الثانية: الهدى البياني، بأن يهدي الله الإنسان إلى الحق عن طريق سماع القران، أو سماع كلمة مؤثرة، أو خطبة جامعة، أو موعظة بليغة، أو قراءة كتاب، وهذا في الأحوال العادية وهذا هو الأصل فإذا سمعت الحق فعليك أن تستجيب له بعد العلم به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
الثالثة: التأديب التربوي، فالله رب العالمين، فإذا لم يحسن العبد النظر إلى الآيات الكونية القرآنية ولم يستجب إلى الدعوة البيانية فالله برحمته يهديه إلى الحق بأسلوب أخر، اسمه التأديب التربوي بالمرض، والخوف، والشدة، والفقر ليتوب إلى ربه بعد أن أصابته البأساء والضراء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 2032
الرابعة: الإكرام الاستدراجي، فإذا لم يؤمن الإنسان من خلال النظر في الآيات الكونية والقرآنية، ولم يستجب وقد جاءه الهدى البياني ولم يتب وقد جاءه البلاء الرباني، فإن الرحمن الرحيم يهده إلى الحق بأسلوب أخر، وهو الإكرام الاستدراجي بدوام العافية والغنى، وإقبال الدنيا عليه، وكثرة الأرباح وتوالي النعم لعل ذلك يذكره بربه ويشكر ربه الذي أنعم عليه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الخامسة: القسم الرباني، فإذا لم يعرف الإنسان ربه من خلال النظر والتفكر ولم يستجب وقد جاءه الهدى البياني ولم يتب وقد جاءه البلاء، ولم يشكر وقد جاءته النعماء، فهذا أخر إنذار له فيكون بعده القسم بعد قيام الحُجة، لعدم الاستجابة لله بعد الدعوة، وعدم التوبة بعد البلاء، وعدم الشكر بعد الإكرام: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
١٢ - خزائن التفكر والتدبر
القسم الأول
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 2037
١٢ - خزائن التفكر والتدبر
القسم الأول
١ - الخزانة الأولى
• فقه العقل:
العقل: غريزة وضعها الله في قلوب المكلفين من عباده وهو شيء غيبي، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
فالعين ترى المبصرات، والأذن تسمع الأصوات، والعقل يعقل المعلومات وضد العقل الجنون فالعاقل مكلف، والمجنون غير مكلف والعقل غيبي كالروح، والعقل محله القلب؛ كما أن السمع محله الأذن وللعقل ارتباط بالدماغ.
وبالعقل يميز الإنسان بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين ما ينفعه وما يضره، إذا سلم من الهوى، فهذا حد العقل الذي خلقه الله.
وكذا حد العقل عالم الشهادة، ولا علاقة له بعالم الغيب ولا يعلم منه إلا ما يعلمه له الأنبياء، فالعقل يستقبل الوحي، فمن لا عقل له لا تكليف عليه، وقد رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاثة: «عن الصَّبِي حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيق» أخرجه أحمد وأبو داود (١).
стр. 2038
والوحي: إما خبر أو أمر والعقل مأمورٌ أن يصدق الأخبار، ويطبق الأحكام.
مما جاء عن الله ورسوله.
والإيمان: أن نصدق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، وننفذ الأحكام.
والصحابة كانوا يسمعون الخبر عن الله ورسوله فيصدقونه، ويسمعون الأمر من الله ورسوله فينفذونه.
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦].
فمن غَير في الأخبار الشرعية عن الله ورسوله بعقله ظهرت بدع العقائد، ومن غير في الأوامر الشرعية بعقله ظهرت بدع العبادات: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
ومكان العقل في القلب، والعقل نورٌ روحاني تُدرك به العلوم الضرورية كالواحد نصف الاثنين، والعشرة أكثر من الخمسة، والعلوم النظرية كالسماء فوق الأرض، والتراب ضد الماء، ومركز العقل في القلب الذي في الصدر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
стр. 2039
وجميع ما يؤثر على الدماغ يؤثر على العقل، فالعقل محله القلب، ولكن سلامته مشروطة دائماً بسلامة الدماغ، كسائر الأعضاء مربوطة بالدماغ، فالفقه في القلب كما أن النظر في العين، والسمع في الأذن، كما قال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والفقه النافع في القلب هو الذي يوصل لطاعة الله، والإيمان به، وخشيته ﷻ : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد خلق الله بني آدم على خمس صفات:
فكل آدمي: ضعيف .. فقير .. عاجز .. محتاج .. جاهل.
وذلك ليستعين الضعيف بالقوي سبحانه، ويسأل الفقير الغني، ويستعين العاجز بالقادر، ويقف المحتاج بباب ربه الكريم، ويتعلم الجاهل من ربه العليم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والإنسان إما أن يكون عابداً لله، أو عابداً لعبد الله من صنم أو حجر أو إنسان أو غيرهم من المعبودات الباطلة، وكل من عبد مخلوقاً مثله، أو دونه، أو أكمل منه؛ فهو سخيف العقل؛ لأن الكل عبيد الله، الكل مخلوق ضعيفٌ، فقير، عاجز، مملوك لرب العالمين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا
стр. 2040
هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
والله سبحانه هو الخلاق العليم، خلق الإنسان وخلق أعضاءه، وجعل لكل عضو وظيفة، فمحل السمع في الأذن، ومحل البصر في العين، ومحل الكلام في اللسان، ومحل العقل في القلب، والبصر في العين كالبصيرة في القلب هذا يبصر المرئيات، وذاك يبصر المعقولات: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
فكل ما سوى الله عبادته باطله؛ لأنه مخلوق مربوبٌ مملوك لله .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٧].
وآفة أكثر الناس أنهم يعرفون الغاية الدنيا، ولا يعرفون الغاية العليا فيجتهدون في غايات الدنيا التي تفوت مع الدنيا من فنون، وجمع مال، وتكميل شهوات، ونحوها من الغايات القريبة الفانية.
стр. 2041
أما العاقل فيجتهد في الوصول إلى الغاية العليا الباقية التي فيها السعادة في الدنيا والآخرة، وهي عبادة الله وحده، وطلب رضوانه والجنة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
والغاية العليا: أن تعيش مع الحق، وتعمل بالحق، وتدعو إلى الحق.
والغاية الدنيا: أن تعيش مع الأسباب التي يمكن أن تثمر أو لا تثمر، ومن تعلق بغير الله عذب به: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والغاية العليا حددها العلي الأعلى، والغاية الدنيا يحددها هوى الإنسان: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
والوصول إلى الغاية العليا يكون فقط بالسبيل الذي شرعه الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
مدارك العقل:
مدارك العقل الموصلة إلى الإيمان واليقين خمسة:
البديهيات .. والمحسوسات .. والمتواترات .. والتجريبيات .. والاعتراف.
فالبديهيات: الأثر يدل على المؤثر، والبعرة تدل على البعير، وكذا الخلق يدل على الخالق سبحانه، والرزق يدل على الرازق.
والمحسوسات: من سماءِ وأرض ومخلوقات تدل على الخالق سبحانه الذي خلق كل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
стр. 2042
والمتواترات هي: الخبر الصادق من الله ورسوله عن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وآياته، ومخلوقاته، ودينه، ووعده ووعيده.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
والتجريبيات: لكل عمل ثمرة ولكل تجربة نتيجة.
والاعتراف سيد الأدلة، فالعقل الصحيح: يرى في هذا الكون خالقاً ومخلوقاً، وسيدًا وعبيداً.
والعقل الصريح: لا يعارض النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده، لأن المصدر واحد، فالعقل خلقة الله، والوحي أنزله الله، فالذي خلق العقل هو الذي أنزل إليه النقل من القرآن أو سنة، ومن المحال أن يرسل إليه ما يفسده، بل أرسل إليه ما يصلحه ويسعده في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
ومن المحال أن يصنع أحد صنعه، ثم يرسل معها تعليمات تفسدها، بل يرسل معها وإليها ما يصلحها، والله خلق الإنسان، وأنزل عليه القرآن منهج حياه يسعده في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢ - ٣].
стр. 2043
والنقل الصحيح هو القرآن الكريم، وما صح عن النبي ﷺ من السنة، فكل ما ورد في القرآن والسنة موافق للعقل الصحيح، وليس في المنقول ما يخالف المعقول؛ لأن المصدر واحد، وكل ما جاء به الأنبياء لا يخالف بعضه بعضًا، ولا يخالف العقل، لأن المصدر واحد، بل كل ما جاء به نبي أكمله مَنْ بعده حتى ظهر الإسلام كاملاً ببعثة محمد ﷺ الذي هو خاتم الرسل، بعثه الله رحمة للعالمين إلى يوم القيامة بالدين الكامل، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
والإنسان عبدُ مخلوق من مخلوقات الله، وعمل العبد بين يدي سيده، تصديق أخبار، امتثال أمره، واجتناب نهيه، وفعل ما يحب، واجتناب ما يكره، وأنت عبد الله شئت أم أبيت: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
ولكن الملك سبحانه أعطى هذا العبد الخيار بين فعل ما أمره به، وبين فعل ما تهواه نفسه، امتحاناً وابتلاءً في هذه الدنيا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
ومن حق العبودية أن تلتزم بتصديق الأخبار، وامتثال الأوامر، ولو شاء الله لألزمك بذلك، كما ألزم الشمس والقمر بالإنارة، وألزم الأرض بالإنبات، لكن الله خلق الدنيا للامتحان والابتلاء، والابتلاء يترتب عليه الجزاء في الدنيا والآخرة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
٢ - الخزانة الثانية
• حكم تقديم النقل على العقل:
العقل: هو الغريزة التي خلقها الله في الإنسان يميز بها بين الأشياء والبدائل.
والنقل: هو الوحي من قرآن أو سنة.
وإذا حصل تعارض بين النقل والعقل فذلك لأحد سببين:
الأول: أن النقل لم يثبت.
والثاني: أن العقل لم يفهم النقل.
السلف من حيث الزمان هم: كل من عاشوا في القرون الثلاثة المفضلة الذين.
قال النبي ﷺ فيهم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» متفق عليه (١).
وذلك إلى عام ٢٢١ هجرية تقريبًا، التي بعدها جاء بعض الخلف الذين قدموا العقل على النقل عند التعارض، ومن حيث المنهج السلف هم من قدموا النقل على العقل.
والخلف هم من عاش بعد القرون المفضلة، حيث بدأ قرن الخلف الذين بدأ عهدهم بفتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون الذي حمل الناس على القول بخلق القرآن، ومن حيث المنهج الخلف كل من قدم العقل على النقل.
стр. 2046
فالسلف من توفر فيهم أمران:
الأول: أن يدرك عصر خير القرون.
والثاني: أن يقدم النقل على العقل عند التعارض.
والخلف: من لم يدرك عصر خير القرون.
والثاني: من قدم العقل على النقل عند التعارض.
ومن جاء بعدهم وقدم النقل على العقل عند التعارض، فهذا على منهج علماء السلف، فابن تيمية وابن القيم من السلف منهجاً، ومن الخلف زمناً، والإمام مالك والشافعي من السلف زمناً ومنهجاً، والجهم ابن صفوان من الخلف منهجاً، لكنه عاش في عصر السلف.
فالسلف يقدمون النقل على العقل عند التعارض، والخلف يقدمون العقل على النقل عند التعارض، وحجتهم أن العقل أصلٌ في ثبوت النقل، فلولا العقل ما ثبت النقل، فالقواطع العقلية مقدمة على الثوابت النقلية عند التعارض.
والصحيح أن العقل أصل في العلم بالنقل؛ لأن النقل ثابت قبل وجود العقل، فالنقل ثابت في اللوح المحفوظ قبل وجود العقل المخلوق: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨].
فالعقل يستفيد من معرفة النقل؛ لأن النقل ثابت قبل وجود العقل، والعقل مطية للنقل؛ لأن النقل هو القائد، ومن يحكم على الأشياء بالحسن أو القبح العقل أم النقل؟، ومتى نقدم العقل على النقل؟ فالشرع يأمر بكل حسن، وينهى عن كل قبيح، والقوانين الوضعية يضعها من له مصلحة في وضعها، أما الشرع فمصلحته لمن اتبعه، فالحسن والقبح مرجعه إلى النقل لا إلى العقل في كل أمر، والعقل يؤيد الشرع.
стр. 2047
فالأحكام التكليفية خمسة:
الواجب .. والمستحب .. والمحرم .. والمكروه.
الحكم فيها للنقل، والعقل يؤيد النقل فيما أمر به، أو نهي عنه.
أما المباح فيستوي فيه الفعل والترك، ولا ثواب على فعله، ولا عقاب على تركه، فالقيادة فيه للعقل، والنقل تابع ومؤيد.
فالأربعة الأولى:
الواجب .. والمستحب .. والمحرم .. والمكروه.
القيادة فيها للنقل، والعقل تابع ومؤيد.
