الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].
والجبال من أعظم مخلوقات الله بعد العرش والكرسي والسماوات والأرض والبحار، ولهذا عُرضت عليها الأمانة فأبت كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
والجبال نوعان:
الأول: جبال في الأرض، وهي خزينة للمعادن التي عرف الإنسان منها ما يزيد على مئة معدن من الذهب والفضة، والحديد والنحاس، والرصاص والزنك، والمنجنيز والكبريت، وغيرها.
والجبال مُرسية للأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ [النازعات: ٣٢].
وصادة للعواصف، وخزائن للمياه.
الثاني: جبال السماء، وهي خزينة المياه والثلوج كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣].
فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه السماء العظيمة، وهذه الأرض المبسوطة، وهذه الجبال العظيمة.
ويوم القيامة تكون الجبال العظيمة كالعهن: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ [القارعة: ٥]
стр. 2172
وتسير وتُدك مع الأرض ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤].
فيوم القيامة تسير الجبال سيرًا، وتفتت فتاً: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: ٥].
وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ٢٠].
وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧].
فسبحان ربنا العظيم الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة، لتدل على عظمته وجلاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
стр. 2173
٨ - الخزانة الثامنة
• التفكر في خلق البحار:
الله هو الخلاق العليم الذي خلق العالم العلوي بما فيه، وخلق العالم السفلي بما فيه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وهو سبحانه الذي خلق البحار العظيمة، وأودع فيها المنافع الكبيرة، من مخلوقات لا يعلمها ولا يحصيها إلا هو: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فسبحان من خلق هذه البحار العظيمة، وخلق فيها من المخلوقات ما لا يعلمه إلا هو: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٤ - ١٨].
والله سبحانه خلق العباد وسيرهم في مصالحهم في البر والبحر: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢].
стр. 2174
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقد أقسم الله على عظمة كلامه بالبحر فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩].
وكلام الله صفة من صفاته، فهذا الكون العظيم خلقه الله بكلمة كن فكان: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٨].
والبحر هذا الماء السائل أكبر من اليابسة، وهو يُقارب ثلاثة أرباع الأرض، والبحار نوعان، وفي كل نوعٍ مخلوقات عظيمة لا تعيش في البحر الأخر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان: ٥٣].
فسبحان القادر العظيم الذي خلق هذه البحار العظيمة، حُلوها ومُرها، وجعل بينهما برزخًا، فلا يتداخلان ولا يختلفان: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠].
стр. 2175
ويوم القيامة تُفَجر البحار: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ [الانفطار: ٣]
وتُسجر البحار نارًا: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ٦].
فهذا البحر العظيم الذي يحيط بالأرض من كل جهة، خلق الله فيه مخلوقات عظيمة، وملأه بالمخلوقات من أسماك وحيوانات لا يحصيها إلا الله، ولولا أن هذه الأسماك يأكل كبارها صغارها، لصار البحر قطعة من اللحم.
فسبحان الخالق الذي خلق، الذي يربي خلائقه في البر والبحر والجو، وفي السموات وفي الأرض: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
ويعيش في هذا البحر مخلوقات عظيمة، ومن أعظم المخلوقات التي تعيش في هذا البحر الحوت، فقد خلق الله في هذا البحر أكثر من مليون نوع من الأسماك المختلفة الأحجام، والألوان، والأوزان، والأشكال، والطعوم.
والحوت من أعظم الأسماك التي عرفها البشر، وهي تلد ولادة، وما سواها يبيض بيضًا، هذا الحوت يبلغ طوله في المتوسط ثلاثون مترًا تقريبًا، ويزن مائة وخمسين طنًا تقريبًا، ويعيش في المحيط المتجمد الجنوبي، ويُستخرج من الحوت خمسون طنًا من اللحم وخمسون طنًا من الدهون وتسعون برميلًا من زيت الحوت، ويزن لسانه خمسمائة كيلو، ويأكل كل يوم أربعة أطنان، وإذا أرضع الحوت وليده فالرضعة الواحدة تبلغ ثلاثمائة كيلو جرام تقريبًا، ووجبة الحوت اليومية أربعة أطنان أعدها له ربه الرزاق الذي تكفل بأرزاق الخلائق في كل مكان: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
стр. 2176
فسبحان العظيم الذي خلق هذا الخلق العظيم، وهداه لما يصلحه، وأمده برزقه، وهيأ له سكنه، فلا إله إلا الله كم نوعًا من الأسماك خَلق، وكم نوعًا من الحيوان خَلق، وكم نوعًا من الأطيار خلق، وكم نوعًا من النبات خَلق وكم نوعًا من الأزهار، وكم نوعًا من الأحجار، وكم نوعًا من النجوم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
التفكر في خلق الزمان والمكان:
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
فخلق سبحانه السموات والأرض، وخلق الليل والنهار: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
فالمكان ظرف للأشياء، والزمان ظرف للأعمال، وما في داخل الظرف أعظم من الظرف، وهو الإنسان الذي خلقه الله بيده، وأكرمه بالدين الحق.
