فإذا لم يشكروا ربهم على هذا الرزق وذلك الرزق فإنهم يشقون في الدنيا بالهم والتعب والرعب والخوف، ويشقون في الآخرة بنار الجحيم والسعير: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
إن شكر النعمة دليلاٌ على استقامة النفس البشرية، فالخير يُشكر لأن الشكر هو جزاءه الطبيعي في الفطرة المستقيمة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
والنفس التي تشكر الله على نعمته تراقبه في التصرف في هذه النعمة بلا بطرٍ و بلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والفساد، وهذا كله مما يزكي النفس ويدفعها إلى العمل الصالح والتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
والكفر بنعم الله له صور، فقد يكون بعدم شكرها، أو بإنكار أن الله واهبها، أو نسبتها إلى العلم والخبرة، أو الكد الشخصي والسعي كأنه هذه الطاقات ليست نعمة من نعم الله، وقد يكون بسوء استخدام النعم بالبطر والكبر على الناس، وقد يكون باستغلالها للشهوات والفساد، وكل ذلك كفرٌ بنعمة الله.
стр. 2417
والعذاب الشديد الذي يصيب من كفر بالنعمة له صور:
١ - فقد يتضمن سحق النعمة عيناً بذهابها.
٢ - أو سحق آثارها في الشعور فكم نعمة شقي بها صاحبها وحسد الخالين منها.
٣ - وقد يكون عذاباً مؤجلاً إلى أجله في الدنيا أو مؤجلاً في الآخرة، فهو وإن تأخر فهو واقع إن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
والله سبحانه غني عن العباد وعن طاعتهم، وهم الفقراء إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وصلاح الحياة يتحقق بشكر الناس لربهم، ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى الله، وتستقيم بشكر الخير وتطمئن إلى الاتصال بالمُنعِم، فلا تخشي نفاد النعمة وذهابها، ولا تذهب حسراتٍ وراء ما يُنفق أو يضيع منها، فالمُنعِم موجود والنعمة بشكره تزكو وتزيد: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
стр. 2418
٩ - الخزانة التاسعة
نعمة الهداية إلى الإيمان:
الله هو المُنعِم بكل نعمة، وأعظم النعم نعمة الإيمان بالله وتوحيده وعبادته وحده لا شريك له: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
فأعظم النعم نعمة الإيمان بالله، ولكن النفوس المريضة لا تقبل هذه النعمة ولا تحس بالحاجة إليها، بل قد تشعر أنها تضرها، كما قال كفار مكة للرسول ﷺ : ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧]
ألا ما أعجب حال هؤلاء الذين وهبهم الله نعمة الإيمان، الذي هو النور الذي يهتدي به الإنسان إلى السعادة في الدنيا، ويصل به إلى الجنة في الآخرة ثم هم يتركون هذا كله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
فما أسفه عقول هؤلاء يتركون ما أمرهم الله به من الإيمان به والاتصال به، ويأخذون بدله كفرًا، أولئك هم السادة والقادة من الكبراء، وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم وأنزلوهم بها وبأس ما أحلوهم من مستقر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
стр. 2419
وقال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣].
إن عقيدة الإيمان والتوحيد هي النعمة الكبرى على البشرية كلها، وبها يصل إلى كل ذي حقٍ حقه، وهي خطرٌ عظيمٍ على سلطان الطواغيت والجبابرة في كل زمان ومكان، يحذرونها ويحاربونها ويتقونها بكل وسيلة، لأنهم لا يسمحون بإعطاء كل ذي حق حقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
إن الله غنيٌ كريم، فتح باب الكون على مصراعيه تنطق سطوره الهائلة بآيات الله الكبرى، وبنعم الله التي لا تُحصى، وتتوالى صفحاته بألوان هذه النعم على مد البصر معروضة ومبذولة كل آن، السماوات والأرض والشمس والقمر، والليل والنهار، والماء النازل من السماء، والثمار النابتة من الأرض، والبحر الذي تجري فيه الفلك وتسبح فيه المخلوقات، والأنهار التي تجري بالأرزاق، والجبال خزائن المعادن والذهب والفضة، وغيرها من المعادن، والماء الذي ينبع من الأرض، والبترول الذي يخرج من الأرض: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
стр. 2420
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
أرأيت أيها المسلم أعظم من هذه الصفحات الكونية المعروضة على الأنظار، والتي تدل على عظمة خالقها وقدرته وكمال علمه وحكمته، وعظيم كرمه ورحمته: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك، عرفتم الرب العظيم الكبير فعظمتموه وكبرتموه، وعرفتم الكريم المُنعِم فشكرتموه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ولكن البشر الذين انحرفوا عن منهج الله لا ينظرون ولا يتدبرون ولا يشكرون: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
стр. 2421
يبدل نعمة الله كفرًا ويجعل لله أندادًا وهو سبحانه الخالق الرازق المسخر لهذا الكون كله للإنسان، فيجب عليه أن يعبد ربه الذي خلقه وخلقه هذا الكون وسخره له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
