وآذاه الكفار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل، والسحر والكذب، والافتراء عليه، والاستهزاء به، والسخرية منه ومن دينه وأتباعه، وهو في ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله، ويرحم عباد الله، ويستعطفهم ليؤمنوا بالله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
واوذي ﷺ غاية الأذى قولاً وفعلاً: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]
فلم يؤذَ نبي ما أوذي كما قال ﷺ : «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ». أخرجه الترمذي وابن ماجة بسند صحيح (١).
فرفع الله ذكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم في الدنيا والآخرة، وجعله أقرب الخلق وسيلة، وأعظمهم جاهاً، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، هي مما زاده الله بها شرفاً وفضلاً، وساقه بها إلى أعلى المقامات: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وهذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل، كل له نصيب من المحنة والابتلاء، يسوقه الله بها إلى كمالٍ بحسب متابعته له: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ
стр. 2697
الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
فكم لله من الحكم في ابتلائه أنبيائه ورسله، وعباده المؤمنين، ما تتقاصر عقول العالمين عن معرفته، وهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة، والنهايات الفاضلة، إلا على جسر المحن والابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
ونصيب كل عبدٍ من الرحمة، على قدر نصيبه من الهدى، وأكمل المؤمنين إيماناً أعظمهم رحمة، كما قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
стр. 2698
١٧ - خزائن الصبر
وتشمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
стр. 2699
١٧ - خزائن الصبر
١ - الخزانة الأولى
فقه الصبر:
الصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن إساءة الأدب.
والصبر تجرع المرارة من غير تعبس، والرضا بالمكتوب من دون تسخط.
الصبر لزوم التقوى، والبعد عن مخالفة المولى، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وترك الشكوى، وإظهار الغنى مع حلول الفقر.
والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ٥].
والصبر من خواص الإنسان، ولا يُتصور ذلك في البهائم، والملائكة.
أما البهائم؛ فلنقصانها، وأما الملائكة؛ فلكمالها، فالبهائم سلطت عليها الشهوات، وليس لشهواتها عقلٌ يعارضها.
والملائكة عقولٌ مجردة، للشوق إلى حضرة الربوبية، والتسبيح، والتقديس، والابتهاج بالقرب من الرب، ولم يسلط عليهم ربهم شهوات تصرفهم عن ذلك: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
وأما الإنسان فقد خلقه الله ناقصًا في الصبا كالبهيمة، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء لحاجته إليه.
стр. 2700
فإذا بلغ ظهرت فيه شهوات، تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة، والإعراض عن الدار الآخرة، وعقلًا يدعوه إلى طلب اللذات الروحانية، والإعراض عن الشهوات العاجلة؛ لهذا احتاج إلى مذكر مكرر؛ ليقدم العمل للباقية، ويعرض عن الفانية.
قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦].
وما من طاعة إلا وأجرها مقدر، إلا الصبر، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
والصبر من أعظم ثمرات الهداية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 2701
والدين ركنان:
o نصف صبر
o ونصف شكر.
والناس اثنان:
o غنيٌ شاكر
o وفقيرٌ صابر.
فإذا ادلهمت الأمور، واسودت الحياة، وأظلمت الدنيا، فالصبر ضياء، وإذا انسدت المطالب، وعظمت المصائب، فالصبر دواء، وإذا عظم الجزع، واشتد الخوف، فالصبر جلاء، وإذا نزل المكروه، وحل الأمر المخوف، فالصبر النجاء، وإذا أصبح الدين في غربة، والإسلام في كربة، وغلبت الشهوات، وعظمت الشبهات، فالصبر عزاء.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، ومن يتصبر يصبره الله، والصبر دليلٌ على عظمة الإرادة، وبرهان على قوة العزيمة: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
стр. 2702
جزاء الصابرين:
الأول: الصابرون تُفتح لهم الأبواب، ويوفون أجرهم بغير حساب، إذا استكملوا معاني الصبر الثلاثة:
o صبرٌ على الطاعات، حتى يؤديها.
o وصبرٌ عن المعاصي، حتى يتركها.
o صبرٌ على الأقدار المؤلمة، حتى يرضى بها، ثم يحمد الله عليها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
الثاني: الصابرون يعطون جزاءهم، بأحسن أعمالهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
الثالث: الصابرون تُزف لهم أعظم البشارات.
