٦ - الخزانة السادسة
الله في هذه الحياة الدنيا يعطي المؤمنين والكافرين من نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وفي الكون من عطاء الله شيئان:
١ - شيء من نعم الله خلقه الله ينفعل لك ولغيرك مؤمناً أو كافراً بدون جُهد كنعمة الشمس والهواء والمطر والحرارة والبرودة والليل والنهار، ونحو ذلك من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى.
٢ - وشيء من نعم الله خلقه الله ينفعل بك مؤمناً أو كافراً إذا قام به العبد وفق الأسباب التي خلقها الله، فمن زرع حصد ومن اكتسب ربح ومن تعلم علم ومن تزوج أنجب، لكن المؤمن يزيد رزقه بحصول البركة في عمله؛ لأنه يذكر الله ويستعين به فتحصل له البركة كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
فالحمد كله والثناء كله والشكر كله لله رب العالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥]
فهو سبحانه المحمود لذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
стр. 2487
وهو المحمود سبحانه على ما خلقه في العالم العلوي والعالم السفلي من المخلوقات التي سخرها الله لنا: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وهو المحمود على أوامره الكونية وأوامره الشرعية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة والشياطين، وعلى خلق الرسل وأعدائهم.
وهو المحمود على عدله في أعدائه وعلى فضله وإنعامه على أولياءه، وكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده وخاضعة لأمره ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
والحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له، ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته وهي أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وإما ظاهرة في مخلوقاته، فأسماء الله كلها حسنى ليس فيها اسم سوء:: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
стр. 2488
وصفاته كلها كمال ليس فيها صفة نقص، وأفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خالِ عن الحكمة والمصلحة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
الله هو المستحق للحمد كله فيستحيل أن يكون غير محمودٍ، كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالقًا ولا حي، فهو المحمود على كل شيء وإن كان بعض خلقه يُحمد أيضاً كما يُحمد رسله وأنبيائه وأولياؤه فذلك من حمده ﵎، وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده، فهو المحمود أولاً وأخرًا، وله الحمد في الأولى والآخرة.
والله سبحانه له الملك، وقد أتي من الملك بعض خلقه، فله الحمد، وقد أتى غيره من الحمد ما شاء، وكما أن مُلك المخلوق داخلاً في ملكه فحمده أيضاً داخل في حمده، فما من محمود يُحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية.
والله سبحانه له الحمد التام كله، فله عموم الحمد وكماله وهذا من خصائصه سبحانه فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء، فله أكمل حمد وأعظمه، كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إلا هو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فحمده سبحانه وحكمته في خلقه وأمره شاملًا لكل ما يحدثه من إحسانٍ ونعمه وامتحانٍ وبليه وما يقضيه الله من طاعة ومعصية، والله سبحانه محمودٌ على كل ذلك ومشكور.
стр. 2489
وله حمد المدح وحمد الشكر:
أما حمد المدح: فالله تعالى محمود على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على كل ما خلق وأمر فهو رب العالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وأما حمد الشكر:
فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن، إذا اقترن بواجبه من الإحسان، والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والابتلاء إذا اقترن بالصبر كان نعمة، والطاعات من أجل نعمه سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
والمعاصي إذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع لله فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببها مبغوضاً مسخوطاً للرب سبحانه لكنه يحب ما ترتب عليها من التوبة والاستغفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
الله سبحانه توابًا يحب التوابين، عفوًا يحب العافين عن الناس، مؤمنٌ يحب المؤمنين، محسنٌ يحب المحسنين.
الله سبحانه يفرح بتوبة عبده من فرح رجل أضل راحلته في أرض مهلكه، ثم طلبها وآيس منها، ثم وجدها.
стр. 2490
قال النبي ﷺ : «لّلَهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَه». متفق عليهُ (١).
وفي الحديث أنه قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» أخرجه مسلم. (٢).
فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه ولوازم لابد منها، وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوباً له فهذا الفرح أحب إليه بكثير، فله سبحانه من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة، هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه.
وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أسبابٍ لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار إلى الله كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الامتحان والابتلاء باعتبار صورته ونفسه.
والرب سبحانه محمودٌ على الأمرين، فإذا اتصل بالذنب الآثار المحمودة للرب سبحانه من التوبة والإنابة فهو عين مصلحة العبد وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استُعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة في الملأ الأعلى.
стр. 2491
والنفس فيها من الشر والخُبث ما فيها، فلابد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها، ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل، فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له ولا يليق بها سواه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والرب سبحانه محمودًا على ذلك أيضاً كما هو محمودٌ على إنعامه وإحسانه، إلى أهل الإحسان والأنعام القابلين له فما كل أحدٍ قابلاً لنعمته تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣].
وحكمته وحمده تقتضي ألا يودع نعمه وإحسانه في محلٍ غير قابلًا لها، فالله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته.
والحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته، قد تقوم إن خلق الأضداد والمتقابلات وترتيب آثاره عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته.
وإن تقدير عدم ذلك هضم لجانب الربوبية، وأيضاً فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن فإنها إذ وقعت فهو مأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب على الإنكار والجهاد من مصالح نفسه وبدنه، ومصالح دنياه وأخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك.
стр. 2492
والمقصود الأول إتمام نعمته تعالى على أولياءه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمن به النعمة على أولياءه غاية الحكمة، وكان في تمكين الكفار والفساق والعصاة من ذلك إيصالاً إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والمولاة فيه والمعادة فيه، وبذل نفوسهم وأموالهم له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وتمام العبودية لله لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، والمحبة الصادقة علامتها أن يبذل المُحب ما يملكه من مالِ ورياسة وقوه في مرضاة محبوبه والتقرب إليه، فإن بذل روحه كان هذا أعلى درجات المحبة الصادقة، ومن لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها أن يخلق ذواتًا وأسباباً وأعمالاً وأخلاقاً وطبائع تقتضي معادة من يحبه، ويؤثر مرضاته لها، وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها.
وكل أحدٍ يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة ويحب من يوصل إليه ذلك، ولكن الشأن كل الشأن في محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيئاً عليها مما لا يلائمها.
فعند حصول أسباب ذلك تبين ما يحب الله لذاته ومن يحب وما يحب ممن يحبه لأجل نعمته ومخلوقاته فإن أُعطي منها رضي وإن مُنع سخط، وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]
стр. 2493
فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أولياءه، لم يستخرج خاص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية المولاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبُغض فيه والعطاء له والمنع له، ولا عبودية ذل الأحوال والأرواح والقوى في جهاد أعدائه، ولا عبودية مفارقة الأهل والناس مع حاجته إليهم من أجل مرضاته سبحانه، ولا يتحيز إليهم وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم، فيرضى بمفارقتهم ومولاة الحق عليهم.
فلولا الأسباب والأضداد التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار النافعة، وكذلك لولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة الصبر وجهاد النفس، ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله، وإيثارًا لمرضاته وطلب الزلفى لديه والقرب منه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 2494
٧ - الخزانة السابعة
الله ﷻ هو الخلاق العليم، خلق خلقه أطواراً، وكل مخلوقٍ يسبح بحمد ربه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فخلق سبحانه للملائكة عقولاً لا شهوات لها وجبلها على طاعته، وخلق للحيوانات شهوات لا عقول لها، وخلق الثقلين الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة، وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء، وهم المعرضون للثواب والعقاب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فخلق سبحانه الملائكة وطبعهم على الخير، وخلق الشياطين وطبعهم على الشر، وخلق الثقلين الإنس والجن وجعلهما محل الابتلاء والاختبار، ولو شاء الله لجعل خلقه على طبيعة واحده وخلقًا واحد ولم يفاوت بينهم، ولكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، ولو كان الخلق كله على طبيعة واحده ونمط واحد لقيل هذه مقتدى الطبيعة، ولقيل كذلك لو كان الله فاعلًا بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته، ولفعل الشيء وضده والشيء وخلافه.
فتنوع أفعاله سبحانه ومفعولاته من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه وقدرته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 2495
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
ولهذا خلق الله النوع الإنساني أربعة أقسام:
أحدها: من خلقه الله لا من ذكرًا ولا أنثى وهو أبوهم آدم ﷺ .
الثاني: من خلقه من ذكرًا بلا أنثى وهو حواء، خلقها الله من ضلع آدم.
الثالث: من خلقه الله من أنثى بلا ذكر، كخلق المسيح عيسى ابن مريم ﷺ .
الرابع: من خلقه الله من ذكرًا وأنثى وهم سائر النوع الإنساني.
وذلك كله ليدل عباده على كمال قدرته وكمال حكمته ونفوذ مشيئة، وأن الأمر ليس كما يظنه الكافرون به الجاحدون له من أن ذلك أمرٌ طبيعي.
والله وحده هو الخلاق العليم، الذي خلق المخلوقات بالعالم العلوي والعالم السفلي إظهاراً لكمال قدرته وتنبيهاً لبريته، خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار وخلق الذكور والإناث، وخلق العالي والسافل وخلق الأبيض والأسود، ليُعرف ﷻ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
стр. 2496
(٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٠ - ٢٧].
والطبيعة مخلوقًا من مخلوقاته، وعبدٌ من عبيده، مسخره لأمره منقادة لمشيئته، لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف في ذاتها ونفسها فضلاً عن إسناد الكائنات إليها، فتنوع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والإلوهية، وهو أيضاً من موجبات الحمد لله، فلله الحمد على ذلك كله أكمل حمدٍ وأتمه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وأيضاً فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثرًا لابد من ظهوره فيه، فالخلق كله من آثار اسمه الخلاق، والرحمة كلها من آثار اسمه الرحيم، والأرزاق كلها من آثار اسمه الرزاق وهكذا.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وتنوع أسباب الحمد أمرٌ مطلوب للرب محبوباً له، فكما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها.
فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملأ الأرض وملء ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
стр. 2497
الله محمودٌ من جهتين:
١ - محمودٌ لعظمة ذاته وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله.
٢ - ومحمودٌ كذلك على عظيم نعمه وآلاءه وإحسانه، فهو المحمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة، كما هو محمودٌ على إكرامه لأهل العدل والإحسان والإيمان، فهو محمودٌ على هذا ومحمودٌ على ذلك.
وهو سبحانه المحمود على حلمه بعد علمه، المحمود على عفوه ومغفرته، المحمود على عفوه عن كثير من جنايات العبيد، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى; ٣٠].
فنبه سبحانه باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه، وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذ بحقه لقضي إليهم أجلهم، ولما ترك على ظهرها من دابة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
ولكنه سبحانه لكمال رحمته، سبقت رحمته غضبه، وعفوه انتقامه، ومغفرته عقابه، فلله الحمد على عفوه وانتقامه وله الحمد على عدله وإحسانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
стр. 2498
والله قادرٌ على هداية خلقه كلهم ولو شاء لفعل ذلك لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، فالملك ملكه والخلق خلقه والأمر أمره، ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحدٍ وأخذه بلا حجة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
فأقام سبحانه الحُجة وصَرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة؛ ليُعرف سبحانه وليقيم على عباده حجته البالغة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والله هو الملك، الذي كل ما في الكون مُلكه، وحقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والمثوبة والعقوبة والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العزة، وإذلال من يليق به الذل، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
والله ﵎ هو المحمود على ذلك كله، هو سبحانه المحمود على قضاء حاجات العباد، وعلى إجابة دعائهم، وعلى تصريف وتدبير ما في الكون كله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
стр. 2499
فهو سبحانه كل يومٍ هو في شأن، يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويكشف غمًا ويعطي سائلاً ويجيب داعياً وينصر مظلوماً ويأخذ ظالماً ويفك عانياً ويغني فقيراً ويشفي مريضاً، ويجبر كثيراً ويعز ذليلاً ويرحم مسكيناً ويقيل عثرة ويستر عورة ويذهب بدولة ويأتي بأخرى، ويرفع أقواماً ويضع آخرين فعالٌ لما يشاء، فله الحمد على ذلك كله حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء من شيءٍ بعده.
وهو سبحانه مالك الملك لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه فيه معارض، وتصرفه في الملك والممالك والمماليك دائرًا بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة واللطف فلا يخرج تصرفه عن ذلك، فلله الحمد كله على خلقه وأمره وتدبيره.
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
والمُلك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله مُلكه شمله حمده، هو المحمود في مُلكه: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]
وكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 2500
ولهذا يحمد الله سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، فهو المحمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكرٍ وعبودية، وحمد ثناءٍ ومدح، ويجمعها التبارك، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
والحمد أوسع الصفات وأعم المدائح لأن جميع أسمائه حمد، وصفاته كلها حمد، وأحكامه كلها حمد، وأفعاله كلها حمد، وعدله كله حمد، وانتقامه من أعدائه كله حمد، وفضله في إحسانه لأوليائه كله حمد: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الله هو الملك الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو رب العالمين قيوم السماوات والأراضين ولكمال مُلكه لا يشفع عنده أحدٍ إلا بإذنه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو سبحانه العليم العالم بكل شيء الذي لكمال علمه لا يعذب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا تسقط ورقة إلا يعلمها ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها المَلك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
стр. 2501
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
هو البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ويرى جريان دمها في عروقها وعظامها النُحل، ويسمع ويرى دبيب الذرة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
السميع الذي يسمع كل شيء واستوي في سمعه سر القول وجهره الذي وسع سمعه الأصوات فلا يخفى عليه شيء، ولا يشغله سمعٌ عن سمع ولا صوتٌ عن صوت، ولا تختلف عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الطلبات والحاجات والسؤالات: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
هو القدير الذي لا يعُجزه شيء ولكمال قدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويجعل المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا والبر برًا والفاجر فاجرًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤].
وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره وجعل فرعون وآله وقومه أئمة يدعون إلى النار، ولكمال قدرته لا يحيط أحدًا بشيء من علمه إلا بما شاء أن يُعلمه إياه.
ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك إليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
стр. 2502
فلله الحمد على كمال وحدانيته وعلى عظمة ملكه وسلطانه وعلى عظيم أسمائه وصفاته ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السماوات والأرض وهو المحيط بكل شيء، وهو لم يحط به أحد من مخلوقاته بل هو العالي على كل شيء القاهر فوق كل شيء: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
لا تنفذ كلماته ولا تُبدل ولو كانت بحار الأرض مدادًا وأشجار الأرض أقلامًا وكُتب بذلك المداد وتلك الأقلام لنفذ ذلك المداد وفنيت تلك الأقلام ولم تنفذ كلمات الله، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، لا يعاقب أحدًا بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره ولا يعاقبه بترك مالا يقدر عليه ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
فالله شكورٌ يحب الشاكرين، حميدٌ يحب الحامدين، محسنٌ يحب المحسنين، رحيمًا يحب الرحماء، غفورًا يحب المستغفرين، توابٌ يحب التوابين فلكل صفة عليا وكل اسم حسن وكل ثناء جميل وكل حمدًا ومدح وكل تسبيحًا وتنزيه وكل إجلال وإكرام هو لله على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها.
стр. 2503
سبحانه وبحمده لا يحصي أحدًا ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه به خلقه فله الحمد أولًا وأخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
فهذا أحد نوعي حمده: وهو حمد الأسماء والصفات.
والنوع الثاني من حمده: حمد النعم والآلاء.
وهذا معلوم مشهود للخليقة برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحُسن معاملته لعباده وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين.
وابتدائه بالنعم قبل السؤال والتكرم بها من غير استحقاق بل ابتداءً منه بمجرد كرمه وفضله وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها.
قال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
стр. 2504
وهو سبحانه الكريم الذي حبب إلى خواص خلقه الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين فلله الحمد والشكر على جميع آلائه وإحسانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
وكتب سبحانه في قلوب أوليائه الإيمان وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه، فله الحمد كثيرًا كما يُنعم كثيرًا وكما يعطي جزيلًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وتحبب إلى عباده بنعمه مع غناه عنهم وتبغضهم إليه بالمعاصي وشدة فقرهم وحاجتهم إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
ومع هذا فأعد لهم إذا آمنوا به وأطاعوه دارًا حسنة، وأعد لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وجعل فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
стр. 2505
وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
ثم أرسل الرحمن الرحيم إليهم الرسل يدعونهم إلى تلك الجنة ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها ورضي منهم باليسير من العمل في هذه المدة القصيرة بالنسبة إلى البقاء في دار الخلود، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
وإن أساءوا واستغفروه من ذنوبهم أن يغفر لهم: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
стр. 2506
٨ - الخزانة الثامنة
نعم الله على عباده لا تُعد ولا تُحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فهو سبحانه الذي خلق السماوات والأرض وسخرهما وما فيهما لهذا الإنسان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
ذكرهم الرحمن الرحيم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وأمرهم بما أمرهم به رحمةً منه وإحسانًا لا حاجة منه إليهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
ونهاهم سبحانه عن ما نهاهم عنه حمايةً وصيانةً لهم، لا بخلًا منه عليهم فله الحمد والشكر حمدًا يوافي نعمه ويكافي مزيده: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف: ١ - ٣].
стр. 2507
وفتح لهم الغني الكريم أبواب العلم والهداية، وعرف لهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه، فله الحمد والشكر عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته.
سبحان الله وبحمده عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته، وأعلم عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
ومن أراد مطالعة أصول النعم المادية الكبرى والنعم الروحية العظمى الظاهرة والباطنة فليتأمل القرآن من أوله إلى آخره وليتدبره، وسيرى ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده وتوفيقه لأوليائه وخذلانه لأعدائه ومنازل هؤلاء ومنازل هؤلاء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فقد خلق الله سبحانه البشر وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها، فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوبٍ ومكروه ونعمة ومحنة، وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه وفي كل ما قضاه وقدره: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 2508
والشكر معناه طاعة المُنعِم ويكون في ثلاث مواضع:
في القلب .. واللسان .. والجوارح.
ومعنى كونه في القلب:
أن يعترف اللسان والقلب أن هذه النعمة من الله ويرى لله فضلًا عليه، وأن كل النعم في الكون من الله وأعظمها نعمة الإسلام.
وشكر اللسان:
أن يتحدث بنعم الله على وجه الثناء على الله بها والاعتراف بأنها منه سبحانه لا على سبيل الفخر والخُيلاء.
وشكر الجوارح:
أن تستعملها بطاعة المنعم سبحانه في كل حال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
شكر الله على نعمة الإيمان أن تعمل بموجبه الطاعات وتعلم الناس الإيمان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وشكر الله على نعمة العلم أن تعمل به وتعلمه الناس: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
стр. 2509
وشكر الله على نعمة العافية أن تستعمل البدن فيما يرضيه سبحانه، وشكر الله على نعمة الطعام أن تستعمله فيما خُلق له وتستعين به على طاعة الله وتُطعم منه خلقه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وهكذا في بقية النعم حمدًا وشكر وثناءً ومدح للمنعم ﷻ الذي أعم بنعمته عموم خلقه يعطي بلا سؤال وإذا أعطى أجزل في العطاء؛ لأنه العظيم الذي لا يعطي إلا العظيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
هو الكريم الرحمن الرحيم الذي يأمر بالأمر لمصلحة العبد ويعينه على فعله ويقبله إذا فعله ويثيبه عليه بالثواب الجزيل الدائم الذي لا ينقطع: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
حقيقة الحمد يجب أن تُوجه إلى الله وإن توجهت إلى غيره مجازًا؛ لأنه سيؤول إليه فأنت لا تحمده فلاناً لأنه أعطاك بذاته وإنما أعطاك لأن الله أعطاه فأعطاك، وأمره أن يعطيك فأعطاك وحبب إليه ذلك فوضعه في يدك، فهو سبحانه المحمود علي ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على جماله وجلاله.
وهو المحمود على نعمه وآلائه وإحسانه، وهو المحمود على حلمه ولطفه، وهو المحمود على قضائه وقدره، وهو المحمود على دينه وشرعه، وهو المحمود على ثوابه وعقابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
стр. 2510
جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
وقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وأصول الشكر وقواعدها التي لا يكمل إلا بها ستة:
خضوع الشاكر للمشكور سبحانه .. وحبه له .. واعترافه بنعمه .. وثناؤه عليه بها .. واستعمالها فيما يحب الله .. وعدم استعمالها فيما يكره.
وما تناقص منها واحدة اختلت قاعدة من قواعد الشكر للرب.
وأسباب الشكر ومنابعه كثيرة:
فحياء العبد من تتابع نعم الله عليه شكر، والمعرفة لعظيم حُلم الله شكر، والمعرفة بأن النعم ابتداءً من الله بغير استحقاق شكر، والعلم بأن الشكر نعمة من نعم الله شكر، وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر، وتلقي النعم بحسن القبول شكر، واستعظام صغيرها شكر، ووضعها في مكانها شكر، وصرفها في طاعة الله حسب أمر الله شكر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ [لقمان: ١٢].
стр. 2511
والله هو المنعم بجميع النعم والنعم كلها من آثار رحمته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وتربية الله لخلقه نوعان:
١ - تربية عامة.
٢ - تربية خاصة.
فالتربية العامة: هي خلقه للمرزوقين وخلقه لأرزاقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربية الله لأوليائه المؤمنين فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه بالتوفيق لكل خير وعصمتهم من كل شر: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فلله الحمد والشكر على كماله وجلاله وجماله، وله الحمد والشكر على آلائه وإنعامه وإحسانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
له الملك كله فلا يخرج مخلوق عن ملكه والحمد كله له حمدٌ على ماله من صفات الكمال، وحمدٌ على ما خلقه من الأشياء والنعم، وحمدٌ على ما أسداه من جزيل النعم، وحمدٌ على ما شرعه من الأحكام الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]
стр. 2512
وقال النبي ﷺ «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْت وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَوْ قَالَ: لا إِلَهَ غَيْرُكَ». متفق عليه (١).
فكل ما خلقه الله فهو نعمة ودليل على قدرة الله وعلى حكمته ورحمته وإحسانه، وكل مخلوقًا فيه نعمة تستوجب من الخلق الحمد والشكر لله، والحمد لله على كل حال لأنه ما من حال يقضيها الله إلا وهي نعمة عباده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو المحمود على خلقه والمحمود على علمه والمحمود على رحمته وعلى حكمته، وعلى حلمه وعلى نعمه وعلى قدرته وعلى كماله وجلاله وجماله.
والحمد لله حق ما قال العبد يقوله المسلم في كل صلاة وفي كل خطبة، وفي كل أمر من ذي بال وفي كل حال فلله الحمد والشكر على كل حال؛ لأنه لا يفعل إلا الخير والإحسان: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 2513
٩ - الخزانة التاسعة
الشكر هو الثناء على المُحسن بما أولاه من أنواع المعروف، الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع له، الشكر هو الثناء على المُحسن بذكر إحسانه ورؤية النعم والمنعم واستفراغ الطاقة في الطاعة وألا تعصي الله بنعمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
والشكر والصبر في محل الاستواء، فالشكر وظيفة السراء والصبر وظيفة الضراء، والله يحب الشاكرين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، فالقلب للمعرفة والمحبة، واللسان للثناء والحمد، والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤]
والشكر مبني على خمس قواعد:
وهي خضوع الشاكر للمشكور .. وحبه له .. واعترافه بنعمه .. وثناؤه عليه بها.
وأن يستعملها فيما يحب الرب لا فيما يكره: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
стр. 2514
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
وأقوى الشكر:
رؤية المنعم لا رؤية النعمة، فالمؤمن يتجاوز ببصيرته الخلائق إلى الخالق، والصور إلى المصور، والنعم إلى المنعم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وأكمل الشكر
رؤية النعمة والمنعم وكل ما كان شهود النعمة أتم كان الشكر أكمل، وحقيقة الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا وعلى قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٦].
والإيمان نصفان:
نصفٌ شكر .. ونصفٌ صبر.
وقد أمر الله بالشكر ونهى عن ضده، وأثنى على أهل الشكر وجعله غاية خلقه وأمره ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سببًا للمزيد من فضله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
стр. 2515
والشاكرون قسمان:
فشكر العامة: على المطعم والمشرب والملبس والمسكن والمركب ونحوها.
وشكر الخاصة: على ما سبق وعلى التوحيد والإيمان والهداية وهذا أكمل وأعلى وأتم وأشمل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
والشكر أخص بالأفعال، والحمد أخص بالأقوال وما يُحمد الرب تعالى عليه أتم مما يُشكر عليه؛ فإنه يحمد سبحانه على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه ويشكر على نعمه وما يُحمد به أخص مما يشكر به؛ لأنه يُشكر بالقلب واللسان والجوارح ويُحمد بالقلب واللسان.
وكلاً من الصبر والشكر داخلًا في حقيقة الآخر لا يمكن وجوده إلا به؛ لأن الشكر هو العمل بطاعة الله وترك معصيته، والصبر أصل ذلك فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر، وإذا كان الصبر مأمورًا به فأدائه هو الشكر، وحقيقة الشكر إنما تلتئم من الصبر والإرادة والفعل، وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر، ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحكم للصبر كما اندرج صبر الشكور في شكره فكان الحكم للشكر.
ومقامات الإيمان لا تَعدم ولا تزول بالتنقل فيها بل تندرج ويُطوى الأدنى في الأعلى كما يندرج الإيمان في الإحسان وكما يندرج الصبر في الرضا ويندرج الرضا في التفويض؛ لا أن ذلك يزول والمقدور الواحد يتعلق به
стр. 2516
الشكر والصبر سواءً كان محبوبا أو مكروهًا، فالفقر مثلًا يتعلق به الصبر وهو خاص به لما فيه من الكراهة والغنى يتعلق به الشكر لما فيه من النعمة.
فمن غلب شهود نعمته في الفقر وتلذذ به عده نعمة يشكر الله عليها، ومن غلب شهود ما فيه من الابتلاء والضيق عده بلية يصبر عليها وعكسه الغنى والله ﵎ ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب وعد كل ذلك ابتلاء فقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
الله خلق العالم العلوي والعالم السفلي، وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسراء والضراء والعافية والبلاء.
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
والابتلاء بالنعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة أعظم الابتلاءين، والنعمة بالفقر والمرض وفيض الدنيا وأسبابها وهذا الخلق له قد يكون أعظم النعمتين، وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 2517
فالرب تعالى يبتلي بنعمه ويُنعم بابتلائه، غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغني عنهما طرفة عين، والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الطعام والشراب أيهما أفضل، وكالسؤال عن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل.
فالمأمور به شرعًا لا يؤده العبد إلا بصبر وشكر والمُحرم لا يترك إلا بصبر وشكر، وأما المقدور الذي يقدر على العبد من مصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره، والله امتحن كل عبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادها في الله، فهو في كل وقت في مجاهدة نفسه حتى تأتي بالشكر المأمور به وتصبر عن الهوى المنهي عنه فلا ينفك العبد عنه غنيًا أو فقيرًا معافى أو مبتلى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والله سبحانه لم يفضل أحدًا بالفقر والغنى كما لم يفضل أحدًا بالعافية والبلاء وإنما فضل بالتقوى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال النبي ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟، قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ: وَلَا أَدْرِي قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ، أَمْ لَا -
стр. 2518
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». أخرجه أحمد بسند صحيح (١).
والناس من آدم وآدم خلق من تراب فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
والتقوى مبنية على أصلين:
الصبر .. والشكر.
وكل من الغني والفقير لابد له منهما فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل فأتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله هو الأفضل؛ فإن الغني قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
والفقراء وإن كانوا يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلو المنزلة وإن سبقوهم بالدخول إلى الجنة، فقد يتأخر الغني والسلطان العادل في الدخول لحسابه فإذا دخل الجنة كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع.
كما قال الرسول ﷺ : «إنَّ المُقْسِطِينَ عند الله على مَنَابِرَ من نُورٍ عن يَمينِ الرَّحْمنِ وكلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِم وأَهْلِيهمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (٢).
стр. 2519
وقد جمع الله سبحانه لرسوله بين المقامين الصبر والشكر على أتم الوجوه، فكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، وحصل له من الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه فكان ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه كمل له مراتب الكمال فجعله في أعلى مراتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين.
فصلوات الله وسلامه عليه عدد المخلوقات والذرات والأنفاس وقد جعل الله نبيه غنيًا شاكرًا بعد أن كان فقيرًا صابرًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٦ - ١١].
الشكر مبني على ثلاثة أركان:
الأول: معرفة النعمة وقدرها.
الثاني: الثناء على الله المنعم بها.
الثالث: استعمالها فيما يحبه موليها ومعطيها وهو الله سبحانه.
فمن كملت له هذه الثلاثة فقد استكمل الشكر، وبمشاهدة النعمة يتولد في القلب الحب والتعظيم للمنعم ويُخبت العبد بطاعة من أنعم بها عليه، وكلما ازداد العبد علمًا ومعرفة بحقيقة النعمة ومقدارها ازداد طاعةً ومحبةً وإنابةً واخباتًا وشكرًا وتوكلًا على ربه.
стр. 2520
والشكر قيد النعم فإذا شُكرت قرت وإن كُفرت فرت، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وأعظم الشكر لله سبحانه هو توحيده والإيمان به وتقواه وعبادته وحده لا شريك له، والله ﵎ غنيُ عن كل ما سواه فلا يزداد ملكه شيئًا بشكر الناس له ونسبتهم الفضل إليه، كما أنه لا يتضرر بكفرهم؛ لأنه الغني الحميد والمنتفع بالشكر هو الإنسان، كما أنه المتضرر بالكفر: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ [النحل: ٨٣].
ولكنه سبحانه يحب أن يُحمد ويُشكر ويكره أن يُكفر به بنعمته، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧].
والكفر بنعم الله مؤذنًا بزوالها عمن كفر بها، كما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
فالله حكيمٌ في عطائه حكيمًا في منعه وله الحمد على هذا وهذا وهو الحكيم العليم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 2521
ومن أسماء الله الشاكر والشكور والحميد كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وشكر الرب تعالى ليس كشكر الخلق، بل له شأن آخر كشأن صبره سبحانه فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو الشكور على الحقيقة؛ فإنه يعطى العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
يعطي على الحسنة عشر أمثالها، فيشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى أضعافًا مضاعفة، ويشكر عبده بأن يثني عليه في الملأ الأعلى وبين ملائكته، ويلقى له الشكر بين عباده ويشكره بفعله إذا ترك شيئًا لله أعطاه الله أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩].
فهو سبحانه الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وعلى هذا، فهو سبحانه الغني الحميد الذي وفق العبد للترك والبذل، وشكره على هذا وعلى هذا، فسليمان ﷺ لما عقر الخيل التي أشغلته عن ذكر ربه أعاضه منها متن الريح، ولما احتمل يوسف ﷺ السجن شكر الله له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
стр. 2522
ولما بذل الرسل والمؤمنون أعراضهم في الله لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣].
ولما ترك الصحابة ﵃ ديارهم وخرجوا منهم في مرضات ربهم أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
ومن شكره سبحانه أن يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا بأن يخفف به عنه يوم القيامة، فلا يُضيع الله عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه، فيجازى عليه في الدنيا ويخفف عنه العذاب يوم القيامة لكنه لا يدخل الجنة، ومن شكره سبحانه أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلبًا قد جهده العطش حتى أكل الثرى، وغفر لأخر بتنحيته غصن شوك عن طريق الناس، وهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه، والمخلوق لمَ يشكر من أحسن إليه؟.
وأعظم من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]
فهو سبحانه المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤].
стр. 2523
وشكره سبحانه يأبى تعذيب عباده بغير جُرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلًا، فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء كما قال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
ومن شكره سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من إيمان ولا يضيع عليه هذا القدر، ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكره وينوه بذكره كما شكر لصاحب يس مقامه والدعوة إليه، ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن أسمائه الحسنى كلها.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
أحب الخلق إليه من اتصف بموجبها وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض سبحانه الكفور والظالم والجاهل والبخيل والجبان واللئيم، وهو سبحانه جميلًا يحب الجمال، رحيمًا يحب الراحمين، محسنٌ يحب المحسنين، شكورٌ يحب الشاكرين، عفوٌ يحب العافين.
стр. 2524
١٠ - الخزانة العاشرة
الله هو المُنعِم بكل نعمة، والنعمة على ثلاثة أقسام:
أحدها: نعمة تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الثانية: نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر وهي في الحقيقة أنها وصلت من الله تعالى، وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة والخالق لذلك المُنعم، والخالق لداعية الإنعام في قلب ذلك المُنعم، إلا أنه لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله المُنعم بها.
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤].
فبدأ بنفسه تنبيهًا إلى أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله.
الثالثة: نعمة وصلت إلينا بسبب طاعتنا وهي أيضًا من الله، لأنه لولا أن الله سبحانه وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا، وإلا لما وصلنا إلى شيء منها.
قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
стр. 2525
إن نعم الله على عباده لا يمكن أن يحصيها أحد وهي نعم لا يمكن لأحدٍ أن يحيط بها، كما قال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
والنعم كثيرة علينا في ذواتنا ومن حولنا وفي هذا الكون العظيم، إن الشمس التي تشرق كل صباح هي نعمة من نعم الله التي سخرها لعباده، فيجب عليهم أن يشكروه على هذه النعمة وهي تشرق كل يوم بإذن ربها وأمره لتُذكر الإنسان بنعمة الله عليه وتسخينها له، وكذلك القمر وكذلك النجوم وكذلك الأرض، وكل ما تعطي من عطاء للبشر من ماء ونبات وحجر ومعدنًا وغاز، وغير ذلك من الأنعام والنعم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وكذلك الأنعام التي تدير الألبان، والإبل والخيل التي يركبها الإنسان كلها مذللة ومسخرة للإنسان ومنقادة له، فيجب على العباد شكر المنعم بهذه النعم العظيمة، وهذه الطاعة من هذه الحيوانات ليست للبشر، ولكن لأمر الله في التسخير للبشر فالجمل أو الحصان لا يخضع للطفل الصغير خوفًا منه ولا عن عدم قدرة.
ولكنه يخضع له لأن الله أمره أن يخضع له: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣].