السابع: الصبر والرفق والحلم في جميع الأحوال.
فالصبر محمود في كل حال خاصةً عند المصائب والفتن: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
والصبر أعظم عطاء يكرم الله به من شاء من عباده، والصبر مفتاح الفرج واليسر: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ١ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلم يسأله أحدٌ منهم إلا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لهم حين نفذ كل شيء أنفق بيديه ما يكن عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وإنه من يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا، وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْر» متفق عليه (١).
وإذا هاجت الفتن، وكثرت المعاصي، وانتشر الفسق، فلابد للمسلم من صبرٍ شديد يواجه به تلك الشدائد والفتن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
стр. 2732
وإذا كانت دعامة العقل الحلم، فإن جماع الأمر الصبر، ولا يبلغ الإنسان ذروة العقل، حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، وأشجع الناس من رد جهله بحلمه، وأكرمهم من بذل نفسه ودنياه من أجل دينه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والرفق، والحلم، والحياء من أحسن الأخلاق التي يتجمل بها المرء، ومن يُحرم الرفق يُحرم الخير كله، والحلم سيد الأخلاق، والحياء شعبة من شعب الإيمان: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 2733
وعن عائشة ﵂ قالت: استأذن رهط من اليهود على النبي ﷺ ، فقالوا: السامُ عليكِ، فقلت: بل عليكم السام، واللعنة، فقال: «يا عائشة إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله»، قلت: ألا تسمع ما قالوا؟ قال: «قلت وعليكم» متفق عليه (١).
و عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ» أخرجه مسلم (٢).
واعلم أن التأني من الله، والعجلة من الشيطان، والعجلة والطيش من أعظم الأدواء، التي تعقبها الحسرة، والندامة، فتبين الأمور، وتفكر في العواقب، واصبر على ما أصابك، يحبك الله، ويكن في معيتك: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وعن خبابٍ بن الأرت ﵁ قال: شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظِلِّ الْكَعْبةِ، فقلنا: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟، فقال: «كانَ الرجُلُ فيمَنْ قبلَكُم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيه، فيُجاءُ بالمنشارِ فيوضعُ على [مَفْرِق] رأسهِ، فيُشَقُّ باثنتينِ، وما يصُدُّهُ ذلك عن دينِهِ، ويُمْشَطُ بأمْشاطِ الحَديدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْم أوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلك عنْ دِينِهِ، واللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكِبُ مِنْ صنعاءَ إلى حَضْرَموتَ؛ لا يخافُ إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمهِ، ولكنَّكُم تستعجلونَ» أخرجه البخاري (٣).
стр. 2734
الثامن: مواجهة الفتن بالأعمال الصالحة، فهدي النبي ﷺ في أيام الفتن، المبادرة إلى الأعمال الصالحة؛ لأنها أعظم وسيلة للثبات على الحق، والهدى، والنفسٌ إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠].
وعن أبى هريرة ﵁ أن رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا» أخرجه مسلم (١).
وعن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة فقال: «سبحان الله! مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْخَزَائِنِ؟ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ، رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه البخاري (٢).
стр. 2735
وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا، طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوْ الدُّخَانَ، أَوْ الدَّجَّالَ، أَوْ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» أخرجه مسلم (١).
والصلاة من أعظم العبادات، التي يدفع بها كل بلاء، فإذا فزع المؤمن، أو حلت به مصيبة، أو اشتدت عليه كربة، توجه إلى ربه، وفزع إليه قائما يصلى بين يديه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وصاحب الأعمال الصالحة، عزيز عند ربه، يرفع مقامه وذكره في الدنيا، والآخرة، ولا يخزيه أبدًا، وينصره على من عاداه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وجميع صنائع المعروف، تقي مصارع السوء، والمنقطع للعبادة في الفتنة، فر من الناس إلى عبادة ربه، الذي هو ارحم به من نفسه، وأجره كالمهاجر الذي فر بدينه ممن يصدونه عنه.
عن معقل بن يسار ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «العِبَادَةُ في الهرج كهجرة إليَّ» أخرجه مسلم (٢).
стр. 2736
٦ - الخزانة السادسة
ومن سُبل السلامة من الفتن:
التاسع: الدعاء والرغبة إلى الله في دفع الفتن.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].
فدعاء الله ، والتضرع إليه، من أعظم الأسلحة التي يستنزل بها النصر، ويُدفع بها البلاء.
والفتن من عذاب الله في الأرض، ولا يدفع عذابه بمثل الاستكانة، والتضرع إليه في دفعها.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وعند الفتن تطيش العقول، وتحتار النفوس، وتشتد الكربة، وعند ذلك لا ملجأ ولا منجى للمؤمن إلا إلى ربه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣].
стр. 2737
والفتن كثيرًا ما تشتبه فيها الأمور، ويخفى فيها وجه الحق، ويختلط فيها الحابل بالنابل، وسبيل النجاة منها، الاعتصام بالله القادر على كل شيء، والاستعانة به، ودعائه واستغفاره.