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
الرابع: الصابرون لهم الفوز بالجنة، والنجاة من النار، وتمام المنة، كل ذلك ينالونه بالصبر.
قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
الخامس: أن أهل الصبر يرثون الإمامة في الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
стр. 2703
السادس: الحفاظة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠].
السابع: الفلاح في الدنيا، والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
أقسام الصبر:
الصبر: حبس النفس عن التسخط؛ لرؤية حكمة القادر العليم الخبير.
والصبر نوعان:
الأول: صبرٌ لا غريم لك فيه، كمن مرض، فلا غريم له.
الثاني: صبرٌ لك فيه غريم، كمن جرحك، أو سرقك، فالنفس تطلب الانتقام ممن ظلمها: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
والصبرُ له أسباب، وأبواب:
١ - صبرٌ على الطاعات.
٢ - صبرٌ عن المعاصي.
٣ - صبرٌ على المكروه.
٤ - صبرٌ على ما يصيب المسلم من الأذى؛ في سبيل الدعوة إلى الله.
٥ - صبرٌ على البلاء في النفس.
٦ - صبرٌ على الكيد والمكر من القريب والبعيد.
стр. 2704
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
والصبر المحمود:
هو الذي لا يشغلك عن الطاعات، فمن أقعده الصبر عن العمل، فقد أباح الله له أن يأخذ حقه، فلا يكون صبرك على من أذاك، شاغلًا لك عن طاعة مولاك، وسببًا لملء قلبك بالغل والحقد والعدوان، ولئلا يشغلك هذا، فقد أباح الله لك الانتقام.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩].
فالصبر من أجل رؤية حكمة القادر الذي قدر، ومن أجل امتثال أمر الله في الصبر، ومن أجل الحصول على عظيم الثواب، وتسليم القلب لكل ذلك من أعظم مقامات الدين.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
والصبر من أعظم المقامات، إذا استكمل أنواعه.
والأخلاق درجات، الانتقام، وأعلى منه الصبر، وأعلى منه كظم الغيظ، وأعلى منه العفو حتى لا يبقى منه آثرٌ في القلب، وأعلى منه الإحسان إلى المعتدي.
стр. 2705
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والإحسان هو:
بذل الندى، وكف الأذى، وأعقل الناس من أحسن إلى من أساء إليه؛ لأنه يحسن إلى من جعل الله بجانبه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
ومن أحسن في عبادة ربه، وأحسن إلى خلقه، وأحسن إلى من أساء إليه، كان في أعلى مقامات الدين، وفاز بحب الله، والناس أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
стр. 2706
٢ - الخزانة الثانية
أنواع الصبر أربعة:
الأول: صبرٌ على المصائب والبلايا، سواء كانت في الجسد، أو الأهل، أو الولد، أو المال.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
الثاني: صبرٌ على أداء الطاعات، فالطاعات في أدائها نحتاج إلى صبر النفس، وصبرٌ في مجاهدة الشيطان والهوى.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود: ٤٩].
الثالث: صبرٌ عن المعاصي والشهوات التي ترغبها النفوس، وتُشغل عن الطاعات.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
الرابع: الصبر على الأذى في سبيل الله، فالمؤمن الحق المستقيم على أوامر الله، لابد أن يناله الأذى، ويصيبه المكروه، ويعاديه أهل الباطل.
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
стр. 2707
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
والإيمان نصفان:
نصفٌ صبر .. ونصفٌ شكر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥].
أنواع الصبر:
الصبر ثلاثة أقسام:
الأول: صبرٌ على الطاعة، حتى يفعلها العبد.
الثاني: صبرٌ على المنهي عنه، حتى لا يفعله.
الثالث: صبرٌ على ما يصيبه بغير اختياره من المصائب، وهي نوعان:
الأول: نوعٌ لا اختيار للخلق فيه، كالأمراض، وغيرها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها؛ لأن العبد يشهد فيها قضاء الله، وقدره الحكيم، فيصبر اضطرارًا، أو اختيارًا، بحسب إيمانه، ومعرفته.
قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
стр. 2708
الثاني: ما يحصل له بفعل الناس، في ماله، أو عرضه، أو نفسه.
فهذا النوع يصعب الصبر عليه؛ لأن النفس تكره الغلبة، وتطلب الانتقام، وأكمل الناس في هذا الأنبياء، والصديقون.
وعاقبة هذا الصبر، النصر، والهدى، والأمن، والسرور، ومحبة الله والناس له: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
الأسباب المعينة على الصبر:
يعين العبد على هذا الصبر أمور:
أحدها: أن يشهد أن الله خالق العباد، وأفعالهم، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والعباد آلة في قبضته، فانظر إلى من سلطهم عليك فارضه يكفهم عنك.
الثاني: أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلطتهم عليه بذنبه، فليشتغل بالتوبة، والاستغفار، عن ذمهم، والوقيعة بهم.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
الثالث: أن يشهد حسن الثواب، الذي وعده الله من عفا وصبر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
الرابع: أن يشهد أنه إذا عفا، وأحسن، أورثه ذلك سلامة القلب لإخوانه، ونقائه من الغش، والغل، وذاق حلاوة العفو.
стр. 2709
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحدٌ لنفسه، إلا أورثه ذلك ذلًا، وما عفا إلا زاده الله بعفوه عزًا، أعظم من العز الحاصل بالانتقام.
السادس: أن يعلم أن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا عن الناس، عفا الله عنه، وإن غفر لهم، غفر الله له.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
السابع: أن يعلم أنه إذا أشغل نفسه بالانتقام، ضاع عليه زمانه، فإذا عفا فرغ قلبه، وجسمه؛ لمصالحه، ولعل فيما حصل له تكفيرٌ لسيئاته، ورفعةٌ لدرجاته.
الثامن: أن يعلم أنه إن أُوذي في الله، فأجره على الله، فليوطن نفسه على الصبر، ولوم نفسه.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨].
التاسع: أن يشهد معية الله معه، فإن الله مع الصابرين، ويحب الصابرين.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال/ ٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦].
стр. 2710
العاشر: أن يعلم أن صبره، يوجب له على خصمه أن يرجع عن ظلمه، ويندم، ويعتذر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
الحادي عشر: أن يعلم أن انتقامه سيزيد في شر خصمه، وربما إذا انتقم ظلم، وصبره من أكبر الجند على خصمه.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
стр. 2711
٢ - الخزانة الثالثة
بداية الفتن:
عن زينب بنت جحش ﵂ أنها قالت: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ النَوْمٍ، مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ، يَقُولُ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرْبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَعَقَدَ سُفْيَانُ تِسْعِينَ، أَوْ مِائَة، قِيلَ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» متفق عليه (١).
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وفِي يَمَنِنَا، قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وفِي يَمَنِنَا، قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» أخرجه البخاري (٢).
شرارة الفتن:
مجالس الغيبة والنميمة، ومجالس القيل والقال، شر المجالس، إذ فيها تولد الفتن والشرور، وتشتعل نارها رويدًا، رويدًا، حتى يصعب إطفاؤها، حتى على الذين أوقدوا شرارتها.
ورب قولِ يسيل منه الدم، وذكر مساوئ الرجال، عونٌ على إراقة دمائهم، وخرابُ ديارهم، وسوء الظن بالمسلم، أو تكفيره بغير حق، مفتاح استباحة دمه، والتعدي على حرماته.
فقه الصبر:
الصبر حبسُ النفس على أمورًا ثلاثة:
صبرٌ على طاعة الله .. وصبرٌ عن معصية الله .. وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة.
فهذه درجات الصبر، وأركانه المأمور بها شرعًا، فمن صبر على تلك الأمور الثلاثة فجزاؤه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
وقال الله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾ [الإنسان: ١٢ - ١٣].
وأقدار الله على الإنسان نوعان:
ملائمة .. مؤلمة.
فالملائمة:
كحصول النعم، التي توجب الشكر للرب، والشكر من الطاعات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
والمؤلمة:
كالمصائب التي تصيب العبد في نفسه، وماله، وأهله، ونحو ذلك، مما يوجب الصبر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
стр. 2714
(١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
أحوال الناس عند المصائب:
الإنسان إذا أصابته مصيبة فله أربع حالات:
الأولى: أن يتسخط القدر إما بقلبه، أو بلسانه، أو بجوارحه.
وهذه مذمومة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
فهذا يُحرم الثواب، ويكسب الإثم، فصار عنده مصيبتان، مصيبة في الدين، في السخط على ما قدر الله، ومصيبة في الدنيا بما حل به.
الثانية: الصبر على المصيبة، امتثالًا لأمر الله.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨].
الثالثة: الرضا.
لأنها من ربه الرحمن الرحيم، والله لا يختار لعبده الا ما ينفعه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
الرابعة: الشكر عليها.
فنشكر الله، لأن الله يعطينا من الثواب عليها اكتر مما أصابنا، وهذه أعلى الدرجات الثلاث، والأولى مذمومة.
стр. 2715
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فقه الصبر على أذى الناس:
الصبر على أذى الناس له أسباب متعددة:
فإذا كان السبب طاعة الله، والجهاد في سبيله، والدعوة إليه، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، فإن الإنسان يُثاب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: من الأذى الذي يحصل له: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥].
الوجه الثاني: ومن صبره على الطاعة التي أوذي في الله من أجلها: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
فعلى الإنسان أن يصبر، ويعفو، ويغفر، لمن أساء إليه، إن كان في ذلك إصلاح؛ لأن الأجر من الله، خير من أخذك مُعاوضةً من أعمال من أذاك: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فقه الصبر:
الصبر ثلاثة أقسام:
стр. 2716
صبرٌ على طاعة الله.
وصبرٌ عن معصية الله.
وصبرٌ على أقدار الله.
والذي أشق على النفوس من أنواع الصبر، يختلف باختلاف الناس، فبعض الناس يشق عليه القيام بالطاعة، وتكون ثقيلةٍ عليه جدًا.
وبعض الناس يشق عليه الصبر عن المعصية، وتكون الطاعة سهلةٌ عليه.
وبعض الناس يسهل عليه الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، لكن يشق عليه الصبر على أقدار الله المؤلمة من المصائب ونحوها، وقد تصل به الحال إلى أن يرتد.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
أما وقت الصبر، فالصبر الذي يثاب عليه الإنسان عندما تحل به مصيبة، وقته عند الصدمة الأولى عند أول المصيبة.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النحل: ١٢٧].
وعن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: «اتَّقِيْ اللهَ وَاصْبِرِي، قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيْبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيْلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِيْنَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى» متفق عليه (١).
стр. 2717
الصبر: هو تحمل المكروه، ابتغاء مرضاة الله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والصبر من حيث أنواعه ثلاثة:
١ - صبر على طاعة الله.
٢ - صبر عن معصية الله.
٣ - صبر على أقدار الله.
والصبر على الأذى إما أن يكون في أمرٍ ديني، أو أمرٍ دنيوي، فإذا كان الأذى من أجل الدين، فالواجب على المسلم الصبر في ذات الله ؛ لأن في هذا الصبر على الأذى أسوة بالرسل عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ويعقب هذا الصبرُ النصر.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام: ٣٤ - ٣٦].
стр. 2718
وإن كان الأذى فيما يتعلق بأمور الدنيا، ومعاملة الناس، فالإنسان بالخيار إن شاء صبر، وأخذ أجر الصابرين: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
وإن شاء أخذ بحقه، والصبر أفضل؛ لأن الصبر يعقبه الفرج، والله يجعل للصابر نصيرًا على من ظلمه، وأجرًا وثوابًا على الصبر، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
وقال النبي ﷺ لرجل من أصحابه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونَنِي، وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ، وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ ﷺ : «لَئِنْ كَنتَ كَمَا قُلت، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ، مَا زِلْتَ عَلَى ذَلِكَ» أخرجه مسلم (١).
فإن كان في الصبر على الأذى عدوان، واستمرارًا في الأذى، فالأفضل أن يأخذ بحقه؛ ليردعه عن ظلمه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٣٧ - ٤٣].
والملائكة في الجنة ينادون الصابرين: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٤].
стр. 2719
وجزاء الصابرين الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطور: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
стр. 2720
٣ - الخزانة الرابعة
سُبل السلامة من الفتن:
الفتن إذا أصابت الأمة لم ينجو منها أحد إلا من شاء الله، وهي شرٌ مستطيرًا لا يستثنى أحدًا.
وتسلم الأمة من غوائل الفتن وشرورها بأمور:
الأول: تجفيف منابع الفتن، وسد ذرائعها، وحسم أوائلها، والأخذ على أيدي سفهائها، وكم من مخلصٍ جاهلٍ حسن النية، يفسد بجهله ما لا يخطر على باله، ويغرق الأمة في الفتنه، وهو يظن أنه أشدهم رحمة، وأعظمهم غَيرة، وكم من منافق يأكل بلسانه، ويشعل نار الفتنه بكلامه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةٍ، فصار بَعْضُهُمْ في أَسْفَلَهَا، وصار بَعْضُهُمْ في أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يمرون بالمَاءِ على الذين في أَعْلَاهَا، فتأذوا به فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ، وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ، وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ» أخرجه البخاري (١).
стр. 2721
الثاني: الحذر من الشر باب من أبواب الخير، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كَان الْنَّاس يَسْأَلُوْن رَسُوْل الْلَّه ﷺ عَنْ الْخَيْر، وَكُنْت أَسْأَلُه عَنْ الْشَّر مَخَافَة أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْت: يَا رَسُوْل الْلَّه، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّة، وَشَر فَجَاءَنَا الْلَّه بِهَذَا الْخَيْر فَهَلْ بَعْد الْخَيْر شَر؟ قَال: «نَعَم»، فَقُلْت: فَهَلْ بَعْد هَذَا الْشَّر مِنْ خَيْر؟ قَال: «نَعَم، وَفِيْه دَخَن»، قَال قُلْت: وَمَا دَخَنُه؟ قَال: «قَوْم يَسْتَنُّون بِغَيْر سُنَّتِي، وَّيَهْدُوْن بِغَيْر هَدْيِي تَعْرِف مِنْهُم، وَتُنْكِر»، فَقُلْت هَلْ بَعْد ذَلِك الْخَيْر مِنْ شَر؟ قَال: «نَعَم فِتْنَة عَمْيَاء دُعَاة عَلَى أَبْوَاب جَهَنَّم، مَنْ أَجَابَهُم إِلَيْهَا قَذَفُوْه فِيْهَا»، فَقُلْت: يَا رَسُوْل الْلَّه، صِفْهُم لَنَا، قَال: «نَعَم، قَوْم مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُوْن بِأَلْسِنَتِنَا»، فَقُلْت: يَا رَسُوْل الْلَّه، وَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْت ذَلِك، قَال: «تَلْزَم جَمَاعَة الْمُسْلِمِيْن، وَإِمَامَهُم» قُلْت: فَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَة، وَلَا إِمَام؟ قَال: «فَاعْتَزِل تِلْك الْفِرَق كُلَّهَا، وَلَو أَنْ تَعَض عَلَى أَصْل الْشَّجَرَة حَتَّى يُدْرِكَك الْمَوْت، وَأَنْت عَلَى ذَلِك» متفق عليه (١).
الثالث: لزوم العلماء الربانيين عند الفتن.
فالفتن كقطع الليل المظلم، الساري فيه على شفى هلكه، إن لم يكن معه نور الإيمان، والعلم الذي يكشف أهلها، ويبين سبل النجاة منها، وهو القرآن
стр. 2722
الكريم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
والعلماء الربانيون كسفينة نوح من فارقهم، وخالفهم، كان من المغرقين، والعلماء مصابيح الأمة، فهم الذين يعلمون الناس دينهم، ويبينون لهم كيف يؤدون الفرائض، وكيف يجتنبون المحرمات، ويأمرونهم بالتعاون على البر والتقوى، ويحذرونهم من التعاون على الإثم والعدوان، ويبينون لهم الحسن من الأحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وإذا مات العلماء تحير الناس، وزاغوا عن الحق، ودرس العلم، وظهر الجهل، وكثرت الفتن.
ورواج الفتن مقرونٌ بذهاب العلم والعلماء بلا ريب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا» متفق عليه (١).
стр. 2723
وقد جعل الله العلماء عصمةً للأمة من الهلاك، فالفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت، ودمرت، عرفها كل جاهل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
وأهم سُبل الوقاية من شر الفتن، والعصمة من الزيغ، والضلال، والنجاة من الهلاك، هو الاعتصام بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ والالتحام بالعلماء الربانين، والصدور عن رأيهم السديد، كما اعز الله دينه، وحفظه، بأبي بكر الصديق ﵁ يوم الردة، وغيره من أئمة الهدى، فالعلماء ورثة الأنبياء.
والبيئة الإيمانية يقودها العلماء الربانيون، الذين جعلهم الله منارة للعلم والهدى، والبيئة الجاهلية توفر المناخ المناسب للفوضى، والدجل، فهي التي احتضنت الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في اليمامة فأهلكت هذا، وهذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
الرابع: لزوم الجماعة.
والجماعة هم أهل الإيمان والتقوى، و يد الله مع الجماعة، والأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا، والحق فيها مادامت أمة واحدة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢].
وقد أمر الله بالاجتماع على الحق، وحذرنا من الفرقة.
الْفِرَق كُلَّهَا، وَلَو أَنْ تَعَض عَلَى أَصْل الْشَّجَرَة حَتَّى يُدْرِكَك الْمَوْت، وَأَنْت عَلَى ذَلِك» متفق عليه (١).
والمواظبة على صلاة الجماعة من أقوي أسباب الاجتماع، وحصول الأمن والخير، وهي إن لم تستأصل الفتنة، فإنها تطفئ نارها، وتحجم أضرارها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
الخامس: التثبت من الأخبار.
فالفتن تنتشر بالقيل والقال، وتكبر وتزداد بالإشاعات والأباطيل، وأسرع الناس سقوطًا في حريق الفتن، هم أهل الجهل، وأهل الكبر، والغرور، الذين يجرون الأمة إلى كل بلاء، وفتنة، بمجرد قولٍ قيل، لا يدرى من أي رأسٍ خرج، ولا على أي أرض درج.
فيجب التثبت والتبيين في الأخبار المتعلقة بعموم الأمة، أو برأس من رؤوسها، أو بأمر من أمورها، ومجرد الثقة في النقل، لا تكفى بمفردها، فيجب التثبت، وذلك لما يعتلى النفوس من العصبية، والهوى، والشهوة، وتزيين الشيطان، والحرص، والطمع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 2726
فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
وعن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، قال: أن المسلمين لحقوا رجلاً في غُنَيْمَةٍ له فقال: السَّلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمتَه، فنزلت: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤].» أخرجه البخاري (١).
وإذا تأكد المسلم من صحة الخبر، فلا تحسن إشاعته بين العامة، فليس كل ما يُعلم يُقال، وكفى بالمرء إثمًا أن يُحدث بكل ما سمع، وإذا أردنا أن نقول فلا نقول إلا للعلماء والأتقياء الذين يعلمون ما لا نعلم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
وقد أمر الله بالستر، والنصح، والصلح، والإصلاح لمن زلت به القدم، فلا يجوز لأحد هتك الأستار، وفضح الأسرار، والتشهير بالأشخاص، ورحمة الله للفاسق توجب إصلاح فساده، ولو كان جبارًا عنيدًا، ومن هتك ستر غيره فضحه الله، ولو كان في جوف داره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» متفق عليه (٢).
стр. 2727
فيجب على المسلم أن يتبين الأمور، ولا يصدق الإشاعات؛ ليسلم هو، وغيره من إثم الفتن، والتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» أخرجه مسلم (١).
وعن ابن عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: حدثنا عُمَرَ بن الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ الله ﷺ نِسَاءَهُ، قال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ الله ﷺ نِسَاءَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَطَلَّقْتَهُنّ، قَالَ: لَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ الله ﷺ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَال: نَعَمْ إِنْ شِئْت» أخرجه مسلم (٢).
وليس كل ما يعلمه الإنسان يقوله، بل يجب عليه أن يسكت، إذا كانت الحكمة والمصلحة في السكوت درأ للمفسدة، خاصة وقت الفتن التي تلطم البر والفاجر إلا من رحم الله.
عن أبى هريرة ﵁ قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ» أخرجه البخاري (٣).
стр. 2728
٥ - الخزانة الخامسة
ومن سُبل السلامة من الفتن:
السادس: حفظ اللسان.
يجب على كل مسلم أن يكف لسانه، ويحفظه عن كل باطل في جميع الأوقات، والأحوال، ويتأكد ذلك حفظه وقت الفتنة التي تكثر فيها الأقاويل، وتزداد شهوة الكلام، والسماع، وتستعد الآذان لاستقبال كل ما يقال، ويشاع، مما يفتن، ويفرى، ويدمى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
فيجب كف اللسان عن كل كلمةٍ تزيد وهج الفتنة، وتشعل نارها، فالعاقل من أشغل لسانه بما يحبه الله ويرضاه، من الذكر، والدعاء، والدعوة: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣].
واللسان أيسر الجوارح حركة، وهو أضرها على العبد، فكم يحصل من الشر والفساد إذا أطلق الإنسان لسانه؛ ليفرى في أعراض الأحياء والأموات، ويمزق شمل الأمة بالقيل والقال، وإثارة النعرات.
فحفظ اللسان وكفه، وحبسه هو أصل الخير كله، وإطلاقه أصل الشر كله، وما طار منه لا يمكن رده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
стр. 2729
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مِنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» متفق عليه (١).
وعن سهل بن سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «منْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ؛ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» أخرجه البخاري (٢).
فالصمت عن اللغو فيه السلامة، والصمت مفتاح العبادة، وما ندم حليم، ولا ساكت، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه، كانت وقوده في النار، والعاقل لا يتكلم فيما لا يعنيه ويرجو ثوابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُت» أخرجه البخاري (٣).
واللسان سبعٌ ضار، من أرسله أكله، فيجب الحذر منه، وأدنى نفع السكوت السلامة، وكفى به عافيه، وأدنى ضرر النطق الشهرة، وكفى به بلية، والكلام أسير الإنسان، فإذا خرج من فيه صار أسيره، والله عند لسان كل قائل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
стр. 2730
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠].
وكلام اللسان في الفتن أشد من وقع السيف في الحرب، والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربى، وهي التي تأمر الإنسان بالقيل والقال، والغيبة والنميمة، والجدل والمراء، والكذب والرياء، والخوض في الفتن، وغير ذلك مما يشعل نار الفتن ما ظهر منها، وما بطن فاحذر ذلك أيها المسلم، ولا تقفو ما ليس لك به علم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
واصحب الناس أيام الفتن، كما تصحب النار، خذ منفعتها، واحذر منها أن تحرقك، وإذا أقبلت الفتن فواجهها بحصن الحكمة، وصدق الإيمان، وقوة الدعاء، وتوكل على الله في دفعها، واتقاء شرها، فإنها إذا عمت وطمت، وزاد غبارها، فاعتزل ذلك بكف لسانك عن إخوانك: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
وعَنْ أَبِي سَعِيد الخدريٍ ﵁ أن رَجُلاً أَتى النبي ﷺ فقال: أي النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فقَالَ رسول الله ﷺ «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ: «ثُمَّ مؤمنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتقىُ الله، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» متفق عليه (١).
стр. 2731
السابع: الصبر والرفق والحلم في جميع الأحوال.
فالصبر محمود في كل حال خاصةً عند المصائب والفتن: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
والصبر أعظم عطاء يكرم الله به من شاء من عباده، والصبر مفتاح الفرج واليسر: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ١ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلم يسأله أحدٌ منهم إلا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لهم حين نفذ كل شيء أنفق بيديه ما يكن عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وإنه من يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا، وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْر» متفق عليه (١).
وإذا هاجت الفتن، وكثرت المعاصي، وانتشر الفسق، فلابد للمسلم من صبرٍ شديد يواجه به تلك الشدائد والفتن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
стр. 2732
وإذا كانت دعامة العقل الحلم، فإن جماع الأمر الصبر، ولا يبلغ الإنسان ذروة العقل، حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، وأشجع الناس من رد جهله بحلمه، وأكرمهم من بذل نفسه ودنياه من أجل دينه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والرفق، والحلم، والحياء من أحسن الأخلاق التي يتجمل بها المرء، ومن يُحرم الرفق يُحرم الخير كله، والحلم سيد الأخلاق، والحياء شعبة من شعب الإيمان: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 2733
وعن عائشة ﵂ قالت: استأذن رهط من اليهود على النبي ﷺ ، فقالوا: السامُ عليكِ، فقلت: بل عليكم السام، واللعنة، فقال: «يا عائشة إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله»، قلت: ألا تسمع ما قالوا؟ قال: «قلت وعليكم» متفق عليه (١).
و عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ» أخرجه مسلم (٢).
واعلم أن التأني من الله، والعجلة من الشيطان، والعجلة والطيش من أعظم الأدواء، التي تعقبها الحسرة، والندامة، فتبين الأمور، وتفكر في العواقب، واصبر على ما أصابك، يحبك الله، ويكن في معيتك: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وعن خبابٍ بن الأرت ﵁ قال: شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظِلِّ الْكَعْبةِ، فقلنا: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟، فقال: «كانَ الرجُلُ فيمَنْ قبلَكُم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيه، فيُجاءُ بالمنشارِ فيوضعُ على [مَفْرِق] رأسهِ، فيُشَقُّ باثنتينِ، وما يصُدُّهُ ذلك عن دينِهِ، ويُمْشَطُ بأمْشاطِ الحَديدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْم أوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلك عنْ دِينِهِ، واللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكِبُ مِنْ صنعاءَ إلى حَضْرَموتَ؛ لا يخافُ إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمهِ، ولكنَّكُم تستعجلونَ» أخرجه البخاري (٣).
стр. 2734
الثامن: مواجهة الفتن بالأعمال الصالحة، فهدي النبي ﷺ في أيام الفتن، المبادرة إلى الأعمال الصالحة؛ لأنها أعظم وسيلة للثبات على الحق، والهدى، والنفسٌ إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠].
وعن أبى هريرة ﵁ أن رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا» أخرجه مسلم (١).
وعن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة فقال: «سبحان الله! مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْخَزَائِنِ؟ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ، رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه البخاري (٢).
стр. 2735
وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا، طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوْ الدُّخَانَ، أَوْ الدَّجَّالَ، أَوْ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» أخرجه مسلم (١).
والصلاة من أعظم العبادات، التي يدفع بها كل بلاء، فإذا فزع المؤمن، أو حلت به مصيبة، أو اشتدت عليه كربة، توجه إلى ربه، وفزع إليه قائما يصلى بين يديه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وصاحب الأعمال الصالحة، عزيز عند ربه، يرفع مقامه وذكره في الدنيا، والآخرة، ولا يخزيه أبدًا، وينصره على من عاداه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وجميع صنائع المعروف، تقي مصارع السوء، والمنقطع للعبادة في الفتنة، فر من الناس إلى عبادة ربه، الذي هو ارحم به من نفسه، وأجره كالمهاجر الذي فر بدينه ممن يصدونه عنه.
عن معقل بن يسار ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «العِبَادَةُ في الهرج كهجرة إليَّ» أخرجه مسلم (٢).