والله جعل الزمان مقدرًا من أربعة أوجه:
السنة .. والشهر .. واليوم .. والساعة.
فالسنة: عبارة عن الزمان الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك إلى أن تعود إليه.
والشهر: عبارة عن حركة القمر من فلكه من نقطة معينة إلى أن يعود إليها فيبدو هلالًا، ثم يكمل، ثم ينقص كما بدأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
стр. 2177
(٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
واليوم: عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض، والليلة عبارة عن كون الشمس تحت الأرض، وتبدأ الأيام بلياليها فالليلة تسبق اليوم.
وأما الساعة: فهي جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وهي مجموع الليلة ونهارها.
وقد جعل سبحانه المكان ظرفًا للأشياء كالجبال والبحار والنبات والإنسان وغيرها، وكالملائكة في السماء، والزمان ظرفًا للأعمال الدينية والبدنية والدنيوية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
والله سبحانه خلق الشمس والقمر والكواكب، وصب فيهن من نوره؛ لأنه خالق النور في الشمس والقمر والنجوم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
وقال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥].
стр. 2178
وخص الله القمر بالاختلاف دون الشمس، لحكم عظيمة، وأسرارٍ حكيمة، وعقول البشر عاجزة عن إدراك آيات الله في ملكه وملكوته، ومن تلك الحكم والأسرار: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
فالشمس خلقها الله تنير هذا الكون، وتمده بالحرارة والضياء، وجعلها للتوقيت اليومي، والقمر جعله الله نورًا، وفيه منافع ومصالح، وخلقه ﷻ للتوقيت الشهري، والسنة للتوقيت العمري.
فسبحان من خلق الشمس، وأبقاها على حالها، وسيرها في الكون، وخلق القمر، وجعله مختلف الحجم والإنارة، ليصير الكل شاهدًا على افتقاره إلى قادرٍ حكيم عليم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٦].
والأشهر مواقيت مشهورة، وعددها اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، كما قال الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
стр. 2179
أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه العوالم العظيمة كالسموات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، هذه المخلوقات خلقها الله دالة على وحدانيته، وكمال قدرته، ومسبحة بحمده، وخاضعة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
• التفكر في عظمة قدرة الله:
الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو القادر القدير على كل شيء، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ومن علامات قدرته الباهرة ﷻ أنه خلق السموات السبع، وخلق الأراضين السبع، وخلق الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٢٩ - ٣٠].
وهو سبحانه الملك الحق، الذي لا يخفى عليه ما يجري في مُلكه العظيم على أيدي عباده من الخير والشر، والعدل والظلم، فهو السميع لما يقولون والعليم بما يفعلون؛ لأنه العلي الكبير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦١ - ٦٢].
стр. 2180
وهو سبحانه الذي خلق السموات والأرض، وخلق ما بينهما من الشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والليل والنهار: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
هو سبحانه القادر على كل شيء، يولج الليل في النهار بإدخال جزءٍ من الليل في النهار فيطول النهار في الصيف؛ لأنه أولج فيه شيئًا من الليل، ويولج النهار في الليل بإدخال جزء من النهار في الليل فيطول الليل في الشتاء، لأن الله أولج فيه شيئًا من النهار.
وكذا يولج الليل في النهار بتحصيل ظلمة الليل في مكان ضياء النهار بغيبوبة الشمس، وضياء النهار في مكان ظلمة الليل كما يضيء البيت المظلم بالسراج، ويظلم بفقده، وهذا وهذا من أدلة قدرته الكاملة، وقوته القاهرة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
فالله قوي عزيز يُمسك السماء أن تقع على الأرض، ويُمسك السموات والأرض أن تزولا، فلو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، وزالت فأهلكت من عليها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
стр. 2181
فلا إله إلا الله ما أعظم قدرته وقوته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ [المؤمنون: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢].
والله سبحانه قوي عزيز، قدير على كل شيء، قاهرٌ لكل شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يعز بأسباب الذلة كما عز أنبياءه وأولياءه مع قلة أعدادهم وعُدتهم، ويذل بأسباب العزة كما أهلك قوم نوح مع كثرتهم، وقوم عاد مع قوتهم، ودمر فرعون مع مُلكه، وخسف بقارون مع كثرة ماله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وهو سبحانه القوي القادر، القاهر الجبار، الذي يُنجي بأسباب الهلاك كما أنجى إبراهيم من النار مع اشتعالها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وأنجى موسى وقومه من الغرق، ويُهلك بأسباب النجاة كما دمر فرعون وقومه مع ملكه، ويربي سبحانه أولياءه في بيوت أعداءه كما ربى موسى ﷺ في بيت فرعون: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
стр. 2182
٩ - الخزانة التاسعة
• التفكر في قدرة الله ﷻ :
الله هو الملك القادر علي كل شيء، الذي خلق سبع سماوات، وخلق سبع أراضين، الذي تتنزل أوامره الملكية الكونية، وأوامره الإلهية الشرعية، وأوامره الملكية الجزائية، بين السماوات والأرض بين السماء العليا إلى الأرض السفلى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
ففي كل سماءٍ من سماواته، وفي كل أرضٍ من أرضه، خلق من خلقه، وأمرٌ من أمره، وقضاءٌ من قضائه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
له الأوامر الكونية، والأوامر الشرعية، والأوامر الجزائية، أحاط علمًا بالكليات والجزئيات، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
ومن هذا خلقه، وهذه قدرته، وهذا علمه، فهو الرب حقًا، الملك حقًا، الإله حقًا، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا
стр. 2183
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فسبحان من خلق هذا الكون العظيم بما فيه، وجعل فيه سننًا تعمل.
والله سبحانه لو أظهر قدرته للناس في كل وقت، لفُتن الناس، وإنما تظهر قدرة الله بلا أسباب يوم القيامة.
والله له الكمال المطلق في أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، والله يظهر قدرته لخلقه بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، وبقلة الأسباب، وبكثرة الأسباب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فيظهر قدرته بالأسباب يُنزل الغيث من السماء إلى الأرض، فتنبت من كل زوجٍ بهيج، ويظهر قدرته بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
ويُظهر قدرته بضد الأسباب كما جعل الله النار بردًا وسلامًا على إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
فجعلها تشتعل، وأبقى نبيه حيًا يسبح بحمده في تلك النار، وأظهر قدرته مع قلة الأسباب كما نصر المؤمنين في بدر مع قلة العدد والعدة، وأظهر قدرته مع كثرة الأسباب كما دمر فرعون وجنوده.
والله سبحانه في الدنيا أظهر سنته، وأخفي قدرته رحمةً بالعباد، وعيسى ﷺ لما أظهر الله على يديه المعجزات المادية بدل أن يقول الناس عبد الله قالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ
стр. 2184
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧].
وقال عن عيسى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٤٩ - ٥١].
فبدل أن يقول الناس هو عبد الله، ورسول الله، قالوا: هو الله، وذلك بما أجرى الله على يديه من المعجزات العظيمة، فالله خلقنا في الدنيا وجعلها دار الأسباب، والنفوس تُفتن إذا رأت خلاف العادة والسنة الكونية، وأبو بكر ﵁ رأى مع الصحابة قدرة الله في سفره مع النبي ﷺ ، رأى نبع الماء من بين أصابع الرسول ﷺ ، ورأى تكثير الطعام بدعائه، ولكنه ﵁ لم يمشي على ترتيب الكرامات، بل مشى على ترتيب فعل الأسباب، لأننا في دار الأسباب، ولكن لما أمرنا الله في الدنيا بفعل الأسباب، أمرنا بذلك للابتلاء بثلاثة أمور:
الأول: هل نختار السبب الحلال أم الحرام، كما قال سبحانه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
الثاني: لكي إذا زاد الخير لا نفرح، وإذا نقص لا نحزن: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٣].
стр. 2185
الثالث: كما فعلت السبب لأمره سبحانه بذلك، هل أتركه امتثالًا لأمره؟.
كما أمرت بفتح الدكان واكتساب الرزق، هل أتركه إذا أذن المؤذن، وأذهب للصلاة؟
هذا هو الابتلاء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
ومن قرأ القرآن وتدبر ما فيه وجد أن الله ، أكرم هذه الأمة وتوجها بأربعة تيجان:
الأول: تاج ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
الثاني: تاج ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الثالث: تاج ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ [البقرة: ١٤٣].
الرابع: تاج ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى﴾ [البقرة: ١٤٣].
فهذه الأمة الله أنعم عليها بنعم كثيرة وأعطاها وظيفة الأنبياء والرسل الدعوة والعبادة.
فقال في العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال في الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 2186
فهذه الأمة خير أمة، ذنوبها مغفورة، وأعمالها مُضاعفة، وأعمارها قليلة، وعيوبها مستورة، فالله كشف لنا جميع أحوال الأمم السابقة وما أصابهم من العذاب والأخذ فقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
فهذه الأمة أكرمها الله بهذه الكرامات العظيمة، وأنعم عليها بأصول النعم، وجعلها خير أمة أخرجت للناس.
وأصول النعم ثلاث:
نعمة الخلق والإيجاد .. ونعمة القوت والإمداد .. ونعمة الهداية والإسعاد.
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقال الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
لهذا يجب على هذه الأمة ما لا يجب على غيرها؛ لأنها أخذت أفضل وأحسن وظيفة، وهي وظيفة الأنبياء والرسل، فهذه الأمة نائبة عن نبيها ﷺ في القيام بالدعوة إلى الله ، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 2187
وحتى يقوم المسلم بأعمال الهداية من عبادة الله، والدعوة إليه، وتعليم شرعه والإحسان إلى خلقه، لابد من العلم بسبعة أمور:
الأمر الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه ووعده ووعيده، حتى يقوى الإيمان، ثم تتحرك الجوارح بأنواع العبادات والطاعات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الأمر الثاني: العلم بالكتاب الذي نتبع، فنعرف من كتاب ربنا ماذا يرضيه، وماذا يُسخطه، ونعرف الحلال من الحرام، ونعرف الواجب والسنة: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وقال : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].
الأمر الثالث: معرفة الرسول الذي نتبع، لنتبعه في توحيده وإيمانه، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفي أخلاقه الكريمة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الأمر الرابع: معرفة عدو الإنسان، وهو الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
فلكي تكون من جنود الرحمن، لابد أن تعرف عدوك وهو الشيطان، لتتقيه وتحذره: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
стр. 2188
الأمر الخامس: معرفة النفس البشرية ماذا يريد الله منها، وماذا تريد هي من الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
الأمر السادس: معرفة الدنيا التي نعيش فيها، ماذا يجب علينا أن نعمل فيها؟
والدنيا الذي خلقها الله قد أخبر عنها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥].
والعمل المطلوب فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الأمر السابع: معرفة الآخرة التي سوف نصير إليها، فالدنيا دار الإيمان والعمل والآخرة دار الثواب والعقاب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]
التفكر في عظمة رحمة الرب ﷻ :
أنزل الله الرحمن الرحيم برحمته إلى أهل الأرض الماء والوحي، فأنزل الله الماء من السماء، ليحيي به الأرض بعد موتها، وينبت فيها النباتات والزروع والأشجار، ويسقي به الإنسان والحيوان: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٩ - ١١].
стр. 2189
وأنزل الله الوحي وهو القرآن على قلوب البشر، لتحيا به قلوب البشر، وتثمر أحسن الثمرات من الإيمان بالله، والتقوى، والخشية، وطاعة الله ورسوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ الشَّيَاطِينَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فإذا أصاب ماء السماء أرضًا طيبة أثر فيها، فأنبتت الزروع والحبوب والأشجار والثمار، وصارت ترفل في حُلل زينتها، وإذا نزل ذلك الماء على أرض سبخة خبيثة لا تقبل النبات كلما ازداد نزول المطر عليها ازدادت خُبثًا، فلا تُمسك ماءً عذبًا يُشرب منه، ولا تنبت مرعى يرتع فيه، ولا ثمارًا ولا زروعاً تؤكل، فقلب المؤمن بالقرآن يثمر كل خير كالأرض الطيبة، تثمر بالماء من كل زوجٍ بهيج: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]
وقلب الكافر كالأرض السبخة، القرآن لا يزيده إلا كفرًا وطغيانًا، كالأرض السبخة لا يزيدها الماء إلا بللًا وملوحة: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨].
فقلوب البشر بالنسبة إلى علوم القرآن ثلاثة أنواع:
الأول: قلبٌ كالأرض الطيبة، يثمر فيه القرآن ومواعظه كل خيرٍ، فيجمع بين العلم به، والعمل، وتعليم غيره، هذا أفضل الناس وخيرهم وأسعدهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
стр. 2190
(٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الثاني: قلبٌ حافظ كالأرض التي تمسك الماء عذبًا، فهي أجادب ليس فيها مرعى، ولكن فيها منافع تمسك الماء، فيأتي الناس إليها، فمنهم من يشرب، ومنهم من يسقي مواشيه، ومنهم من يسقي زرعه وبستانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧].
وهذه الطائفة التي حفظت عن رسول الله ﷺ العلم الذي جاء به من القرآن والسنة الصحيحة في أبواب الفقه المختلفة، فيرويه عنهم العلماء والفقهاء الذين يفهمون معانيه وأسراره، ويستنبطون منه الأحكام: قال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (١).
الثالث: قلبٌ كالأرض السبخة، لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، وهى قلوب الكفار والمنافقين كلما سمعوا القرآن زادهم طغيانًا وكفرًا.
قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال النبي ﷺ : «مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كَمثل غيث أصَاب أَرضًا فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَة طيبَة قبلت المَاء فأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير وَكَانَ مِنْهَا أجادب امسكت المَاء فنفع الله تَعَالَى بهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا وَأصَاب طَائِفَة مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قيعان لَا تمسك مَاء وَلَا تنْبت
стр. 2191
كلأ فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى، ونفعه مَا بَعَثَنِي الله تَعَالَى بِهِ فَعلم وَعلم وَمثل من لم يرفع بذلك رأسًا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ» متفق عليه (١).
والله هو الغني وحده عن جميع خلقه، وجميع خلقه مفتقرون إليه، فهو خالقهم ورازقهم ومالكهم: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦].
يأمر ﷻ خلقه وينهاهم، لا لينتفع بطاعاتهم، ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو سبحانه الغني لذاته، الغني الغنى المطلق، وكل ما سواه فقير إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والله ﵎ هو الرب الرحمن الرحيم المالك لجميع أنواع الرحمة الذي يملك خزائن الرحمة في الدنيا والآخرة، الذي رحم عباده بإنزال الغيث، وإنبات النبات، وسوق الأرزاق، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وما يفتحه الله للناس من أنواع الرحمة لا يقدر أحد أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من أنواع الرحمة فلا يقدر أحدٌ أن يرسله إليهم: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
стр. 2192
وهو الكريم الذي يجود برحمته على من أطاعه وعصاه؛ لأنه الكريم الذي يملك خزائن كل شيء، القوي العزيز الذي لا يبالي بمن أعرض عنه وعصاه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨].
والله هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، ورحمة الله تتجلى على الخلائق عامة، وعلى الإنسان خاصة.
تتجلى ابتداءً في وجود البشر أنفسهم وفي نشأتهم من حيث لا يعلمون، وفي تكريم الإنسان على كثيرٍ من العالمين.
وتتجلى في تسخير ما في هذا الكون العظيم من النعم، والطاقات، والقوى، والأرزاق، والمياه، والهواء، وغير ذلك مما يتقلب فيه الإنسان كل لحظة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وتتجلى رحمة الله الواسعة في تعليم الإنسان ما لم يعلم مما يحتاجه في حياته: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥].
стр. 2193
وتتجلى رحمة الله كذلك في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى كلما نسي وضل، وأخذه بالحلم كلما لج في الضلالة والجهالة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
وتتجلى رحمته كذلك في مجازاته العبد على السيئة بمثلها، وبمجازاته على الحسنه بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، ومحو السيئة بالحسنة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وتتجلى في تجاوز الله عن سيئات العباد إذا عملوها بجهالة ثم تابوا، وبكتابة الرحمة على نفسه، كما قال سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].
وكتب سبحانه كتاباً عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي.
والله ﷻ هو الرحمن الرحيم، وقد وسعت رحمته كل شيء، واستوي على أكبر المخلوقات، وأعظمها، وأوسعها، وهو العرش العظيم بأوسع الصفات وهي صفة الرحمة، فقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وقد أنزل الله في القرآن سوره كاملة باسمه الرحمن ومطلعها: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
والبيان ثلاثة أنواع:
١ - البيان النطقي باللسان.
٢ - البيان الإشاري بحركة الرأس أو اليد أو العين.
стр. 2194
٣ - البيان الكتابي بالقلم.
وفي هذه السورة معرضٌ لآلاء الرحمن، ومخلوقاته العظيمة، ومظاهر رحمته التي تبلغ كل عقل، وكل سمع، وكل بصر، وتملأ فضاء السماوات والأرض.
ويبدأ معرض الآلاء بتعلم القرآن بوصفه المنة الكبرى على الإنسان تسبق في الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه، البيان.
فهذا القرآن العظيم نعمة كبرى، بل هو النعمة الكبرى على البشرية كلها تتجلى فيه رحمة الرحمن بالإنسان، وآلاء الله ومخلوقاته، وهو منهج الله للبشرية الذي يصلهم بربهم، وينظم أحوالهم ومعيشتهم وفق أمر ربهم، ويفتح عقولهم، وحواسهم، ومشاعرهم، على هذا الكون العظيم الجميل، ومبدعه الذي شمل خلقه برحمته الواسعة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
стр. 2195
١٠ - الخزانة العاشرة
• التفكر في عظمة رحمة الرب ﷻ :
من رحمة الله أن خلق السموات والأرض دالة على عظمته، وشاهدة بوحدانيته، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
ومن رحمته أنه ملأ ما بين السموات والأرض بالشمس والقمر، والنجوم والكواكب، وملأ هذا الكون العظيم بالنور الذي يتمثل في طلوع الشمس نهاراً، وفى طلوع القمر والنجوم ليلاً.
ومن رحمته ﷻ أن ملأ الكون بأنواع رحمته، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
ومن كمال رحمته سبحانه بعباده أنه ملأ سماواته من ملائكته الذين يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لأهل الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في التسبيح بحمده سبحانه، وفى الدعاء لعباده المؤمنين، والاستغفار لهم، ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة لهم عند ربهم أن يدخلهم الجنة، كما قال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
стр. 2196
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].
فما أعظم هذه العناية العظيمة من الرب العظيم ﷻ بعباده المؤمنين، وما أحسن هذا الإحسان من المولى الكريم وما أعظم هذه الرحمة من الرحمن الرحيم، وما أجمل هذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد وحسن التلطف بهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
ألا ما أعظم رحمة الله بعبادة، ومع خلقهم، وتأمين أقواتهم، وقسمة أرزاقهم، خلق سبحانه ملائكة يدعون لهم، ويستغفرون لهم، ويشفعون لهم عند ربهم، ومع هذا كله أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، وإنعامه وإحسانه، ليدعوه بها ويسألوه بموجبها.
ومع هذا كُله ينزل سبحانه كل ليلة إلى سماء الدنيا، إكرامًا للمؤمنين، واحتفاءً بهم ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله.
قال النبي ﷺ قال الله تعالى: «ينزل الله ﵎ كل لَيْلَة حِين يبقي ثلث اللَّيْل الآخر إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا من يدعوني فأستجب لَهُ من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ من يسألني فَأعْطِيه» متفق عليه (١).
والله إنما يرسل رسله رحمة بالعباد، فهو الغنى عنهم، وعن إيمانهم وعن طاعتهم، وعبادتهم له، وإذا أحسنوا وامنوا إنما يحسنون لأنفسهم في
стр. 2197
الدنيا والآخرة، والناس باقون برحمة الله ومشيئته وأمرهم كلهم جميعًا بيده سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧].
إن معرفة العبد لرحمة الله الشاملة لعباده يسكب في القلب الطمأنينة إلى ربه، لا في حال السراء والنعماء فحسب، بل وهو يمر بفترات الابتلاء والضراء والبأساء التي تزوغ فيها القلوب والأبصار، فهو يستيقن أن ﵀ وراء كل لمحه، وكل حالة، وكل وضع، وكل تصرف: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
والله هو الرحمن الرحيم وحده لا شريك له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وكل رحمة منه، وكل نعمة منه، ورحمته أكمل من رحمة غيره، ورحمة غيره إنما جاءت منه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فكل أحد غير الله إنما يعطي غيره خيره ليأخذ عوضاً، فيعطي المال لطلب الخدمة، أو طلب الثناء، أو طلب الثواب، أو طلب الجاه.
والجود والعطاء والإحسان المطلق إفادة ما ينبغي لا لعوض، وليس ذلك إلا لله الحق، الغني عن كل ما سواه، المُنعم والرحمن الرحيم وحده لا شريك له: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
стр. 2198
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فإذا حصلت الرحمة من غير الله فهي من الله إلا أن رحمة الله أكمل وأعظم؛ لأن في إنعام الخلق على الخلق منة، فإنعام الخلق على الخلق يوجب علو حال المنعم على المنعم عليه، والتواضع لله أكمل، وعبودية الله أولى من عبودية غير الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وإذا أنعم الله على الإنسان بنعمة في الدنيا طلب منه عملاً صالحاً يوصله إلى نعيم الآخرة، ليسعد في الدنيا والآخرة، وغير الله إذا أنعم على الإنسان بنعمة أمره بالاشتغال بخدمته، والإنعام يوجب المنة، وقبول المنة من الحق أفضل من قبولها من الخلق: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
ورحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه:
ذلك أن نعيم الدنيا إنما يحصل بالمال، وحصول المال لابد له من تعب وجُهد، وإذا حصل من دون تعب، فلعله يموت العبد قبل الغد، وهب أنه بقي الإنسان إلى الغد فلعل المال لا يبقى إلى الغد، وهب أن المال بقي إلى الغد، والإنسان بقي إلى الغد، لكن لعله يحدث حادث يمنع من الانتفاع بالمال من مرضٍ أو ألمٍ أو ابتلاء أو غيرها.
وهب أنه لم يحصل له حادث ولا ابتلاء، فإن لذات الدنيا مشوبة بالآلام والأحزان والأكدار، وهب أن تلك المنافع حصلت خالصة عن الشوائب فإنها لا تدوم، بل تنقطع وتفنى، وكلما كانت اللذة أقوي وأكمل كان
стр. 2199
التأسف والتحسر عند فواتها وفقدها أشد وأعظم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وهب أنها بقيت تلك المنافع مع الإنسان حتى مات، فإن لذات الدنيا حسية يشاركه فيها الإنسان والحيوان والكفار، أما اللذات الأخرى، لذات الآخرة فهي حسية وروحيه تتمثل بدخول الجنة، ورؤية الرب، ورضوانه، والابتهاج بكل ذلك: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
فالدين و الجنة ورحمة الله ومغفرته خير من الدنيا بلا دين: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وشهوات الدنيا مُعَجلة تعقبها الحسرة، والطاعات تعقبها الطمأنينة والسرور، ويظهر ذلك جلياً بعد الموت: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران: ١٥٧ - ١٥٨].
والذي خلق هذه الدنيا وما فيها من اللذات والشهوات، هو الذي أخبر عنها، وأمرنا باجتنابها، وأمرنا بالاشتغال بعبادة الله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].
стр. 2200
فهذه الدنيا جسد وروحها الدين ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
التفكر في سعة رحمة الله:
رحمة الله وسعت كل شيء فهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
ورحمة الله نوعان:
الأولى: رحمة عامة لجميع الخلائق.
الثانية: رحمة خاصة بالمؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وهو أرحم بخلقة من الأم بولدها، ورحمته سبحانه سبقت غضبه، وحب الله لخلقه أعظم من حب الأم لأولادها، وعدل الله وغضبه له نهاية؛ لأنه ينتهي بحساب الخلائق والقصاص منهم يوم القيامة.
والغضب مغلوب برحمة الله، كما قال في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» متفق عليه (١).
أما فضله ﷻ وإحسانه وعفوه ورحمته فلا نهاية له؛ لأن ذلك من لوازم ذاته، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة،
стр. 2201
فبعد حساب الخلائق يوم القيامة والقِصاص، تدرك الناس رحمة الله ؛ لأنها زالت ذنوبهم بالعقوبة، وعادوا إلى الفطرة التي خلقهم الله عليها.
وأعظم صفات الرب:
الرحمة التي استولى على عرشه الكريم بها، لأنه يريد أن يرحم عباده مهما كانت ذنوبهم إذا انكسروا بين يديه، وتابوا إليه، وتضرعوا إليه، وهو الرحمن الرحيم الذي حمد نفسه، لأنه الرحمن الرحيم فقال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
والله يرحم عباده في الدنيا وهم على معاصيهم برحمة واحدة، فكيف في الآخرة إذا ﵏ بمائة رحمة، كم تكون سعة رحمة الله ، فإن الله خلق مائة رحمة، وأنزل منها واحدة في الدنيا، ويوم القيامة تضاف هذه الرحمة إلى تلك الرحمات فيرحم الله بها عباده.
وأسعد الناس بهذه الرحمة الأنبياء والرسل والمؤمنون، وأسبقهم وأفضلهم في الاتصاف بها محمداً ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وأوذي فِي اللَّهِ ما لم يؤذي أحد، فكم أذله كفار مكة، وكم شتموه، وكم سبوه، فما انتقم منهم يوم قدر عليهم عام الفتح بل عفا عنهم: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
стр. 2202
ورحمة الله لا بداية لها ولا نهاية، ولا أول لها ولا آخر: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فكل رحمة في هذا الكون، في الدنيا والآخرة، فهي من الله الرحمن الرحيم، الذي كل ما سواه فمن جوده وكرمه، وإحسانه ورحمته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
ورحمة الله بعبادة أنواع كثيرة:
فأولها: ما يحصل في قلب الإنسان من التوحيد والإيمان، ومعرفة الله التي فطر الناس عليها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وثانيها: ما يحصل في جوارح الإنسان وأعضائه من نور العبودية والطاعة والاستقامة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وثالثها: ما يحصل للعبد في الدنيا من سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية والطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 2203
ورابعها: ما يحصل عند الموت من سهولة سكرات الموت، وما يحصل في القبر من سهولة السؤال، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠].
وخامسها: ما يحصل في القيامة من سهولة الحساب، وغفران السيئات، وترجيح الحسنات، فالمؤمن يُحاسب حساباً يسيرًا، والكافر يحاسب حساباً عسيراً: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٦ - ١٢].
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
стр. 2204
١٣ - خزائن التقوى
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
стр. 2205
١٣ - خزائن التقوى
١ - الخزانة الأولى
التقوى: ألا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك مبتغيًا بذلك وجه الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وتجتنب معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
التقوى: أن تجعل بينك وبين صفات جلال الله وقاية، فإن لم تفعل في مقام افعل، وفعلت في مقام لا تفعل بمعنى تركت الأوامر الشرعية، وفعلت المناهي الشرعية، فستأخذ صفة الجلال لله منك حقها بعزة الربوبية، والمُلك، والقدرة، والقهر، والجبروت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
قال الله ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
قال الله ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
فهذه صفات الجلال تأخذ ممن خالف أمر الله حق الله منه، وإن فعلت في مقام افعل، وتركت في مقام لا تفعل، فستعطيك صفة الجمال ثواب ذلك
стр. 2206
العمل من الكريم المحسن، الرحمن الرحيم، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والله سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فلابد للعبد أن يعرف أسماء الله الحسنى؛ ليعرف صفات الجلال، وصفات الجمال، وصفات الجلال تجعل العبد يخاف من عقوبة الله ، فيتقيه بفعل أمره، واجتناب نهيه، وصفات الجمال ترغب الإنسان في طاعة الله، ومن أطاع الله أكرمه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وقد ورد لفظ التقوى في القرآن في مواطن، فقد أمرنا الله بتقواه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وأمرنا سبحانه باتقاء يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
وأمرنا باتقاء النار بقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ آل [آل عمران: ١٣١].
стр. 2207
واتقاء هذه الأمور الثلاثة من تقوى الله ، وأمرنا كذلك باتقاء الفتن بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٢٥].
واتقاء هذه الأمور الثلاثة الأخيرة من تقوى الله .
• والله سبحانه أنعم على عباده بلباسين:
الأول: لباس حسي يستر العورة، ويقي أذى الحر والبرد، ويتجمل به الإنسان.
الثاني: لباس التقوى، وهو الإيمان وفعل الطاعات واجتناب المعاصي، وهذا اللباس أعظم اللباسين؛ لأنه يقي الإنسان من فضوح الدنيا والآخرة، وفضوح الآخرة شرًا من فضوح الدنيا، والأول يقي الإنسان ويستر عورته الحسية في الدنيا، وهو مطلوب شرعًا: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وخير زادِ في الدنيا والآخرة هو التقوى، ومن أراد الحج فعليه أن يتزود من التقوى بما يعفه عن السؤال والاستشراف، والنهب والغصب والسرقة: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وهذا لأجل أن تخلص الذلة، والافتقار لله وحده: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 2208
وقال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية.
• وهذه الوقاية مركبة من شيئين هما:
امتثال أوامر الله ورسوله .. واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله.
قال الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
فمن أحب أن يكون أكرم الناس؛ فليتقي الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
ومن أحب أن يكون أقوى الناس؛ فليتوكل على الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٣].
ومن أحب أن يكون أغنى الناس؛ فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
ومقام التقوى مقامٌ شريفًا عظيم، قد أمرنا الله به؛ لنشرف في الدنيا والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
стр. 2209
والله مع المتقين ينصرهم، ويؤيدهم ويحفظهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
والله يحب المتقين: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦].
وقال الله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
فالتقوى أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك، ولا تختار على الله سوى الله، والتقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة، وتزيين سرك للحق، كما زينت ظاهرك للخلق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
والتقوى هي الاستقامة على التوحيد والإيمان، والاستقامة على الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
стр. 2210
وعمر الإنسان هو وقته، والوقت مُركب من ثلاثة أمور:
o الماضي
o والحاضر
o والمستقبل.
فما مضى من العمر في الذنوب والمعاصي إصلاحه بالتوبة والاستغفار: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال الله : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
وما يستقبل من العمر إصلاحه بالامتناع عن الذنوب والمعاصي: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وإصلاح هذا وهذا من عمل القلب، وليس فيه للجوارح نصب ولا تعب: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
ولكن الشأن كل الشأن في الوقت الحاضر، الذي حفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده، فإن حفظته بالإيمان والتقوى مع حفظ ما قبله وما بعده ظفرت بسعادة الأبد: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].