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وقال الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وعن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ،
ودعاه به يونس ﷺ ، فأنجاه الله من الغرق.
قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
ودعاه به موسى ﷺ ، فأنجاه الله من فرعون وقومه، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٠ - ٦٨].
والفتن بلاء عظيم، لا ينجو منها إلا من دعا ربه بدعاء كدعاء الغريق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
والهداية إلى الحق وقت الفتن منحة ربانية، وهداية إلهية، يخص الله بها أولياءه المؤمنين، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ
стр. 2740
بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣].
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ ، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أخرجه مسلم (١).
فإذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، ومن سأل الله أعطاه، ومن دعاه أجابه، ومن توكل عليه كفاه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
عن أبي هريرة ﵁، أن الرسول ﷺ قال: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ» متفق عليه (٢).
فسبل السلامة من الفتن:
الأول: تجفيف منابع الفتن، وسد أبوابها.
الثاني: الحذر من الشر، باب من أبواب الخير.
الثالث: لزوم العلماء الربانيين عند الفتن.
стр. 2741
الرابع: لزوم جماعة المسلمين عند الفتن.
الخامس: التثبت من الأخبار الشائعة.
السادس: حفظ اللسان وقت الفتن وغيرها.
السابع: الصبر والرفق والحلم في جميع الأحوال.
الثامن: مواجهة الفتن بالأعمال الصالحة.
التاسع: الدعاء والرغبة إلى الله في دفع الفتن، وقد مرت هذه معنا.
العاشر: التعوذ بالله من شر الفتن.
فالله هو الملك الحق الذي بيده الخلق والأمر، والفتن بلاء عظيم، وعلى المؤمن أن يستعيذ بالله من شرها.
عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَعوَّذُوا باللهِ مِنْ الفِتَن مَا ظَهرَ مِنها، وَمَا بَطَنَ، قُلنا: نَعوذُ باللهِ مِنْ الفِتنِ مَا ظهرَ مِنها، وَما بَطنَ» أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» أخرجه مسلم (٢).
стр. 2742
الحادي عشر: اعتزال الفتن.
إذا وقعت الأمة في الفتن المهلكة التي تأكل الأخضر واليابس، وتلطم البر والفاجر، فلا يجوز للمسلم المشاركة فيها، بل يتجنبها، ويكف لسانه ويده عنها، بالفرار منها، ما لم يتبين الحق فيتبعه.
قال الله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ [العنكبوت: ٥٦ - ٥٧]
وقال النبي ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ» أخرجه الترمذي وابن ماجة (١).
وقال النبي ﷺ : «الْمُسْلِم؟ مَنْ سَلِمَ المُسلمون مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» أخرجه البخاري (٢).
وعن أبي بكرة ﵁، أن الرسول ﷺ قال: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ، قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ» متفق عليه (٣).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن» أخرجه البخاري (٤).
стр. 2743
وعن أبي هريرة ﵁، أن الرسول ﷺ قال: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ» أخرجه مسلم (١).
وعن عامر بن سعد ﵁ «أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا كَانَ فِي إِبِلٍ لَهُ فَجَاءَ ابْنُهُ عُمَرُ فَلَمَّا رَآهُ، قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ قَالَ: يَا أَبَهْ أَرَضِيتَ أَنْ تَكُونَ أَعْرَابِيًّا فِي إِبِلِكَ، وَغَنَمِكَ، وَالنَّاسُ فِي الْمَدِينَةِ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ اسْكُتْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ» أخرجه مسلم (٢).
وتتأكد العزلة في الفتنة على اثنين:
أحدهما: من خشي أن يُفتن في دينه، ويُكره على التحول عنه.
الثاني: صاحب الرأي، والدهاء، الذي يُخشى على الناس من رأيه، وذو البأس الشديد الذي يُخشى على الناس منه، ومن بأسه.
والفتنة أسرع الابتلاء.
وإنكار المنكر واجبُ على كل من قدر عليه، فمن أعان أهل الحق، فهو مصيبٌ ومأجور، ومن أعان المخطئ فهو مخطئ وآثم، وإن أشكل عليه الأمر، اعتزل حتى يستبين له الأمر.
стр. 2744
وفى العزلة وقت الفتنة صيانةُ للدين عن النقص، وصيانةُ للنفس عن التلف، وصيانةُ للعرض عن الانتهاك، وصيانةُ للمال عن الضياع، وسلامة الصدر لكل مؤمن، وإطفاء الفتنة، وإخماد نارها.
فالناس كلما اعتزلوا الفتن، قل أهلها، فقل شرها، فانطفأت نارها، وكلما قام الناس في الفتن، وشاركوا في إضرام نارها، كثر أهلها، وزاد شرها، وعظم خطبها: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٤ - ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
الثاني عشر: عدم تمنى الموت عند الفتن.
