← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

فربنا هو الخلاق العليم الحكيم في خلقه وتدبيره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. خلق سبحانه القمر وجعله للتوقيت الشهري، وخلق الشمس وجعلها للتوقيت اليومي، وبها يتبين الليل من النهار، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، وجعل سبحانه في طلوع القمر مصالح، وفي غروبه مصالح، ففي طلوعه نفعٌ لمن ضل الطريق، وفي غروبه نفعٌ لمن هرب من عدو. قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠]. فسبحان من خلق القمر وصوره ونوره، وعلي البروج دوره، وإذا شاء نوره، وإذا شاء كوره، وخلق سبحانه الشمس، وملأها بالنور والحرارة، ففي طلوعها مصالح للإنسان والحيوان والنبات، وفي غروبها مصالح من سكون الخلائق، وهدوئها واستعدادها لعمل جديد في يوم جديد: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧]. أما النجوم فقد خلقها الله لثلاث: o علامات يهتدي بها o ورجومًا للشياطين o وزينة للسماء.

стр. 2137

وهي أقسام: غاربة لا تطلع كالكواكب الجنوبية، وطالعة لا تغرب كالكواكب الشمالية، ومنها ما يغرب تارة، ويطلع أخرى، ومنها ثوابت، ومنها سيارات، ومنها بيضاء، ومنها حمراء، ومنها كبير، ومنها صغير. فسبحان الخلاق العليم الذي خلقها لحكمه ونفع عباده: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١٢]. والله خلق السموات، وملأها بمن خلقهم من نور، وهم الملائكة، فهي مكان الطاعات التي كلها نور، فليس في السماء موضع قدم فيه معصية، بل كل العالم العلوي طاعات، وكله نور. وخلق سبحانه الأرض وملأها بكل ما يحتاجه الإنسان والحيوان، وأسكن فيها آدم ﷺ وذريته الذين خلقهم الله منها، وجعلهم خلفاء فيها. فهي أمهم التي فيها جميع حوائجهم: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]. فالأرض مائدة مفتوحة لآدم وذريته، فيها أنواع الأشجار والثمار والحبوب، والمعادن واللباس والمياه وغيرها من النعم التي لا تُعد ولا تحصى. فهذه النعم العظيمة جعلها الله للإنسان في الأرض، مع أن الدنيا سجن المؤمن فكيف الحال في الجنة التي فيها ما لا عينُ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ

стр. 2138

السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. والأرض هي أم الإنسان الكبرى، ومواليدها تزيد على أربعين مليون من المواليد، من أنواع الأشجار والنباتات التي لا يحصيها إلا الله. فالأرض أم الإنسان الكبرى، وهي أشفق من الأم الآدمية؛ لأن الأرض تطعمك بأمر الله من ألوان الطعام، وتسقيك من أنواع الشراب، والأم إنما تسقيك لوناً واحداً هو الحليب: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٧ - ٨]. وإكراماً لهذا الإنسان سيعيده الله إليها إذا مات، فهي أمه التي خُلق منها، ثم يخرجها منها إلى دار القرار في الجنة إن كان مؤمناً، وإلى النار إن كان كافرًا: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥]. والله سبحانه لما خلق السماء والأرض جعل بينهما ما يشبه عقد النكاح، بإنزال الماء من السماء على الأرض، ليخرج به من بطن الأرض أنواع المواليد من الحبوب والثمار والأشجار والنبات التي جعلها الله رزقًا لبني آدم: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧] فهذه حكمة إنزال الماء، وإظهار الثمرات، أن نعرف هذه الأمور الخمسة التي ذكرها الله، والله قادرًا على خلق هذه الثمار بدون وسائط ولا تعب؛

стр. 2139

ولكن الله يريد بذلك تنبيه الناس إلى أنهم إذا تحملوا المشاق في الحرث والغرس والبناء من أجل تحصيل المصالح الدنيوية، فلأن يتحملوا أقل المشاق لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم وأولى، كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦]. والله قادراً على خلق الشفاء من دون الدواء، بل قادرٌ على أن يسلم الإنسان فلا يمرض أبداً، لكنه أجرى العادة بتوقيفه عليه رحمة بالإنسان وتنبيهاً له؛ بأن يتحمل مرارة الدواء دفعاً للضرر والمرض الذي يصيب البدن، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب أولى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]. فللدنيا حرث، وللأخرة حرث، والعاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، والكل من عطاء الله وحده: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].

стр. 2140

٤ - الخزانة الرابعة • التفكر في عظمة خلق الخالق ﷻ : قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه البشرية كلها من نفسٍ واحدة، وخلق هذه الأرحام التي تدفع، وهذه المواليد التي تتابع، والقبور التي تبلع. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] وهو سبحانه خالق هذه الشمس الجارية، وهذا القمر الساري، والكواكب المبثوثة، والنباتات المختلفة، والزروع المتنوعة، والبحار المسجرة، والأنهار الجارية، والجبال الراسية، فمن هذا خلقة ومن هذه قدرته، ومن هذه عظمته ومن هذا ملكه، أيحتاج إلى البشر، أو إلى عبادة البشر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. أنتم الفقراء إلى الله في خلقكم، وفي إمدادكم بالأرزاق، وفي إنزال المنهج الذي تسيرون عليه، أنتم الفقراء إلى الله في الهواء الذي تتنفسون منه، والماء الذي تشربون، والطعام الذي تأكلون.

