قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
أصول الدعوة إلى الله:
الدعوة إلى الله أعظم العبادات التي تنفع العبد، وتنفع غيره، ولها أركان وواجبات؛ كالصلاة لها أركان وواجبات لا تصح ولا تنفع إلا بها.
وأصول الدعوة إلى الله كثيرة، يجمعها خمسة أصول:
الأصل الأول: التعريف بالله ، وتعظيم الله وتكبيره بذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، لتعظّمه القلوب وتخافه وترجوه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثاني: ذكر نعم الله وإحسانه إلى خلقه؛ ليحبه الناس، ويحمدوه، ويشكروه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١].
وقال : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ
стр. 1787
أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
الثالث: ذِكرُ وعد الله لمن آمن به وأطاعه بالسعادة في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة، ورضوان رب العالمين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
الرابع: ذِكر وعيد الله لمن كفر به وعصاه بالشقاء والعذاب في الدنيا، والنار وسخط الجبار في الآخرة، ليخاف الناس من ربهم، ويقبلوا على طاعته، ويحذروا معصيته: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
الخامس: الإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان القولي والفعلي، حتى يحبون الداعي إلى الله، فإذا أحبوه سمعوا كلامه، وأطاعوه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 1788
فالداعي الى الله كي يفلح في دعوته يَصلْ من قطَعه، ويُعطي من حرَمَه، ويعفو عمن ظلمه، ويُحسن إلى من أساء إليه، حتى يرضي الله، ويحبه الناس، فإذا أحبوه سمعوا كلامه وأطاعوه، وأحبوا الله، والدين الذي أنزله.
وإذا عرف الإنسان ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف نعمه وإحسانه، وعرف عظمته وسلطانه، وعرف وعده ووعيده؛ آمن بالله وأحبه، واشتاقت نفسه للعمل بما يحبه الله ويرضاه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وما يحبه الله ويرضاه: أن نؤمن به، ونعبده وحده لا شريك له، ونقتدي برسوله ﷺ في خمسة أمور:
في توحيده وإيمانه.
وفي نيته وفكره.
وفي أقواله الحسنة.
وفي أعماله الصالحة.
وفي أخلاقه الكريمة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وحب الله لعبده مقرونٌ بطاعته لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
стр. 1789
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، صالحين ومصلحين، غير ضالين ولا مضلِّين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
فقه محبوبات الرب، ومحبوبات النفس:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وجعل فيه مخلوقان عظيمان هما: النفس، والروح؛ فالنفس لها محبوبات، والروح لها محبوبات.
فالنفس بحر الشهوات، والشهوات ليس لها حد، والروح بحر الطاعات، والطاعات ليس لها حد؛ وكل إنسان مبتلىً بإتباع الشهوات، وفعل الطاعات.
فمن قدم فعل الطاعات على تكميل الشهوات فاز، ومن قدم اتباع الشهوات على فعل الطاعات خسر: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
ومحبوبات النفس من الشهوات ثقيلة على الروح التي تحب الطاعات، ومحبوبات الروح ثقيلة على النفس التي تحب الشهوات، وتكره الطاعات، ومحبوبات الروح خمس، ومحبوبات النفس خمس.
فمحبوبات النفس: المطعومات بأنواعها، والملبوسات بأنواعها، والمنكوحات، والمركوبات، والمسكونات: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
стр. 1790
ومحبوبات الروح: الإيمانيات، والعبادات، والمعاملات الحسنة، والمعاشرات الطيبة، والأخلاق العالية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
والله سبحانه ملأ الدنيا بمحبوباته هو، ومحبوبات الإنسان، وملأ الآخرة بمحبوبات الإنسان.
ومحبوبات الرب ﷻ : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
هذه أعظم محبوبات الرب، ولهذا اشترى من أهلها أنفسهم وأموالهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
ومحبوبات الإنسان: الحياة الطيبة في الدنيا، وقد أكرم الله بها الإنسان بهذا الدين العظيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
ومَن هذه قدرته العظيمة، وهذه أفعاله العظيمة، وهذه كراماته لعباده؛ هو الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
أصول العلم الإلهي:
ليصل الإنسان إلى التوحيد الحق، والإيمان الحق، وحلاوة العبادة بين يدي الرب؛ لا بُدَّ له من معرفة سبعة أمور:
الأول: معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة عظمة نعمه وخزائنه، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة عظمة وعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
الثاني: معرفة الدين الحق، والقرآن العظيم الذي بعث الله به رسوله إلى عباده، ليعملوا به، ويعلِّموه الناس: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ
стр. 1793
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الثالث: معرفة الرسول الذي أرسله الله بهذا الدين الحق، ومعرفة أقواله، وأعماله، وأخلاقه، ليتم للعبد الاقتداء به، والاهتداء بهديه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
الرابع: معرفة هذا الإنسان الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه أسماء كل شيء، ماذا يريد الله منه، وماذا يريد هو من الله ، فالله يريد من الإنسان أن يكون في الدنيا خليفه، وفي الآخرة جليسه، والجهد على هذا الانسان حتى يؤمن بالحق، ويعمل بالحق، ويدعو إلى الحق: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
فهذه أصول العلم الإلهي، ومفاتيح أبواب التوحيد والإيمان والتقوى.