فخير الناس المؤمن الذي طال عمره، وحسن عمله؛ لأنه في كل يوم يزداد من الأعمال الصالحة، التي تقربه من ربه، وترتفع بها درجته، وتُغفر له ذنوبه.
عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: «لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» متفق عليه (١).
стр. 2745
وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: «لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، ولا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُه، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا» أخرجه مسلم (١).
وعن عبد الله بن بشر ﵁ قال: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ فقال: أحدهما يا رسول الله أي الناس خير في خير؟ قال: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (٢).
ويجوز للمسلم إذا خاف على دينه من الفتنة، أن يفوض أمره الى ربه.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» متفق عليه (٣).
стр. 2746
١٨ - خزائن الفضائل
وتشتمل على ما يلي: فقه الفضائل
أولًا: فضائل التوحيد.
ثانيًا: فضائل الإيمان.
ثالثًا: فضائل العبادات وتشمل:
١ - فضائل الوضوء.
٢ - فضائل الآذان.
٣ - فضائل الصلاة.
٤ - فضائل الزكاة.
٥ - فضائل الصيام.
٦ - فضائل الحج والعمرة.
٧ - فضائل الجهاد.
٨ - فضائل الذكر.
٩ - فضائل الدعاء.
رابعًا: فضائل المعاملات.
خامسًا: فضائل المعاشرات.
سادسًا: فضائل الأخلاق.
سابعًا: فضائل القرآن الكريم.
ثامنًا: فضائل النبي ﷺ .
تاسعًا: فضائل أصحاب النبي ﷺ وغير ذلك من الفضائل.
стр. 2747
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
١٨ - خزائن الفضائل
القسم الأول
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ الخزانة العاشرة
стр. 2748
١٨ - خزائن الفضائل
القسم الأول
١ - الخزانة الأولى
فقه الفضائل:
أوردنا في هذه الخزائن بعض الآيات الكريمة، والأحاديث الصحيحة الواردة في فضائل الأعمال التي تُقرب إلى الله، وتكون مع الإيمان سببًا للرغبة في العمل الصالح، وإحسانه، والحرص عليه، والإكثار منه، والتنافس فيه، والتلذذ به، والمسارعة إليه.
فذكر كل عمل مع بيان فضيلته يُولد في النفس الرغبة والشوق للعمل الصالح، ويبعث النشاط في الروح والبدن، ويطرد العجز والكسل، ويحرك الجوارح للطاعة وأنواع العبادة.
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 2749
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ ا [الانفطار: ١٣ - ١٤].
فضل الإخلاص، وحسن النية:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْه». متفق عليه (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 2750
فضل من هم بحسنة:
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال فيما يروي عن ربه ﵎: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». متفق عليه (١).
فلله الحمد والمنة على هذا العطاء الجزيل من رب عظيم ذو الرحمة الواسعة، والنعمة السابغة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
٢ - الخزانة الثانية
فضائل العبادات:
أولًا: فضائل الوضوء.
فضل الوضوء
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
وعن عن عثمانَ بن عفَّان ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ توضَّأ فأحسن الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جسده، حتَّى تخرُجَ من تحت أظفاره». أخرجه مسلم (١).
فضل التيمن بالوضوء وغيره:
عنْ عائشةَ ﵂ قَالت: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفي شَأْنِهِ كُلِّهِ». متفق عليه (٢).
فضل الصلاة بعد الوضوء:
عن عُقبةَ بن عامر ﵁ أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: «ما من مسلمٍ يتوضَّأ فيُحسن وضوءَه، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين، مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلَّا وجبتْ له الجنَّة». أخرجه مسلم (٣).
стр. 2756
فضل الذكر بعد الوضوء:
عن عُمَر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء» أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: فضائل الآذان.
عن عبد الله بن عبد الرحمن أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». أخرجه البخاري (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا». متفقٌ عليه (٣).
وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤَذنون أطَولِ الناس أعناقًا يوم القيامة». أخرجه مسلم (٤).
فضل إجابة المؤذن:
عن عبد الله ابن عمرو ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتُمُ المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقولُ ثمَّ صلُّوا عليَّ فإنَّهُ مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللَّهُ عليه بِها عشْرًا ثمَّ سلوا اللَّهَ ليَ الوسيلَةَ فإنَّها منزِلةٌ في الجنَّةِ لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من
فضل أهل الصيام:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ في الجنَّةِ ثمانيةَ أَبوابٍ، فيها بابٌ يقال لَه: الرَّيَّانُ، لا يدخُلُه إلا الصَّائمونَ». متفق عليه (١).
فضل من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صامَ شهر رمضان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه (٢).
فضل من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَامَ شهر رمضان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه (٣).
فضل من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه (٤).
فضل من صيام رمضان وأتبعه ستةً من شوال:
عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ». رواه مسلم. (٥)
стр. 2770
فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاَللَّهِ لأَصُو مَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أنت الذي تقول ذلك؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَقَالَ: فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْر». متفق عليه (١).