стр. 2141

فهذا الرب العظيم الخلاق العليم، القادر على كل شيء، الغني عن كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد، أيليق بالعاقل أن يشرك به ويعبد معه غيره: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢]. وقال الله ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. إن هذه المخلوقات العظيمة، والآيات العجيبة، في هذا الكون العظيم، هي التي تلمس الحس، وتوقظ القلب، لو تفتح وتدبرها تدبر الواعي المدرك: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. إن الله هو الذي خلق هذه المخلوقات ودبرها، فهو الذي يليق أن يكون رباً يدين له البشر بالعبودية ولا يشركون به شيئًا من خلقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. إن القرآن الكريم يَعمد مباشرة إلى إيقاظ القلوب والعقول لتدبر ما في هذا الكون من العجائب والآيات، والبصائر والعبر: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].

стр. 2142

وقال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. إن هذه المخلوقات العظيمة الواسعة في العالم العلوي والعالم السفلي من الصور والأشكال، والحركات والأحوال والمجيء والرواح، والبقاء والفناء والحياة والموت، والذبول والنماء، والشروق والغروب، والحركة الدائبة في هذا الكون الواسع العظيم التي لا تسكن ولا تتوقف لحظه من ليل أو نهار، إن هذا كله ليستجيش كل خالجة في قلب الإنسان للتدبر والتأمل والتفكر: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٢]. فمتى يستيقظ القلب، ويتفتح لمشاهدة الآيات العظام المبثوثة في ظواهر الكون العظيم، وحناياه الواسعة: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا

стр. 2143

(١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ: ١ - ١٧]. وقال الله : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]. وقال الله : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. • التفكر والتدبر في خلق المخلوقات: إن الإنسان الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، هذا الإنسان الذي كرمه الله بأنواع الكرامات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. هذا الإنسان لو وقف لحظه واحدة يرقب ما خلق الله في السموات والأرض من العوالم وأنواع المخلوقات، ويستعرض هذه المخلوقات العظيمة التي لا تُحصى من الأنواع، والأجناس، والهيئات، والأحوال، والأوضاع، والأشكال، لو وقف لحظة واحدة لامتلأ قلبه بالإيمان بالله، وفاض بما يغنيه في حياته كلها، ويشغله بالتدبر والتفكر والتأثر ما عاش: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٦ - ١١].

стр. 2144

ولا يدرك هذه المعاني إلا أهل الإيمان والتقوى، التقوى التي تجعل القلوب سريعة التأثر، سريعة الاستجابة لخالق هذه المخلوقات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. إن الله العليم بما خلق، يخاطب الفطرة البشرية بآيات الله الكونية المبثوثة حول الإنسان في هذا الكون العظيم، والتي يعلم سبحانه أن بينها وبين فطرة الكائن البشري لغة مفهومه، وإيحاءات مسموعة، تؤدي إلى الإيمان بالله وعبادته، وهذه من أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعًا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. أما الجدل فإنه لا يصل إلى القلب، ولا يتجاوز منطقة الذهن الباردة التي لا تدفع إلى حركة نافعة، ولا تؤدي إلى بناء حياة طيبة، ولا تزال دلالة وجود الكون ذاته، ثم حركته المنتظمة، وكثرة أنواعه وأجناسه، تحاصر الهاربين من الله هنا وهناك وتردهم إليه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٥١]. والفطرة البشرية بجملتها قلباً وعقلاً، وحساً ووجداناً، تواجه هذه الدلالة، وتستجيب لها، وتتأثر بها، وتدرك أن خالق هذا الكون هو الحق، وأن ما شرعه هو الحق، وأن وعده هو الحق: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ

стр. 2145

الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. والفطرة البشرية بينها وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية، تسمع لهذا الكون، وتعقل عنه. إن النظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات الإيمانية، وزاد من الاستجابات والتأثرات، وزاد من سعة الشعور بالوجود، وزاد من التعاطف مع هذا الوجود، وذلك كله يملأ القلب بالإيمان، ويوحي إليه بوجود الله، وبجلال الله، وتدبير الله، وبحكمة الله وبعلم الله وبرحمته: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤]. إن غذاء القلوب يكون بسبعة أشياء، وكلها مذكورة في القرآن الكريم: معرفة الله، ومعرفة أسمائه الحسنى، ومعرفه صفاته العلى، ومعرفه أفعاله الحميدة، ومعرفه خزائنه العظمى، ومعرفه وعده بالثواب لمن آمن به، ومعرفه وعيده بالعقاب لمن كفر به. فمن تغذى قلبه بهذه الأغذية العظيمة آمن بالله، وعبده وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. ويتم ذلك بالنظر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية.

стр. 2146

فإذا كان الإنسان مهتدياً بنور الله إلى جوار هذه المعارف العلمية والنظرية عن هذا الكون، زادته هذه المعارف من الزاد الذي يحصل من التأمل في هذا الكون العظيم، والأنس به، والاشتراك معه في تسبيحه بحمد الله، ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد الله إلا الموصول قلبه بالله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١] وأما إن كانت هذه المعارف العلمية غير موصولة بالله، وغير مصحوبة ببشاشة الإيمان ونوره، فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من الشقوة والبعد عن الله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. فهذه العلوم والمعارف المقطوعة عن الله، تقود الإنسان إلى الشقاء، إلى مزيد من النكد والحياة الضنك، والبعد عن الله، والحرمان من بشاشة الإيمان، وفقد الأنس بالله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وماذا تُجدي الآيات والنذر إذ استغلقت القلوب، وتجمدت العقول، وتعطلت أجهزه الاستقبال والتلقي في الفطرة، واحتجب الإنسان بحُجب تمنعه من رؤية عظمة العظيم، وكبرياء الكبير، وخلق الخلاق العليم، فلم يسمع، ولم يبصر، ولم يتدبر: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. إن كتاب الله المفتوح لكل أحد مملوءٌ بالتعريف بعظمه الرب سبحانه، فقد جعل الله هذا الكون العظيم معرضاً جميلاً واسعاً، تتجلى فيه عظمة الخالق، وعظمة أسمائه وصفاته، وعظمة أفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه

стр. 2147

وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة مخلوقاته، في معرض كوني كبيراً مفتوح طول الحياة لعموم البشرية يتجولون فيه، فيزيد إيمانهم، وتقوى عبادتهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. فلا يُحرم من النظر إلى ذلك وتأمله من إلا محروم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. إن الفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين، وإلى الاعتقاد بإله، وحين تصح وتستقيم وتؤمن تجد في أعماقها اتجاهًا إلى الله الواحد الأحد، وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد العظيم، وذلك مركوزاً في الفطر، يوقظه ويحيه ويزيده النظر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية، ووظيفة العقيدة الصحيحة ليست إنشاء الشعور بالحاجة إلى إله والتوجه إليه، فإن هذا مركوزاً في الفطر، كما قال سبحانه: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]

стр. 2148

بل وظيفة الإيمان هي تصحيح تصور الإنسان لإله عظيم واحدٍ أحد، غني عن كل أحد، يحتاج إليه كل أحد. وتعريف هذا الإنسان بالإله الحق الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، وتعريفه بأسمائه وصفاته وأفعاله، لا تعريفه بوجوده وإثباته، فلا شك في وجوده بل وجوده أظهر من أن يُستدل عليه بدليل، فهو أبين من كل بين، فهو الحق المبين الذي لا أبين منه. ثم تعريف العبد بمقتضيات الألوهية في حياته من شعائر تصله بمعبوده، ومن شرائع تنظم منهج حياته مع الخلق، ومن أخلاقٍ تزين وتجمل حياته، ومن لم ينسجم إذا أطاع مع الكون في الطاعة والعبادة فقد ضل سواء السبيل : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. والشك في حقيقة وجود الله أو إنكاره هو بذاته دليلُ قاطع على اختلال بين في عقل الإنسان، وعلى تعطل أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية فيه، ولذلك إنكار الرب قليلُ في العباد: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] أيوجد خلقٍ بدون خالق، أيوجد كون بدون مكون، أتوجد صور بدون مصور، أتوجد أرزاقٌ بدون رازق: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 2149

وإذا تعطلت أجهزه الاستقبال والتفكر، والتأمل والاستجابة، في الإنسان، فلا سبيل إلى قلبه وعقله، لإقناعه بالجدل والمناظرة، إنما يكون السبيل إلى علاجه، هو محاولة تنبيه أجهزه الاستقبال والاستجابة فيه، واستجاشة كوامل الفطرة في كيانه، لعلها تتحرك وتسلك الصراط المستقيم، وتهتدي إلى ربها الخلاق العليم. إن لفت الحس والقلب والعقل إلى ما في السماوات والأرض من آيات ومخلوقات، وسيلة من أكبر وأعظم الوسائل لاستحياء القلب الإنساني الميت، لعله ينبض ويتحرك، ويتلقى ويستجيب. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].

стр. 2150

٥ - الخزانة الخامسة • التفكر في عظمة قدرة الله ﷻ : إن الله خلق الإنسان، واختار له الدين الذي يَسعد به في الدنيا والآخرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وأعداء هذا الدين شغلوا البشرية عامة، والمسلمين خاصة بالعلم الإنساني عن العلم الإلهي، وشغلوهم بالاشتغال بالشهوات والمصنوعات عن عبادة رب الأرض والسموات، وصرفوهم عن النظر في الآيات الكونية والآيات الشرعية إلى النظر في المصنوعات البشرية، وشغلوهم عن صُحف القرآن بالصُحف الهزيلة، وشغلوا أوقاتهم بكل مخزٍ وتافه، وقبيح وضار: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩] فأعداء الإسلام صرفوا اهتمام المسلمين من الآخرة إلى الدنيا بجمع الأموال والإسراف في الشهوات، والعبث بالأوقات حسداً وبغياً: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥]. وحَشر الأعداء البشرية كلها في هذه الميادين المسمومة، فأنى يجدوا العافية؟ إن آيات الله العظيمة في الكون، وعجائبه في المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، وآلاءه ونعمه على الناس، تخاطب كل حاسة في الإنسان، وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما

стр. 2151

تتجه إلى الوجدان الحساس، إنها تخاطب العين لترى ما في ملكوت السماوات والأرض، وتخاطب الأذن لتسمع آيات الله المنزلة، وتخاطب الحواس لتستشعر ما في عظمة المخلوقات وسعه رحمة الله : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وتخاطب القلب ليتأثر، والعقل ليتدبر جلال الله، وعظمته، وعلمه، وحكمته، وقوته، وقدرته، وفضله، وعدله، ولطفه ورحمته، ومن ثَم يعرف العبد من يعبد، ومن يطيع: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. إن آيات الله الكونية العظيمة منتشرة في الكون كله في العالم العلوي والعالم السفلي، وما في الآخرة أعظم وأكبر، وما في عالم الغيب أعظم وأكبر، فهذه الآيات الكونية المنتشرة في الكون كله سماواته وأرضه، وشمسه وقمره وليله ونهاره، وجباله، وبحاره، وفجاجه وأنهاره، وظلاله وأكنانه، ونبته وثماره، وحيوانه وأطياره، وانسه وجنه، فهل من متدبر، وهل من متفكر؟. قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].

стр. 2152

وآيات الله الشرعية تكشف للإنسان دنياه وآخرته، وأسرار هذا الكون وغيوبه، وما ينفع الإنسان وما يضره، وما يصلحه وما يُفسده، وما يحب ربه وما يُبغضه، وما يرضيه وما يُسخطه، ويبين أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ومخلوقاته، ووعده ووعيده، فهل من متفكر وهل من متدبر؟. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. إن الآيات الكونية، والآيات الشرعية مُنبه عظيم، ومذكر كبير، يوقظ الحواس والجوارح، وينبه العقول والقلوب للإيمان بالله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ [الصافات: ١٥٥]. إن آيات الخلق والإيجاد، وآيات النعم والإحسان، وآيات التدبير والتصريف، وآيات العزة والتمكين، وآيات البطش والانتقام، من أعظم الأدلة على الخالق العظيم سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فهل من خالقٍ غير الله يعبده الناس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣]. وهل يستوي من يخلق ومن لا يخلق: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ١٧ - ٢٠].

стр. 2153

أفيجوز أن يسوي الإنسان في حسه وتقديره بين من يخلق ذلك الخلق، كله، ومن لا يخلق لا كبيرًا ولا صغيرًا بل هو مخلوق مربوب مملوك: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ [الجاثية: ٧ - ٨]. والله ﵎ جعل في الماء حياة كل حي، ليحي به الأرض بعد موتها ومن عليها من الإنسان والحيوان والنبات: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وخير ما أنزل الله على عباده الوحي الذي به حياة الروح، ويليه الماء الذي به حياة الأجسام، ومن الناس من يقبل الوحي الإلهي، ومنهم من لا يقبله، كذلك الأرض منها ما يقبل الماء، ومنها ما لا يقبله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨]. وهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام بأمر الله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. أليس له خالق قدير: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. وهذه الأسراب من النحل ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها، وسخرها لجمع الرحيق من الأزهار والثمار، ليخرج من بطونها شرابٌ فيه شفاءُ للناس، كما أن في الوحي شفاءُ لأرواح الناس: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. فسبحان من سخر هذه الأمة العظيمة من النحل، لنفع البشرية بهذا الشراب اللذيذ وهو العسل: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ

стр. 2154

بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ [النحل: ٦٩]. والله مجد جُهد النحل، ولم يمجد النحل؛ لأن جُهد النحل يشبه جُهد الداعي إلى الله الذي يتلقى الوحي، ثم يبلغه للناس كما أمره ربه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فسبحان من أنزل الماء الذي به حياة النبات والإنسان والحيوان، وسبحان من أنزل الوحي الذي به شفاء القلوب وهداها. فمن هذا خلقه، ومن هذه قدرته، وهذه عظمته هو الرب الذي يستحق أن يُعبد، ويُشكر فلا يكفر، ويطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. والله سبحانه وحده هو الذي خلق البشر، وجعل لهم الأزواج والبنين، ورزقهم من الطيبات، فكيف يشركون به، وكيف يخالفون أمره وهذه النعم كلها منه ومن عطاءه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧٢]. فكيف لا يعبد الناس ربهم الذي خلقهم ورزقهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ [النحل: ٧٣]. وإنه لعجيبٌ حقاً، وعظيمٌ حقاً، أن ينحرف الناس إلى هذا الحد، ليتجهون بالعبادة والطاعة إلى ما لا يملك لهم رزقاً، وما هو بقادر في يوم من الأيام،

стр. 2155

ولا في حال من الأحوال، ويَدعون الله الخالق الرازق وآلاؤه ونعمه بين أيديهم في كل مكان لا يملكون إنكارها: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣]. فما أخطر الجهل، وما أعظم الجحود، وما أقبح الكذب: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. إن من أعظم المشاهد المتكررة في كل يوم، والتي خلقها الله لتدل على عظمه أسمائه وجميل صفاته، هذه المشاهد العظيمة من هذا السقف العظيم المرفوع، وهذا البحر المسجور، وهذه الأرض المبسوطة، وهذه الشمس المضيئة، وهذا القمر المنير، وهذا الإنسان المُكَرم، وهذا النبات المتكاثر، وهذه الكواكب المنتثرة، وهذه الثمار المتراكبة، وهذه الجبال الراسية، وهذه السهول الممتدة، وهذه الرياح العاصفة، هذا كله خلقُ الله الذي: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. هذه المشاهد العظيمة المنظورة المتكررة، قد ذهبت الألفة بما فيها من عجب ودليل على وجود الله العظيم الذي خلقها وأبقاها ﷻ : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 2156

فمشهد الطير في جو السماء مشهداً مكرور، قد ذهبت الإلفة بما فيه من عجب، وتحليقه في جو السماء آية عجيبة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل: ٧٩]. فسبحان من جعل الطير قادراً على الطيران، ومن جعل الجو من حوله مناسباً لهذا الطيران، ومن أمسك به طائرة في جو السماء، وهذا القمر المنير، وهذه الشمس المضيئة خلقها الله في هذا الفضاء العظيم: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]. فالتفكر في عظمه خلق السماوات والأرض، وما فيهما من العجائب والآيات، ينشأ منه توجيه القلب إلى الله، وإيقاظه لرؤية آلاء الله، وشهود رحمته وفضله، وتأمل بدائع صنعه في خلقه، وامتلاء الحس بهذه البدائع والعجائب، وفيضه بالتسبيح والحمد والتكبير لله العلي الكبير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. والله بديع السماوات والأرض، ومُنشئ هذه الخلائق الهائلة، السماوات والأرض، وإنها لمخلوقات عظيمة؛ لكن الإلفة قد أفقدتنا الجمال والجلال والروعة التي يحسها القلب، وهو ينظر إلى هذه البدائع للمرة الأولى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].

стр. 2157

ولا يحتاج القلب الواعي الموصول بالله إلى علم دقيق بمواقع النجوم في السماء، وأحجامها، وطرق سيرها، ليستشعر الروعة والرهبة أمام هذا الخلق الهائل العجيب من الخلاق العليم سبحانه، فحسبه إيقاع هذه المخلوقات على قلبه، حسبه مشهد النجوم المتناثرة في الليلة الظلماء، حسبه مشهد النور الفائض في الليلة القمراء، حسبه الفجر المنفجر كل يوم بالنور الموحى بالتنفس والانطلاق. حسبه الغروب الزاحف بالظلام الموحى بالوداع والانتهاء، حسبه الأرض وما فيها من النباتات المختلفة من النبات النامي، والنهر الجاري، والحَب المتراكب، وما فيها من مشاهد وحركات لا تنتهي ولا يستقصيها أهل الأرض ولو قضوا أعمارهم في السياحة والتفكر والتأمل: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢]. فلا إله إلا الله، ما أعظم مخلوقاته التي تدل خلقه عليه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩].

стр. 2158

٦ - الخزانة السادسة • التفكر في عظمة قدرة الله ﷻ : إن آيات الله في الكون كفيلة بتوجيه الناس إلى الإيمان بالله ، لو تدبروها، وتفكروا في خلقها، وجمالها وجلالها، وعظمتها ونموها وبقائها وحركتها ومنافعها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. فمن تأمل هذه الآيات العظيمة استيقظ قلبه، وتفتحت مغاليقه، وتوجه قلبه إلى تعظيم مُبدع هذا الكون العظيم: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]. والآيات المبثوثة في السماوات والأرض لا تقتصر على شيءٍ دون شيء، ولا على حال دون حال: فسبحان من بيده الخلق والأمر، والتدبير والتصريف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 2159

إن الإنسان حيثما مد بصره وجد آيات الله تطالعه في هذا الكون العجيب، ليعرف الخالق من المخلوق، والصور من المصور، والأرزاق من الرزاق، فهذه السماوات العظيمة بأجرامها آية، وإمساكها آية، وأفلاكها الهائلة العظيمة آية، ونثر هذه الكواكب والنجوم في هذا الفضاء العظيم الهائل آية، ودورة هذه الأجرام في أفلاكها في دقة وانسجام وانتظام آية، وآيات الله لا يحصيها إلا الله ﷻ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. وذلك كله لا تشبع العين من النظر إليه، ولا يشبع القلب من تمليه، ولا يشبع العقل من التفكر فيه، ولا يشبع اللسان من الكلام فيه، ولا تمل الأذن من سماعه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]. وهذه الأرض الواسعة العريضة آية، والبشر بالنسبة إليها كالذرة، وهي كالذرة بالنسبة للفضاء الذي يحيط بها، والله يمسكها أن تضطرب أو تزول، وكل شيء في الأرض آية، وكل حي آية، وفي كل جزء من كل شيء في السماء والأرض آية: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].

стр. 2160

والصغير الدقيق كالضخم الكبير آية، هذه الورقة الصغيرة، وهذه الثمرة اللذيذة في هذه الشجرة الضخمة أو النبتة الهزيلة آية، آية عظيمة في شكلها وحجمها، وآية في لونها وملمسها، وآية في وظيفتها وتركيبها، وآية في طعمها وحلاوتها، فهل ننظر ونتفكر في خلق هذا النبات المختلف الأنواع وما فيه من الآيات والعجائب، كما قال سبحانه: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩]. وهذه الشعرة في جسم الحيوان آية، وفي جسم الإنسان آية، وهذه الريشة في جناح الطائر آية، وحيثما مد الإنسان ببصره في الأرض أو في السماء تزاحمت الآيات أمامه، وأعلنت عن نفسها لقلبه وسمعه وبصره، تخبره أن الذي خلقها هو الخلاق العليم، الذي له مُلك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض. وهي تسبح بحمد ربها، وتشهد بوحدانيته، وتخضع لأمره: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. ولكن لمن تُعلن هذه الآيات عن نفسها، ومن الذي يراها ويستشعرها؟ إنهم المؤمنون الذين اتصلت قلوبهم بالله، فعرفوه بآياته ومخلوقاته، فالإيمان هو الذي يفتح القلوب لتلقي الأصداء والأضواء، ورؤية النعم والآلاء، والمخلوقات العظيمة. والإيمان هو الذي تُخالط بشاشته القلوب فتحيا وتستيقظ، وتلتقط ما يظهر به الكون من إيحاءات خفية وظاهرة تشير كلها إلى قدرة الخالق المبدع

стр. 2161

الذي خلق كل شيء، وأحسن خَلقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. ولكن بلادة الإلفة تذهب بروعة النظر والتأمل، والتدبر والتفكر، في هذا الكون العظيم، الكبير العجيب، الواسع الجميل، أين أهل العقول والألباب؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس: ٦٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ [السجدة: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ [الأنعام: ٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. فهذا الكون العظيم معرض عظيم متكرر، ثابت ومتغيرٌ، يدعو الإنسان إلى الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. فهذا الكون العظيم لا تشبع العين من تملي جماله وروعته، ولا يشبع القلب من تملي إيحاءاته وإيماءاته، ولا يشبع العقل من تدبر نظامه ودقته، والذي يتأمل هذا الكون بهذه العين، وبهذا العقل، يرى معرضاً إلهياً باهراً رائعاً، لا

стр. 2162

تَخلق بدائعه وعجائبه، لأنها أبداً متجددة للعين والقلب والعقل: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤]. والإنسان الذي يعرف شيئاً عن طبيعة هذا الكون ونظامه تدركه الدهشة والذهول، ويرى قدرة الجبار في الخلق والتصوير، والتحريك والتسكين، والتغيير والتبديل ومن نعمة الله على البشر أن أودعهم القدرة على التجاوب مع هذا الكون بمجرد النظر والتأمل: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. إن القرآن يكل الناس إلى النظر في هذا الكون المفتوح، وإلى تملي مشاهده وعجائبه، ذلك أن القرآن يخاطب الناس جميعاً على مختلف مستوياتهم العلمية والفكرية والعقلية، يخاطب ساكن المدينة كما يخاطب ساكن الغابة، ويخاطب العالم كما يخاطب الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب. وكل واحد من هؤلاء يجد في القرآن ما يصله بهذا الكون العظيم وما يثير في قلبه التأمل والاستجابة، وما يعرفه بربه العظيم، ويذكره بآياته ومخلوقاته: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥]. في القرآن الكريم من الأدلة والبراهين والآيات الدالة على كمال الباري ﵎، ووصفه بالأسماء الحسنى، والصفات العلا، الموجبة لامتلاء القلوب من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله وصرف جميع أنواع العبودية الظاهرة والباطنة له تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 2163

وإن من أكبر الظلم والفُحش اتخاذ أندادًا لله من دونه، ليس بأيديهم نفع ولا ضر، بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في جميع أحوالهم: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩]. وقال الله تعالى: قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. فهؤلاء قد غلطوا أقبح الغلط في عبادة أولئك الأولياء، الله سبحانه هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته، وتوحيده والإيمان به، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع القربات، وهو سبحانه الولي والمولى الذي يتولى عباده وجميع الخلائق بتدبيره ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصاً بإخراجهم من الظلمات إلى النور وتربيتهم بلطفه وعونه: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 2164

٧ - الخزانة السابعة • التفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما: الله هو الذي خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، وخلق الليل والنهار: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. والله خلق النهار، وجعل من أعظم آياته الشمس، وخلق الليل، وجعل من أعظم آياته القمر: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧]. والفرق بين خلق الله، وخلق الناس: أن الخلق المنسوب إلى الله إيجادٌ بعد عدم وتحويل وتغيير. وخلق الله يتميز بالنمو والتكاثر، والحياة والحركة، والخلق المنسوب إلى الناس مجرد تغيير وتبديل، فالله خلق الخشب والحديد من عدم، ولا يمكن للبشر خلقهما. لكن الإنسان يستطيع أن يحول الخشب إلى باب، والحديد إلى سيارة، يحوله من صفة إلى صفة؛ لكن إيجاده من عدم مختصٌ بالله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وخلق الإنسان يسمى خلقًا مجازًا؛ لأن الله خلق الإنسان وما يعمل كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].

стр. 2165

وقال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ [الفجر: ٦ - ٨]. فيجوز أن يُقال على مصنوع الآدمي خلقه فلان. والله سبحانه خلق الشمس والقمر، وجعل الشمس دليلًا على النهار، والقمر دليلًا على الليل، فالشمس توقيت يومي يتبين فيها الليل من النهار، والقمر توقيت شهري يتبين فيه أول الشهر ووسطه وآخره: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ [يس: ٣٧]. والله سبحانه خلق الشمس وجعل لها مستقرين: الأول: المستقر المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهر تكون أقرب ما تكون إلى العرش، ولهذا نسجد لله في هذا الوقت في صلاة الضحى وفي صلاة الظهر، تعظيمًا للرب الذي خلقها فأطلعها، ثم استوت في كبد السماء، ثم مالت إلى الغروب، فإذا استدارت إلى ما يقابله وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما تكون من العرش فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع في يوم آخر ونحن نصلي في ذلك الوقت صلاة التهجد، وذلك حين وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا فنزدلف إلى الله بتلك الصلاة. الثاني: المستقر الزماني، وهو منتهى سير الشمس، وهو يوم القيامة، فهي تسير إلى أجل ووقت لا تعدوه، فكما أن الإنسان يعيش في الدنيا إلى أجل ثم يموت؛ كذلك الشمس تجري لمستقر زماني لها وهو يوم القيامة، فإذا وصلته سكنت حركتها، ووقف سيرها وهو مستقرها الزماني، كما قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)

стр. 2166

وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠]. وفي اختلاف الليل والنهار آيات. واختلاف الليل والنهار يكون من وجوه متعددة: الأول: من جهة النور، فالليل مظلم، والنهار مضيء: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢]. ثانيًا: من جهة الطول والقصر، أحيانًا يطول الليل، وأحيانًا يطول النهار، وأحيانًا يتساويان، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ [الحج: ٦١]. الثالث: من جهة الجو، فتارة يكون الليل باردًا، وتارة يكون الليل حارًا، وتارة يكون معتدلًا، وكذلك النهار تارة يكون حارًا، وتارة يكون باردًا، وتارة يكون معتدلًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. الرابع: من جهة المنافع كالخصب والجدب، فتارة تكون الدنيا خصبًا وربيعًا ورخاءً، وتارة تكون جدبًا وقحطًا وسنين: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤]. الخامس: من جهة السلم والحرب، فتارة تكون الدنيا سلمًا، وتارة تكون حربًا: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ [آل عمران: ١٤٠].

стр. 2167

التفكر في خلق المخلوقات المُكَلفة كالجن والإنس والملائكة: الله خلق الملائكة من نور، ولذلك كانوا كلهم نورًا وخيرًا: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. ويسبحون بحمد ربهم في كل حين. وخلق سبحانه الجن من مارج من نار، والجن الأبالسة ذرية الشيطان إبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين والذي حذرنا الله منه بقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠]. فالجن كلهم مخلوقون من النار، ولهذا كثر فيهم العبث والطيش والعدوان على الناس، ومن استعاذ بالله حفظه الله منهم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠]. والجن مخيرون ومكلفون. وخلق الله آدم من تراب، وآدم هو أبو البشر والشيطان أبو الجن، والجان أبو الجن المؤمنون والكافرون: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧]. والله سبحانه هو القوي وكل ما سواه ضعيف، فالمخلوقات كلها أصغر من الذرة بين يدي الله ، وكلها في قبضة الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

стр. 2168

وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. وخلق الله جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، لتدل على عظمته، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله وجعلها جميعًا مفتقرة إلى ربها في إيجادها وفي بقائها وحفظها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١]. وخلق الله الإنسان ضعيفًا عاجزًا فقيرًا محتاجًا، ليعلم الإنسان أن له ربًا قويًا قادرًا غنيًا عن كل ما سواه، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. فإذا عرف الإنسان ربه توجه إلى القوي ليقويه، وإلى الغني ليغنيه، وإلى الرزاق ليرزقه، وإلى الشافي ليشفيه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. ومن اتصل بالعزيز فهو عزيز، ومن اتصل بالقوي فهو قوي، ومن اتصل بالعزيز زاده عزة، ومن اتصل بالقوي زاده قوة، فخلق الله الإنسان مضطرًا إلى غيره، فإن توجه إلى العزيز أعزه، وإن توجه إلى المخلوق الذليل أذله، فالإنسان إما أن يسأل حاجاته من الله فيكون عبدًا لله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وإما أن يسألها من غيره، فيكون عبدًا لعبد الله يتوهم ما سوى الله غنياً فيخضع له ويتوهمه قادرًا فيسأله كل شيء، أو يتوهمه إلهًا فيسأله كشف

стр. 2169

الضُر، وجلب النفع وهذا هو الشرك بالله : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. التفكر في عظمة خلق الجبال: الله خلق الخلائق العظيمة في العالم العلوي والعالم السفلي، ففي العالم العلوي خلق العرش والكرسي، والسماوات وخلق الشمس والقمر والنجوم، وفي العالم السفلي خلق السهول، والجبال، والبحار والأنهار وغير ذلك مما يخلقه ﷻ في مُلكه العظيم، وكله دال على وحدانيته، مُسبح بحمده، خاضع لمشيئته: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. والله خلق الجبال العظيمة وجعل فيها منافع عظيمه لا يحصيها إلا من خلقها، فهي مخزنٌ عظيم للمعادن، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨]. وهذه الجبال العظيمة الموجودة على هذه الأرض العظيمة منافعها لا تُحصى، وأعظم جبال الدنيا وأرفعها جبال هملايا في الهند، يبلغ ارتفاعها أكثر من اثنين وثلاثين ألف قدم، ثلث هذا الارتفاع تقريبًا فوق سطح الأرض.

стр. 2170

فسبحان من خلق الجبال الشاهقات، والجبال الراسيات، وسبحان من جعلها أوتادا وأكنانًا ورواسي، ومن جعلها مصدات للرياح، ومن جعلها مستودعات للمياه، ومن جعلها خزائن للمعادن، فهذه الجبال العظيمة ملأها الله بالمعادن التي لا يُحصيها ولا يعلمها ولا يحيط بها إلا الذي خلقها. ومن منافع هذه الجبال أن الله جعلها سكناً للآدميين كما قال الله عن ثمود قوم صالح: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف: ٧٤]. وجعلها سبحانه سكنًا للنحل التي أمرها بإعداد العسل، وإخراجه لبني آدم: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨]. والأرض مهاد، والجبال أوتاد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٦ - ٧]. وكل ذره من هذه الجبال تعبد الله ، وتخضع لأمره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. والجبال تكاد تنهد من مقالة بعض بني آدم الذين دعوا لله ولدًا كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي

стр. 2171

الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]. والجبال من أعظم مخلوقات الله بعد العرش والكرسي والسماوات والأرض والبحار، ولهذا عُرضت عليها الأمانة فأبت كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. والجبال نوعان: الأول: جبال في الأرض، وهي خزينة للمعادن التي عرف الإنسان منها ما يزيد على مئة معدن من الذهب والفضة، والحديد والنحاس، والرصاص والزنك، والمنجنيز والكبريت، وغيرها. والجبال مُرسية للأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ [النازعات: ٣٢]. وصادة للعواصف، وخزائن للمياه. الثاني: جبال السماء، وهي خزينة المياه والثلوج كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣]. فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه السماء العظيمة، وهذه الأرض المبسوطة، وهذه الجبال العظيمة. ويوم القيامة تكون الجبال العظيمة كالعهن: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ [القارعة: ٥]

стр. 2172

وتسير وتُدك مع الأرض ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤]. فيوم القيامة تسير الجبال سيرًا، وتفتت فتاً: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: ٥]. وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ [النبأ: ٢٠]. وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف: ٤٧]. فسبحان ربنا العظيم الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة، لتدل على عظمته وجلاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].

стр. 2173

٨ - الخزانة الثامنة • التفكر في خلق البحار: الله هو الخلاق العليم الذي خلق العالم العلوي بما فيه، وخلق العالم السفلي بما فيه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. وهو سبحانه الذي خلق البحار العظيمة، وأودع فيها المنافع الكبيرة، من مخلوقات لا يعلمها ولا يحصيها إلا هو: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. فسبحان من خلق هذه البحار العظيمة، وخلق فيها من المخلوقات ما لا يعلمه إلا هو: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٤ - ١٨]. والله سبحانه خلق العباد وسيرهم في مصالحهم في البر والبحر: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢].

стр. 2174

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقد أقسم الله على عظمة كلامه بالبحر فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]. وكلام الله صفة من صفاته، فهذا الكون العظيم خلقه الله بكلمة كن فكان: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٨]. والبحر هذا الماء السائل أكبر من اليابسة، وهو يُقارب ثلاثة أرباع الأرض، والبحار نوعان، وفي كل نوعٍ مخلوقات عظيمة لا تعيش في البحر الأخر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ [فاطر: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان: ٥٣]. فسبحان القادر العظيم الذي خلق هذه البحار العظيمة، حُلوها ومُرها، وجعل بينهما برزخًا، فلا يتداخلان ولا يختلفان: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠].

стр. 2175

ويوم القيامة تُفَجر البحار: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ [الانفطار: ٣] وتُسجر البحار نارًا: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ٦]. فهذا البحر العظيم الذي يحيط بالأرض من كل جهة، خلق الله فيه مخلوقات عظيمة، وملأه بالمخلوقات من أسماك وحيوانات لا يحصيها إلا الله، ولولا أن هذه الأسماك يأكل كبارها صغارها، لصار البحر قطعة من اللحم. فسبحان الخالق الذي خلق، الذي يربي خلائقه في البر والبحر والجو، وفي السموات وفي الأرض: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦]. ويعيش في هذا البحر مخلوقات عظيمة، ومن أعظم المخلوقات التي تعيش في هذا البحر الحوت، فقد خلق الله في هذا البحر أكثر من مليون نوع من الأسماك المختلفة الأحجام، والألوان، والأوزان، والأشكال، والطعوم. والحوت من أعظم الأسماك التي عرفها البشر، وهي تلد ولادة، وما سواها يبيض بيضًا، هذا الحوت يبلغ طوله في المتوسط ثلاثون مترًا تقريبًا، ويزن مائة وخمسين طنًا تقريبًا، ويعيش في المحيط المتجمد الجنوبي، ويُستخرج من الحوت خمسون طنًا من اللحم وخمسون طنًا من الدهون وتسعون برميلًا من زيت الحوت، ويزن لسانه خمسمائة كيلو، ويأكل كل يوم أربعة أطنان، وإذا أرضع الحوت وليده فالرضعة الواحدة تبلغ ثلاثمائة كيلو جرام تقريبًا، ووجبة الحوت اليومية أربعة أطنان أعدها له ربه الرزاق الذي تكفل بأرزاق الخلائق في كل مكان: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
следующие страницы →