وقد ذكر الله هذه المعارف السبع، وفصَّلها في القرآن الكريم.
فمن عرفها آمن بالله ، وأحبه، ومجَّده، وكبَّره، وعظَّمه، وحمده، وشكره، وتوكل عليه، وسارع إلى طاعته وعبادته، واجتنب معصيته، وبذلك يسعده الله في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
стр. 1796
٩ - الخزانة التاسعة
مفاتيح الخير، ومفاتيح الشر:
الله حكيمٌ عليم؛ خلق هذه الدنيا للامتحان والابتلاء والعمل، وخلق الآخرة للجزاء والثواب أو العقاب، وأرسل الأنبياء والرسل بالدعوة إلى الحق، وأرسل الشياطين بالدعوة إلى الباطل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وقال عن الشياطين: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٧]
وأول معصيةٍ في السماء هي الكِبر والحسد الصادر من إبليس؛ فقد استكبر إبليس عن السجود لآدم وحسده، لأن الله جعله خليفةً في الأرض؛ فعل إبليس ذلك من تلقاء نفسه، ولا أحد علَّمه، ولا أمره، ولا كلَّفه، وبذلك صار إبليس أكبرُ مفتاح للباطل في العالم، وذلك بسبب الشر الكامن فيه.
وإبليس كان من الجن، وكان من أعبد أهل الأرض، وبسبب قوة عبادته رُفع إلى السماء مع الملائكة، ولما أمره الله بالسجود لآدم أبى واستكبر، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
стр. 1797
فإبليس أكبر مفتاح الشر والباطل في العالم، وكل مفتاح له أسنان، وأسنان مفتاح الشر والباطل أربعة، وهي:
السن الأول: تعظيم النفس، كما قال إبليس عن آدم ﷺ : ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢].
فمن عظَّم نفسه، ورأى نفسه، واستكبر، فقد أخذ صفة من صفات إبليس، وصار أهلًا لدخول النار: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
السن الثاني: احتقار الآخرين، كما قال إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١]
فمن عظَّم نفسه، واحتقر غيره، فقد أخذ صفتين من صفات إبليس، وكان من أتباعه وجنوده في الدعوة إلى الباطل.
السن الثالث من أسنان مفتاح الشر والباطل في العالم: عاطفة الانتقام، كما قال إبليس: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء: ٦٢]
وقال عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
فمن عظَّم نفسه، واحتقر غيره، وظلم غيره، فقد أخذ ثلاث صفات من صفات إبليس، وصار من أكبر جنوده وأتباعه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
стр. 1798
وقال الله تعالى عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩].
السن الرابع: سوء الظن بالله ، كما قال إبليس لربه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ [الأعراف: ١٦].
والله ما أغواه، ولكن هو الذي اختار الإغواء، وإضلال بني آدم: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٨].
والله يهدي إلى الحق، ويدعو إلى الحق، ولا يغوي الناس، ولكن إبليس أساء الظن بربه، ونسب إليه الإغواء، ومن أساء الظن بربه أساء الظن بخلقه، وظلمهم، وحسدهم، واستكبر عليهم: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وقد أعلن إبليس عداوته لبني آدم كلهم: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٨ - ١٢١].
فمن عظَّم نفسه، واحتقر غيره، وظلم غيره، وأساء الظن بربه؛ فقد أخذ أربع صفات من صفات إبليس، وصار نائبًا عن إبليس في الأرض، رافعًا لواء الباطل في كل مكان، وقد يفعل ما لم يفعله إبليس، كما قال فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].
