← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

ومن أسماء الله الشاكر والشكور والحميد كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وشكر الرب تعالى ليس كشكر الخلق، بل له شأن آخر كشأن صبره سبحانه فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو الشكور على الحقيقة؛ فإنه يعطى العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧]. يعطي على الحسنة عشر أمثالها، فيشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى أضعافًا مضاعفة، ويشكر عبده بأن يثني عليه في الملأ الأعلى وبين ملائكته، ويلقى له الشكر بين عباده ويشكره بفعله إذا ترك شيئًا لله أعطاه الله أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩]. فهو سبحانه الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وعلى هذا، فهو سبحانه الغني الحميد الذي وفق العبد للترك والبذل، وشكره على هذا وعلى هذا، فسليمان ﷺ لما عقر الخيل التي أشغلته عن ذكر ربه أعاضه منها متن الريح، ولما احتمل يوسف ﷺ السجن شكر الله له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.

стр. 2522

ولما بذل الرسل والمؤمنون أعراضهم في الله لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣]. ولما ترك الصحابة ﵃ ديارهم وخرجوا منهم في مرضات ربهم أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. ومن شكره سبحانه أن يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا بأن يخفف به عنه يوم القيامة، فلا يُضيع الله عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه، فيجازى عليه في الدنيا ويخفف عنه العذاب يوم القيامة لكنه لا يدخل الجنة، ومن شكره سبحانه أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلبًا قد جهده العطش حتى أكل الثرى، وغفر لأخر بتنحيته غصن شوك عن طريق الناس، وهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه، والمخلوق لمَ يشكر من أحسن إليه؟. وأعظم من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١] فهو سبحانه المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤].

стр. 2523

وشكره سبحانه يأبى تعذيب عباده بغير جُرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلًا، فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء كما قال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. ومن شكره سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من إيمان ولا يضيع عليه هذا القدر، ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكره وينوه بذكره كما شكر لصاحب يس مقامه والدعوة إليه، ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن أسمائه الحسنى كلها. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. أحب الخلق إليه من اتصف بموجبها وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض سبحانه الكفور والظالم والجاهل والبخيل والجبان واللئيم، وهو سبحانه جميلًا يحب الجمال، رحيمًا يحب الراحمين، محسنٌ يحب المحسنين، شكورٌ يحب الشاكرين، عفوٌ يحب العافين.

стр. 2524

١٠ - الخزانة العاشرة الله هو المُنعِم بكل نعمة، والنعمة على ثلاثة أقسام: أحدها: نعمة تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق. قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. الثانية: نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر وهي في الحقيقة أنها وصلت من الله تعالى، وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة والخالق لذلك المُنعم، والخالق لداعية الإنعام في قلب ذلك المُنعم، إلا أنه لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله المُنعم بها. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]. فبدأ بنفسه تنبيهًا إلى أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله. الثالثة: نعمة وصلت إلينا بسبب طاعتنا وهي أيضًا من الله، لأنه لولا أن الله سبحانه وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا، وإلا لما وصلنا إلى شيء منها. قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].

стр. 2525

إن نعم الله على عباده لا يمكن أن يحصيها أحد وهي نعم لا يمكن لأحدٍ أن يحيط بها، كما قال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] والنعم كثيرة علينا في ذواتنا ومن حولنا وفي هذا الكون العظيم، إن الشمس التي تشرق كل صباح هي نعمة من نعم الله التي سخرها لعباده، فيجب عليهم أن يشكروه على هذه النعمة وهي تشرق كل يوم بإذن ربها وأمره لتُذكر الإنسان بنعمة الله عليه وتسخينها له، وكذلك القمر وكذلك النجوم وكذلك الأرض، وكل ما تعطي من عطاء للبشر من ماء ونبات وحجر ومعدنًا وغاز، وغير ذلك من الأنعام والنعم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وكذلك الأنعام التي تدير الألبان، والإبل والخيل التي يركبها الإنسان كلها مذللة ومسخرة للإنسان ومنقادة له، فيجب على العباد شكر المنعم بهذه النعم العظيمة، وهذه الطاعة من هذه الحيوانات ليست للبشر، ولكن لأمر الله في التسخير للبشر فالجمل أو الحصان لا يخضع للطفل الصغير خوفًا منه ولا عن عدم قدرة. ولكنه يخضع له لأن الله أمره أن يخضع له: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].

стр. 2526

وحتى يذكرنا الله بهذه النعمة خلق الله بعض الحيوانات ولم يجعلها مذللة له، بل تركها غير مسخرة له كالسباع والأسود والثعابين والعقارب ونحوها مما يخاف الناس منه، وهذه الحيوانات ظلت وستظل لا تخضع لبشر فهو سبحانه وحده الذي سخر ما شاء من خلقه لبعض خلقه، فهي مطيعة في كل زمان ومكان بأمر ربها في التسخير. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. والله غفورًا رحيم يفرح بتوبة العبد إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله ويكفر عنه ذنوبه ويوجب له محبته بالتوبة وهو الذي ألهمه إياها ووفقه لها وأعانه عليها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. وملأ سبحانه سماواته من ملائكته واستعملهم في تسبيحه وتقديسه والاستغفار للمؤمنين في الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء لعباده المؤمنين والاستغفار لذنوبهم وطلب وقايتهم من عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم الجنة، فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].

стр. 2527

فما أعظم هذه العناية من الرب ﷻ ، وما أجمل هذا الإحسان وما أعظم نعمه على عباده، وما أعظم هذه الرحمة وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم. قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه ونعمه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه ويدعوهم إلى سؤاله فيدعو مسيئهم إلى التوبة ومريضهم إلى أن يسأله الشفاء وفقيرهم إلى أن يسأله الغنى ومحتاجهم إلى أن يسأله قضاء حاجته. وذلك كل ليلة كما قال النبي: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». متفق عليه (١). فباب النعم والإحسان باب عظيم يدخل منه كل أحد إلى محبة الرب سبحانه، فإن نعمه على عباده مشهودة لهم يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات، وهي لا تُحصى ولا تُستقصى. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].

стр. 2528

فهذه محبة للرب الرحيم الكريم تنشأ من مطالعة المنن والإحسان ورؤية النعم والآلاء، وكلما سافر القلب فيها ازداد محبة لربه وتأكدت وازداد حمدًا له وشكرًا له، ولا نهاية لها فيقف القلب عندها بل كل ما ازدد فيها نظرًا ازداد فيها اعتبارا وعجزًا عن ضبط القليل منها فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه. والله ﵎ دعا عباده من هذا الباب حتى إذا دخلوا فيه دعوا من الباب الأخر، وهو باب الأسماء والصفات الذي إنما يدخل في خواص خلقه وهو باب المحبين حقًا، الذي لا يدخل منه غيرهم ولا يشبع من معرفته أحد منهم. فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة الله وطاعته وحمده وشكره، من هذا شأنه إلا أردئ القلوب أخبثها وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الله سبحانه قد فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أسمائه وصفاته من خلقه، ومعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا من الله سُبْحَانَهُ ولاشيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمالٍ وجمالٍ في المخلوق من آثار صنعه، وهو الذي لا يُحد كماله ولا يحاط بوصف جلاله وجماله ولا يحصي أحدًا من خلقه ثناءً عليه سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].

стр. 2529

ما عرفه الخلق كلهم من نعم الله تعالى بالإضافة إلى ما لم يعرفوه أقل من قطرة في بحر، وأقل من ذرة في جبل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. والخلق لم يقصروا في شكر النعمة إلا للجهل بها وبالمُنعم بها والغفلة عنها، فإنهم مُنعوا بذلك عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧]. ثم إن عرف العباد نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول أحدهم بلسانه الحمد لله أو الشكر لله فقط، ولم يعرفوا أن معنى الشكر لله أن تُستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله وعبادته، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]. ولله تعالى في كل موجود حكمة ونعمة فليشكر العبد ربه عليها. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].

стр. 2530

والشكر على ثلاث درجات: الأولى: الشكر على المحاب. فكل الخلق في نعم الله، وكل من أقر بالله ربا وعلم تفرده بالخلق والإحسان فإنه يضيف نعمته إليه لكن الشاهد في تمام حقيقة الشكر وهو الاستعانة بها على مرضاته: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. ثانيًا: الشكر في المكاره. وهو أشد وأصعب من الشكر على المحاب، ولهذا كان فوقه في الدرجة فالمسلم لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله به، فإذا نزل به مكروهًا شكر الله تعالى عليه، فكان شكره كظمًا للغيظ الذي أصابه وسترًا للشكوى، وهذا الشاكر قابل المكارة التي يقابلها أغلب الناس بالجزع والسخط وأوسطهم بالصبر وأقلهم بالرضا، وأقلهم بالحمد قابلها هو بأعلى من ذلك كله وهو الشكر والحمد: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. الثالثة: أن لا يشهد العبد إلا المُنعم. فهو مشغولًا بمراده منه عن غيره، وواقف مع مراد الملك منه لا مع مجرد حظه من الملك، وعبادة النفس أن يقف العبد مع مراده من الله لا مع مراد الله منه، ودرجات الشكر وأنواعه كثيرة فحياء العبد من تتابع نعم الله عليه شكر، ومعرفته بتقصيره عن الشكر شكر، ومعرفته بعظيم حلم الله وستره شكر.

стр. 2531

والمعرفة بأن النعم ابتداءً من الله بغير استحقاق شكر، والعلم بأن شكر نعمة من نعم الله شكر، وحسن التواضع في النعم والتذلل فيها شكر، وشكر أهل الجود والإحسان من الخلق شكر؛ فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله. وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شُكر، وتلقي النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر واستعمال النعمة في طاعة الله شكر، والثناء على الله بها شكر: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. والنعمة هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، وكل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى وهو نعمة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. والمدح يحصل للعاقل وغير العاقل، كمدح الإنسان العاقل على حُسن خلق ومدح اللؤلؤ لجماله، أما الحمد فلا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من المعاني والإحسان سواءً وصل إليك أو إلى غيرك، فالحمد لله رب العالمين أنعم علي وأنعم على غيري وأعطاني خيرًا وصرف عني شرًا. والشكر عبارة عن تعظيم المنعم وشكره على الإنعام الواصل إليك فالمدح أعم من الحمد والحمد أعم من الشكر، فالله سبحانه هو الذي أنعم على البشر بالأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة، فهو الذي أعطاهم إياها وجعل ينميها إليهم شيئًا فشيئًا إلى أن يصل كل أحدٍ إلى الحالة اللائقة به.

стр. 2532

وذلك لأجل أن يشكروا الله باستعمال ما أعطاه من هذه الجوارح في طاعة الله خاصةً السمع والبصر والعقل، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. فلله الحمد والشكر على ما أعطانا من الخير، وله الحمد على ما صرف عنا من الشر، وله الحمد والشكر على ما أنعم به علينا وعلى غيرنا، وله الحمد والشكر أن ابتدأنا بالنعم قبل أن نسأله، وله الحمد والشكر على دوام النعم خاصةً نعمة الإسلام التي لا يعدلها نعمة. «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ لَا مَانِعَ لِمَا مَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ منك الْجَدِّ». أخرجه مسلم (١). «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقّ». متفق عليه (٢). اللهم لك الحمد كله ومنك الفضل كله وإليك يرجع الأمر كله أوله وأخره علانيته وسره كبيره وصغيره لك الحمد لا أحصي ثناءً عليك أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد.

стр. 2533

وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا العازب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الجائع الذي أطعمته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد. وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا الجاهل الذي علمته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧] وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].

стр. 2534

١٦ - خزائن الابتلاء القسم الأول ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ الخزانة العاشرة

стр. 2535

١٦ - خزائن الابتلاء القسم الأول ١ - الخزانة الأولى فقهُ الابتلاء: الابتلاء الذي يُميز الخبيثُ من الطيب هو الطمعُ، والخوف، فإن مِحن الطمعُ والخوف هي التي تكشف المخبوءَ من الأخلاقِ عند الناس. وقد ابتلي اللهُ أُمة موسي ﷺ بالخوف والطمع، وابتلي أُمة مُحمد ﷺ بالخوفِ والطمع، فنجحت وفازت أُمة مُحمد ﷺ ، ولم تنجح أُمة موسي ﷺ . فأولاً: أُمة موسي ﷺ ابتلاهم الله بالطمع، حيثُ حرم الله علي بني إسرائيل صيد السمكِ يوم السبت، فلم يصمدوا أمام الطمع، فاحتالوا لصيدهِ يوم السبت، وأخذوه يوم الأحد، فمسخهُم الله قردةً. قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ

стр. 2536

الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ [الأعراف: ١٦٥ - ١٦٧]. ثانياً: ابتلاهم الله بالخوف في جِهاد الجبارين فجبِنوا، فعاقبهُم الله بالتيه أربعين سنة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢٦]. فلم يثبت أهل الكتاب أمام عواطف الطمع، ولم يثبتوا أمام عواصف الخوف، فجاءَ الله بأُمة مُحمد ﷺ بدلّهُم. وأُمة مُحمد ﷺ ابتلاهم الله بالطمع بنفسِ الصيد في غزوةِ الحديبية سنة ست من الهجرة، وهُم في سفرٍ وشدةٍ جوعٍ وقرمٍ إلى اللحم بأن يسّر لهُم جميع أنواع الصيد وهُم مُحرِمون، فلم يمُد رجل يدهَ إلي شيئ منهُ، وثبتوا أمام عواصف الطمع، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ

стр. 2537

عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٤ - ٩٥]. وابتلاهم بالخوفِ في غزوةِ بدر الكُبرى، لأنهُم خرجوا يريدون أخذ العِير، ففوجئوا بجيشٍ عظيم عرمرم مُسلح، فثبتوا أمام هذا الخوف، وقال المِقدادُ بن الأسود حليف قُريش لا نقول لك كما قال قوم موسي لموسي: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤]. بل نُقاتل عن يمينك، وعن شِمالك، وأمامك، وخلقك أو كما قال ﵁ فلما أعاد النبي ﷺ الكلام، قال سعد كأنك تعنينا معشر الأنصار يا رسول الله، والله إنا لقومٍ صُبر في الحرب صُدقٍ عند اللقاء، فثبتوا أمام هذا الخوف العظيم، وجاهد المهاجرون والأنصار مع رسول الله ﷺ ، فنصرهُم الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. واللهُ يبتلي عبادهِ بالحسناتِ والسيئات، ليعلم الشاكر والصابر، كما قال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ [الأعراف: ١٦٨]. ومن حُسن الظن بالله أن يري العبد البلاء رحمةً ونِعمة: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].

стр. 2538

وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. فكم من مِحنة محصّت الذنوب، ونبهت مِنْ الغَفلة، وذكرّت بالنعمة، وكم من مِحنة أعادت العبد إلي ربه، وخلصتهُ من أسر الشيطان كما قال النبي ﷺ ، حين سألته عائشة عن الطاعون، فقال: «عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وأَن اللَه جَعَلَهَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحدٍ يَقع الطَّاعُونِ فَيَمْكُثُ فِي بَلْدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِبْهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَّهِيدِ». أخرجه البخاري (١). وقال النبي ﷺ : «ما يُصيبُ المسلمَ من نَصبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أذىً، ولا غَمٍّ، حتَّى الشوْكَةِ يُشَاكُها؛ إلا كَفَّر اللهُ بِها من خَطاَياهُ». متفق عليه (٢). واللهُ يبتلي عِبادهِ ببعض الأمور المكروهة لحِكمٍ عظيمة، منها تكفير السيئات، ورفعُ الدرجات، وكثرة الحسنات بالصبرِ والاحتساب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وليُبين ما في قلوبِهم من الإيمان بقضاء الله وقدرهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].

стр. 2539

وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] ماذا يفعل الإنسان عند الكرب: أعظمُ الكروب كُرب الأنبياء، لأن الكُروب إنما تعظّم علي الأنبياء من جهة ضياع الدين، لأن الدُنيا لا أهميةَ لها عندهُم، وأعظم كربٍ نزل بالنبي ﷺ يوم بدر، حين رأي قلة المُسلمين، وكثرةَ الكُفار، وضعفِ المُسلمين وذلتَهُم، وقوة الكُفار وعِزتهُم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. فالتجأ إلي الله، واستغاث به وناشدهُ حِفظُ الإسلام، وعرض حالهَ وحال أصحابهَ علي ربهَ، وظل ليلهُ قائماً يهتفُ بربه ويدعوه ويقول: «اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ فِي الأرْضِ اللّهُمّ إنّهُمْ جِيَاعٌ فَأَطعْمهُمْ، وحُفَاةٌ فاحْمِلْهُمْ، وعُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ» أخرجه أبو داود والحاكم. (١). فاستجاب اللهُ دعائهُ وأنزل الملائكة ونصره علي مشركي مكة، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 2540

فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٤]. فعلي كُل مُسلم داهمتهُ الكروب وأحدقت به النوائب، ونزلت به البلايا والمصائِب، أن يلتجأ إلي ربهِ صادقاَ. قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. ويستغيث بالقوي العزيز خالق السماوات والأرض كما فعل ﷺ فاستجاب اللهُ دعائهَ، فالالتجاء إلي الله في ذلك الوقت الحرج من خصائص الرب سبحانه لا يجوز للعبد صرفهُ لغيرهُ لا إلي مَلك مُقرب ولا إلي نبي مُرسل ولا إلي أي مخلوقاً كائن من كان، فلا يجوز صرف حق الله إلي غيرهِ، فلنستغيثُ بالله وحده في جميع الأحوال، خاصةَ عند شدة الحرج، وعِظّم الضنك، وهولِ الكرب. قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. فالاستغاثة بالله وحدهُ سبب للإجابة، وإزالة المكروه عن العبد كما دعا الأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بذلك، فأجابهم ربهم. قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ

стр. 2541

وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٩٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].

стр. 2542

٢ - الخزانة الثانية فقهُ ابتلاء الخلق بعضِهِم ببعض: جعل الله بعض الناس فتنةٍ لبعض، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. فكُل إنسانٍ مبتلى بصاحبه، من الذكور والإناث. فالغني مُمتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منهَ، والفقير مُمتحن بالغني عليه ألا يحسده، ولا يأخُذ منه إلا ما أعطاهُ. والمعافى مُبتلي بالمريض، عليهِ أن يُعينهُ، ويُساعدهُ علي ما يشفي مرضهَ، والمريض مُمتحن بالمعافى، عليه ألا يحسدهُ، ولا يتسبب في أذاه. والسميع مُبتلي بالأصم، والأصم مُبتلي بالسميع، والبصير مُبتلي بالأعمى، والأعمى مُبتلي بالبصير. والسيدُ مُمتحن بالعبد، والعبدُ مُمتحنُ بالسيد، والمُطيع مُمتحن بالعاصي، والعاصي مُمتحن بالمطيع، والأنبياء مُمتحنون بأُممهِم، والأُمم مُمتحنة بالأنبياء، والعَالم مُمتحن بالجاهل، والجاهل، مُمتحن بالعَالم، والإمام مُمتحن بالأُمة، والأُمة مُمتحنة بالإمام، والفتنة أن يحسد المُبتلي المعافى ويحقر المعافى المُبتلي، والنجاة لكُل مِنهما لزوم الصبر، المعافى عن الشماته، والمُبتلي عن الضجر، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠].

стр. 2543

واللهُ ابتلي عبادهِ بالمُحكم والمُتشابه، ليعلم من يقف حيثُ وقفهُ الله، ومن يقول علي اللهِ بلا عِلم، وليعلم الإنسان أنه لم يُؤتَ من العلم إلا قليلَا، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. فاللهُ يبتلي بالمُحكمِ والمُتشابه في القُرآن، ليعلم من يقف حيثُ وقفهُ الله، ومن يقول على اللهِ بلا عِلم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران: ٧ - ٩]. وحكمة التكليف من اللهِ مترددةً بين الامتثال، والابتلاء. فالابتلاء كما أمر الله إبراهيم ﷺ بذبح ابنه إسماعيل، فليس المقصود الامتثال والفعل؛ لأن اللهِ لم يُرد ذبح ابنه إسماعيل كوناً وقدراً، وإنما الحِكمة مُجرد الابتلاء، هل يُصمم علي تنفيذ الفعل؟ كأنه فَعل أو لا، كما قال سبحانه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)

стр. 2544

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١٠٠ - ١١٣]. والامتثال يُشترط لهُ التمكُن من الفعل، كما قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]. أما الابتلاء فلا يُشترط له التمكُن من الفعل. فقه استقبال البلاء: الناسُ في البلاء أربعة أقسام: الأول: التسخُط من المُصيبة: وهذا الصنفُ من الناسَ يشكو اللهَ إلي خلقه، ويشكو من يقدر إلي من لا يقدر، وهذا مُحرم، لأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضيَ فلهُ الرضا، ومن سخط فلهُ السُخط. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ [الحج: ١١ - ١٣].

стр. 2545

الثاني: الصبر علي المُصيبة ابتغاء وجه الله: وهذه درجة عالية، لما فيها من الأجر العظيم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وتكفير السيئات، ولكون الصابر ممن يحبهم الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. واللهُ يُحب الصابرين واللهُ مع الصابرين. قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. الثالث: الرضا عن الله: وهذه أعلي من الصبر؛ لأن الصابر يصبر وهو كاره، فهذا راض عن الله لما قضي عليه، لما يعرفهُ من حُسن العاقبة، فمن رضي عن الله في قضائه، فلهُ الرضا من ربهَ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. فالمؤمن يرضي بقدر الله عليه محبوباً أو مكروهاً، لأنه يعلم أن ما أصابهُ لم يكن ليُخطئهِ، وما أخطأه لم يكن ليُصيبهَ، ولأنه يرجو الثواب على رضاه. قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]. الرابع: الحمد والشُكرُ علي قضاء ربه. فهذه أعلي الدرجات؛ وأحسن المقامات، فهو يحمد ويفرح، لأنهُ يري فعل ربهُ الرحيم بعبدهِ المؤمن، ويري حُسن العاقِبة.

стр. 2546

قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].

стр. 2547

٣ - الخزانة الثالثة الفرقُ بين الكرامة والاستدراج: من سأل اللهُ شيئاُ وأعطاه مرادهُ، لم يدُل ذلك علي كون ذلك العبد وجيهًا عند الله ، سواءً كانت تلك العطية علي وِفق العادة، أو لم تكن علي وفق العادة كالكرامة، بل قد يكون ذلك العطاء إكراماً للعبد علي الطاعة، وقد يكون استدراجًا لهَ لزيادة المعاصي بسببِ كُفرهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢]. والاستدراج لهُ أسماء كثيرة منها: المكر .. والكيد .. والمخادعة .. والإملاء .. والفتح. والاستدراج: أن يعطي الله العبد كل ما يريده من الدنيا، ليزداد ضلاله وغيهُ، وجهله وعِناده، فيزداد كُل يوم بُعداً من الله درجةً فدرجة: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. فإذا مال قلب العبد إلي الدُنيا، ثم أعطاه الله مُرادهَ، وصل إلي مطلوبه، وذلك يوجب حدوث اللذة، وحصول اللذة يزيد في الميلِ إلي الشهوات، والبعُد عن الطاعات، وحدوث الميل يوجب مزيد السعي فيما يُشغل عن طاعة الله، ويصرف عن عبادته: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ

стр. 2548

كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. فالوصول إلي المُرادات لا يدل علي كمال الدرجات، بل هو مع الإيمان والطاعة إكرام للعبد، ومع الكُفر والمعاصي استدراج له: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢٠]. وصاحب الكرامة يخاف من العطاء، لأنهُ قد يكون استدراجًا، أما صاحب الاستدراج فيستأنس بالعطاء، ويظُن أنه إنما أُعطي ذلك، لأنه كان مُستحقاً له، وحينئذ يستحقر غيرهَ، ويتكبر عليه، ويستخف يه، ويحصل له أمن من مكر الله، ولا يخاف سوء العاقبة، فتحصل له العُقوبة: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧]. والمؤمن الحق يخاف من العطاء والإكرام، كما يخاف من أنواع البلاء. فالكرامة غالباً توجب الفرح، والفرح بغير الحق والدين حجاب عن الحق، والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].

стр. 2549

ومن اعتقد أن هذا العطاء بسبب عمله أعجب بعمله، ومن كان لعملهِ وقعُ عنده كان جاهلاً بمقام ربه، ولو عرف ربه العظيم، لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير وهي من فضله، وتحتاج إلي استغفار. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ومن أكرمه الله بكرامات، فإنما أكرمهُ الله، ليشكر ربه، ويظهر الذل والتواضع له، فمن تجبر وتكبر مع هذا العطاء من ربه، فقد قطع ما به وصل إلي الكرامات، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرَ» أخرجه الترمذي وابن ماجة (١). يقول لا أفتخر بهذه الكرامات، وإنما أفتخر بالمُكرم المُعطي ﷻ ، والكرامة غير المُكرم، والرزق غير الرزاق، وكل ما سوي الكريم والرزاق فهو مُحدث فقير ضعيف عاجزًا محتاج. ومن ابتهج بالكرامة دون المُكرم، سقط عن درجته، فالمؤمن لا يُشاهد في الكراماتِ إلا الكريم، ولا في المخلوقاتِ إلا الخالق، ولا في الصور إلا المُصور، فهذا الذي وصل: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].

стр. 2550

وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والافتخار بالنفس وصفاتهِا، من صفات إبليس حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]. ومن صِفات فرعون حين قال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ [الزخرف: ٥١]. أما المؤمن فعزته بعبوديته لربه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]. وإذا أعطي الله عبدهِ كرامة فليشكر ربه، ويعبدهَ، ويستعين بها علي طاعتهِ: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. فلما أعطاه الله العطية الكُبرى أمره بالاشتغال بعبادة المُعطي، لا الفرح بالعطية، والله خير النبي ﷺ بأن يكون نبياً ملكًا، أو نبياً عبدًا، فترك المُلك، واختار العبودية، لأن العبد يفتخر بسيدهِ ومولاه، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ

стр. 2551

الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨] وإذا كان ملكًا، افتخر بأموالهِ وعبيدهِ ومُلكهِ، كما قال فرعون: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ [الزخرف: ٥١]. ولهذا أثني الله علي رسولهِ ومدحهُ بعبوديتهُ لربهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. وقال في مقام التنزيل: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠]. وقال في مقام الرسالة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]. وحُب المولى شيء، وحب مال المولى شيء، فمن أحب المولى لن يفرح بغير المولى ﷻ ، ولن يستأنس بغير المولى، فالفرح والأُنس بغير المولى ﷻ يدل علي أنه لم يكن محباً للمولى، بل كان محباً لنصيب نفسهِ من المولى، فهو ما أحب إلا نفسهَ، وجعل المولى وسيلةً لتحصيل مطلوبهِ منهَ، وما كان مُحباً للمولى، بل هو عابد ومُطيع للصنم الأكبر، وهو الهوى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤]. ومن أتقىِ الله فازَ برِضاه وكرامتهِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].

стр. 2552

فقه الابتلاء: اللهُ حكيم عليم، ابتلى عِبادهُ بثلاثة ابتلاءات: ابتلاهم بالشهوات الحيوانية .. وبالأوامر الإلهية .. وبالمصائب القدرية. الأولي: ابتلاهم بالشهوات الحيوانية، كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. الثانية: الأوامر الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. الثالثة: المصائب القدرية، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. ومقصود الابتلاء هو التوجه إلي الله في كل حال، وعدم الالتفات لأحدٍ سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 2553

فقه انشراح الصدور: انشراح الصدر لا يكون أبداً إلا بالإسلام، ومن أعظم ما يشرح صدر الإنسان ابتلاؤه بالعلم والإيمان والحكمة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. فصدر الإنسان لا ينشرح بكثرةِ المال؛ لأن صاحب المال عنده هم إما من زوال المال، أو نقصهِ، أو موت الإنسان، وترك المال. ولا ينشرح الصدر بكثرة الأولاد؛ لأن الإنسان يخاف عليهِم من الموت والمصائب في كل وقت، ولا ينشرح الصدر بالمُلك والسلطان، لأنه يخشي من زوالهِ، فهو في قلق وخوف دائم، أن يموت، أو يزول ملكه. لكن العلم بالله، والإيمان به، وعبادتهِ وحده لا شريك له، وطاعة الله سرور، وقُرة عين، وأُنسً وطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩]. والصدر هو البحر الذي يسبح فيهِ القلب، فإذا انشرح الصدر، انشرح القلب من بابِ أولي: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦] وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا

стр. 2554

الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام: ١٢٥ - ١٢٧]. وانشراح صدر النبي ﷺ له صوراً كثيرة، منها الصبر علي أذي الكفار والمنافين، والصبر علي أتباعه الذين قد لا يوافقونه، وثقته بالمستقبل من وعد الله، ومداومته ﷺ علي العبادةِ، والدعوة إلي الله، وتعليم شرع الله دون يأس أو مللٍ، وتحليه بالأخلاق الكريمة مع كافة الخَلق: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وعدم استعجاله ﷺ للنتائج، وقطف الثمار، والسكون والطمأنينة في كل حال إلي ربهِ، وعدم التفاته إلي زينة الدُنيا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨].

стр. 2555

٤ - الخزانة الرابعة أشد الناس بلاءً الأنبياء: أعظم الخلق ابتلاءًا هم الأنبياء والرُسل كما قَالَ النبي ﷺ : «أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». أخرجه ابن ماجه والترمذي (١). وأعظم ابتلاءات الأنبياء الابتلاءات التي أُبتلي بها إبراهيم ﷺ ، وموسي ﷺ ، ومُحمد ﷺ . فإبراهيم ﷺ ابتلاه الله فنجح في الابتلاء، فجعله الله إماماً، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]. فاللهُ ابتلي إبراهيم صلى الله عليه وسلمبدعوة قومهِ، ودعوة أبيه، ودعوة النمرود، وصبر علي هذه الابتلاءات فجعله الله أُمه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢]. فهو أمة وإمام في التوحيد، والإيمان، والأخلاق، والصفات، والدعوة، والعبادة، فإبراهيم ﷺ من أجل لا إله إلا الله، أبتُلي بإلقائه في النار فصبر.

стр. 2556

فضحي بالحياة فوهب الله له الحياة، فحين قذفوه في النار جعلها اللهُ فوراً برداً وسلاماً، كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. وضحي بالبلد في العراق، فالله أعطاهُ أحسن بلد، وهي مكة، وبني فيها بيته العتيق، وضحي إبراهيم ﷺ بالولد، وهو إسماعيل حين أراد ذبحهِ، حين أمره الله ، فالله أحيا الولد، وأخرج من نسلهِ أفضل ولد، وهو مُحمد ﷺ ، الذي بُعث من نسل إسماعيل، وابتلي بترك أُم الولد في مكة: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]. فالله حفظ أُم الولد، وحفظ الولد، وجعل خطوات هذه المرأة نسُكاً يتعبد به الناس إلى يوم القيامة، وهو السعي بين الصفا والمروة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]. وموسي ﷺ ابتُلي حين ولادته، لأن فرعون كان يُقتل كل الأولاد في كل سنة فولد تلك السنة، وابتُلي بقصر فرعون، وابتُلي حين قتل القبطي، وابتُلي في مَدين برعي الغنم عشر سنين، و ابتُلي حين عاد بأهله من مَدين، وابتُلي بدعوة أكبر طاغية وهو فرعون. وابتُلي حين جمع له فرعون السحرة، وابتُلي حين لحقه فرعون وجنوده مع بني إسرائيل، حتى أغرقهم الله في البحر، وأبتُلي حين بقي في التيه مع بني

стр. 2557

إسرائيل أربعين سنة، وابتُلي بطلب العِلم عند الخضر، فحياته ﷺ كلها ابتلاءات، وقد وردت قصته في القُرآن في ثمانية وعشرين جزءًا. فأعظم منة علينا نعمة الإسلام: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. فأسباب الحق تكون بالمُجاهدة، وبذلِ الجُهد، لإعلاء كلمةِ الله، ونشر دينه، وأسباب الباطل تكون بالمشاهدة، ومُلك الأموال والسلاح، ونحو ذلك، ففرعون عنده أسباب الباطل المشاهدة، كما قال لقومهِ: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٦]. فموسي، وأمهِ، وزوجتهِ، وأختهِ وزوج فرعون عندهم أسباب المُجاهدة وفرعون عنده أسبابه المشاهدة، كم فرعون مُلكه عظيم، وأسبابه عظيمة، وكم النساء ضعيفات، وكم ضعف أسبابهِن، ولكن مُجاهدتِهن عظيمة، فالله ذكر في القرآن أسباب إظهار الحق، وهي المُجاهدة، وذكر أسباب إبطال الباطل، وكل ذلك يكون بالمُجاهدة: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].

стр. 2558

فإيمان بني إسرائيل مُزج مع المعصية، والسبب؟ قال الله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]. فلما تركوا الدعوة جاءت المعاصي، مع أنهم أبناء الأنبياء، فامتزج الإيمان مع المعاصي فجاءت المصائب نقداً. ولكن الإيمان في حياة الصحابة كان كاملاً، مقروناً بالطاعة الكاملة، مع أن آباءهم كانوا عباد الأصنام، وآباء بني إسرائيل أنبياء، ولكن ليس بين اللهِ وبين الناس نسب إلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠]. فبنو إسرائيل بسبب المعصية، وترك الدعوة، سلط الله عليهم أسوأ الخلق وشرهم فرعون، الذي ادعى لنفسه الربوبية والإلوهية، فأصبح يسومهُم سوء العذاب: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. فسبب عذاب بني إسرائيل ترك الدعوة، ورفع العذابِ لا يكون إلا بالدعوة إلي الله، فأرسل الله موسي إلي فرعون وبني إسرائيل: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٥ - ٦].

стр. 2559

فكل حياة موسي بلايا، لكن جاءت بعدها العطايا، وذكر الله عن فرعون وحالهِ، وأن الله دمره، وأورث بني إسرائيل أرضه، ومشكلة فرعون طفل لم يولد، فلا إله إلا الله، موسي في بطن أمه يخاف منهُ فرعون، وهو لم يولد. فكم قوة في الحق، فأمر فرعون بقتل الأطفال، والعام الذي يقتل فيه الأطفال موسي في بطن أمه، ولما ولد موسي، ولدت الرحمة معه، فلم يُقتل الأطفال عند ولادتهِ. والنبي ﷺ ولد عام الفيل، ولا يمكن أن يأتي العذاب، وهو في بطن أمه، فكذلك مادام النبي ﷺ موجوداً في الأمة، لا يمكن أن يأتي العذاب، فأهلك الله أبرهة، والنبي ﷺ في بطن أمه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]. واللهُ سبحانه اختار التضحية، واختار تضحية أم موسي بابنها، والأم لو خُيرت وقت الولادة بين موتها، وحياة ابنها، اختارت موتِها، وحياة ابنها، فكم في قلب الأم من الرحمة والشفقة، فالله اختار التضحية حتى يرفع العذاب عن بني إسرائيل، عن طريق امرأة هي أم موسي. وسُمية امرأة ضعيفة، وآمهَ، وكبيرة، ثلاث صفات، ولكن الله اختارها أن تكون أول شهيدة في الإسلام، والشهادة أن تمحو ذكرك من أجل ذكر الله، فالله يُحيي ذكرك إلي الأبد، فالله أحيا ذكرها مع أنها لم تصُم ولم تُصلي ولم تحُج، لأن ذلك لم يُفرض في ذلك الوقت. وجميع الشهداء حتى يصلوا إلي هذه المرتبة، لابد أن يكونوا مصلين مخلصين أعمالهم لله، فكل الشهداء مع أعمالهم في صحيفة سمية التي هي

стр. 2560

أول شهيدة في الإسلام، وهي لم تُصلي بعد، ولم تستمع إلي القرآن، لأن أبا جهل لم يعطيها الفرصة. فالله سبحانه في جميع الأمم اختار أعلي التضحيات في النساء، وبعد ذلك يأتي الرجال بقدر تضحيات النساء، فالأنبياء والعلماء والشهداء هم أبناء النساء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]. فحل مشكلةِ بني إسرائيل موجودُ في حضن المرأة، في حجرِ أم موسي، في موسي ابنها، فمن ضحي بالمحبوب أعطاه اللهُ منفعته، فأعظم المحبوب إليها موسي، فضحت بهِ، وألقته في النهر. وأحب محبوب في قلب النبي ﷺ مكة، كما قال ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ إنك لأَحَبُّ البِقاعُ إِلَيَّ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي منكِ مَا خَرَجْتُ» أخرجه الترمذي وابن ماجة (١). فأمره الله أن يُضحي بها، وأن يخرج منها، ووعده أن يعيده إليها كما أعاد موسي إلي أمهِ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. وكما قال اللهُ لأم موسي: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧]. وليس المقصود البيت، بل المقصود رب البيت، فنضحي بالبيت، لنصل إلي رب البيت: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)
следующие страницы →