← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وقال عن نفسه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. الثاني: التفكر في آيات الله الكونية، والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحكمته وإحسانه، وبره وجوده، وعبادة الله بموجب ذلك: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. الثالث: التفكر في آيات الله المُنزلة، وتدبرها، وفهم المراد منها، فالله عظيم، وكتابه عظيم، وكلامه عظيم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].

стр. 2067

وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. والقرآن أخبار وأوامر، وواجب المؤمن تصديق الأخبار، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. الرابع: التفكر في آلاء الله وإحسانه، وإنعامه على خلقة بأصناف النعم ومعرفة سعة رحمته، ومغفرة، وحلمة، وعبادة الله بموجب ذلك: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. ونعم الله على خلقه ليس لها حد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. ودوام الفكر والذكر فيما سبق يزيد الإيمان، ويملأ القلب بالتوحيد والإيمان، ويصبغ القلب والجوارح بما يحبه الله ويرضاه، ويملأ القلب بمعرفة الله، ومعرفة عظمته، وجماله، وجلاله، وكماله، فيصبغه صبغة تامة،

стр. 2068

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. الخامس: الفكر في عيوب النفس وآفاتها، وعيوب الأعمال وآفاتها. فالله خلق الإنسان ضعيفاً فقيراً عاجزاً ليتصل بربه الغني القوي القادر الذي بيده ملكوت كل شيء: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. السادس: الفكر في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه، فجميع مصالح الدنيا والآخرة إنما تنشأ من حفظ الوقت، ومن أضاعه أضاع مصالحه الدنيوية والأخروية. ووقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاءه ومحادثته والانشغال بذلك عن الله وعن أوامره: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. فحفظ الوقت هو رأس مال المسلم، فمن حفظه بالإيمان والتقوى والأعمال الصالحة ربح، ومن ضيعه باللهو واللعب خسر، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].

стр. 2069

واستدعاء خواطر اللهو واللعب أخف شيئاً على النفس الفارغة، وأثقل شيء على النفس الشريفة المطمئنة التي عرفت الله ووجدت كمال اللذة في طاعة الله وعبادته بما شرع: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. التفكر في خلق الإنسان: الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٤ - ٨]. وقد خلق الله هذا الإنسان، وخلق فيه طاقات كثيرة ينتفع بها أهمها: الطاقة البدنية .. والطاقة العقلية .. والطاقة الروحية .. والطاقة التناسلية. فالأولى: للحركة. والثانية: للعلم. والثالثة: للإيمان. والرابعة: للإنجاب. ومكان الأولى: في الأعضاء والجوارح. ومكان الثانية: في المخ والدماغ. ومكان الثالثة: في القلب. ومكان الرابعة: في الجهاز التناسلي. قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].

стр. 2070

ولابد للمسلم من الاستفادة من هذه الطاقات للدين. وجميع هذه الطاقات تبدأ ثم تقوى ثم تضعف ثم تنتهي بالموت، إلا الطاقة الروحية فإنها تبدأ في الحياة، وتبقى بعد الموت مُنعمة أو مُعذبة؛ ولكنها في الدنيا معارضة بالنفس امتحانًا وابتلاءً، فالنفس تريد تكميل الشهوات، والروح بما فيها من الإيمان تريد تكميل أوامر الله . والنفس تريد تكميل محبوباتها من المأكل والمشرب والمنكح والمركب والمسكن، والروح تريد تكميل محبوبات الرب من الإيمان والتقوى وسائر أنواع الطاعات. فالروح تريد تكميل أوامر الله ومحبوباته، والتشبه بالملائكة في الطاعة والعبادة؛ لأنها أطمئنت بذكر الله فأقبلت على طاعته وعبادته، ومحبته وتكبيره: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وحال الإنسان وحركته مقيدة إما بنفسه وشهواته، وإما بإيمانه وأعماله الصالحة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. والمسلم أعقل خلق الله على الإطلاق؛ لأنه عرف ربه، وآمن به واتقاه، وعمل بما يحبه ويرضاه؛ لأنه عرف الرب الذي يجب أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يعبد وحده لا شريك له. فالمؤمن أعقل خلق الله على الإطلاق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)

стр. 2071

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩]. والكافر والمشرك أسفه خلق الله على الإطلاق؛ لأنه لم يستعمل الطاقة التي أعطاها الله إياها في معرفة ربه، وأسمائه، وصفاته، وافعاله، وملكه وسلطانه، ودينه وشرعه، واشتغل بشهواته عن أوامر ربه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. ومن عطل تلك الطاقات فمصيره إلى جهنم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].

стр. 2072

٦ - الخزانة السادسة فقه البصيرة: المسلم لابد أن يعبد الله على بصيرة، والبصيرة نور يقذفه الله في القلب يرى به العبد حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأي عين، فيعبد الله كأنه يراه، بكمال الحب والتعظيم والذل لله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤]. والبصيرة ثلاثة أقسام من استكملها فقد استكمل العبودية: الأولى: بصيرة العبد في أسماء الله وصفاته وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والثانية: بصيرة في أمر الله ونهيه، فهو يصدق أخبار الله ، ويطبق أحكامه بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. الثالثة: بصيرة في وعد الله ووعيده، فيعرف ما للمؤمن من الجنة والرضوان، وما للكافر من سخط الله وعذاب النار. قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].

стр. 2073

والبصيرة في الأسماء والصفات: أن يشهد قلبك الرب تعالى مستوياً على عرشه، متكلماً بأمره ونهيه، بصيراً بحركات العالم علوية وسفلية، أشخاصه وذواته، ناطقه وصامته، ساكنه ومتحركة، سميعاً لأصوات الخلائق، رقيباً على ضمائرهم، مطلعاً على أسرارهم، ويشهد أمر الممالك والخلائق تحت تدبيره، نازلاً من عنده، صاعداً إليه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. ويشهد ملائكته بين يديه تنفذ أوامره في أقطار السموات والأرض، موصوفاً بصفات الكمال والجلال والجمال، منزهاً عن العيوب والنقائص والمثال ليس كمثله شيء وهو السميع البصير حيٌ قيوم، حي لا يموت قيوم لا ينام له الخلق والأمر يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. والبصيرة في الأمر والنهي: ألا يقوم بقلب العبد شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوه تمنع من تنفيذ وامتثال أوامره، ولا تقليدٍ يريحه من بذل الجهد في تلقي الأحكام من النصوص. والبصيرة في الوعد والوعيد: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت من الخير والشر في دار العمل، وفي دار الجزاء، وذلك موجب إلهيته وربوبيته

стр. 2074

وعدله وحكمته، فالمعاد معلومٌ بالعقل، وإنما اهتدي الناس إلى تفاصيله بالوحي. وتشهد أهل الجنة يتنعمون فيها، وأهل النار يعذبون فيها، ولا يزال نور البصيرة في زيادة، حتى يُرى على الوجه والجوارح، وعلى الكلام والأعمال، وعلى الأخلاق والصفات: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. صاحبه متصلاً بالله، مستضيئاً بنور الوحي، مستنيراً بنور الإيمان، متزيناً بالسنن والآداب والأخلاق، يميز به بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين الطيب والخبيث، ويميز به بين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما يبغضه ويسخطه، من الأقوال والأعمال والأخلاق والأعيان: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. في كل إنسان ثلاث قوى: قوة البدن .. قوة العقل .. قوة القلب. قوة البدن: يشترك فيها الإنسان مع الحيوان. قوة العقل: يشترك فيها المسلم والكافر. وقوة القلب خاصة بالمسلم، وهي مكان دعوة الرسل، ومكان الإيمان والتوحيد، فالرسل اجتهدوا على قلوب البشر حتى امتلأت بتوحيد الله وعظمته ومحبته، والخوف منه، والتلذذ بعبادته وطاعته، والإيمان به، وكانوا خير الناس.

стр. 2075

فعلى المسلم أن يتقيد بأوامر الله، ويستفيد من هذه الطاقات التي أعطاها الله له، وسخرها له، ويسخرها للدين لتصلح حاله وأحوال العالم من حوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. أعظم العلوم التي أمر الله بها هي العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه ووعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فالكون مملوء بشواهد التوحيد: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وأعظم العبادات التي أمر الله بها هي التفكر في الآيات الكونية التي خلقها الله، والتدبر للآيات القرآنية التي أنزلها الله، والقرآن كله أوامر بالنظر والتدبر والتفكر في الآيات القرآنية، والآيات الكونية، لأن ذلك يثمر قوة الإيمان: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 2076

وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٥ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ [يس: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾ [الفرقان: ٤٥]. وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ [الأعراف: ١٨٤]

стр. 2077

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. أفلا تتذكرون، أفلا تعقلون، أفلا تسمعون، أفلا تبصرون، أفلا يؤمنون، فلا تكاد تخلو سورة، بل لا تكاد تخلو آية من الدلالة على معرفة الله، والأمر بالتفكر والتدبر في المُلك والملكوت، والمخلوقات والآيات. إن في هذا الوجود العظيم آيات وعبر، وحكم وأحكام فكل ما في الوجود مما سوى الله فهو فعل الله وخلقه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فكل ذرة من الذرات، وكل قطرة من القطرات، وكل حركة من الحركات، وكل مخلوق من المخلوقات، كل ذلك فيه آيات وعجائب تظهر بها حكمة الحكيم، وقدرة القدير، وعلم العليم، وحلم الحليم، وكرم الكريم وإحصاء ذلك غير ممكن: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. وجميع هذه المخلوقات خلقها الله شاهدة بوحدانيته ومسبحة بحمده ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته وخاضعة لأمره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ

стр. 2078

(١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وكلما اتسع خلقه اتسع مُلكه، وكثر من يشهد له بالوحدانية ومن يسبح بحمده: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١] فكل ذرة في ملكه تسبح بحمده: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤]. • أقسام المخلوقات: المخلوقات التي خلقها الله قسمان: القسم الأول: ما لا يعرف أصلها، فلا يمكننا التفكر فيها، فكم من الموجودات التي لا نراها ولا نعلمها، بل نسبة ما نعلمه من عالم الشهادة إلى ما لا نعلمه من عالم الغيب كالقطرة بالنسبة للبحر، ونسبة عالم الشهادة إلى عالم الغيب، كالقطرة بالنسبة للبحر، وكالذرة بالنسبة للجبل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. والله وحده عالم الغيب والشهادة، خلق ما نبصر وما لا نبصر، وما نرى وما لا نرى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].

стр. 2079

فخلق الله منه ما نعلمه وما لا نعلمه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]. القسم الثاني: ما يُعرف أصله من هذه المخلوقات وجملته، ولا يعرف تفاصيله فيمكننا أن نتفكر في تفاصيله، ونهتدي إلى شيء من أسراره، وهى منقسمة إلى ما ندركه بحس البصر، وإلى ما ندركه بالخبر. أما الذي لا ندركه بالبصر، ولكن ندركه بالخبر: فكالملائكة، والأرواح، والجن، والشياطين، والعرش، والكرسي، والجنة، والنار، وما فيهما من النعيم والعذاب، والحوض والصراط والموازين وغيرها، وأحوال الأمم الماضية، وغير ذلك من عالم الغيب، فالغيب اختص به الله وحده وأطلع منه من شاء من عبادة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وأما ما ندركه بحس البصر: فالسماء والأرض وما بينهما وما عليهما من مخلوقات، وقد أمر الله بالنظر والتدبر، والتأمل والتفكر في ذلك فقال : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].

стр. 2080

٧ - الخزانة السابعة • فقه التفكر في الآيات الكونية: النَظر والتدبر والتفكر في الآيات الكونية عبادة من أعظم العبادات، لأنه يورث ويثمر تعظيم الله وتكبيره، ومحبته وتوحيده، والإكثار من ذكره وشكره، وخشيته وحسن عبادته: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقد أمرنا الله بالتفكر والتدبر في الآيات القرآنية، والآيات الكونية. فقال في الآيات الكونية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. فخلق السماء آية، وجمالها آية أخرى، وعلوها آية أخرى، وعظمتها آية أخرى، وإمساكها أن تقع آية أخرى، وفي السماء آيات وعبر، فالشمس آية وإنارتها آية أخرى، وجريانها آية، وحرارتها آية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧]. والقمر آية، وإنارته آية، وتغير أحواله آية، وسيره آية، وفي طلوع الشمس والقمر آية، وفي غروبهما آية: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]. وخلق النجوم آية، وفي إنارتها آية، وفي توزيعها في السماء آية، وفي سيرها آية: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: ٥].

стр. 2081

وفي الليل والنهار آيات بينات، وعبر وعظات: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٥ - ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ [يس: ٣٧]. وفي الأرض آيات وعبر وعظات، نباتات متنوعة، وحيوانات مختلفة، وأنهار وبحار، وسهول وجبال، وجواهر ومعادن، وأزهار وثمار، وحجارة ورمال، فمن ينظر ومن يتفكر ومن يتدبر؟. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٥ - ٢٠]. وما بين السماء والأرض آيات وعجائب، فضاءٌ عظيم، وسحب وغيوم، ورعد وبرق، وأمطار وثلوج، وصواعق وشهب، ورياح وعواصف وطيور وذرات، وحرارة وبرودة، وليل ونهار، ونور وظلمات، فهذه الأجناس في

стр. 2082

السموات والأرض وما بينهما أصناف وأنواع لا يحصيها إلا الله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢ - ٣]. وجميع هذه المخلوقات مجال الفكر والتفكر، والنظر والتدبر، والاعتبار والاستبصار: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٨ - ٩]. وجميع مخلوقات الله في العالم العلوي والعالم السفلي تُسبح بحمده، وتشهد بوحدانيته، وتقف صاغرة بين يديه وتخضع لمشيئته، وتسرع إلى إرادته، والجميع في قبضته، وتحت تصرفه وتدبيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. فلا تتحرك ذرة أو مخلوق في السماء والأرض من مَلك وإنسان، وحيوان ونبات، وماء وجماد، ولا فلك ولا كوكب، إلا والله تعالى هو مُحركها ومجريها. وفي حركتها حِكم وأسرار، وكل ذلك شاهد لله بالوحدانية، ودال على عظمته وجلاله، وحكمته وقدرته، وآلائه وإحسانه، وعظمة ملكه وسلطانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك: ١ - ٤].

стр. 2083

والرب الذي هذه أسمائه وصفاته وأفعاله هو وحده الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. • عجائب خلق الله في العالم العلوي، والعالم السفلي: الله هو ملك الملوك له مُلك العالم العلوي والعالم السفلي، وله مُلك عالم الغيب وعالم الشهادة، وله مُلك الدنيا والآخرة، وله مُلك السموات والأرض، وله مُلك ما في السموات وما في الأرض، وله ملك السموات والأرض، وله جنود السموات والأرض، وله غيب السموات والأرض، وله خزائن السموات والأرض، وله مقاليد السموات والأرض، وله ميراث السموات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]. ففي خلق السموات والأرض عجائب وآيات تدل على عظمة الخالق: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وفي خلق الإنسان من نطفة عجائب تدل على عظمة الخالق: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢].

стр. 2084

وفي خلق الحيوان وأصنافه وأنواعه وألوانه آيات وعجائب تدل على عظمة الخالق البارئ المصور، وكمال قدرة القادر ﷻ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فلا إله إلا الله، ما أوسع ملكه، وما أعظم خلقه في العالم العلوي والسفلي. ففي طيور الجو، وحيوانات البحر، ودواب الأرض، وأسماك البحر، من العجائب والآيات ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه، وكلها تدل على عظمة خلقها، وعظمة خالقها، وقدرة مقدرها، وحكمة مصورها. قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]. فسبح الله مع المسبحين وكبره مع المكبرين: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤]. وفي خلق النمل والنحل وغيرها من صغار الحشرات ما يبهر العقول، سواء كان في تكاثرها، أو بناء بيوتها، أو جمع غذائها أو كيفية طباعها وحركتها وجُهدها. وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى، وعجائب البحر كعجائب الأرض وما فيها، بل ما في البحر من النباتات والحيوانات والجواهر أضعاف عجائب ما نشاهده على وجه الأرض كما أن سعته أضعاف سعة الأرض.

стр. 2085

قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤]. فسبحان الرب الذي خلق فسوى، وقدر فهدى. وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]. فما دام هو الخالق الذي خلق الخلائق وحده، فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ لأنه الذي خلقنا، وأمدنا بالأرزاق والنعم المادية والروحية. وأعجب من ذلك كله ما هو أظهر من كل ظاهر، وهو قطرة الماء، هذا الجسم الرقيق السيال متصل الأجزاء، كأنه شيء واحد، لطيف التركيب، سريع الاتصال والانفصال في البحار والأنهار، به حياة كل من على وجه الأرض من نبات وحيوان، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. فالمؤمن حقاً يرى ببصيرته المخلوقات، ويتجاوزها إلى الخالق، ويرى الصور، ويتجاوزها إلى المصور، ويرى الأرزاق، ويتجاوزها إلى الرزاق، ويرى الدنيا، ويتجاوزها إلى الآخرة، ويرى الأموال والأشياء، ويتجاوزها إلى الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 2086

آثار التفكر في عجائب خلق الله في الكون: التفكر في عجائب خلق الله يثمر تعظيم الله، وتكبيره، ومحبته، وحمده، وشكره، والتصاغر لكبريائه، والذل بين يديه، ومعرفة عزة الربوبية، والوقوف بباب العبودية. فهذا السقف المرفوع، وهذا البحر المسجور، وهذه الأرض المبسوطة، وهذه الشمس المضيئة، وهذا القمر المنير، وهذا الإنسان المكرم، وهذا النبات المتكاثر، وهذه الثمار المتراكبة، وهذه الجبال الراسية، وهذه السهول الممتدة، وهذه الرياح العاصفة، وهذا الهواء اللطيف، كل ذلك خلق الله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]. فهذه المخلوقات العظيمة، والآيات الكبرى، كلها خلق الله، تدل على وحدانيته، وكمال عظمته، وجمال أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. فسبحان الخلاق العليم الذي: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]. فلا إله إلا الله ما أعظم مخلوقاته وآياته التي تشير إلى وحدانيته وجلاله وجماله وكماله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا

стр. 2087

لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٣ - ٢٠]. والرب العظيم الذي هذه أفعاله ومخلوقاته هو الرب الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 2088

ومن آيات الله العظيمة الدالة على عظمته، هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض ندرك حسه، ولا نرى شخصه، وجملته مثل البحر الواحد، والطيور مختلفة فيه في جو السماء، سابحة بأجنحتها في الهواء كما يسبح حيوان البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه كما تضطرب أمواج البحر وعواصفه، فهذا بحر من الهواء يعيش فيه النبات والحيوان والإنسان وهذا بحر من الماء تعيش فيه حيوانات البحر: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. والرب العظيم الذي هذه أفعاله، وهذه مخلوقاته، هو وحده الذي يستحق ان يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]. ومن آياته سبحانه ملكوت السماوات السبع، وما فيها من الملائكة والجنات، والنجوم والكواكب والأفلاك والمجرات. ومن عرف عجائب الأرض، وفاتته عجائب السماوات، فقد فاته الكل، فالأرض وما فيها من النبات والحيوان، والبحار والجبال، والإنس والجن، وكل جسم سوى السماوات، بالإضافة إلى السماوات، كقطرة في بحر أو أصغر كما قال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].

стр. 2089

وقال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٩]. فسبحان الخلاق العليم الذي خلق كل شيء، وبيده أمر كل شيء، فله الخلق كله، وله الأمر كله، وله المُلك كله، وإليه يرجع الأمر كله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. والرب الذي هذه أسماؤه وصفاته، وأفعاله هو الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].

стр. 2090

٨ - الخزانة الثامنة • فقه التفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله: كما يعظم الناس عالمًا بسبب معرفتهم بعلمه، ومؤلفاته، فيزدادون بمعرفته توقيرًا له، وتعظيمًا له واحترامًا له. وكما يعظم الناس صانعًا ومخترعًا بسبب معرفتهم بمصنوعاته ومخترعاته، فيزدادون بمعرفته توقيرًا له، واحترامًا له، وهكذا، فقيمة الإنسان بصفاته لا بذاته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. فكذلك كلما استكثر الإنسان من معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة نعمه وإحسانه، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة عجيب صنع الله في مخلوقاته، كانت معرفته بجلاله وعظمته أتم، وتوقيره أعظم، وعبادته أكمل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وهكذا التأمل والنظر في المخلوقات، فكل ما في الوجود من خلق الله وصنعه، والنظر والفكر فيه لا يتناهى، وإنما لكل عبد منه بقدر ما رزق من الفهم والعلم: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].

стр. 2091

وقال الله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ومن عود نفسه التفكر في عظمة جلال الله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة قدرته، والنظر في خلقه وملكه، صار ذلك عنده ألذ من كل نعيم؛ لأن ذلك غذاء قلبه وروحه، لا مانع منه ولا مزاحم فيه، وتلك جنة المعرفة الموصلة إلى جنة الآخرة، وهذه الجنة أعظم من جنة الآخرة؛ لأنها متعلقة بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة دينه وشرعه، والتعبد له بموجب ذلك. وجنة الآخرة ثمرة جنة المعرفة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. والعاقل حقًا من يطلب نعيمًا، لا زحمة فيه، ولذة لا كدر فيها، ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله تعالى، وعجائب مخلوقاته، والإيمان به، ولذة مناجاته، وحمده وشكره، واستغفاره، والتوبة إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وإنما يحصل الشوق بعد الذوق، فمن لم يذق طعم الإيمان وحلاوته وحقيقته لم يعرف، ومن لم يعرف لم يشتق، ومن لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك، ومن لم يدرك فهو من المحرومين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].

стр. 2092

فأصل كل حرمان سببه الجهل بالله وأسمائه وصفاته وافعاله، ودينه وشرعه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦]. وأصل كل طاعة ونجاة وفلاح إنما هو الفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله وخزائنه ووعده ووعيده، وفيما خُلق له الإنسان، وفيما أمر به، وفيما أُعد له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم، فتولد تلك المعرفة بالله إقبالًا ونشاطًا بحسب قوتها وضعفها، فيزداد القلب فرحًا وأنسًا بربه، وإيمانًا به، وتتلذذ الجوارح بالطاعة والعبادة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال الله عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فمن ذاق عرف، ومن عرف استقام: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 2093

وكذلك أصل كل معصية ما يحصل من جانب الفكر، فإن الشيطان يصادف أرض القلب خاليةً فارغة، فيبذر فيها حب الأفكار الرديئة، فيتولد منه الإرادات الفاسدة، فيتولد منها العمل الذي يغضب الله، ويحبط عمله الصالح، ويكون سببًا لهلاكه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ومن أعرض عن ذكر الله نال عقوبة الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وإذا تدبرنا القرآن وجدنا أن الله يريد منا في الدنيا أن نكمل الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، ونحذر الكفر والمعاصي والأقوال السيئة والأفعال والأخلاق المشينة، لندخل الجنة. والشيطان يريد منا تكميل شهواتنا الآن، وتعطيل الأوامر الشرعية، لنعيش على هوانا ولو دخلنا النار يوم القيامة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].

стр. 2094

التفكر في أحسن حياة: أحسن حياة وأجمل حياة، وأفضل حياة، حياة الأنبياء والرسل الذين أُمر النبي ﷺ بالاقتداء بهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وأمرنا نحن بالاقتداء بهم بأقوالهم، وأخلاقهم، وإيمانهم، وتوحيدهم، والاقتداء بسيدهم وأفضلهم محمد ﷺ ، الذي هو أكمل الناس إيمانًا، وأحسنهم عبادة، وأجملهم أخلاقًا كما قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فنقتدي به ﷺ في توحيده وإيمانه، وفي نيته وفكره، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفي أخلاقه الكريمة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والله سبحانه يريد منا أن نكمل محبوباته في الدنيا من الإيمان والإحسان، والصدق والصبر، والتوبة والجهاد، والصلاة والزكاة، والصيام والحج، وغيرها من الأعمال الصالحة، وهو سبحانه يكمل محبوباتنا في الآخرة برؤيته، وسكنى دار كرامته، وسماع كلامه، ورضوانه، والتلذذ بألوان النعيم في جنته: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 2095

والدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فالدنيا دار الإيمان والعمل، والمسلم فيها مقيد بأوامر الله، كما أن السجين مقيد بأوامر السجن، فلا يستطيع السجين أن يأكل ما شاء، أو يتكلم مع من شاء، أو يزور من شاء، بل هو مقيد بأوامر السجن إلى أن يخرج، لكن يعطى من هذه الأشياء بقدر الحاجة. فكذلك المسلم في هذه الدنيا مقيد بأوامر الله التي تصلحه وتنفعه في الدنيا والآخرة، فهو يقوم بالعمل، والله يطعمه ويسقيه ويرزقه حسب الحاجة، وبقدر ما يصلحه، إلى أن يخرج من السجن إلى قصور الجنة حيث النعيم المطلق والخلود الدائم هناك: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. والله ﵎ له مُلك السماوات والأرض وما فيهن، فالكون كله مُلكه، والإنسان مُلكه، خلقه الله وشرفه على ما سواه، وكرمه على غيره بكرامات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. فمن أطاع الله سخر له كل شيء، ومن خضع لأوامر الله أخضع الله الكائنات كلها له من البحار، والمياه والرياح وغيرها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. ولكن الإنسان إذا لم يطع الله ولم يكن له فلا يكون الله له، ولا يكون معه فإن الله مع المؤمنين والمتقين والمحسنين ومن كان الله معه فكل شيء معه،

стр. 2096

ومن لم يكن الله معه فليس معه شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. فأسعد الناس، وأعقل الناس، وأحسن الناس حياة وفلاحًا وفوزًا هم المؤمنون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدةً منهما إلا بمشقة، فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما وأحسنهما، ولكن الناس لضعفهم، وتزيين الشيطان لهم، يؤثرون ما يفنى على ما يبقى لقلة المذكر، وضعف الإيمان: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. والمحب الذي قد ملك المحبوب أفكار قلبه لا يخرج فكره عن تعلقه بمحبوبه وهو ربه سبحانه، أو بنفسه. وفكره في محبوبه لا يخرج عن حالين: إحداهما: فكره في جمال الرب وجلاله وعظمة أسمائه وصفاته. الثانية: فكره في أفعال ربه وإحسانه، وإنعامه وبره ولطفه. أما فكره بنفسه فكذلك لا يخرج عن حالين. إما أن يفكر في أوصافه المسخوطة، التي يبغضها محبوبه ﷻ ، ويمقته عليها، من الفواحش والمنكرات فيتجنبها.

стр. 2097

وإما أن يفكر في الصفات والأفعال والأخلاق التي تقربه من ربه، وتحببه إليه، لكي يتصف بها مثل: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. فالأوليان: توجب له زيادة محبته لربه، وتعظيمه، والخضوع له. والأخريان: توجب له محبة محبوبه له، وإقباله عليه، وقربه منه، وعطفه عليه وإيثاره على غيره، وإسعاده في الدنيا والآخرة، لأنه أمن به وأطاعه. فالمحبة التامة مستلزمه لهذه الأفكار الأربعة، ومجال الفكر في صفات نفسه وأفعالها كثيرة، ويمكن حصرها في ستة أجناس. فيفكر الإنسان في الطاعات الظاهرة والباطنة يتفكر في معرفتها، وأدائها، وتحسينها، ودوامها، والإكثار منها، وترغيب الناس فيها. والمعاصي الظاهرة والباطنة يتفكر كيف يعرفها، ويحذر الناس منها، ويقلع عنها، ويتوب منها، ويحذر منها: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. والصفات والأخلاق الحميدة يتفكر كيف يعرفها، ويتخلق بها، ويدعو الناس إليها، ليتجملوا بها. والصفات والأخلاق السيئة يتفكر كيف يعرفها، ويحذرها ويحذر الناس منها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ

стр. 2098

الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وأما الفكر في أسماء الرب وصفاته، وفي أفعاله وأحكامه، فتوجب له التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، ووصفه بما هو أهله من العزة والجبروت، والكبرياء والعظمة، والجلال والإكرام، وتنزيهه عن ما لا يليق به: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وجماع ذلك الفقه في معاني أسماء الله وصفاته، وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر، فيكون ذلك العبد فقيهًا في أسماء الله وصفاته، فقيهًا في أوامر الله ونواهيه، فقيهًا في قضاء الله وقدره فقيهًا في الأوامر الكونية القدرية، فقيهًا في الأحكام الدينية الشرعية، فقيهًا في دنياه وأخراه، فقيهاً في الاستفادة من أوقاته، ومن طلب ذلك ساقه الله إليه ويسره عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ومن وفقه الله لذلك عرف ربه، وعرف ما يوصل إليه، وعرف ماله من الثواب والإكرام بعد القدوم عليه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. ثمرات التفكر والتدبر في الآيات القرآنية: لا شيء أنفع للقلب من تدبر كلام الله ، والتفكر فيه، فهو الذي يولد في القلب التعظيم للمعبود، والتكبير له، ويورث المحبة لله ، ويورث الخوف والرجاء، والصبر والشكر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب

стр. 2099

وكماله واستنارته: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. ومن تدبر القرآن علم أنه يشتمل على أمرين: فالقرآن إما خبر .. وإما إنشاء. والخبر قسمان: أحدهما: خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. الثاني: خبر عن مخلوقاته ﷻ ، من خلق السماوات والأرض، والجبال والبحار، والجماد والنبات، والحيوان والإنسان، وخلق الجنة والنار وغير ذلك من المخلوقات. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]. وأما الإنشاء: فهو طلب الفعل أو الترك، فالنفس إذ عرفت ربها بأسمائه وصفاته وأفعاله وعرفت دينه وشرعه، أقبلت على طاعة الله وعبادته، وامتثال أوامره.

стр. 2100

وأوامر الله على عباده قسمان: الأول: أوامر يجب فعلها، وهي كل ما أمر الله ورسوله ﷺ به. الثاني: أوامر يجب اجتنابها، وهي كل ما نهى الله ورسوله عنها. والمسلم يصدق الأخبار، ويطبق الأحكام. وكذلك تدبر القرآن يزجر العبد عن جميع الصفات المذمومة، والأفعال السيئة، التي يحصل بها فساد القلب وهلاكه، فعلى الإنسان أن يتفكر في آيات ربه المسموعة وهي القرآن: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. ويتفكر كذلك في آياته المشهودة وهي المخلوقات، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وبالتفكر والتدبر في الآيات المشهودة يرى الإنسان المخلوقات ويذكر الخالق، ويرى الصور ويذكر المصور، ويرى الأرزاق ويذكر الرازق، ويمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهيه. إن النظر والتدبر والتفكر من أعظم أنواع العبادة، فهذا الكون العظيم معرض كبير هائل واسع لعظمة قدرة الله ، وعظمة خلقه، وتذكير بالخالق المبدع الذي خلق كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وذلك يبهر الإنسان، ويشعره بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلًا.

стр. 2101

إن الله كما ينزل من السماء ماءً فينبت به زرعاً مختلف ألوانه، كذلك أنزل من السماء ذكراً تتلقاه القلوب الحية، فتنفتح له، وتنشرح به، وتتحرك حركة الحياة بكل حسن وجميل من الأقوال والأعمال والأخلاق والآداب: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وتتلقاه القلوب القاسية كما تتلقى الماء الصخرة القاسية التي لا حياة فيها ولا نداوة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. وهذه القلوب قاسية كالحجارة أو أشد قسوة. والله حكيم عليم له ملك السماوات والأرض وله الخلق والأمر، وهو الكريم الذي يجود بكل نعمة على عباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. • وحقوق الله ﵎ على العباد نوعان: أحدهما: أمره ونهيه الذي هو محض حقه على العباد، ويتم بعباده الله وحده لا شريك له، وطاعته في كل حال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. الثاني: شكر نعمه التي أنعم بها عليهم، فهو سبحانه يطالبهم بشكر نعمه والقيام بأمره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].

стр. 2102

فمشهد الواجب على العبد لا يزال يشهد فيه تقصير وتفريط، وأنه محتاج إلى عفو الله ومغفرته، فإن لم يتداركه بذلك هلك، وكلما كان الإنسان أفقه لدين الله كان شهوده للواجب عليه أتم، وشهوده لتقصيره أعظم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. فينشأ من ذلك التشمير للعمل الصالح، ودوام الاستقامة على أوامر الله، وكثرة التوبة والاستغفار، كما قال النبي ﷺ : «منْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (١). فما أعظم نعم الله على عباده، وما أحسن ما دعاهم إليه من النظر إلى الآيات الكونية، والنظر الى الآيات القرآنية، وفي النظر فيهما يكمن الإيمان ويزيد، ويقوى التوحيد ويثبت، وتكمن الأعمال الصالحة، وتحسن الأخلاق، ويكمن اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى دينه وشرعه، وعلى وعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وأفضل الناس توفيقاً، وأكملهم توحيداً، وأحسنهم تقوى، من قرأ وعلم، وسمع وأبصر، وتفكر وتدبر، وتذكر وعقل، ونظر وتأمل، في آيات ربه المشهودة والمسموعة، واستقام على دينه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

стр. 2103

٩ - الخزانة التاسعة • فقه التفكر في القيام بين يدي الله: كيف تقف بين يدي ربك العظيم في الصلاة؟ المؤمن يقف بين يدي ربه العظيم في صلاته ناظراً إلى أمرين عزة الربوبية، وذلة العبودية فإذا وقفت أمام ربك في الصلاة فاستحضر عظمته وكبرياءه، واستحضر جملة مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي، وما فيهما من المخلوقات العظيمة العجيبة التي تشهد بوحدانية الله، وتسبح بحمده: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١]. فإذا استحضرت هذه المخلوقات العظيمة فقل الله أكبر الذي خلق هذا الكون العظيم، والملك الكبير، لتجد طعم التكبير في قلبك. الله أكبر الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، المنزه عن مشابهة لمخلوقاته الذي تعجز العقول عن إدراك كنه عظمته وجلاله وكبريائه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. وصل لربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. وقل الله أكبر مما عرفت، ومما لم أعرف. وقل الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم والله أكبر من أن يقدر الخلق على أداء حق عبوديته، فطاعاتهم وعباداتهم قاصرةٌ عن واجب عبادته، وثناؤهم قاصرٌ عن مجده وكبريائه، وعلومهم

стр. 2104

قاصرةٌ عن معرفة كنه صماديته: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]. وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وجماله، ثم قل سبحانك اللهم بحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف واقرأ سورة الفاتحة واجعلها مرآةً تبصر فيها جمال ربك وجلاله، وترى فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة، وأنوار اسماء الله الحسنى، وصفاته العلى وقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]. آمين فإذا قلت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣]. فأبصر به عالم الجمال وهو الفضل والإحسان، والرحمة الشاملة في ملك الله العظيم. وإذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]. فأبصر به عالم الجلال وما يحصل به وفيه من الأهوال العظيمة. فإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]. فأبصر به من تعبد، ودرجات أرباب السعادات من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومراتب الفساق المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق وتركوه، ودركات الكفار الضالين ذاكراً ربك ﷻ .

стр. 2105

وإذا انكشفت لك هذه الأحوال العظيمة فاعلم أنك ما عرفت إلا القليل فعد إلى الإقرار لربك الكبير بالكبرياء وقل الله أكبر، وأقر لنفسك بالذلة والمسكنة، ثم انزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة بالركوع للعظيم، وقل سبحان ربي العظيم الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والارض، وله خزائن السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض وله ميراث السماوات والأرض ثم عد إلى القيام ثانياً قائلاً الله أكبر، وادعوا لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل سمع الله لمن حمده فإذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك ثم عد إلى التكبير، وانحدر به إلى الأرض متواضعاً بصفة العلو، وقل سبحان ربي الأعلى، لأن السجود أكثر تواضعاً من الركوع، والسجدة الأولى سجدة الشكر لما أعطانا الله من نعمه ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله والثانية سجدة العجز والخوف مما لم يصل إليه العبد من أداء حقوق جلال الله وكبريائه، وتذكر بالسجدة الأولى أنك خلقت من تراب، وتذكر بالسجدة الثانية أن ستعود إلى التراب. فلا إله إلا الله، ما أعظم الوقوف بين يدي الله بهذه المعاني: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١]. • فقه التفكر والتدبر في الشريعة: الكفر ببعض الشريعة كفرٌ بجميعها، والكفر ببعض الرسل كفرٌ بجميعهم، والإيمان ببعض الرسل دون بعض كفر بالجميع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
следующие страницы →