стр. 1799
وقال للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
والله له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، وبيده الخير كله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والله حكيمٌ عليمٌ، خلق إبليس وجنوده، وخلق آدم وذريته، وجعل إبليس مفتاحًا للشر والباطل في العالم، وجعل الأنبياء والرسل مفتاحًا للحق والخير في العالم، فهذه الدنيا دارٌ للامتحان والعمل والابتلاء، والآخرة دار الحساب والثواب والعقاب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وقد أعطى الله مفتاح الخير والحق آدم ﷺ ، والأنبياء والرسل، وأتباعهم.
وما من مفتاح إلا وله أسنان، وأسنان مفتاح الخير في العالم أربعة، وهي:
الأول: تعظيم الرب سبحانه، والانكسار بين يديه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي
وإذا أخذ أكثر الناس مفتاح الباطل، وصاروا نوَّابًا عن إبليس وجنوده يفسدون هذه الأمة، فما هو الحل؟
الحل: أن نواجه مفتاح الشر بمفتاح الخير، ليزول الباطل من العالم، ويظهر الحق في حياة البشرية: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
وقد أكرم الله هذه الأمة، وأعطاها مفتاح الحق والخير في العالم بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، وعبادة الله، والإحسان إلى خلق الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وكل رسولٍ من الرسل، وكل نبيٍ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، عنده جهدٌ على أسرته، وقومه، وبلده، ولكن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس كافة، وأرسله رحمةً للعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وجعل سبحانه أمته نائبةٌ عنه إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
فاللهم أهدنا، وأهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
стр. 1802
١٠ - الخزانة العاشرة
فقه جهدُ الشيطان على بني آدم:
لما طرد الله إبليس، ولعنه، وأخرجه من الجنة، بسبب كفره، وكبره، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص: ٧٧ - ٧٨]
وبعد ذلك نذر الشيطان نفسه لإغواء بني آدم جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
فقال الله له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢].
الجهد الأول: جهدٍ للشيطان على الإنسان أن يقطع علاقته بربه بالكفر، كما قال سبحانه عن الشيطان: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ [الحشر: ١٦ - ١٨].
الجهد الثاني: إضعاف العلاقة مع الله، ويضعفها بأمرين.
الأول: التوسع والاشتغال بالحلال الذي يصرف المسلم عن ربه، والعمل بشرعه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
стр. 1803
وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
الثاني: إذا كان الإنسان فاسقًا شغله بالحرام عن عبادة الله ، وإذا عجز الشيطان عن ذلك، قال للمسلم: كن قويًا مع الله، واعبد ربك، وأصلح نفسك، لتنجو من عذاب ربك، واحذر أن تنصح أحدًا، أو تُعلِّم أحدًا، لئلا ينالك الأذى من الناس: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ثم يُخذِّل العبد، ويصغر نفسه عنده، فيقول له: أنت لا تصلح للدعوة لا علم عندك، ولا منصب لك، ولا فقه معك، والقول على الله بلا علم عظيمٌ، وسوف تُسأل عنه، لأن الشيطان يريد الدعوة له ولجنوده بنشر الباطل في العالم، ودعوة الحق تُبطلُ جهده، وتأخذ أتباعه، وتطفئ ناره: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
والشيطان لا يريد أن يكون المسلم داعيًا إلى الله، فلا يريد أن يكون له دكانٌ في السوق، يريد السوق كله له: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
والداعي إلى الله: الأرض دكانه، والناس زبائنه، وأعمال الدين سلعته: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 1804
والداعي إلى الله يطفئ الحرائق التي أشعلها الشيطان في البشرية، لهذا يريد أن تكون الدعوة كلها له.
وفي الأخير يقول الشيطان للمسلم إذا عجز عنه: لا بأس ادع إلى الله، وعظ الناس حتى يبكون، لكن احذر أن تأمرهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩].
فإذا أيس الشيطان من ذلك، قال للمسلم: ادعُ إلى الله، ورغّب الناس في الدعوة إلى الله، لكن مرهم لا يقولوا للناس ادعوا إلى الله، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى العلم والفقه في الدين، وسوف تسألون عما قلتم: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
والأنبياء والرسل وأتباعهم عندهم الإصرار على الحق، والعمل به، ونشره، وإبليس وجنوده عندهم الإصرار على الباطل ونشره.
وقوة الأنبياء وأتباعهم في إصرارهم على الحق، والدعوة إليه، وقوة إبليس وجنوده في الإصرار على الباطل، والدعوة إليه؛ لهذا يجب علينا معرفة سيرة الأنبياء والمرسلين، لنقتدي بهم في توحيدهم، وإيمانهم ودعوتهم إلى الله، ومعرفة سيرة إبليس وجنوده، لنحذرهم، ونتقي شرهم، حتى لا نقع في حبائلهم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١].
٩ - خزائن الحق
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 1812
٩ - خزائن الحق
١ - الخزانة الأولى
الله ﷻ هو الملك الحق المبين، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، وله الملك كله وله الخلق كله، وله الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم، فالله حق ودينه حق ورسوله حق ووعده حق، كما قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» متفق عليه (١).
فالحق هو الشيء الثابت، فإن وصف به الحكم الشرعي فهو العدل، وإن وصف به الخبر من الله ورسوله فالمراد به الصدق، وكل دين الإسلام على
стр. 1813
هذا، فأخباره كلها حق وصدق، وأحكامه كلها حق وعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والناس في قبول الحق كالأرض التي أصابها الغيث، منها ما ينبت ومنها ما لا ينبت، ومنها ما ينبت سريعاً ومنها ما يظهر بعد مد ة، وكذلك الناس في قبول الحق والاستجابة إليه، فمنهم السريع جداً في قبول الحق كسحرة فرعون الذين آمنوا مباشرة لما رأوا الآيات، ومنهم أبو بكر الصديق ﵁ الذي آمن بالحق لما سمعه من الرسول ﷺ حالاً بلا تردد: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
ومنهم من استجابته للحق بطيئة كقوم نوح الذين دعاهم نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومع ذلك لم يؤمن به إلا قليل: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠].
وكخالد بن الوليد الذي تأخر إسلامه حتى حارب المسلمين ثم أسلم، وكذا عكرمة بن أبي جهل وأبو سفيان وغيرهم فإن هؤلاء تأخر إسلامهم ﵃.
عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ : «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ
стр. 1814
وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِه» متفق عليه (١).
والحق هو الصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله والجنة.
وقد وصف الله الصراط المستقيم بصفتين:
الأولى إيجابية: بكون الصراط للذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كما قال سبحانه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
الثانية سلبية: وهي يكون ذلك الصراط المستقيم، بخلاف صراط الذين فسدت قواهم العملية بارتكاب الشهوات المحرمة حتى أستوجب غضب الله عليهم كما قال سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
وبخلاف صراط الذين فسدت قواهم العلمية حتى ضلوا عن الحق الذي يريده الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
والناس في قبول الحق ثلاث فرق:
الأولى: من عرف الحق وعمل به وهم الذين نعم الله عليهم من المؤمنين.
الثاني: من عرف الحق ولم يعمل به وفي مقدمة هؤلاء اليهود ومن شابههم.
الثالثة: من عرف الحق وضل عنه وفي مقدمة هؤلاء النصارى ومن شابههم.
المكلفون ثلاثة أقسام:
الأول: أهل الطاعة، وهم المؤمنون بالله العاملون بشرعه، كما قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
стр. 1815
الثاني: أهل المعصية، وهم كل من عرف الله ولم يؤمن به ولم يعمل بشرعه هؤلاء هم الغضوب عليهم: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
الثالث: وأهل الجهل والضلال، وهم كل من لم يعرف الحق أو عرفه لكنه ضل عنه، كمال قال سبحانه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
والمقبول من هؤلاء عند الله طائفة واحدة وهم المؤمنون الذين آمنوا بالحق الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل والقبول.
والمرددون فريقان المغضوب عليهم والضالون. المنعم عليهم جمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، والمغضوب عليهم هم الذين اختل عندهم قيد العمل فهم الفسقة وهم مغضوب عليهم.
والضالون هم الذين اختل عندهم قيد العلم فهم الضالون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
الله ﷻ هو الحق، الموجود حقيقتاً الذي لا يسع أحد إنكاره ولا جحوده، فلا ريب ولا شك في وجوده ﷻ : ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]
وهو سبحانه حقُ في ذاته، وحقُ في أسمائه وصفاته، وحقُ في أقواله وأفعاله، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفاً، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفاً، وهو سبحانه الحق وكل ما يعبد من دونه باطل وعبادته باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
стр. 1816
والله ﷻ هو الحق وقوله حق، وفعله حق، ولقائه حق، ورسوله حق، وكتبه حق ودينه حق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وحكمه الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» متفق عليه (١).
وهو سبحانه الإله الحق، والرب الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهن، وخلق أرزاق الخلائق بالحق، وهو الحق الذي يمسك السماوات والأرض أن تقع إلا بإذنه، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت والميت من الحي، والذي يدبر الأمر في العالم العلوي والعالم السفلي، حي قيوم لا تأخذه سنه ولا نوم.
فهذا هو الإله الحق العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، الخالق لكل شيء، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يدفع السيئات إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا وذو العظمة والجلال والكبرياء: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢].
فهذا هو الإله الحق الذي يستحق إن يعبد ويطاع ويشكر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 1817
والله ﵎ هو الحق الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل وجعله حكماً فيما تختلف فيه الأمم وما تختلف فيه آراء الناس، وقام شرائعه على العدل في الحكم وجعله الميزان الذي توزن به القيم والحقوق وتوزن به الأعمال والتصرفات، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧].
فهو سبحانه الحق الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق المشتمل على العدل والإحسان والرحمة ليغيره على الدين كله، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
وما يزال دين الحق ﷻ ظاهر على الدين كله، ومن حيث هو دين فهو الدين القوي بذاته، الكامل بشرائعه، المحفوظ من التحريف والتبديل، الموافق للقلوب والجوارح، المذكي للعقول والروح، الذي يزحف بذاته وحسنه إلى القلوب والبلاد والعباد كل يوم وكل لحظه، اللهم أرينا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
الحمد لله رب العالمين الملك الحق، الذي جاء بالحق، وحكم بالحق ونصر الحق، الحق الذي لا شك في وجوده، الحق الذي لا يقبل الظن ولا غلبة الظن ولا الشك ولا الوهن، والواجب على كل أحد أن يعرف الحق ﷻ ، وأن يؤمن بالحق ويمتثل أمر الحق ليفوز بالدنيا والآخرة، واعلم أن كل شيء يقربك إلا مولاك الحق فهو حق، وكل شيء يبعدك عنه فهو باطل، والحق منصور أبدا والباطل مخذول أبدا لأنه باطل ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
стр. 1818
٢ - الخزانة الثانية
الإسلام هو الدين الحق الذي أرسل الله به محمد ﷺ إلى الناس كافة إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩].
والإسلام هو دين الحق والعدل ودين الرحمة والإحسان وهو الدين الشامل الكامل الباقي إلى يوم القيامة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فالإسلام هو الدين الحق الذي ينظم علاقة الإنسان مع ربه بعبادته وحدة لا شريك له، وتوحيده وشكره والتوجه إليه بجميع أموره، والخوف منه والتوكل عليه والذل له والمحبة له، والتقرب إليه والاستعانة به وطلب مرضاته، وسبل الوصول إلى جنته وكيفيه النجاة من غضبه وعقابه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والإسلام هو الدين الحق الذي ينظم علاقة الإنسان مع سيد الخلق رسول الله ﷺ ، بطاعته ومحبته وإتباع سنته وتصديق ما جاء به، والاقتداء به في أقواله وأعماله وأخلاقه، وألا يعبد الله إلا بما شرعه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
والإسلام هو الدين الحق الذي ينظم علاقة الإنسان مع غيره على أحسن وجوه، كالأم والأب والزوجة والأولاد والأقارب والجيران، والعالم
стр. 1819
والجاهل والمسلم والكافر، والحاكم والمحكوم وغيرهم من أصناف الخلق: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
فالإسلام هو الدين الحق ينظم معاملة الإنسان المالية، بكسب الحلال وتجنب الغش والخيانة والسرقة ونحو ذلك، والسماحة في البيع والشراء، والإنفاق في وجوه الخير، وكيفية توزيع الصدقات، وتقسيم المواريث ونحوها وتحري الصدق، وتجنب الربا والكذب والنفاق والحسد ونحو ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والإسلام دين الحق ينظم حياة الإنسان الزوجية، وتربية الأولاد على أكمل الوجوه، وصيانة الأسرة من الفساد وينظم حياة الرجل والمرأة في حال السراء والضراء، والغني والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف، والحضر والسفر.
وينظم الإسلام سائر العلاقات على جذور متينة من الحب في الله والبغض في الله، ويدعو إلى مكارم الأخلاق وجميل الصفات كالكرم والجود، والحلم والعفو، والحياء والعفة، والصدق والبر والعدل، والإحسان والرحمة، والنفقة على المحتاجين، والشفقة على البائسين ونحو ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 1820
والإسلام دين الحق ينهى عن كل شر وفساد وظلم وطغيان، كالشرك بالله والقتل بغير حق والزنا والكذب والكبر والنفاق، والسرقة والغيبة، وأكل أموال الناس بالباطل والربا والخمر، والسحر والرياء والغش ونحو ذلك.
والإسلام دين الحق يكشف بعد ذلك حياة الإنسان في الآخرة وأنها مبنية على حياته بالدنيا، فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة وسعد برؤية ربه سبحانه وتمتع بما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فمن جاء بالكفر والمعاصي دخل النار، والنار فيها عذابًا أليم وعذاب شديد وعذابًا عظيم وعذابًا مهين، يخلد فيها الكافر ويعذب فيها العاصي بقدر ذنوبه أو يغفر الله له: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
الإسلام هو الدين الحق الذي أرسل الله به جميع الأنبياء والرسل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
стр. 1821
والإسلام هو الحق وكل ما سواه فهو باطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
والحق قوي والباطل ضعيف فإذا جاء الحق زهق الباطل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
والحق أعز من الخلق؛ ولهذا استدرك سليمان ﷺ على أبيه داود ﷺ الحكم، فداود ﷺ حكم بالغنم لصاحب الزرع، ثم سأل عن هذه المسألة سليمان ﷺ فقال: تعطى الغنم لصاحب الزرع يستفيد منها، ويعطي الزرع لصاحب الغنم حتى يصلحها، فإذا عاد إلى حاله أخذ صاحب الغنم غنمه وأخذ صاحب الزرع زرعه، كمال قال سبحانه ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩].
فاستدراك الابن على أبيه إظهاراً للحق واجب، فالاستدراك من الخلق على الخلق مقبول، وهذا معنى محاكم الاستئناف، فالحق أعز من الأبوة والقرابة وغيرها.
وتشريع العقاب وتهويله والإنذار به من أجل حماية الناس من الجريمة ورحمة بهم، يبتعد الناس عن معصية الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
والإسلام هو الحق الذي يصلح أحوال الأمة في كل مجال.
стр. 1822
ففي الحكم الإسلامي الإسلام له سياستان:
سياسة داخلية.
سياسة خارجية.
السياسة الداخلية: التي جاء بها الإسلام مشتملة على جلب المصالح للأمة ودفع المضار بحفظ ستة أصول هي:
حفظ الدين.
وحفظ النفس.
وحفظ العرض.
وحفظ النسب.
وحفظ العقل.
وحفظ المال.
أما السياسة الخارجية للإسلام فتقوم على أصلين هما:
الأول: اجتماع كلمة الأمة على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فيقوم بالدعوة إلى الله ليدخل الناس في السلم كافة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 1823
حتى يعيش البشر آمنين مطمئنين كأنهم جسدًا واحد، الثاني أعداد القوة الكافية لحفظ المسلمين وقمع أعداء الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠].
فالباطل لا يسكت على الحق، فلابد للحق أن يستعد بما يستطيع لصد عدوان المعتدين وظلم الظالمين، وبتحقيق هذه وهذه يعيش المسلمون في أمنًا ورخاء وتكون قوتهم وافية وكلمتهم عالية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
стр. 1824
٣ - الخزانة الثالثة
إحقاق الحق وإبطال الباطل بيد الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩].
وقال ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ [الأنفال: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ [الرعد: ١٦ - ١٧].
وسنه الله ماضية أن الحق يلاحق الباطل، وأن الباطل يلاحق الحق؛ ليعلم الله المؤمن من الكافر والصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق.
وأضل أدواء هذا العالم بعد الشرك بالله هو التنازع، الذي سببه تقديم المصالح الشخصية على المصالح العامة، فأعظم شيء بعد التوحيد هو الاجتماع والوحدة، وأخطر شيء هو التنازع والفرقة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
стр. 1825
والتنازع يسبب كل شرًا وبلية وكل فشلًا وهزيمة، كما قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
وقد نزلت بسبب هذه البلية، بلية الفرقة والاختلاف والنزاع وتقديم الأغراض الشخصية على المصالح العامة كثيرًا من المصائب على المسلمين، كما حصل في غزوة أحد لما ترك الرماة أماكنهم في سفح الجبل ولم يبقى إلا قلة من أجل جمع الغنائم، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ فصعد المشركون على الجبل وقتلوا من بقي من المسلمين.
وضربوا المسلمين من وراء ظهورهم، ودارت عليهم الحرب فقتل من خيار الصحابة سبعون رجلاً منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ﵁، وشج النبي ﷺ في وجهه، وكسرت رباعيته، فلما قال المسلمين أن هذا قال الله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢].