← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

والعبد مأجورٌ في كلتا الحالتين كما قال النبي ﷺ : «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا له» أخرجه مسلم (١). محبة النعم ومحبة المُنعِم بينهما كما بين المشرق والمغرب، فالمؤمن عند النعم يذكر المُنعِم ويتوجه إليه بالعبودية بالذكر والحمد والشكر، فهو في الدنيا يرى النعمة ويعبد المُنعِم، ويوم القيامة يجلس على النعمة ويرى المُنعِم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. والكافر يشتغل بالنعم عن المُنعِم لأنه يعرف قدر النعم ولا يعرف قدر المُنعِم، ولو أن ملكً عظيمًا أهدى لأحد الناس جوهرة نفيسة مثلًا، فإنه سيكون لها نوعان من المحبة وسيتلذذ بها شكلين من اللذة: الأولى: المحبة التي تعود إلى أصل الجوهرة من حيث جمالها وحجمها وقيمتها والتلذذ بحُسنها وهي لذة جزئية إلى زوال. الثانية: محبة للتكرمة السلطانية التي ظهرت بالجوهرة التي خصه بها، فهي ثناءٌ مجسم من السلطان لهذا الإنسان: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وهكذا الإنسان إذا وجه محبته إلى النعم والأموال بالذات، فتلك محبة نفسانية زائلة مؤلمة، أما إذا كانت المحبة متوجهة إلى جهة التكرمة الربانية له فهي شكر معنوي ولذة تورث كل سعادة: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].

стр. 2382

وإذا أنعم الله على إنسان بنعمة حفظها عليه ولا يغيرها عليه، حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه بمعصية المُنعِم بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١]. وكل من زالت عنهم النعم من الأمم الماضية إنما هو بسبب مخالفة أوامر الله ومعصية رسله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣]. فما حُفظت نعمة الله بشيء مثل طاعته ولا حصلت فيه الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه فالمعاصي نار النعم التي تعمل فيها، كما تعمل النار في الحطب اليابس: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. والله هو الرزاق الذي يرزق المخلوقات جميعًا، وما من مؤمنٍ ولا فاجرٍ إلا وقد كتب الله له رزقه من الحلال فإن صبر حتى يأتيه وطلبه بوجوه الحلال أتاه تجاه ربه حلالًا، وإن جزع فتناول شيئًا من الحرام نقصه الله من رزقه الحلال. والله على كل شيء قدير وهو الحكيم العليم قسم جميع أرزاق الخلائق وجميع الدواب، وجميع ما في البر والبحر من الحيوانات والدواب والحشرات والطيور والإنس والجن وغيرهم مما لا يعلمه إلا الله، وأوصلها إلى المخلوقين قسم سبحانه رزق كل مخلوق، من حيث الكمية والنوعية ومن حيث الزمان والمكان، فقدر سبحانه رزق كل مخلوق فلا يزيد وقدر نوع الأرزاق فلا تتغير وقدر وقت الأرزاق فلا تتقدم ولا تتأخر.

стр. 2383

وقدر مكان الأرزاق فلا تتغير ولا تتبدل، فمن قُطع له رزقه في بلد لم يأخذه إلا من ذلك البلد، ومن قُطع له رزقه في وقت فلن يأخذه إلا في ذلك الوقت: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. والرزق يطلب الإنسان كما يطلبه أجله، ولن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها وأثرها وعملها ولابد لكل مخلوقٍ من الرزق، وقد تكفل الله الرزاق بأرزاق الخلق كلهم، وكل ما يتناول الإنسان من الحلال والحرام داخلٌ في هذا الرزق، فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة ويرزقون رزقًا حسنًا وقد لا يرزقون إلا بتكلف، والمؤمنون يرزقهم الله بالأسباب المشروعة ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. ولا يكون رزقهم بالأسباب المحرمة، ولا يكون خبيثًا والله يرزق المؤمن ما يحتاج إليه ويحميه من ظهور الدنيا رحمةً به وإحسانًا إليه وصيانةً له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨].

стр. 2384

٤ - الخزانة الرابعة الغنى ليس دليلًا على إكرام الله للعبد، وكذلك الفقر ليس دليلًا على إهانة الله للعبد: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢٠]. فقد يوسع الله الرزق على العبد إملاءً واستدراجًا وقد يقدر عليه رزقه حمايةً له وصيانة، وقد يضيق الله على بعض المؤمنين لما لهم من الذنوب فيُحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه، فالطاعات سبب للرزق والراحة، والمعاصي سببٌ للحرمان والمصائب، والإنسان مكينة الأعمال كالشجرة مكينة الثمار خلقه الله متفكرًا عاملًا متحركًا. فإن اجتهد على الأموال والأشياء والمشاهدات تخدر قلبه عن الغيبيات وثقلت عليه الطاعات فأرتكب المحرمات، وترك الطاعات واشتغل بما قسم الله له عن ما وعده الله به وما أمره الله به وهو الإيمان والتقوى والجنة التي وعدها الله إياه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وإن اجتهد هذا الإنسان على الإيمان والأعمال الصالحة، تخدر قلبه عن المشاهدات وأقبل على ربه اشتغل بالطاعات، واجتنب المحرمات واشتغل بما وعده الله به عن ما قسمه الله له من الرزق.