أما المباحات كالصناعات والزراعة والتجارة ونحوها، فهنا يقدم العقل، والنقل يؤيده في تحقيق المصالح، ودرأ المفاسد، في ضوء القرآن والسنة.
• طريق معرفة الله ﷻ :
معرفة الله تحصل للعبد بالعقل والنقل، فآيات الله ومخلوقاته تُعرف بالعقل، وأسماء الله وصفاته وأفعاله تُعرف بالنقل، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
ومن قدم العقل على النقل في باب الأخبار وقع في بدع العقائد، ومن قدم العقل على النقل في باب الأحكام وقع في بدع العبادات، وهذا كله مردود.
قال النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (١).
стр. 2048
ومن قدم النقل على العقل في باب الأخبار والأحكام فقد أصاب الحق وسلم من البدعة، فالإيمان تصديق وتطبيق، تصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام، تصديق الأخبار، وتنفيذ الأوامر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
والدين أمانه لابد من العمل به، وإبلاغه عقيدة وأحكاماً إلى الناس كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والوحي الإلهي إما أخبار أو أوامر، والمؤمن حقاً من صدق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، ونفذ أوامر الله ورسوله ﷺ : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والخبر هو: ما يحتمل الصدق أو الكذب، ويتطلب منا التصديق؛ لأنه جاء من جهة صدق، جاء عن الله ورسوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقال الله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
والأمر: مالا يحتمل الصدق ولا الكذب ويتطلب التطبيق، والصحابة إذا سمعوا خبراً عن الله ورسوله صدقوا به، وإذا سمعوا أمراً نفذوه، وإن سمعوا نهياً اجتنبوه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
والتصديق: هو اليقين الكامل، المنافي للشك.
стр. 2049
• فقه اليقين:
واليقين هو: امتلاء القلب بالإيمان، وهذا هو علم اليقين، وكل ما سمعناه عن الله ورسوله من أخبار فهي من علم اليقين.
والوهم والشك والظن ضد اليقين، والمؤمن يضعف يقينه، لكن لا يزول إيمانه؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
فالوهم أن يكذب الخبر، والشك أن يترد د بين الصدق والكذب، والظن أن تصدق تصديقاً غير جازم، واليقين أن تصدق الخبر تصديقاً جازماً، وبالصبر واليقين تنال الامامة في الدين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
فاليقين من أعظم شروط لا إله إلا الله.
ومراتب اليقين ثلاث على الترتيب:
علم اليقين .. عين اليقين .. حق اليقين.
والأنبياء والصحابة وصلوا في يقينهم إلى حق اليقين، وهو أعلى درجات اليقين، ولهذا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورضوا عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]
ولهذا كان الصحابة ﵃ بعد إيمانهم على أحوال.
فقد كانوا شر القرون بالجاهلية فصاروا بالإيمان والإسلام خير القرون، وكانوا شر أمة، فكانوا بالإيمان خير أمة، وانتقلوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الظلم والعدوان والطغيان إلى العدل الإحسان، فرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ،
стр. 2050
ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
أركان الإيمان بالله :
الإيمان ركنان:
تصديق الأخبار .. وتطبيق الأحكام.
وأركان الإيمان ستة:
أَنْ تؤمن بِاللَّه، وَمَلَائِكَته، وَكتبه وَرُسُله، وَالْيَوْم الآخر، وَالْقدر خَيره وشره.
وهذا هو الركن الأول، تصديق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، فتؤمن بالله العظيم، الذي أنزل ملائكته الكرام، بكتبه العظيمة، إلى رسله؛ ليأمروا الناس بعبادة الله وحده، واجتناه عبادة ما سواه، وليحذروا الناس مما سيحدث في اليوم الآخر.
فإذا انتهى الناس إلى منازلهم في الجنة والنار، فقد ظهر قدر الله وحكمته بعباده، وظهر عدل الله في الثواب والعقاب، وتم قدر الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ، وظهر عدل الله فيمن عذبه من الكفار، وظهر فضله على من آمن به من المؤمنين، وهذا سر ترتيب أركان الإيمان الستة.
فهذا هو الركن الأول: تصديق الأخبار من الله ورسوله.
أما الركن الثاني: وهو تطبيق الأحكام والأوامر.
فالأوامر لا تحتمل الصدق والكذب، وإنما هي طلب فعل أو ترك ممن آمنت به، فالخبر يتطلب التصديق، والأمر يتطلب التطبيق والتنفيذ، فمن
стр. 2051
صدق الخبر، ولم ينفذ الأمر، فليس بمؤمن: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
باب الخبر له ستة أركان، لابد من الإيمان بها، وتصديقها، وهي أركان الإيمان الستة.
وباب الأمر له ثلاثة أركان:
اعتقاد القلب .. وقول اللسان .. وعمل الجوارح.
فهذا هو توحيد العبادة، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الإرادة.
فتوحيد العبادة: طاعة الخالق فيما أمر به، مع كمال الحب والتعظيم والذل له.
وتوحيد الربوبية: تصديق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، فيما يتعلق بأسمائه وصفاته وأفعاله.
فأركان الإيمان بالأخبار ستة، وأركان الإيمان بالأوامر ثلاثة:
• الاعتقاد بالقلب.
• القول باللسان.
• العمل بالجوارح.
وهذا هو توحيد العبودية التي هي أركان الإسلام الخمسة:
شهادة أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله .. واقام الصلاة .. وإيتاء الزكاة .. وصوم رمضان .. وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.
• فقه التوحيد:
علم التوحيد هو أول علم، وأعظم علم، يجب على العبد تعمله، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 2052
والتوحيد: أن توحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحده بالعبادة، فتعبده وحده لا شريك له، ويسمى التوحيد علم العقيدة.
والعقيدة هي: عقد القلب على تصديق خبر الرب، وتنفيذ أمره، والإيمان به إيماناً لا يقبل الشك، مع الثبات عليه إلى الممات.
والتوحيد قسمان:
توحيد الربوبية .. وتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية: يسمى توحيد العبادة، وتوحيد الغاية، وتوحيد القصد والطلب، وتوحيد الشرع والقدر، وتوحيد الإرادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وسمي توحيد الإرادة لأنه توافقت إرادة العبد مع إرادة الرب الكونية ومع إرادة الله الشرعية، ويسمى توحيد القدر والشرع، لأن العبد لا يُسلم إلا بالإيمان بالقدر والعمل بالشرع.
أما توحيد الربوبية: فيسمى توحيد الوسيلة، وتوحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وسيلة لتوحيد العبادة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 2053
٣ - الخزانة الثالثة
• صفات أولي الألباب والعقول:
أولوا الألباب:
هم الذين عرفوا الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعرفوا عظمة ملكه وسلطانه، وعرفوا دينه وشرعه، وعبدوه ﷻ بما جاء عن رسوله ﷺ : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
أولو الالباب هم أهل التفكر والتدبر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
فأصحاب العقول السليمة هم الذين آمنوا بالله ورسوله، والله خصهم بمزيد من المعرفة وآتاهم الحكمة.
стр. 2054
قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وهم أهل التقوى والخشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
أولوا الألباب والعقول: هم الذين يعلمون أسرار وأحكام الله .
فحكم الله نوعان:
الأول: حكم شرعي:
وهو وحيه الذي أرسله إلى عباده يحكم بينهم، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠].
الثاني: حكم قدري:
وهو ما قضى به على عباده قدراً، من شدة ورخاء، وصحة ومرض، وفرح وحزن، وغنى وفقر ونحو ذلك، كما قال سبحانه: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾ [يوسف: ٨٠].
والفرق بين الحكم الشرعي والقدري:
أن الشرعي: لا يلزم وقوعه ممن حُكم عليهم به، ولهذا انقسم بنو أدم إلى مطيع وعاص لأمر الله الشرعي، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
стр. 2055
وأما حكم الله القدري:
فهو نافذ في عباده على كل حال، فلا معارض له، ولا يخرج عنه أحد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
أولوا الألباب والعقول:
هم أهل الفقه الأكبر الذين يعلمون خطاب الله ، ويمتثلون أمره؛ ويفهمون مراده، فالسجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عباده؛ لأن لله أن يحكم بما يشاء في ملكه، فالملك ملكه والخلق خلقه، ولهذا لما أمر الله بالسجود لآدم فسجد الملائكة، وامتنع إبليس عن السجود كان من الكافرين؛ لأنه خالف أمر الملك الذي يجب طاعته.
فالملائكة نظروا إلى أمر الملك، وإبليس نظر إلى المسجود له وهو آدم، وقال أنا خيراً منه فأبي واستكبر: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والمحرم إذا أمر الله به كان عباده، فقتل الابن من كبائر الذنوب، ولكن لما أمر الله إبراهيم ﷺ بذبح ابنه إسماعيل، كان الامتثال للمحرم عباده، وتركه معصية ولكن رحم الله إبراهيم وابنه إسماعيل بدفع القتل عنهما، لكمال طاعتهما، واستسلامهما لأمر الله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا
стр. 2056
كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ [الصافات/ ١٠٢ - ١١١].
• أسباب الكفر:
الكفر يدور على شيئين:
إما كفر استكبار.
وإما كفر جحود.
فكفر إبليس كفر استكبار، لأنه مقر بالله؛ لكنه استكبر على أمر الله بعدم السجود لمن يرى أنه أقل منه: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١]
وكفر فرعون وقومه كفر جحود، كما قال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٤].
وبسبب كفرهم أهلكهم الله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
هذا في الدنيا، وفي الآخرة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦].
стр. 2057
٤ - الخزانة الرابعة
أقسام العقول:
العقل ينقسم إلى قسمين:
الأول: عقل تكليف، وضده الجنون، فالعاقل مكلف باستقبال الوحي والعمل به، أما المجنون فلا تكليف عليه لأنه مرفوع عنه القلم.
الثاني: عقل رشد، وضده السفه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
والعقل سمي عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه عن سوء التصرف ومساوئ الأخلاق، وسمي العقل حجراً؛ لأنه يمنع صاحبه من فعل ما لا يليق شرعاً أو عرفًا، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ [الفجر: ٥].
والعقل غير الذكاء، وإذا مَنْ الله على الإنسان بالذكاء والعقل تمت عليه نعمة الله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقد يكون الإنسان ذكياً، وليس بعاقل، أو عاقلاً وليس بذكي، والإنسان بلا عقل قشر بلا لب، وأولوا الألباب هم أصحاب العقول؛ لأنهم عرفوا الخالق وعبدوه بموجب هذه المعرفة.
وجميع الكفار وإن كانوا أذكياء فليسوا بعقلاء: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
стр. 2058
أما أولياء الله :
فهم الذين عرفوا الله، وآمنوا به، واتقوه، وعبدوه، وأطاعوه، فأولياء الله هم أهل العقول الذين حققوا الإيمان في قلوبهم بكل ما يجب الإيمان به، وحققوا العمل الصالح في جوارحهم فاتقوا جميع المحارم بعدم ترك الواجبات أو فعل المحرمات، فهم جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان، وصلاح الظاهر بالتقوى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
• أمراض القلوب والعقول:
عقول البشر كالأبدان تُصاب بمرضين، ومرض القلوب نوعان:
أحدهما: مرض شبهة.
وهو مرض القلب بالكفر والشرك والنفاق كما قال الله عن المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
الثاني: مرض شهوة.
وهو ميل القلب من الإيمان والتقوى، إلى الفجور والمعاصي وما لا ينبغي كمن يهوى الفجور والزنا، كما قال سبحانه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ
стр. 2059
مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢].
والعقول خلقها الله لمعرفته بآياته ومخلوقاته.
• والعقول تعرف الخالق من جهتين:
الأولى: معرفة الخالق، ثم التوسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
والثانية: عكس ذلك، فمن الناس من عرف المخلوقات، ثم توسل بمعرفتها إلى معرفة خالقها، وهذا هو الطريق الأكثر، فبهذا العقل يتوصل الإنسان من معرفة المخلوق إلى معرفة الخالق، ومن معرفة الصور إلى معرفة المصور، ومن معرفة الأرزاق إلى معرفة الرازق، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 2060
وأكمل أنواع التزكية هو تطهير القلب من ظلمة الكفر والشر إلى التحلي بالتوحيد والإيمان والتقوى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
ومراتب أعمال المكلف ثلاث:
الأولى: إزالة العقائد الفاسدة عن القلب.
الثانية: ثم تزكيته بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وافعاله.
ثالثًا: ثم الاشتغال بعبادته وحده لا شريك له، فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله ظهر الخشوع والتواضع والانكسار على جوارحه.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ودلائل التوحيد والإيمان في الكون بعدد الذرات، وجميع المخلوقات.
فوا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه العظيم، وعجباً ممن عرف النشأة الأولى، ثم هو ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور، وهو يرى في كل يوم من يموت ويحيا، باليقظة والمنام، في عالم النبات، وعالم الحيوان، وفي عالم الإنسان: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
وعجباً ممن يؤمن بالجنة، وما فيها من النعيم، ثم يسعى لدار الغرور، وينشغل بها عن الدار الآخرة.
стр. 2061
وعجباً أشد العجب من المتكبر الفخور، وهو يعلم أن أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة نتنة، وهو عورة، خرج من عورة، ودخل في عورة، ثم خرج من عورة، وهو في الدنيا عورة إلا إذا لبس لباس الإيمان والتقوى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
وعجباً ممن عرف الهدى، كيف يتبع الهوى، وعجباً ممن عرف الرحمن كيف يطيع الشيطان: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
• فقه التفكر والتدبر:
خلق الله ﷻ هذا الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء، وجعله مستعداً للإيمان والكفر، وللطاعات والمعاصي، وللخير والشر: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
• والله خلق في كل إنسان ثلاث أواني:
الأولى: آنية الطعام والشراب وهي المعدة، ويشترك فيها مع البهائم.
والثانية: آنية المعلومات وهي الدماغ، ويشترك فيها الكفار.
والثالثة: آنية الإيمان وهي القلب، ويشترك فيها مع الملائكة.
وأمر سبحانه ألا يوضع في الأولى إلا ما ينفعها ويصلحها من الطيبات التي أحلها الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
стр. 2062
وخلق سبحانه العقل والدماغ والمخ وأمرنا باستعمالها حسب أمره، للتفكر في عظمة الله، وجلاله وجماله، وإحسانه، وآياته ومخلوقاته واستقبال الوحي، والعمل بموجبه، وتعليمه، والدعوة إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وخلق سبحانه القلوب وجعلها محل الإيمان والكفر، ومحل التقوى والفجور وأمرنا بالتفكر في الآيات الكونية، والتفكر والتدبر للآيات القرآنية، ليزيد الإيمان في القلب، فتأتي الطاقة الإيمانية التي تحرك الجوارح بأنواع الطاعات وتأتي المحبة والرغبة للقيام بأعمال الدين، وامتثال أوامر الله في جميع الأحوال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فإذا تزين العبد بالإيمان والطاعات أسعده الله في الدنيا والآخرة، وإن كفر وأعرض عن دين الله شقي في الدنيا والآخرة، فلله على كل عبد في كل عضو من أعضائه أمر، وله عليه فيه نهي، وله فيه نعمة، وله به منفعة ولذة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
فإذا قام العبد لله في ذلك العضو كاليد أو الرجل أو السمع أو البصر، إذا قام العبد لله بذلك العضو بأمره، واجتنب فيه نهيه، فقد أدى شكر نعمته عليه فيه
стр. 2063
وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠].
وإذا عطل أمر الله في ذلك العضو، عطله الله من الانتفاع بذلك العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
ولله على كل عبد، في كل وقت من أوقاته، عبودية تقدمه إليه، وتقربه منه، وتحببه إليه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فإذا شغل العبد وقته بعبودية ذلك الوقت تقدم إلى ربه، ونال رضاه، وإن شغله بهوى وراحة وبطالة تأخر فخاب وخسر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وجعل سبحانه كل عضو من أعضاء الإنسان آلة لشيء، إذا اُستعمل فيه فهو كماله فالعين آلة للنظر، والأذن آلة للسمع، والأنف آلة للشم، واللسان آله للنطق، والرجل آله للمشي، واليد آلة للبطش، والفرج آلة للنسل، والعقل آلة للتفكر والتدبير، والقلب للتوحيد والإيمان والمعرفة.
стр. 2064
فالعقل للتفكر والتدبير والتذكر، وإيثار ما ينفع على ما يضر، وتقديم المصالح، ودرأ المفاسد والتمييز بين البدائل و اختيار الأفضل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والعبد كالشجرة آلة للعمل والإنتاج، فمتحرك بطاعة، ومتحرك بمعصية، وداعٍ إلى الخير، وداعٍ إلى الشر وحامل مسك، وحامل روث: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤].
ولا يزال العبد في تقدم أو تأخر، فإما متقدم إلى الله والجنة بالإيمان والتقوى، أو متأخر إلى العذاب والنار بالكفر والفجور، ولا وقوف في الطريق البتة فقد أنزل الله كتبه، وأرسل رسله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٦ - ٣٧].
стр. 2065
٥ - الخزانة الخامسة
• أعظم الأوامر في القرآن:
الله أمر في القرآن العظيم بأمرين عظيمين:
الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثاني: الأمر بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه بموجب تلك المعرفة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ
• أعظم أنواع التفكير:
أعلى الفكر والتدبر والنظر، وأجله، وأعظمه، وأنفعه، وأكبره وأشرفه، ما كان لله والدار الآخرة.
فما كان لله ﵎ أنواع:
أحدها: التفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة الله، وجلاله، وجماله، وكماله من خلال ذلك، والتعبد لله بموجب ذلك، كما قال سبحانه عن نفسه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
والقرآن أخبار وأوامر، وواجب المؤمن تصديق الأخبار، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
الرابع: التفكر في آلاء الله وإحسانه، وإنعامه على خلقة بأصناف النعم ومعرفة سعة رحمته، ومغفرة، وحلمة، وعبادة الله بموجب ذلك: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
ونعم الله على خلقه ليس لها حد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ودوام الفكر والذكر فيما سبق يزيد الإيمان، ويملأ القلب بالتوحيد والإيمان، ويصبغ القلب والجوارح بما يحبه الله ويرضاه، ويملأ القلب بمعرفة الله، ومعرفة عظمته، وجماله، وجلاله، وكماله، فيصبغه صبغة تامة،
стр. 2068
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
الخامس: الفكر في عيوب النفس وآفاتها، وعيوب الأعمال وآفاتها.
فالله خلق الإنسان ضعيفاً فقيراً عاجزاً ليتصل بربه الغني القوي القادر الذي بيده ملكوت كل شيء: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
السادس: الفكر في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه، فجميع مصالح الدنيا والآخرة إنما تنشأ من حفظ الوقت، ومن أضاعه أضاع مصالحه الدنيوية والأخروية.
ووقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاءه ومحادثته والانشغال بذلك عن الله وعن أوامره: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فحفظ الوقت هو رأس مال المسلم، فمن حفظه بالإيمان والتقوى والأعمال الصالحة ربح، ومن ضيعه باللهو واللعب خسر، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
стр. 2069
واستدعاء خواطر اللهو واللعب أخف شيئاً على النفس الفارغة، وأثقل شيء على النفس الشريفة المطمئنة التي عرفت الله ووجدت كمال اللذة في طاعة الله وعبادته بما شرع: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
التفكر في خلق الإنسان:
الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٤ - ٨].
وقد خلق الله هذا الإنسان، وخلق فيه طاقات كثيرة ينتفع بها أهمها:
الطاقة البدنية .. والطاقة العقلية .. والطاقة الروحية .. والطاقة التناسلية.
فالأولى: للحركة.
والثانية: للعلم.
والثالثة: للإيمان.
والرابعة: للإنجاب.
ومكان الأولى: في الأعضاء والجوارح.
ومكان الثانية: في المخ والدماغ.
ومكان الثالثة: في القلب.
ومكان الرابعة: في الجهاز التناسلي.
قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
стр. 2070
ولابد للمسلم من الاستفادة من هذه الطاقات للدين.
وجميع هذه الطاقات تبدأ ثم تقوى ثم تضعف ثم تنتهي بالموت، إلا الطاقة الروحية فإنها تبدأ في الحياة، وتبقى بعد الموت مُنعمة أو مُعذبة؛ ولكنها في الدنيا معارضة بالنفس امتحانًا وابتلاءً، فالنفس تريد تكميل الشهوات، والروح بما فيها من الإيمان تريد تكميل أوامر الله .
والنفس تريد تكميل محبوباتها من المأكل والمشرب والمنكح والمركب والمسكن، والروح تريد تكميل محبوبات الرب من الإيمان والتقوى وسائر أنواع الطاعات.
فالروح تريد تكميل أوامر الله ومحبوباته، والتشبه بالملائكة في الطاعة والعبادة؛ لأنها أطمئنت بذكر الله فأقبلت على طاعته وعبادته، ومحبته وتكبيره: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وحال الإنسان وحركته مقيدة إما بنفسه وشهواته، وإما بإيمانه وأعماله الصالحة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والمسلم أعقل خلق الله على الإطلاق؛ لأنه عرف ربه، وآمن به واتقاه، وعمل بما يحبه ويرضاه؛ لأنه عرف الرب الذي يجب أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يعبد وحده لا شريك له.
فالمؤمن أعقل خلق الله على الإطلاق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)