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى.

стр. 1766

السنّة الثالثة: فملاقيه؛ فكل كادح سوف يلقى كدحه خيرًا أوشرًا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. والله سبحانه لم يُبين كدح التجار والصنَّاع والزرَّاع، وإنما بيّن أحسن كدح؛ وهو كدح الأنبياءُ والمرسلين والمؤمنين، وفصّله في القرآن، فيوم القيامة سوف تلاقي كدحك قبل كل شيء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وأسوأ كدحٍ: هو الكدح الذي فيه إفساد البشرية، لذلك كدح إبليس اكتمل في يوم واحد، لكن كدح الأنبياء فيه إصلاحٌ للبشرية، كم احتاج من الأنبياء؟ مائة و أربعة وعشرون ألف نبي ورسول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وجُهدُ إفساد البشرية قام به واحد، وهو إبليس، لأن كدح الباطل خفيفٌ، وحلوٌ، وأساسه الشهوات، وكدح الحق ثقيلٌ، ومرٌ، ومخالفٌ لشهوات النفس. فبداية الحق تَحمُّل المكاره، ونهايته الجنة، وبداية الباطل الشهوات، ونهايته النار، وكدح الحق لايتغير أبدًا، جُهدٌ واحد، ومقصدٌ واحد، وأسلوبٌ واحد، فسبب الهداية الجُهد، والدعوة إلى الله، كما أن سبب الرؤية البصر، وسبب السمع الأذن، وسبب الكلام اللسان: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 1767

لهذا العبادة مجملةٌ في القرآن، مفصلةٌ في السُّنة، والدعوة إلى الله مجملةٌ ومفصلةٌ في القرآن، بيَّن الله أصولها وأحكامها وأهلها، حتى لا يُقال هذا حديثٌ ضعيفٌ أو منكرٌ أو شاذٌ، بل نصوصها قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وكل يقينٍ على ما سوى الله فهو يقينٌ فاسد، لأن الخالق ﷻ بيده كل شيء، و غيره من المخاليق ليس بيده شيء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فابن نوح ﷺ قال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ [هود: ٤٣]. وكل واحدٍ منا عنده جبل، واليقين على الجبل هل يعصم من أمر الله؟ فمن أوى إلى جبل الشهوات، أو جبل حب الدنيا، أو جبل الرياسات، فقد أوى إلى غير الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].

стр. 1768

وكدح قوم نوح، وكدح فرعون، وكدح قارون، وكدح هامان، وكدح مدين، وكدح قوم شعيب، هل نفعهم؟ لم ينفعهم؛ بل دمرهم، لأنهم كفروا بالله، واشتغلوا بدنياهم، وأعرضوا عن رسل ربهم: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠]. وكدح الأنبياء والرسل أعظم كدح؛ كدح نوح ﷺ ، كدح إبراهيم، كدح هود، كدح صالح، كدح موسى، كدح عيسى، كدح محمد، هل نفعهم؟ كدحُ المؤمنين من أجل إعلاء كلمة الله هل نفعهم؟. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. هذا الكدح العظيم يُسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، وينصره الله في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 1769

وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. قال بعض التابعين لو نظرنا إلى حياة الصحابة لقلنا مجانين، ولو رآنا الصحابة لقالوا منافقين، فما بالكم لو رآنا الصحابة اليوم ماذا يقولون؟!!. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. والصحابة ﵃ جاهدوا بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فالصحابة ﵃ ضحوا من أجل إعلاء كلمة الله بأنفسهم، وأموالهم، وأوقاتهم، وشهواتهم، وأهلهم، وديارهم، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. وما هي أعظم مجاهدةً عند الصحابة ﵃؟ هل هي ترك أموالهم، وأهلهم، وديارهم، والتضحية بأوقاتهم، وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله؟.

стр. 1770

وأعظم مجاهدة عندهم هي فراق النبي ﷺ ، حينما يوجههم إلى الغزوات، ويوجههم للذهاب للدعوة إلى الله، ونشر دين الله. فأعظم شيءٍ عند الصحابة الجلوس بين يدي النبى ﷺ ، وتركوا ذلك، وأطاعوا الرسول ﷺ من أجل إرضاء الله ورسوله، ونشر دينه، وإذا كانت هذه مجاهدةٌ الصحابة العظمى، فما هي مجاهدة النبي ﷺ ؟. أعظم مجاهدة عند النبي ﷺ هي فراق المناجاة، وفراق القرب من الله ؛ فالله سبحانه يقول للأنبياء والرسل: تحملُّوا فراقي، واجتهدوا على خلقي، حتى تأتوا بخلقي أمام بابي: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فالأنبياء والرسل ثم الصحابة أعطوا كل الأوقات للدعوة إلى الله، ونشر دين الله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وقال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. والله هو الخلاق العليم؛ الذي خلق عالم الغيب، وعالم الشهادة؛ وعالم الشهادة ما نراه، وعالم الغيب ما أخبرك الله ورسوله ﷺ عنه؛ من خلقٍ أو أمرٍ، فيجب أن تؤمن به كأنك تراه، لأن من أخبرك به صادق: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].

стр. 1771

والله هو الخلاق العليم الذي خلق كل شيء. فخلق عالم الغيب، وعالم الشهادة، وخلق عالم الدنيا، وخلق عالم الآخرة، وخلق العالم السفلي، وخلق العالم العلوي، ومن هذا خلقه، وهذه قدرته، هو وحده الذي يستحق العبادة دون سواه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. والله سبحانه خلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلهن. وقد ذكر الله السماوات السبع في القرآن سبع مرات في سبع آيات، كما قال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦] وقال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: ١٢].

стр. 1772

فهذه سبع آيات، ذكرَت السماوات السبع؛ وذِكره سبحانه سبع سماوات في سبع آيات أمرٌ معجز، وهي سبع سماواتٍ متطابقة، تغلف العليا منها السفلى، وقد مرَّ الرسول صلى الله عليه وسلمبها كلها في الإسراء والمعراج، وقطعها في ليلة، وما نشاهده في الكون جزءٌ محدودٌ من السماء الدنيا. والله سبحانه أخبرنا عن سبع سماوات، وسبع أراضين، وكشف لنا عن سماءٍ واحدةٍ، وأرضٍ واحدة، نراهما بالحس والبصر، وست سماوات، وست أراضين، نصدق بهما بالخبر. وتبديل السماوات والأرض يوم القيامة يكون على وجهين: الأول: أن تكون الذات باقية، وتتبدل صفات الأرض، وصفات السماء. الثاني: أن تفنى الذات الأولى من السماء والأرض، وتُخلق ذاتٌ أخرى، والله قادرٌ على هذا وهذا فهو الخلاق العليم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧]. ومَن هذا خلقه، وهذه عظمته، وهذه قدرته، هو وحده الذي يستحق أن يعبد دون سواه، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. والله خلق هذه المخلوقات العظيمة من السماء والأرض، وملأها بمخلوقاتٍ عظيمة لا يحصيها إلا هو، خلقها شاهدةٌ بوحدانيته، ومسبحةٌ بحمده، ومطيعةٌ لأمره، وخاضعةٌ لعظمته، ومستجيبةٌ لمشيئته، ومسرعةٌ إلى إرادته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ

стр. 1773

وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. والإنسان لما قبل تحمّل الأمانة خيَّره الله بين أن يؤمن أو يكفر، ورغَّبه في الإيمان، وحذَّره من الكفر، وخيَّره بين أن يطيع أو يعصي، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].

стр. 1774

٧ - الخزانة السابعة فقه الخلق والأمر: الله خلق كل شيء ليشهد بوحدانيته، ويسبح بحمده، ويدل على عظمته، وكمال أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. والله خلق المكان والزمان؛ فالمكان محل الأشياء، والزمان مكان الأعمال، وحَمِد نفسه على خلق هذا وهذا، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. والزمان ينتج من حركة الشمس على الأرض، ومن حركة الشمس على الأرض يتكرر الفجر، والصبح، والضحى، والظهر، والعصر، والمساء، والمغرب، والعشاء، والليل، والنهار: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤]. فسبحان من يقلب الأحوال على الخلق، كما يقلب الليل والنهار على الأرض. فالمكان ظرف، والزمان ظرف؛ وأشرف ما في المكان العلوي هم الملائكة، وأشرفهم وسيدهم جبريل ﷺ ، وأشرف ما في العالم السفلي هم بنو آدم، وأشرفهم الأنبياء والرسل والمؤمنون.

стр. 1775

وسيد أهل الأرض جميعًا سيد الخلق محمدٌ ﷺ ، الذي قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وأشرف الزمان ما فرض الله فيه العبادات؛ كالصلاة، والصيام، والحج؛ وأشرف زمانك ما أطعتَ الله ورسوله فيه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. والطاعة فرع الحياة؛ والحياة مكونةٌ من ليلٍ ونهارٍ، ومن صباحٍ ومساءٍ؛ والإنسان مخلوق عظيم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه أسماء كل شيء، فهو مركبٌ من عقلٍ يفهم ويدرك، ومن قلبٍ يؤمن ويكفر، ويحب ويُبغض، وبدنٌ يأكل ويتحرك: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٤ - ٨]. فإذا لبى الإنسان حاجة عقله وقلبه وبدنه ارتقى، وتفوق، وسَعِد، وأفلح ونجا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وإن استعمل ذلك وفق هواه هبط، وخسر، وشقي، وهلك: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].

стр. 1776

وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. والإنسان بضعة أيام؛ كلما نقص يوم نقص بِضعٌ منه، ولأن الإنسان هو الزمن، وأعظم شيءٍ يملكه الإنسان هو الزمن، أقسم الله بجميع أوقات الزمن، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل: ١ - ٢]. وقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ [العصر: ١]. وقال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١ - ٢]. وقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]. والدنيا بيت بالآجار، والأجرة مِلكُ قصرٍ أو سجنٍ على الدوام. فالدنيا دار فناء وشهوات، تَغرُّ، وتضرُّ، وتجري، وتمرُّ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وماذا في الآخرة؟ قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].

стр. 1777

والعبرة بالإيمان والعمل، لا بالشعور والأمل، ومن أعظم المقتِ إضاعة الوقتِ في الغفلات والشهوات: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والموت خروجٌ من خيرٍ محدود إلى خيرٍ مطلق، أو خروجٌ من عذابٍ محدود إلى عذابٍ مطلق، وخروجٌ من حسنٍ إلى أحسن، أو من سيئ إلى أسوء: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وما عَبَدَ الله من أحبَّ الله ولم يطعه، وما أطاع الله من عبده ولم يحبه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. ومن أخلص لله العمل خلَّصه الله من التعلق بكل ما سوى الله، كما قال الله عن يوسف ﷺ : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤].

стр. 1778

ومن أخلص لله في عمله خلَّصه الله من التعلق بغيره: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧]. وكلما زاد علم العبد بالله زاد رضاه عن الله، وزاد تعظيمه له، وزاد حبه له، وزادت عبادته له، وزاد ثوابه منه؛ وكلما قلَّ علمك قلَّ رضاك عن الله، وقلَّ اتصالك بالله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. جنةٌ في الدنيا في الأرض؛ وهي جنة معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعبادته وحده لا شريك له، وجنةٌ في السماء، وهي رضوان الله، ورؤيته، ودخول الجنة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وعندما ترضى عن الله فأنت في أعظم نعيم، وعندما تسخطُ على الله فأنت في أعظم شقاء: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].

стр. 1779

والنصارى لما تركوا دينهم الباطل تقدموا في دنياهم، والمسلمون لما تركوا دينهم الحق تأخروا في دينهم ودنياهم، وصاروا في ذيل القافلة: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. وقال : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فقه التوحيد: التوحيد الحق أن ترى الله وحده بيده كل شيء، وكل ما سواه ليس بيده شيء، والخلائق كلهم ليس بأيديهم شيء؛ كبيرهم، وصغيرهم، وقويهم، وضعيفهم؛ بل هم صور يحركها خالقها كيف شاء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. ومن آمن بالله العظيم علِمَ أن الذي يدبّر جميع المخلوقات والحيوانات والسباع هو الله وحده لا شريك له، إن رضي عنك جعلها في خدمتك، وصرف عنك شرها، وإن سخط عليك سلطها عليك؛ لعلك تعود إليه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].

стр. 1780

وترى جميع الوحوش والطغاة مربوطةٌ ومقيدةٌ عند حكيمٍ قويٍ رحيمٍ، إن رضي عنك أبعدها عنك، وإن سخط عليك سلطها عليك: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦]. التوحيد: ألا ترى إلا الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. التوحيد: أن تتوكل على الله وحده، ولا تلتفت لأحد سواه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. التوحيد: أن تثق بالله وحده، وتقطع رجاءك فيما سواه. التوحيد: يملأ قلب المؤمن بكمال الطمأنينة، والسكينة، والأمن، والهداية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. التوحيد فطرك الله عليه من أجل ألا تخاف، من أجل ألا تنافق، من أجل ألا تكذب، من أجل ألا تحسد، ولا تحقد، ولا تحزن؛ فمن سبَّك وآذاك فالله أرسله إليك بحكمته ورحمته ليؤدبك، ويذكرك بالله، ويردك إلى الصواب: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] التوحيد: يجعلك قويًا، شجاعًا، آمنًا، مطمئنًا، مخلصًا، صادقًا، لأنك في معية الواحد الأحد، القهار لكل أحد، ومن كان الله معه فكل شيءٍ معه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].

стр. 1781

التوحيد: أن تتجه إلى ربٍ قويٍ، غنيٍ قادر، والشرك: أن تتجه إلى عبدٍ مخلوقٍ، ضعيفٍ، فقيرٍ، عاجز مثلك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. الموحد حقًا يعبدُ الله كأنه يراه، ويرى كل ما سوى الله من المخلوقات عبيدًا ساجدين لله في محراب العبودية، ويرى أن كل الطغاة والجبابرة عِصيٌ بيد الله ينتقم بها أولًا من الظالمين، ثم ينتقم منها؛ فمن استقام على دينه منعهم الله عنه، ومن عصى الله أدَّبه بأحدهم، كما سلَّط الله فرعون على بني إسرائيل لما كفروا بالله، وعصوا رسله، وقتلوهم، ثم انتقم بعد ذلك من فرعون بموسى ﷺ ، فأغرقه الله وجنوده في البحر، لما ردُوا رسالة الله التي جاء بها موسى ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦].

стр. 1782

٨ - الخزانة الثامنة أقسام الضلال: الضلال هو العمى عن الحق والهدى. والضلال الموجود في العالم ثلاثة أنواع: ضلالٌ كلي. وضلالٌ جزئي. وضلالٌ فكري. فالضلال الكلي: هو ضلال الكفار، والمشركين، والمجوس، والهندوس، واليهود، والنصارى وأمثالهم. والضلال الجزئي: هو ضلال بعض المسلمين الذين خلطوا عملًا صالحًا، وآخر سيئًا، ومزجوا في حياتهم بين الحلال والحرام، وبين الهدى والهوى. والضلال الفكري: هو ضلال بعض المسلمين الذين اقتصروا على إصلاح أنفسهم بأنواع العبادة، وغفلوا أو قصَّروا في إصلاح غيرهم بالدعوة والتعليم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. ولخروج الناس من هذا الضلال لا بد من ثلاثة أمور: دعاء الهداي وجهد الهداية ولزوم بيئة الهداية.

стр. 1783

أما دعاء الهداية فقد أمر الله به سبحانه عباده في كل صلاة بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧] ودعا به الرسول ﷺ بقوله: «اللَّهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلِفونَ اهدِني لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ». أخرجه مسلم (١). وأما جهد الهداية فيكون بأمرين: الأول: جهدٌ على النفس: بتعلم العلم الإلهي، بمعرفة الله أولاً، ثم معرفة أحكامه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. ثم العمل بموجب ذلك العلم، ويكون بخمسة أمور: فعل الطاعات حسب الاستطاعة. واجتناب المعاصي بالكلية. وشكر النعم. والاستغفار من جميع الذنوب. والصبر على البلاء

стр. 1784

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. الثاني: جهدٌ على الغير: ويكون بثلاثة أمور: الأول: دعوة الكفار إلى الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ٣]. الثاني: جهدٌ على المسلم الجاهل ليكون عالمًا، وجهدٌ على الغافل ليكون ذاكرًا، وجهدٌ على العاصي ليكون طائعًا، وجهدٌ على الفاسد ليكون صالحًا، كما قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].

стр. 1785

وقال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾ [الأعلى: ٩ - ١١]. الثالث: جهدٌ على العالِم ليكون معلمًا، وجهدٌ على الصالح ليكون مُصلحًا، وجهدٌ على الذاكر ليكون مذكِّرًا، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وأما لزوم بيئة الهداية: فلكي تهتدي الزم بيئة الهداية، وهي مجالس الإيمان، ولكي تستقيم على الهداية يجب أن تنقطع عن مجالس الغفلة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. وفي لزوم بيئة الهداية نستفيد خمسُ كرامات: نتعلم الدين. ونعمل بالدين. ونثبت على الدين. ونترقى في الدين. وننشر الدين. وننقطع عن مجالس الغفلة

стр. 1786

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. أصول الدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله أعظم العبادات التي تنفع العبد، وتنفع غيره، ولها أركان وواجبات؛ كالصلاة لها أركان وواجبات لا تصح ولا تنفع إلا بها. وأصول الدعوة إلى الله كثيرة، يجمعها خمسة أصول: الأصل الأول: التعريف بالله ، وتعظيم الله وتكبيره بذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، لتعظّمه القلوب وتخافه وترجوه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الثاني: ذكر نعم الله وإحسانه إلى خلقه؛ ليحبه الناس، ويحمدوه، ويشكروه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. وقال : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ

стр. 1787

أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. الثالث: ذِكرُ وعد الله لمن آمن به وأطاعه بالسعادة في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة، ورضوان رب العالمين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. الرابع: ذِكر وعيد الله لمن كفر به وعصاه بالشقاء والعذاب في الدنيا، والنار وسخط الجبار في الآخرة، ليخاف الناس من ربهم، ويقبلوا على طاعته، ويحذروا معصيته: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. الخامس: الإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان القولي والفعلي، حتى يحبون الداعي إلى الله، فإذا أحبوه سمعوا كلامه، وأطاعوه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 1788

فالداعي الى الله كي يفلح في دعوته يَصلْ من قطَعه، ويُعطي من حرَمَه، ويعفو عمن ظلمه، ويُحسن إلى من أساء إليه، حتى يرضي الله، ويحبه الناس، فإذا أحبوه سمعوا كلامه وأطاعوه، وأحبوا الله، والدين الذي أنزله. وإذا عرف الإنسان ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف نعمه وإحسانه، وعرف عظمته وسلطانه، وعرف وعده ووعيده؛ آمن بالله وأحبه، واشتاقت نفسه للعمل بما يحبه الله ويرضاه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وما يحبه الله ويرضاه: أن نؤمن به، ونعبده وحده لا شريك له، ونقتدي برسوله ﷺ في خمسة أمور: في توحيده وإيمانه. وفي نيته وفكره. وفي أقواله الحسنة. وفي أعماله الصالحة. وفي أخلاقه الكريمة. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وحب الله لعبده مقرونٌ بطاعته لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].

стр. 1789

وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، صالحين ومصلحين، غير ضالين ولا مضلِّين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. فقه محبوبات الرب، ومحبوبات النفس: خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وجعل فيه مخلوقان عظيمان هما: النفس، والروح؛ فالنفس لها محبوبات، والروح لها محبوبات. فالنفس بحر الشهوات، والشهوات ليس لها حد، والروح بحر الطاعات، والطاعات ليس لها حد؛ وكل إنسان مبتلىً بإتباع الشهوات، وفعل الطاعات. فمن قدم فعل الطاعات على تكميل الشهوات فاز، ومن قدم اتباع الشهوات على فعل الطاعات خسر: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. ومحبوبات النفس من الشهوات ثقيلة على الروح التي تحب الطاعات، ومحبوبات الروح ثقيلة على النفس التي تحب الشهوات، وتكره الطاعات، ومحبوبات الروح خمس، ومحبوبات النفس خمس. فمحبوبات النفس: المطعومات بأنواعها، والملبوسات بأنواعها، والمنكوحات، والمركوبات، والمسكونات: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].

стр. 1790

ومحبوبات الروح: الإيمانيات، والعبادات، والمعاملات الحسنة، والمعاشرات الطيبة، والأخلاق العالية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. والله سبحانه ملأ الدنيا بمحبوباته هو، ومحبوبات الإنسان، وملأ الآخرة بمحبوبات الإنسان. ومحبوبات الرب ﷻ : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. هذه أعظم محبوبات الرب، ولهذا اشترى من أهلها أنفسهم وأموالهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. ومحبوبات الإنسان: الحياة الطيبة في الدنيا، وقد أكرم الله بها الإنسان بهذا الدين العظيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
следующие страницы →