أفكل هذا مسخر للإنسان؟ أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير؟ أفكل هذه النعم موضوعة بين يديه وتحت تصرفه؟
ثم هو لا يشكر ربه ولا يذكره وبعد ذلك يجعل لله أندادًا ليضل عن سبيل الله ويحارب ربه ودينه بنعمه، ألا ما أجهل الإنسان وما أظلمه وما أكفره: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
التفكير في نعم الله:
إن المطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله الكون عليه، وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله لتسخر أجرامه وظواهره وبواطنه في إنبات هذه الحبة، وإمدادها بعوامل الحياة حتى تظهر وتنفع من تربة وماء وأشعة وهواء: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
стр. 2422
ألا ما أجهل الإنسان بربه، وما أقل شكره لمولاه، إن أقل رزق يرزقه الله الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجراماً عظيمة لا يعلمها إلا الله حتى يصل إليه هذا الرزق وينضج ثم يوضع بين يديه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فمثل ذلك الإنسان كيف هو محمولٌ مكفولٌ من ربه، وكيف ربه الغني عن العالمين يحتفي به ويتودد إليه ويتحنن إليه بنعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وكيف يعطيه ربه من كل ما سأل من مالٍ وذرية وصحة وغنى وزينة ومتاع: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
أفيليق بهذا الإنسان بعد رؤية هذه الآيات العظمى ألا يؤمن بالله، وبعد رؤية هذه النعم الكبرى ألا يشكر ربه، وبعد رؤية هذه وهذه أن يبدل نعمة الله كفرًا، وبعد ذلك كله أيليق به أن يجعل لله نداً يعبده من دون الله، والله ينزل عليه النعم آناء الليل وآناء النهار: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
حقاً إن الإنسان ظلومُ جهولُ كفار، خاصة إذا لم يهتدي بوحي السماء ولم يؤمن بما جاء به الأنبياء، إن المؤمن حين ينظر في ملكوت السموات والأرض ويتأمل ويتدبر ما فيهما من آيات وعجائب يرتجف فؤاده ويخشع
стр. 2423
قلبه وتخضع جوارحه ويقف بين يدي ربه ساجداً شاكرًا: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
إن النموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هم المؤمنون فقط، وأفضل المؤمنين الأنبياء والرسل، وأفضل الأنبياء والرسل أولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عَلَيْهمِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وأفضل هؤلاء الخليلان إبراهيم أبو الأنبياء ومحمد سيد الأنبياء، وأفضل الخليلين محمد ﷺ الذي كان أحسن الناس خَلقاً وخُلقًا وكان خلقه القرآن، وقد أثني عليه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فهل لنا بهم من أسوة، وهل لنا بهم من قدوة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٨٩ - ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
إن الكفر بنعم الله وجحدها واستعمالها في معصيته، جريمة تستحق العقوبة، كما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
стр. 2424
فالغنى يولد الطغيان والاستكبار، والطغيان يولد الإسراف، فالغنى يولد الطغيان والاستكبار: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
والطغيان يولد الإسراف والظلم، والإسراف يسوق الإنسان إلى التبذير، والتبذير دليلٌ على الترف، والترف يولد الجريمة، وبعد الجريمة تنزل العقوبة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
والترف يُفسد الفطرة، ويغلظ المشاعر ويسد المنافذ ويُفقد القلوب الحساسية المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب، ومن هنا يحارب الإسلام الترف، ويقيم نظامه على أساسٍ لا يسمح للمترفين بالوجود في الأمة المسلمة، لأن الترف كالعفن يفسد ما حوله حتى لا ينخر فيه السوس ويسبح فيه الدود.
فأين مصير المترفين الذين اشتغلوا به عن الإيمان بالله وطاعته وعبادته؟ وأين هي دارهم؟.
قال الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٥].
والمترفون أشد الناس استغراقاً في المتاع والانحراف والذهول عن المصير فها هم يستيقظون على الكارثة الباغتة المفاجئة: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي
стр. 2425
تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ [المؤمنون: ٦٤ - ٦٧].
بسط الرزق وقبضه:
مسألة بسط الرزق وقبضه ليست دليلاً على غضب الله ورضاه، فهذه مسألة، وهذه مسألة أخري ولا علاقة بينهما: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢٠].
وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [سبأ: ٣٥ - ٣٦].
فالله سبحانه عليمٌ حكيم، يغدق على أهل الشر استدراجاً لهم ليزدادوا إثماً وبطراً وسوءً، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة عقوبة على معاصيهم: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وقد يحرمهم الله الرزق فيزدادوا شراً وفسوقاً وجريمة وجزعًا وضيقاً ويأسًا من رحمة الله فيتضاعف رصيدهم من الشر والضلال.