стр. 2385

وفي هذه الحياة الدنيا متاع جذابٌ براق، وهناك أولادٌ وأرزاق وشهوات ولذائذ وجاه وسلطان، وهناك نعم أتاها الله لعباده في الأرض تلطفًا منه وهبة خالصة لم يعلقها بطاعة ولا معصية ولا إيمانًا ولا كفر، وإن كان يبارك للطائع ولو في القليل، ويمحق البركة من العاصي ولو كان في يده الكثير: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]. ولكن مع هذا؛ ولكن هذا كله ليس له قيمة ثابتة باقية وإنما هو متاع زائل محدود الأجل: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧]. فهذه الأموال لا تُعد بذاتها دليل كرامة عند الله أو مهانة، ولا يعتبر بذاته علامة رضًا من الله أو غضب. قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. إنما هو متاع وما عند الله خير وأبقى خيرٌ في ذاته وأبقى في مدته، ومتاع الحياة الدنيا زهيد معدود الأيام وهو بالنسبة لنعيم يوم القيامة غمضة عين أو تكاد: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشورى: ٣٦].

стр. 2386

والرزق نوعان: أحدهما: ما علم الله وقدر أنه يرزقه لعبده، فهذا لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص فلكل إنسان رزقه المقدر. الثاني: ما كتبه الله وأعلم به الملائكة فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب التي قدرها الله، فإذا كان الله قد قدر أنه يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب، وما قدره الله من الرزق بغير اكتساب ولا سعي كالميراث والهبات والصدقات والوصايا يأتيه بغير اكتسابٍ ولاسعي. والرزق يراد به شيئان: أحدهما: ما ينتفع به العبد. والثاني: ما يملكه العبد من الحلال. فالأول هو المذكور بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦] والثاني وهو المذكور في قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون: ١٠]. والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزقٌ بهذا الاعتبار، لا بالاعتبار الثاني وما اكتسبه ولم ينتفع به هو رزقٌ بالاعتبار الثاني دون الأول، ومن سرق أو أكل الحرام فليس هذا من الرزق الذي أباحه الله له؛ ولكن هذا الرزق الذي سبق به علم الله وقدره وسوف يحاسب عليه من فعله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. فكما أن الله كتب ما يعمله العبد من خير وشر وهو يثيبه على الخير ويعاقبه على الشر، فكذلك كتب ما يرزقه من حلالٍ وحرام مع أنه يعاقبه على

стр. 2387

الرزق الحرام فكل شيء واقعًا بمشيئة الله وقدره وإذنه وعلمه، والرزق الذي ضمنه الله لعباده هو لمن يتقيه بأن يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. ومن ليس من المتقين ضمن له ما يناسبه بأن يمنحه ما يعيش به في الدنيا على تفاوتٌ بين هؤلاء، ثم يعاقبه في الآخرة: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨]. الله هو الملك الحق الذي له مُلك كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فجميع الأرزاق مُلكه، والله أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته ولم يبحه لمن يستعين به على معصيته، ولذلك كانت أموال الكفار غير مغصوبة، بل مباحة للمؤمنين وتسمى فيئًا إذا عادت إلى المؤمنين؛ لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله بها لا من يعصيه، كما قال إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].

стр. 2388

ولما كان مقصود يا أولي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق للوصول إلى ذلك إلا بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها بقدر الحاجة ومن هنا كان الأكل من الدين، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. فيأكل المرء مقتصدًا بسنة ولا يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المراعي، ويأكل من نعم الله ويشكره عليها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. فالله سبحانه أكرم الإنسان بين المخلوقات وشرف المسلم وأكرمه بالدين على سائر البشر: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض وأنعم عليه بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، وأباح له جميع الطيبات وحرم عليه الخبائث وخلقه وهداه واشتراه وأكرمه بمنهجٍ يسير عليه وهداه الطريق الموصل إليه، وله بعد موته الجنة والرضا من ربه فله الحمد والمنة على نعمه الظاهرة والباطنة، وعلى إحسانه في الدنيا والآخرة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وكل ما عند أهل السماء من النعم، وكل ما عند أهل الأرض من النعم، وكل ما في الجنات من النعم كل ذلك بالنسبة لما في خزائن الله من النعم

стр. 2389

قطرة من بحر وذرة من جبل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. وقال في الحديث القدسي: «يا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (١). وما في الدنيا من النعم وما في الآخرة من النعم لا يساوي ذرة بالنسبة لما في علم الله : ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النحل: ٧٧]. فسبحانك ما أعظمك وسبحانك ما أكرمك وسبحانك ما أرحمك تفعل ما تشاء وأنت على كل شيء قدير: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. تبارك اسمك الذي بثثت فيه أرزاق العباد فوجدت ووضعته على الأرض فاستقرت: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]. وتبارك اسمك الذي وضعته على السماوات فاستقلت، وعلى الجبال فرست وعلى الرياح فتحركت، وعلى النهار فاستنار، وعلى الليل فأظلم وعلى الشمس فأشرقت وعلى الأرض فأنبتت، وعلى الإنسان فتكلم وعلى العين فأبصرت وعلى الأذن فسمعت، وعلى المريض فشفي، وعلى الجاهل فعلم: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].

стр. 2390

سبحانك أنت الكريم الرحمن وأنت القوي العزيز وأنت الخلاق العليم، كم وحيًا أوحيته إلى أنبيائك ورسلك رحمةً بعبادك؟ وكم قضاءً قضيته وكم رزقًا أنزلته وكم ضالًا هديته وكم فقيرًا أغنيته؟ وكم مريضًا شفيته؟ وكم سائلًا أعطيته؟ وكم ذنبًا غفرته وكم همًا فرجته؟ وكم كربًا نفذته؟ وكم عسيرًا يسرته؟ وكم داعيًا أجبته؟. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. فلك الحمد والشكر كثيرًا كما تنعم كثيرًا وكما ترحم كثيرًا، ولك الحمد والشكر حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد في الآخرة والأولى، خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعافيتنا ورحمتنا وأكرمتنا: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ» أخرجه مسلم (١).

стр. 2391

٥ - الخزانة الخامسة ما أعظم نعم الله على عباده في دنياهم ودينهم وأخراهم، وما أرأفه بهم وما أشد عنايته بأمورهم وما ألطف تدبيره لما يصلحهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. لقد خلقك الله أيها الإنسان في أحسن تقويم ورزقك وعافاك وهداك وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك، وعصم مالك بقطع يد من سرقه، وأباح لك الميتة عند الضرورة سدًا لرمقك وزجرك عن ما يضرك بحدٍ عاجل ووعيد آجل لسلامتك وسعادتك، وأسقط شطر الصلاة في السفر عنك رحمةً بك: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وأنزل الله عليك الكتب وأرسل إليك الرسل وأطعمك وسقاك وألبسك وكساك وأسكنك الديار، وأركبك المراكب ورزقك الأموال والأولاد، وزودك بالسمع والبصر والعقل وأمرك بالعمل الصالح، ووعدك على ذلك الجنة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].

стр. 2392

وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. أما يليق بهذا المُنعِم العظيم الذي هذه بعض نعمه عليك أن توقره وتعظم شعائره، وتطيع أوامره وتجتنب زواجره وتَحذر من عدوه: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢]. أيحسن بك أيها الإنسان مع هذا الإكرام العظيم من ربك العظيم، أن يراك على ما نهاك عنه مقبلًا ولما أمرك به تاركًا وعن داعيه معرضاً ولداعي عدوه مطيعًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. ما أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان وما أشد عداوته للإنسان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. بينما هذا الإنسان بحضرة الحق والملائكة سجود له تترامى به الأحوال والجهالات إلى أن يطيع الشيطان ويوجد مع البهائم عاكفًا على شهواته، أو يوجد ساجدًا لصورة في حجر، أو لشجرة من الشجر أو لشمسٍ أو قمر أو لحيوانٍ أو بشر: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١: ٦٠]. وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. لا يليق بهذا الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوانات الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، أن يرى إلا عابدًا لله في دار التكليف ومجاورًا له في دار الجزاء والتشريف، ومابين ذلك فهو واضعٌ

стр. 2393

نفسه في غير موضعها: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]. وقال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. إن الله ﵎ يبتلي عباده بالسراء والضراء والخير والشر والرخاء والشدة، فالرخاء ابتلاءٌ من الله وفتنة، والشدة كذلك ابتلاءٌ من الله وفتنة، والصبر على الرخاء أشق من الصبر على الشدة: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وكثيرٌ من الناس يصبرون على الشدة ويتماسكون لها، وأما الرخاء فينسي ويلهي ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان وهوى النفس والإعراض عن الرحمن: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]. فنعمة المال، كثيرًا ما تعود إلى فتنة البطر وقلة الشكر مع السرف أو البخل وكلاهما آفة للنفس والحياة. ونعمة القوة، كثيرًا ما تقود إلى البطر وقلة الشكر مع الطغيان والجور والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس والتهجم على حرمات الله. ونعمة الجمال، كثيرًا ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه والغرور والتردي في مدارك الإثم والغواية. ونعمة الذكاء، كثيرًا ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين، وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر الله فعصمه الله.

стр. 2394

الرزق في الدنيا والآخرة: الرزق في الدنيا محدودُ يناسب حياة الإنسان المحدودة، فكل ما رزقه الله لعباده في الدنيا فهو مقيدًا محدودٌ محسوب لما يعلمه الله من أن هؤلاء البشر لا يطيقون في الأرض أن يفتح عليهم فيض الله غير المحدود، ولما يُحدثه من البغي في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]. أما فضل الله في الآخرة فهو مطلقٌ بلا حساب ولا حدود ولا قيود ولا جهود، يكرم الله به أهل طاعته كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر: ٤٠]. وكل ذرة وكل حشرة وكل طائر وكل حيوان وكل إنسان، وكل أمة في البر أو في البحر، كل مخلوق من هؤلاء سيصل إليه رزقه، فما دام الأجل باقيًا كان الرزق آتيًا لا محالة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦] فإن سد الله عليك بحكمته طريقاً فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه، وتأمل حال الجنين في بطن أمه يأتيه غذاءه وهو الدم من طريقٍ واحدة وهو السرة، فإذا خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق، فتح الله له طريقين هما ثديي الأم لبناً خالصاً، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطع الطريقان بالفطام فتح له مولاه طرقاً أربعة أكمل منها طعامان من النبات والحيوان، وشرابان من المياه والألبان.

стр. 2395

فإذا مات الإنسان انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة وفتحت له إن كان سعيداً طرقاً ثمانية وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، وهكذا الله الكريم المنان لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له وليس ذلك إلا للمؤمن. والله سبحانه حكيمٌ عليم قسم الأرزاق بين عباده بالسوية، ونعم الله ظاهرة وباطنة، ومن الناس من لا يرى إلا النعم الظاهرة، ويغفل عن النعم الباطنة، وبعض الناس يرى أنه ينبغي أن يُعطى فوق ما هو فيه، ويرى أنه مظلومٌ مع الرب لا ينصفه ولا يعطيه مرتبته، وأنه ينبغي أن ينال الثريا ولكنه مظلومٌ مبخوس الحظ. وهذا الدرب من الخلق من أبغض الخلق إلى الله وأشدهم مقتاً عنده لا يذكرون إلا ما ينبغي لهم ولا يذكرون ما يجب عليهم لله وخلقه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] وحكمة الله تقتضي أن هؤلاء لا يزالون في سفال، فهم بين عتب على الخالق، وشكوى له وذلٍ لخلقه وحاجه إليهم وخدمة لهم. أشغل الناس قلوباً بأرباب الولايات والمناصب ينتظرون ما يقدمون به إليهم من عظامهم وغسالة أيديهم، وأفزع الناس قلوباً عن معاملة الله والانقطاع إليه والتلذذ بمناجاته والطمأنينة بذكره والافتقار إليه وبث الشكوى له: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]. وليس لأحدً حجةٌ على الله بل لله الحجة على الناس جميعاً، فقد خلقنا وأعطانا المكان وأعطانا الزمان وأعطانا العقل وأعطانا السمع والبصر، وأرسل إلينا رسله وأنزل علينا كتبه، وارزقنا من الطيبات، وهدانا للإسلام

стр. 2396

وما جعل علينا في الدين من حرج، ووعدنا بعد الموت الجنة في الآخرة، فهل فوق هذا من عطاء وهل بعد هذا من إكرام. فماذا عملنا؟ وماذا قدمنا؟ وماذا أخرنا؟ وبماذا نواجه ربنا إذا لقيناه؟. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦]. وقال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] ونعمُ الله سبحانه على عباده لا يحصيها أحد، والاستعانة بها على طاعته هو ما يقتضيه الشرع والعقل، فإن من أحسن إليك بشيء لا يجوز لك أن تقابله بالإساءة إليه، ومن فعل ذلك من الناس فهو في نظرهم وقحٌ ناكرًا للجميل وجاحدًا له، فكيف إذا استعان بإحسانه على الإساءة إليه هو أشد وقاحة وجحوداً بالجميل. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].

стр. 2397

٦ - الخزانة السادسة النعم إنما خلقها الله ليدل على عظيم كرمه وإنعامه وإحسانه إلى عباده، وليستعين بها أهل الإيمان على طاعة الرحمن: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. وأما أهل الكفر والفجور فإن النعم محرمة عليهم لأنهم يستعينون بها على معصية الله، وهم محاسبون عليها يوم القيامة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨]. وفي كل جارحة من جوارح الإنسان نعمة، وعلى كل جارحة عبودية تخصها، وعلى كل جارحة شكرٌ يخصها، وعلى اللسان من ذلك ما على سائر الجوارح، وشكر كل جارحة إنما هو باستعمالها بتقوى الله، بامتثال ما يخصها من الطاعات واجتناب ما يخصها من المعاصي. فشكر البدن ألا تستعمل جوارحه في غير طاعة الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وشكر القلب ألا تشغله بغير ذكر الله ومعرفته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].

стр. 2398

وشكر اللسان ألا تستعمله في غير الثناء على الله ومدحه، وذكره وسؤاله وتلاوة كتابه والدعوة إلى دينه وتعليم أحكام شرعه والإصلاح بين عباده: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. وشكر المال ألا تنفقه في غير رضا الله ومحبته وطاعته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون: ١٠]. وكلما كمُلت للعبد معرفة الله ومعرفة آلاءه ونعمه وإحسانه ازداد شكر العبد وثناءه على ربه، وأعرف الخلق بذلك هو النبي ﷺ : «فقد قام النبي ﷺ

стр. 2399

الليل حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» متفق عليه (١). وكل ما خلقه الله فيه إحسانٍ إلى عباده يشكر عليه، وله فيه حكمة تعود إليه يستحق سبحانه أن يُحمد عليها لذاته، وجميع المخلوقات فيها إحسانٌ وإنعامٌ على عباده تحصل بها هدايتهم، وتدل على وحدانيته وصدق أنبيائه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. ونعمة السراء والضراء تحتاج مع الشكر إلى الصبر، أما الضراء فظاهر وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، لكن لما كان في السراء اللذة وفي الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء، والله منعمٌ بهذا كله وإن كان لا يظهر ابتداءً لأكثر الناس: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وذنوب الإنسان من نفسه، ومع هذا فهي مع حُسن العاقبة نعمة، وهي نعمة على غيره لما يحصل بها من الاعتبار: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].

стр. 2400

الله ﵎ هو رب العالمين، وذو فضلٍ على العالمين، بين سبحانه بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر الله به، وجميع ما نهي الله عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه، وجميع ما يحب، وجميع ما يكره، وجميع ما يرضيه، وجميع ما يسخطه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وبهذا كان دينه كاملًا ونعمته تامة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وسعادة الإنسان في الدنيا مبنية على ثلاثة أركان: الإيمان الله .. والإتباع لرسول الله .. والعافية. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال النبي ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» أخرجه البخاري (١). وأوامر الله كلها رحمة وإحسان وشفاء ودواء وغذاء للقلوب وزينة للظاهر والباطن، وحياة للقلب والبدن: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].

стр. 2401

وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وما يسميه بعض الناس تكاليف، إنما هو قرة للعيون، وبهجة للنفوس، وحياة للقلوب، وإحسانًا تام إلى النوع الإنساني أعظم من إحسان الله إليه بالصحة والعافية والطعام والشراب، وكم في ضمن الإيمان بالله والتعبد له من مسرة وفرحة ولذة وبهجة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. فنعمته سبحانه على عباده بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، وتعريفهم بأمره ونهيه وما يحبه وما يبغضه، أعظم النعم وأجلها وأعلاها وأفضلها: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. بل لا نسبة لرحمة الناس بالشمس والقمر والغيث والنبات والطعام والشراب إلى رحمتهم بالعلم والإيمان والشرائع ومعرفة الحلال والحرام، ولولا ذلك لكان الناس بمنزلة البهائم يتهارجون في الطرقات، ويتسافدون تسافد الحيوانات بين الملأ لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً ولا يمتنعون عن قبيح ولا يهتدون إلى رشد: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]

стр. 2402

فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد على نعمك العظيمة وآلاءك الجسيمة، حيث أنزلت علينا أفضل كتبك، وأرسلت إلينا أفضل رسلك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. والأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة أو ضعفت، ساد فيها الجهل والظلم والكفر والشرك والرعب والخوف، وعمت فيه المنكرات والقبائح والفواحش، فالإسلام غذاءٌ للأصحاء وشفاءٌ للمرضى وعافية للقلوب وزينة للجوارح: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].

стр. 2403

٧ - الخزانة السابعة الفرق بين النعمة والفتنة: يجب على الإنسان أن يفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف من ربه ويُعان بها تحصيل سعادته الأبدية، وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج إلى العقوبة والعذاب: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فكم من مستدرجٍ بالنعم وهو لا يشعر، مفتونٌ بثناء الجهال عليه، مغرورٌ بقضاء الله حوائجه، وستره عليه مع معاصيه، فإذا كملت هذه الثلاثة فيه، النعمة والثناء عليه وقضاء حوائجه، عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه يجمعه على الله فهو نعمة حقيقة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة، والمحنة في صورة المنحة، فليحذر فإنما هو مستدرجٌ، كما قال سبحانه: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٥].

стр. 2404

وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]. ويميز كذلك بين المنة والحُجة، فإن العبد بين منة من الله عليه وحُجة من الله عليه ولا ينفك عنهما، والحكم الديني متضمنٌ لمنة الله وحجته، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وكل علمٍ صحبه عمل يرضى الله ورسوله فهو منة، وإلا فهو حجة على صاحبه، وكل قوة ظاهره أو باطنة صحبها تنفيذٌ لأوامر الله فهي منة، وإلا فهي حجة سيسأل عنها العبد يوم القيامة. وكل مال، وكل حال، وكل طاقة صحبها تأثيرٌ في نصرة دين الله والدعوة إليه فهو منة من الله عليه، وإلا فهو حجة سيُسأل عنها. وكل فراغٌ اقترن به اشتغالٌ بما يريد الرب من عبده، من أنواع العبادة والدعوة وتعليم شرع الله فهو منة على العبد، وإلا فهو حُجة سيُسأل عنه. وكل قبولًا في الناس وتعظيم ومحبة له أتصل به خضوع للرب وذل له وانكسارٌ بين يديه ومعرفة بعيب النفس والعمل وبذل النصيحة للخلق فهو منة من الله عليه، وإلا فهو حجة من الله عليه سيُسأل عنه. وكل موعظة وتذكيرًا بالرب اتصل به عبرة ومزيدٌ في العقل ومعرفة الإيمان فهو منة، وإلا فهو حجة من الله عليه سيُسأل عنها: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].

стр. 2405

قال النبي ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ، فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وعَنْ شَبَابِهِ، فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ، مِنْ أَيْنَ اكتسبه؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ، مَاذَا عَمِلَ بهِ؟» أخرجه الترمذي (١). وقال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٢ - ٩]. نعمُ الله بين شكرها وكفرها: نعمُ الله على عباده لا تُعد ولا تُحصى، تفوت العد والحصر، وأعظمها نعمة الإسلام: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧] وإذا بدلت البشرية هذه النعمة أصابتها المصائب والعقاب الشديد في الدنيا قبل عقاب الآخرة، كما حصل لبني إسرائيل حين بدلوا نعمة الله وأبوا الطاعة والاستسلام لله، وكانوا دائماً في موقف الشك المتردد، ونقضوا العهد والميثاق: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ

стр. 2406

بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣]. وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠]. وأمم من المسلمين اليوم بدلوا نعمة لله فحل بهم ما حل ببني إسرائيل، فهي تعاني العقاب الشديد والفقر الشديد والخوف الشديد، وتتمرغ في الشقوة والنكد وتعاني القلق والحيرة ويأكل بعضها بعضًا ويأكل الفرض منها نفسه وأعصابه. والكل يعيش في حيرة قاتلة لا طمأنينة فيها ولا سلام، وإن هو إلا عقاب الله لمن حاد عن منهجه ورد دعوته: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾ [البقرة: ٢١١]. ومن سافر بفكره أو ببصره في أحوال العالم الخاصة والعامة، استغنى عن تعريف غيره له وساءه انبطاح الأمة للشياطين والفجار والطغاة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وجميع المجتمعات البشرية المحرومة من نعمة الإسلام مجتمعات بائسة ولو غرقت في الرغد المادي خاوية ولو تراكم فيها الإنتاج، قلقة مضطربة

стр. 2407

ولو توفرت لها الحريات والأمن والسلام: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. وهذه الأمم الكافرة تمضي في الأرض كالبهائم تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع والنار مثوى لها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقد تنطح هذه الأمم الغافلة وترفس كالبهيمة أو تفترس وتنهش كالوحش، وتزاول الطغيان والجبروت والبغي والبطش وتنشر الفساد ثم تمضي ملعونة من الله ملعونة من الناس: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ [آل عمران: ٨٧]. وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦]. فما أعظم نعمُ الله علينا حيث اختار لنا أفضل الرسل، وأفضل الشرائع، وأفضل الأديان، وأفضل الكتب، وجعلنا خير الأمم، وأكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].

стр. 2408

وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. فهل فوق هذا من نعمة؟ وهل يستطيع أحدٌ أن يكافئ هذه النعم؟ ومن يستطيع أن يعرف كل نعم الله؟ ومن يستطيع أن يًحصيها؟ ثم من يستطيع أن يقوم بشكرها؟. ولكن رحمة الله واسعة طلب منا القليل من العمل وأعطى الكثير من الأجر، وإنما هو جُهد الطاقة في شكر النعمة ومعرفة المُنعِم وإدراك الواجب، ثم القيام بما يستطيع الإنسان منه، ومعرفة الحرام ثم الحذر منه، وطلب المغفرة عن التجاوز أو التقصير: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. فما أنكد وما أحمق وما أضل من يرفض ما رضيه الله، ويختار لنفسه غير ما اختار الله له: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وإنها لجريمة كبرى لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها ناجيًا أبدًا، وقد رفض ما ارتضاه الله له: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. وقد يترك الله الذين لم يعرفوا الإسلام أو لم يتخذوه دينًا لهم يرتكبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].

стр. 2409

فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم أهملوه وتركوه أو رفضوه، واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير منهج الله الذي ارتضاه الله لهم، فهؤلاء لن يتركهم الله أبدًا، ولن يمهلهم أبدًا حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧]. وقال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].

стр. 2410

٨ - الخزانة الثامنة تفاوت الناس في الأرزاق: الله هو الرزاق ذو القوة المتين، قسم الأرزاق بين خلقه بحكمته وعلمه: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢]. فالناس في الأرزاق التي قسمها الله لهم متفاوتون، وهم في وقت حصولهم على أرزاقهم مختلفون، فمنهم من يجمع الله له رزقه في أول عمره، ومنهم في وسط عمره، ومنهم في أخر عمره، وهم في الحصول عليه متباينون فمنهم من يُساق إليه رزقه عفواً بلا تعب، ومنهم من يصل إليه رزقه بعد جُهدٍ وعناء وكدح. وهم في طريقة الحصول عليه مختلفون، فمنهم من يأخذه من طريق الحلال حسب أمر ربه وهدي رسوله، ومنهم من يأخذه عن طريق الحرام بالسرقة أو الربا أو الرشوة ونحوها. ومكان أرزاق العباد مختلف، فمنهم من يأخذه من تحت قدميه، ومنهم من فرق الله رزقه في البلاد فهو يجمعه من الأمصار والبلدان في البر والبحر: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢]. والناس كذلك مختلفون في صرف هذه الأرزاق، فمنهم من يصرفها فيما رضيه الله وأحبه وأمر به: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ

стр. 2411

حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. ومنهم من يبذرها فيما يغضب الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. ومنهم من يستعين بما رزقه الله على طاعة الله، ومنهم من يستعين به على معصية الله. إن الإسلام أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده، والأموال والأعراض والأشياء في الإسلام خادمة للعبد لا مخدومة يستعين بها على طاعة الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. والإنسان فوق المال ينتفع به ولا يكون عبداً له خاضعاً له، والإسلام لا يُحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها، إنما هو يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس، وهم أحرار الإرادة تلقاء الأيدي يتقربون بها إلى الله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. مطمح المؤمنين أعلى من هذه الأرض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض، مقصدهم الأعلى الإيمان، الإيمان عندهم هو النعمة، وتأدية مقتضيات

стр. 2412

الإيمان هي الهدف من العبادة والدعوة وتعليم شرع الله والإحسان إلى خلق الله. والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم، يركبون عليها ويمشون عليها، وإذا ركبتهم قتلتهم، فالنعمة الكبرى والرحمة الواسعة هي ما جاء من عند الله من موعظة وهدى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]. فأما المال وأما الثراء وأما النصر ذاته فذلك كله تابع. وإذا حصل للأمة استخدمته في إعلاء كلمة الله ونشر دينه، كما فعل أصحاب النبي ﷺ ، كأبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وقبل ذلك خديجة ﵂ كلهم قدموا أموالهم في نصره دين الله وإعلاء كلمته ونشر دينه. فالأرزاق ليست هي تحدد مكانة الناس في هذه الأرض فضلاً عن مكانتهم في الآخرة، بل إنها يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية، لا في الآخرة المؤجلة بل في الدنيا المعجلة كما هو مشاهدٌ اليوم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. والذين جعلوا الأموال قبله يركزون على جمع الأموال، ويغفلون عن قيمة الدين هم حقاً أعداء البشرية الذين لا يريدون لها أن ترتفع عن مستوى الحيوان ولا على مطالب الحيوان، ويهدفون من وراء ذلك كله إلى القضاء على القيم الإيمانية، وعلى العقيدة التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان، دون أن تُغفل ضروراتهم الأساسية من الطعام والشراب واللباس والنكاح ونحوها: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ

стр. 2413

لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وهذا الصياح، وهذا الصراخ المستمر بكل وسيلة وبكل مكان وفي كل وقت، الذي ينادى بتضخيم الأموال والإنتاج المادي بحيث يطغى الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم ودينهم وعبادة ربهم ومتطلبات إيمانهم من العمل الصالح والدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله. وبحيث تحول الناس إلى آلات تلهث وراء الدرهم والدينار والدولار، و تُعدها قيمة الحياة الكبرى وتجعلها الصنم المعبود في الأرض، وتنسى في هذه العاصفة، عاصفة الإنتاج المستمر، تنسى كل القيم الروحية والأخلاقية وتهمل الشعائر التعبدية وتدوس القيم كلها في سبيل الإنتاج المادي. هذا الصياح الذي عم وتم ليس مراداً لذاته، إنما هو خطوة مدبرة محكمة لإقامة أصنامًا تُعبد في الأرض من دون الله بدل أصنام الجاهلية الأولى، فتكون لها السيادة العليا على القيم جميعًا: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٦ - ٧]. وعندما يصبح الإنتاج المادي صنماً يكدح الناس من أجله ويطوفون به صباحاً ومساءً، فإن الدين والأخلاق والقيم تُداس في سبيله وتُنتهك الأعراض والأخلاق والأسر والحريات، وتداس كلها إذا تعارضت مع توفير الإنتاج، وهذا ما حصل ولا يزال يحصل. فماذا تكون الأرباب والأصنام إن لم تكن هذه البلوة التي جعلت المال مكان الإيمان، والأشياء مكان الأعمال الصالحة، وخدعت الناس بعمارة الدنيا وتخريب الآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ

стр. 2414

عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. فقه الأموال: الأموال نعمة من الله كسائر النعم ولكنها بدون الدين تجعل الإنسان عبداً لها، وتصبح لعنة يشقى بها الناس؛ لأنها يومئذ تستخدم في الظلم والطغيان والعدوان وفي إعلاء القيم الحيوانية والآلية على حساب القيم الإيمانية العليا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. والإنسان إذا اعترف أن الله هو الخالق الرازق يتبعه قطعاً أن يكون الله هو الرب المعبود، وأن يكون هو الذي يحكم في أمر الناس كله، ومنه أمر هذه الأرزاق التي أعطاها الله البشر، وهي تشمل كل ما يرزقهم الله من السماء والأرض، فليس لأحدٍ أن يحلل أو يحرم ذلك حق الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].

стр. 2415

وهؤلاء الذين يحللون ويحرمون بما لم يأذن به الله، إنما يعتدون على حق الله وهو أمر التشريع، وهؤلاء ظالمون كافرون كاذبون ومن أطاعهم فهو مشركٌ مثلهم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فالمشرعون اعتدوا على حق الله في الربوبية الذي له الخلق والأمر، وأتباعهم اعتدوا على حق الله في العبودية فعبدوا صنم المال من دون الله وهذا تناقض قبيح يدمغ الطرفين بالكفر والشرك، وكلاهما مركبٌ إلى النار: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ [يونس: ٦٠]. والله سبحانه رءوف بالعباد وذو فضلٍ على الناس برزقه المادي الذي أودعه في هذه الأرض وفي هذا الكون العظيم من أجلهم، وأودع فيهم القدرة على معرفة مصادره وأقدرهم على الاستكثار منه ومكنهم من الانتفاع به وحفظه والاستفادة منه، والله كذلك ذو فضلٍ على الناس بدينه الذي أنزله هدي ورحمة للناس، يهدي الناس إلى منهج الحياة السليم القويم. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ [يونس: ٦٠].

стр. 2416

فإذا لم يشكروا ربهم على هذا الرزق وذلك الرزق فإنهم يشقون في الدنيا بالهم والتعب والرعب والخوف، ويشقون في الآخرة بنار الجحيم والسعير: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. إن شكر النعمة دليلاٌ على استقامة النفس البشرية، فالخير يُشكر لأن الشكر هو جزاءه الطبيعي في الفطرة المستقيمة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. والنفس التي تشكر الله على نعمته تراقبه في التصرف في هذه النعمة بلا بطرٍ و بلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والفساد، وهذا كله مما يزكي النفس ويدفعها إلى العمل الصالح والتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. والكفر بنعم الله له صور، فقد يكون بعدم شكرها، أو بإنكار أن الله واهبها، أو نسبتها إلى العلم والخبرة، أو الكد الشخصي والسعي كأنه هذه الطاقات ليست نعمة من نعم الله، وقد يكون بسوء استخدام النعم بالبطر والكبر على الناس، وقد يكون باستغلالها للشهوات والفساد، وكل ذلك كفرٌ بنعمة الله.

стр. 2417

والعذاب الشديد الذي يصيب من كفر بالنعمة له صور: ١ - فقد يتضمن سحق النعمة عيناً بذهابها. ٢ - أو سحق آثارها في الشعور فكم نعمة شقي بها صاحبها وحسد الخالين منها. ٣ - وقد يكون عذاباً مؤجلاً إلى أجله في الدنيا أو مؤجلاً في الآخرة، فهو وإن تأخر فهو واقع إن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. والله سبحانه غني عن العباد وعن طاعتهم، وهم الفقراء إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وصلاح الحياة يتحقق بشكر الناس لربهم، ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى الله، وتستقيم بشكر الخير وتطمئن إلى الاتصال بالمُنعِم، فلا تخشي نفاد النعمة وذهابها، ولا تذهب حسراتٍ وراء ما يُنفق أو يضيع منها، فالمُنعِم موجود والنعمة بشكره تزكو وتزيد: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].

стр. 2418

٩ - الخزانة التاسعة نعمة الهداية إلى الإيمان: الله هو المُنعِم بكل نعمة، وأعظم النعم نعمة الإيمان بالله وتوحيده وعبادته وحده لا شريك له: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. فأعظم النعم نعمة الإيمان بالله، ولكن النفوس المريضة لا تقبل هذه النعمة ولا تحس بالحاجة إليها، بل قد تشعر أنها تضرها، كما قال كفار مكة للرسول ﷺ : ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧] ألا ما أعجب حال هؤلاء الذين وهبهم الله نعمة الإيمان، الذي هو النور الذي يهتدي به الإنسان إلى السعادة في الدنيا، ويصل به إلى الجنة في الآخرة ثم هم يتركون هذا كله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤]. فما أسفه عقول هؤلاء يتركون ما أمرهم الله به من الإيمان به والاتصال به، ويأخذون بدله كفرًا، أولئك هم السادة والقادة من الكبراء، وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم وأنزلوهم بها وبأس ما أحلوهم من مستقر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].

стр. 2419

وقال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣]. إن عقيدة الإيمان والتوحيد هي النعمة الكبرى على البشرية كلها، وبها يصل إلى كل ذي حقٍ حقه، وهي خطرٌ عظيمٍ على سلطان الطواغيت والجبابرة في كل زمان ومكان، يحذرونها ويحاربونها ويتقونها بكل وسيلة، لأنهم لا يسمحون بإعطاء كل ذي حق حقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. إن الله غنيٌ كريم، فتح باب الكون على مصراعيه تنطق سطوره الهائلة بآيات الله الكبرى، وبنعم الله التي لا تُحصى، وتتوالى صفحاته بألوان هذه النعم على مد البصر معروضة ومبذولة كل آن، السماوات والأرض والشمس والقمر، والليل والنهار، والماء النازل من السماء، والثمار النابتة من الأرض، والبحر الذي تجري فيه الفلك وتسبح فيه المخلوقات، والأنهار التي تجري بالأرزاق، والجبال خزائن المعادن والذهب والفضة، وغيرها من المعادن، والماء الذي ينبع من الأرض، والبترول الذي يخرج من الأرض: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].

стр. 2420

وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. أرأيت أيها المسلم أعظم من هذه الصفحات الكونية المعروضة على الأنظار، والتي تدل على عظمة خالقها وقدرته وكمال علمه وحكمته، وعظيم كرمه ورحمته: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وإذا عرفتم ذلك، عرفتم الرب العظيم الكبير فعظمتموه وكبرتموه، وعرفتم الكريم المُنعِم فشكرتموه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ولكن البشر الذين انحرفوا عن منهج الله لا ينظرون ولا يتدبرون ولا يشكرون: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
следующие страницы →