الله سبحانه حكيمٌ خبيرٌ بصيرٌ بعباده، قد يغدق الله على أهل الخير ليمكنهم من أعمالِ صالحة كثيرة، وما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق، وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان والفعل الجميل، ويدخرون بهذا
стр. 2426
كله رصيداً من الحسنات: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان وثقتهم بربهم ورجائهم فيه واطمئنانهم إلى قدره ورضاهم بربهم وحده، وهو خيرٌ وأبقى، وينتهون بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢].
وبهذا نعلم أن الله قد يُغدق الرزق على من هو عليه غاضب، كما يغدقه على من هو عليه راض، وقد يُضيق الله على أهل الشر، كما يُضيق على أهل الخير، وهو الحكيم العليم الذي يضع الشيء في موضعه، فمن وهبه الله مالاً وولداً فأحسن فيهم التصرف، ضاعف الله له الثواب، جزاءً ما أحسن بنعمة الله.
وليست الأموال والأولاد بذاتها هي التي تقربهم من الله، ولكن تصرفهم في الأموال والأولاد وفق أمر الله هو الذي يُضاعف هم الجزاء الجميل، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
стр. 2427
إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم عند دعوتهم إلى الله بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى الله في خلقهم وإيجادهم وفي إمدادهم بأقواتهم وفي هدايتهم إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، وأن الله غنيٌ عنهم كل الغنى، وأنهم حين يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له وحمده على آلائه ونعمائه، فإن الله غنيٌ عن عبادتهم وحمدهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥].
وقال النبي ﷺ : «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ واحدٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (١).
هو سبحانه الغني الحميد، المحمود لذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
فلابد من تذكير الناس بعظمة ربهم ليعظموه وبقدرته ليقدروه ويكبروه وأنهم لا يُعجزون الله ولا يعزون عليه فهم إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلقِ جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض، فهو القادر على ذلك وهو عليه يسير: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣].
стр. 2428
والناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، الأغنياء والفقراء، العامة والخاصة، السادة والعبيد كلهم بحاجة إلى أن يُذَكروا بهذه الحقيقة ليعرفوا الغني من الفقير، والقوي من الضعيف، والكبير من الصغير، لأن لا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله يُعنى بهم ويرسل إليهم الرسل.
ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة إلى الهدى، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، فيركبهم الغرور فيظنون أنهم شيء عظيم عند الله، و أن هداهم وعبادتهم تزيد شيئًا في مُلك الله تعالى، وهو الغني الحميد: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
إن الله ﷻ إنما يعامل عباده هكذا رحمه منه وفضلًا وكرمًا ومَنً، لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته، له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في مُلكه شيء بهداهم أو ينقصون من مُلكه شيء بعماهم، ولا لأن هؤلاء العبادة مخلوقات نادرة عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال فيُغتفر لهم ما يقع منهم من الفكر والمعاصي لأنهم صنفٌ لا يعاد ولا يستبدل: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨].
стр. 2429
١٠ - الخزانة العاشرة
نعم الدينٍ والدنيا والآخرة كلها من الله وحده لا شريك له:
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والله سبحانه بالناس رءوفٌ رحيم، يمنح العباد من رعايته وبفيض عليهم من رحمته ويغمرهم بسابغ فضله بتسخير ما في السماوات والأرض لهم، وإرسال رسله إليهم، وإنزال كتبه عليهم واحتمال رسله ما يحتملون من إيذائهم وإعراضهم والسخرية منهم وهم يعفون عنهم ويصبرون على أذاهم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج: ٨].
إن الإنسان ليُحار ويدهش من رؤية فضل الله ومنه وكرمه حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر الضعيف العاجز ينال من كرامة الله وعنايته ورعايته، كل هذا القدر الهائل العظيم من النعم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فالإنسان ساكنٌ صغير من سكان هذه الأرض السابحة في الفضاء، والسماء والأرض مملوءة بمخلوقات لا يحصيها إلا الله، ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية والعناية، حيث خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له
стр. 2430
ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء وجعله في الدنيا خليفة ويوم القيامة جليسه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وكم فضل الله وإحسانه إلى البعاد، خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض ووهبه كل أدوات الخلافة سواء إن كانت في تكوينه وتربيته وتركيبه، أو تسخير القوى والطاقات الكونية الملازمة له في خلافته، من شمسٍ تشرق وهواءٌ يجري في الكون وأرض ممهدة وأرزاق مختلفة، ويظل هذا المخلوق يتبجح حتى لا يشرك بربه أو ينكره.
فإذا ما حصل منه ذلك أرسل الله برحمته إليه الرسل رسولاً بعد رسول وينزل على الرسل الكتب والآيات والمعجزات ويخبرهم عن ذوات أنفسهم وعمن سبقهم ويسوقهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم مما يضرهم، كل ذلك من أجل هذا الإنسان: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والناس خُلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة، ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته بعباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
وليستحيوا أن يقابلوا فضل الله الخالص ورعايته المجردة ورحمته الفائضة بالإعراض والجحود والإنكار: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ
стр. 2431
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
فكتاب الله فيه تبيان كل شيء، يُلمس بمثل هذه الحقائق الكبرى قلوب البشر لأن الحقيقة حين تُجلى أفعل في النفس، ولأن الله هو الحق وبالحق أنزل كتبه وأرسل رسله، فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يُقنع إلى بالحق، ولا يعرض إلا الحق، ولا يشير ويوصي بغير الحق، فما أحوجنا إلى تدبر القرآن بنور الإيمان: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
والله لطيفٌ بعباده يرزق من يشاء، يرزق الصالح والطالح والمؤمن والكافر، وهو الغني المالك لذلك القادر عليه: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ [الشورى: ١٩].
فجميع الأرزاق تخرج من خزائنه إلى جميع خلقه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والبشر أعجز من إن يرزقوا أنفسهم شيئًا، وقد وهبهم الله الحياة وكفل لهم أسبابها الأولية، ولو منع الله رزقه عن الكافر والفاسد ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم ولماتوا جوعاً وعطشاً وعرياً وعجزاً عن أسباب الحياة الأولى، ولما تحققت الحكمة من إحيائهم وإعطائهم الفرصة أن يؤمنوا أو يكفروا، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
فالناس في الدنيا إما أن يؤمنوا أو يكفروا، والله ابتلاهم ليعملوا في الحياة الدنيا ما يُحسب لهم في الآخرة أو عليهم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
стр. 2432
ومن ثم أخرج سبحانه الرزق من دائرة الصلاح والطلاح، ومن دائرة الإيمان والكفر، وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة، واستعداد الأفراد وجعله فتنة وابتلاءً يجزي عليهما الناس يوم الجزاء، ثم جعل سبحانه الدنيا حرثًا والآخرة حرثًا يختار المرء منهما ما يشاء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].
فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه وزاده الله له في حرثه وبارك له في عمله، وكان له مع حرث الآخرة رزقٌ مكتوب له في هذه الأرض لا يحرم منه شيئاً ولا مثقال ذرة، ومن كان يريد حرث الدنيا أعطاه الله من عرض الدنيا رزقه المكتوب له لا يُحرم منه شيئاً.
لكن ليس له في الآخرة من نصيب فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئاً ينتظر عليه ذلك التنصيب: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٢].
فاللهم فقهنا في الدين واجعلنا هداه مهتدين، وما أحمق الذين يريدون حرث الدنيا فقط فالله بفضله يمد هؤلاء وهؤلاء، ولكل إنسان نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له بعلم الله، ثم يبقى حرث الآخرة خالصاً لمن أراده وعمل فيه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 2433
أرزاق العباد كلها في السماء:
أرزاق العباد كلها في السماء، ومكان الاستلام في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].
ولو كانت الأرزاق في الأرض لتقاتل الناس عليها.
إن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض حيث يكد فيها الإنسان ويكدح وينتظر من وراءها الرزق والنصيب، ولكن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء إلى الغيب إلى الله ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والخط المرسوم من الله الرزاق ذي القوة المتين.
أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة فهي آيات للموقنين، آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله ويتخلص من أثقال الأرض وأوفاق الحرص والأسباب الظاهرة للرزق، فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى من أنشأ هذه الأرزاق وأنشأ هذه الأسباب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فالقلب المؤمن بربه يدرك هذه اللفتة ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها، فهو مكلفٌ بالخلافة فيها وتعميرها، وإنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بالأرض وألا يغفل عن الله في عمارتها، ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء، وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه فرزقه مقدرٌ في السماء وما وعد الله لابد أن يكون في مكانه وزمانه ومقداره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
стр. 2434
وبهذا ينطلق قلب الإنسان من آثار الأسباب الظاهرة في الأرض ويراها آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش قلبه موصولاً بربه، موصولاً وناظراً إلى السماء وقدماه على الأرض، والإيمان هو الوسيلة التي تجعل الإنسان مفضلاً على العالمين.
وإذا استقام الناس على الدين أفاض الله عليهم الرزق والرخاء وابتلاهم به لينظر أيشركون أم يكفرون، فإذا آمنوا واتقوا فتح الله عليهم بركات السماء والأرض وتدفقت عليهم الأرزاق، وإذا حادوا عن الطريق اُستلبت منهم الخيرات وما يزالون في نكد وفي شظف حتى يعودوا إلا الله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٦ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وإذا كانت هناك أممٌ لا تستقيم على دين الله، ثم تنال الوفرة والغنى فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو آمنها أو قيمة الإنسان وكرامته فيها، فتلك النعم الظاهرة تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء والطمأنينة، وتحيل الحياة إلى تعاسة وترديٍ في الأخلاق: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
والرخاء كالشدة ابتلاءٌ من الله لعباده وفتنه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
стр. 2435
والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه، أشق على النفس من الصبر على الشدة، فكثيرٌ من الناس يصبر على الشدة ويتماسك لها بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومن ذكره لله والتجاء إليه واستعانة به حين تسقط الأسناد في الشدة فلا يبقى إلا ستره عونا، وعونه ﷻ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
فأما الرخاء فيُلهي ويُنسي ويُطغي: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
فالنعيم والرخاء فيلهي ويُنسي ويُطغي ويرخي الأعضاء ويقيم عناصر المقاومة في النفس ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان والكبر والطغيان.
والله سبحانه الذي أعطى النعم للإنسان قادرٌ عل أخذها، فهو الذي أعطاها وهو القادر على أخذها، لأنه بيده المُلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
ولذلك فأول الأشياء في بقاء النعم نسبة الفضل إلى الله في حصولها للعبد، وشكر الله عليها واستعمالها في طاعته، وأداء حق الله فيها من الزكاة وإخراج حق ما أوصى الله بهم من الفقراء والمساكين وذلك الذي يحفظها ويزيدها بركة ونماءً: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
стр. 2436
فإن أنكر الإنسان قدرة الله في حصول النعمة ونسبها إلى نفسه، عاقبه الله بتلفها وزوالها كما حصل لقارون حيث خسف الله به وبداره الأرض: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
وإذا منع العبد حق الفقراء والمساكين منه عاقبه الله كذلك بزوالها وانتقم لحق الفقراء منه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذي تكفل بأرزاق الخلائق كلها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]
وليس المقصود هنا أن هناك رزقاً فردياً مقدراً لا يأتي بالسعي ولا يتأخر بالقعود ولا يضيع بالسلبية والكسل، وإلا فإن الأخذ بالأسباب التي أمر الله بالأخذ بها، فللدنيا أسباب من الكد والكدح، وللآخرة أسباب من المجاهدة والأعمال الصالحة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
إن لكل مخلوقٍ رزقه علم الله كميته ونوعيته وحدد زمانه ومكانه، وهذا الرزق مدخورٌ في هذا الكون مقدرٌ من الله في سنته التي ترتب الإنتاج على الجهد، فالدنيا دار الإيمان والعمل والآخرة دار الثواب والعقاب، فلا يقعدن أحدٌ عن السعي وابتغاء فضل الله، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
стр. 2437
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
ولكن السماء والأرض تذخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات، فالله له خزائن السماوات والأرض وعنده خزائن كل شيء: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧].
فالسماء والأرض مملوءة بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحادي أحداً ولا تتخلف أو تحيد، إنما هو كسبٌ طيب وكسبٌ خبيث وكلاهما يحصل من عمل وجهد، فالأول له ثواب والثاني عليه عقاب.
فالإسلام نعمة الله الكبرى على البشرية، فهل من يأخذها ويشكر المُنعِم بها ويتقرب إلى الله بها ويمشي بها في الناس: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والإنسان مغمورٌ بنعم الله السابغة الوافرة التي لا يدرك مداها ولا يحيط بقدرها ولا يحصي أنماطها، فهل ذكرته بربه؟ وهل جعلها عونًا له على طاعته؟ وهل دفعته إلى إخلاص العبادة للمنعم الشاكر؟.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
стр. 2438
واستمرار النعم تطرأ على العباد مع معاصيهم دليلًا أن المُنعِم غفورٌ رحيم ومن رحمته أنه لا يعطي النعمة للشاكرين وحدهم أو للمؤمنين وحدهم بل غمر بها المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والبر والفاجر، ومن رحمته سبحانه أنه لا يحرم من يعصيه من نعمه.
ولو لم يكن الله رحمنًا رحيمًا لمنع نعمه عمن عصاه، ولو لم يكن الله عفوًا غفورًا لمنع نعمه عمن كفر به ونعم الله لا تُعد ولا تُحصى وخزائنه مملوءة بكل نعمه وهي لا تنقص ولا تفنى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والله سبحانه تارة يعرض نعمه الواسعة على الخلق، ثم يعرض بعد ذلك ما فعل الإنسان بهذه النعم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وتارة يذكر نعمه على الخلق ثم يذكر عموم مغفرته ورحمته لمن أطاعه وعصاه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
ولولا رحمة الله ولولا عفو الله ولولا مغفرة الله ما بقيت لنا نعمة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
стр. 2439
الله حكيمٌ عليم غنيٌ كريم، فقبل أن ينزل الإنسان إلى الأرض خلق الله له النعم وهيأ له ظروف الحياة وقسم لكل إنسان رزقه سواء إن كان مؤمنًا أو كافراً، فالنعمة سبقت المُنعِم عليه، فالله خلق الإنسان فوجد الكون مهيأ له من ربه، الشمس تدفئه وتعطيه الحياة والأرض تطعمه وتعطيه الثمر والمطر ينزل عليه فيسقيه، والهواء موجود أينما كان ليتنفسه بسهوله، والنهار مسخرٌ له ليعمل وينتج والليل مسخرٌ له لينام ويستريح.
فكل هذه الأشياء خلقها الله ليجدها الإنسان في الكون في خدمته قد سبقته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].
فالحمد لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 2440
١٥ - خزائن الحمد والشكر
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ الخزانة العاشرة
стр. 2441
١٥ - خزائن الحمد والشكر
١ - الخزانة الأولى
النعم كلها من الله .
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
والنعمة تكون كاملة بثلاثة أمور:
١ - أن تكون منفعة.
٢ - أن تكون خالية من شوائب الضرر.
٣ - أن تكون آمنة من خوف الانقطاع.
والنعمة الكاملة لا تحصل إلا من الله فوجب ألا يستحق الحمد الكامل، والشكر الكامل إلا الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
стр. 2442
والشكر في القرآن يصدر من جهتين:
الأولى: شكرًا من الرب لعبده، ومعناه أن يثيبه الثواب الجزيل على عمله القليل، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
الثانية: شكرًا من العبد لربه على عظمته وجلاله وجماله وعلى عظيم نعمه وإحسانه، ومعناه أن يستعمل العبد جميع نعم الله فيما يرضي الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
والفرق بين الحمد والشكر:
أن الحمد يكون بالثناء على الله بصفات الجلال والجمال، وصفات المجد والعظمة والقدرة والكبرياء والعلم والرحمة.
أما الشكر فيكون بالثناء على الله بالمعروف والإحسان الذي أسداه إلى العبد، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
стр. 2443
وأعظم الشكر هو شكر الله على نعمة الإسلام، فالإسلام أعظم نعمة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
والشكر على نعمة الإسلام أعظم شكر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
ولهذا طلب الله من جميع الأنبياء والرسل والمؤمنين أن يشكروا الله على هذه النعمة، كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، والشاكر هو من شكر الله فأقام الدين في حياته، وقام بجُهد الدين وإبلاغ غيره: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
والشكر لله هبة من الله فهو الذي أنعم بالنعم، وهو الذي أعان على شكرها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا ملء السماء وملء الأرض ومليء ما شئت من شيء بعد أن خلقتنا من عدم وأمددتنا بالنعم فلك الحمد والشكر، والحمد لله على ما أعطاني من الخير وصرف عني من الشر، والحمد لله الذي أنعم علي بنعمٍ لا تعد ولا تُحصى، وأنعم على غيري
стр. 2444
بصنوف النعم، والحمد لله على كمال أسمائه وصفاته وأفعاله وعظمة ملكه وسلطانه وجمال دينه وشرعه وحسن ثوابه وعقابه.
والحمد لله الذي خلق كل شيء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
والحمد لله على الفضائل التي خصني بها من الإيمان والهداية والخَلق الحسن: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقال الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
فأنت يا الله أهل أن تُعبد، وأهل أن تُحمد، وأهل أن تُشكر وأهل أن تُطاع: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
لك الحمد والشكر على جمال ذاتك وجمال أسمائك وصفاتك وجميل نعمك وإحسانك، أردت منا أن نتصف بالصفات التي تحبها فأنزلت إلينا الدين الحق الذي من اتبعه تجمل بالصفات التي تحبها: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
стр. 2445
والحمد لله مع أنه مُكلف لعباده بالأوامر دليل على عظمة نعمة الهداية والعبادة التي خص بها أولياءه، وأما نعمة الربوبية فهي عامة لكل الخلق: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].
الله ﷻ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، فوجب على الخلق أن يشكروه لكماله وجلاله وجماله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
هو المنعم بجميع النعم نعمٌ ظاهرة ونعمٌ باطنه، ونعمٌ في الدنيا ونعمٌ في الآخرة، ونعمٌ على من آمن به ونعمٌ على من كفر به، ونعمٌ داخل الإنسان ونعمٌ محيطة بالإنسان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وكما ملأ الله الكون بنعمه العظيمة وسخرها للإنسان فيجب على العباد أن يشكروه بقدرها ليزيدهم من فضله، ولكنه كريمٌ يرضى بالقليل من الشكر، ويعطي الجزيل من الثواب على العمل القليل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
стр. 2446
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٨].
ونعم الله على خلقه عظيمة لا تعد ولا تُحصى، والبشر عاجزون عن شكر نعمة واحدة منها، فكيف بشكرها كلها: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فنعم الله كثيرة لا يمكن للعقل إحصاءُها وإذا لم يمكن إحصاءُها لم تمكن القدرة على حمد الله على الوجه اللائق بها، سواءً كانت هذه النعم نعمٌ مادية أو نعمٌ روحية وهي الدين.
لهذا كل ما خلق الله في السماوات والأرض فهو نعمة مسخرة للإنسان فوجب عليه شكرها في كل حال، وكل طاعة وكل عبادة فهي نعمة من الله على هذا الإنسان؛ ليصير على الصراط المستقيم إلى ربه العظيم الذي أكرمه، لهذا أمرنا الله بالاستغفار بعد العبادات الكبار بعد الصلاة وبعد الصيام وبعد الحج، وأمر النبي ﷺ بكثرة الاستغفار في كل حال، لعظيم حق الله وعجز الخلق عن شكر نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
ثم إن الإنسان إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره، إذا أعانه الله وأقدره على ذلك الحمد، وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد، وإذا أزال عنه العوائق والموانع وكل ذلك من إنعام الله عليه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ
стр. 2447
إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
فلا يمكن لأحدٍ من الخلق القيام بحمد الله وشكره على نعمه العظيمة إلا بواسطة نعمٍ عظيمة من الله تعالى عليه، وتلك النعم توجب الحمد والشكر للمُنعم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
ولما كانت نعم الله على العبد لا تُحصى امتنع عليه الإتيان بحمد الله وشكره على ما يليق به، ولكنه سبحانه كريمُ يقبل القليل من العمل ويعطي عليه الجزيل من الثواب، فالعبد عاجزٌ عن الإتيان بحمد الله وشكره على ما يليق به وعاجزٌ عن حمد الله وشكره حمدًا يقابل نعم الله عليه، ولهذا قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
فحمد نفسه قبل أن يخلق الحامدين له.
فبين سبحانه أن كل الحمد مُلكه وحقه سواءً قدر الخلق على حمده أو لم يقدروا عليه، ولم يقل احمدوا الله ولو قال احمدوا الله لكلفهم بما لا طاقة لهم به، إذ يجب عليهم إحصاء النعم ثم القيام بشكر كل نعمه، والبشر عاجزون عن ذلك قطعًا لهذا حمد نفسه وعلمنا كيف نحمده بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
شمل ذلك كل حمدٍ أتى به أحد من العالمين وكل حمد سيأتون به، وذلك يشمل جميع المحامد التي ذكرها ملائكة العرش وسكان السموات السبع، وسكان الأراضين السبع وجميع الخلق وجميع الأنبياء من لدن آدم ﷺ إلى
стр. 2448
محمد ﷺ ، وجميع المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قولهم في الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٩ - ١٠].
فكل حمدٍ أتى به هؤلاء العالمين فهو له وهو مستحقه؛ لأنه لكماله وجلاله وجماله، هو المستحق للحمد والعبادة وحده لا شريك له: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
فسبحان من تسبح السماوات والأرض ومن فيهن بحمده: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
الفرق بين المدح والحمد والفرق بين الحمد والشكر:
أما الفرق بين المدح والحمد
فالمدح قد يكون للإنسان وغيره من المخلوقات، ولكن الحمد للإنسان دون غيره من المخلوقات.
فالمدح أعم من الحمد، فقد أمدح الإنسان وأمدح جمال الزهرة.
أما الحمد فلا يكون إلا للإنسان، والمدح يكون قبل الإحسان وبعده، فقد يمدح الإنسان من يرجو ثوابه قبل أن يناله، أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان، والمدح قد يكون منهيًا عنه كما لو مدح غيره كاذبًا.
стр. 2449
أما الحمد فهو مأمور به مطلقًا وأعظم الحمد للمنعم بكل نعمة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
وأما الفرق بين الحمد والشكر فالحمد يعم ما إذا وصل الإنعام إليك وإلى غيرك، والشكر مختصٌ بالإنعام الواصل إليك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
فهذا حمدٌ لنعمة وصلت إليك وإلى غيرك وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فهذا حمدٌ خاص على ما أنعم به عليك ربك، فالحمد لله ثناء على الله على كل إنعام أنعم به على خلقه سواء وصل إلي أو وصل إلى غيري فالله مستحق للحمد في كل حال سواء أعطاني أم لم يعطني؛ لأن إنعامه واصلٌ إلى كل العالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
فالحمد لله على ما دفع من البلاء والشكر لله على ما أعطى من النعماء، والله وحده هو المستحق لجميع أنواع الحمد بسبب كثرة أياديه، وأنواع آلاءه وإحسانه إلى عباده: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والحمد والشكر والثناء حق الله ومُلكه والله محمود قبل حمد الحامدين وقبل خلق الحامدين وقبل شكر الشاكرين، وحمد الخلق لله أجره عائد عليهم: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
стр. 2450
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ [الإسراء: ٧].
ومعنى الحمد أن تحميد الله ليس عبارة عن قولنا الحمد لله؛ لأن هذا اللفظ إخبارًا عن حصول الحمد لكن حقيقة الحمد: كل فعلٍ يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا عليك.
وذلك الفعل ثلاثة أقسام:
إما أن يكون فعل القلب .. أو فعل اللسان .. أو فعل الجوارح.
ففعل القلب: أن يتيقن القلب أن الله موصوفٌ بصفات الجلال والجمال فيحمده لذاته وجلاله وجماله بقلبه وعظيم إنعامه وإحسانه.
وأما فعل اللسان: فيذكر الله ويحمده ويشكره ويثني عليه بلسانه.
وأما فعل الجوارح: فيؤدي العبادات التي مدارها على تعظيم الله والثناء عليه ويستعمل ما أنعم الله به عليه في طاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
стр. 2451
٢ - الخزانة الثانية
فقه الحمد والشكر:
كان الله ولم يكن شيئًا قبله ثم خلق الخلق، وقد أثنى على نفسه بأنه الخالق لكل شيء فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وقد أنعم الله علينا بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، أنعم علينا بنعمة الخلق والإيجاد، ونعمة القوت والإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد، فكل مخلوق وكل موجودٍ في العالم العلوي والعالم السفلي فإنما حصل بإيجاد الله وفضله وإحسانه، فالإيجاد نعمة من الله وكل موجود وكل مخلوق في عالم الأرواح وفي عالم الأجسام والعالم العلوي والعالم السفلي لله عليه نعمة ورحمة وإحسان.
والنعمة والرحمة والإحسان موجبة للحمد والشكر لله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فإذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
стр. 2452
استحضر في قلبه عظمة من يحمد وهو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الكبرى والمثل الأعلى، وعظمة جلاله وجماله وعظمة ملكه وسلطانه وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة دينه وشرعه، وعظمة النعم الصادرة منه الواصلة إلى كل ما سواه من خلقه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وتَذكر العبد كثرة الحامدين له في كل مكان وفي كل زمان، فما من ذرة في الكون إلا وهي شاهدة بوحدانية الله ومسبحة بحمده وخاضعة لأمره ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
فليس الحمد لله على النعم الواصلة إلينا فقط ولا على النعم الواصلة إلى غيرنا فقط، بل الحمد الكامل لله على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى عظيم عطائه وإحسانه، وعلى جمال دينه وشرعه، وعلى حسن ثوابه وعقابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
стр. 2453
له الحمد ﷻ وحده على كل مخلوق خلقه وعلى كل نعمة أنعم بها وعلى كل حدثِ أحدثه من خلقٍ ورزقٍ ومن نور وظلمة ومن سكونٍ وحركة، ومن خلق العرش العظيم، وخلق الكرسي الكريم وخلق السماوات السبع والأراضين السبع ومن فيهما وما عليهما وما بينهما من عظيم وأنواع المخلوقات التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا هو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف: ١ - ٣].
اللهم ربنا لك الحمد على عظيم نعمك التي لا تُعد ولا تُحصى والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا ملء السماء وملء والأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد وأحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
الحمد لله الذي أنعم علي وعلى غيري وأعطاني خيرًا وصرف عني شرًا، وأكرمني وخلقني وسواني في بطن أمي وأنعم علي لما خرجت بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، وأعظمها نعمة الإسلام فالحمد لله الذي مَنْ علي بالهداية والأمن في الدنيا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 2454
والحمد لله الذي مَنْ علي بهذا الدين العظيم الذي بسببه يفوز العبد بالجنة وينجو من النار يوم القيامة ويسعد برضوان ربه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
وقال النبي ﷺ «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ». متفق عليه (١).
فقه الحمد والشكر:
الحمد لله جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار، والدين كله مجموعٌ في هذه الكلمة فالحمد لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
стр. 2455
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
والحمد لله لها تعلقٌ بالماضي ولها تعلقٌ بالحاضر ولها تعلقٌ بالمستقبل، أما تعلقها بالماضي فهو أن الحمد يقع شكرًا على النعم المتقدمة، وأما تعلقها بالحاضر هو أن الحمد يقع شكرًا على النعم الحاضرة، وأما تعلقها بالمستقبل فهو أن الحمد يوجب تجدد النعم وزيادتها في المستقبل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
والنعم السابقة توجب حب الله وحب عبادته والقيام بطاعته، فإذا حصل للعبد ذلك واشتغل بالشكر فتح الله له أبواب معرفته، ومعرفة أنواع نعمه فأحبه وأطاعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤].
والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق بجلاله من صفات النقص والعيب ومشابهة الخلق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]
والتحميد يدل على التسبيح دلالة تضمن؛ لأنه يدل مع حصول تلك الصفة على كون الله محسنًا إلى الخلق منعمًا عليهم رحيمًا بهم، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].