← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وعن علي ﵁ قال: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَومَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلوذُ بِرَسُولِ الله ﷺ ، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إلَى العَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَومَئِذٍ بَأساً. أخرجه أحمد بسند صحيح (١). • رفقه ﷺ : عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا، وَلا تُنَفِّرُوا». متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرينَ». متفق عليه (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا، وَلا تُنَفِّرُوا». متفق عليه (٤). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «يَا عَائِشَةُ إنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ». متفق عليه (٥). • عفوه ﷺ : قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى

стр. 2942

خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣]. وعن عائشة ﵂ قالت: مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَينَ أَمْرَينِ إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْماً، فَإنْ كَانَ إثْماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ﷺ لِنَفْسِه، إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله، فَيَنْتَقِمَ للهِ بِهَا. متفق عليه (١). • رحمته ﷺ : قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وعن أبي قتادة ﵁ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي العَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى، فَإذَا رَكَعَ وَضَعَ، وَإذَا رَفَعَ رَفَعَهَا. متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قَبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قَبَّلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ». متفق عليه (٣).

стр. 2943

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَالكَبِيرَ، وَإذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». متفق عليه (١). وعَنِ الْمَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّصلى الله عليه وسلم، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». متفق عليه (٢). وعن أنس ﵁ قال: كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَال لَهُ: «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِم ﷺ فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». أخرجه البخاري (٣). • ضحكه ﷺ : عن عائشة ﵂ قالت: مَا رَأَيْتُ النبي ﷺ مُسْتَجْمِعاً قَطُّ ضَاحِكاً حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. متفق عليه (٤).

стр. 2944

وعن جرير ﵁ قال: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلا رآنِي إلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي. متفق عليه (١). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: نَعَم، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إلَى هَذِهِ الآيةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]. قال: «حَسْبُكَ الآنَ، فَالتَفَتُّ إلَيهِ فَإذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ». متفق عليه (٢). وعن عبد الله بن الشِّخِّير ﵁ قال: «رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ البُكَاءِ ﷺ ». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (٣). وفي رواية للنسائي: «كأزيزِ المِرْجَلِ» أخرجه النسائي (٤). • غضبه ﷺ : عن عائشة ﵂ قالت: «دخل عَلَيَّ النبي ﷺ ، وفي البيت قِرَام فيه صور، فتلوَّن وجهه ثم تناول الستر فهتكه، وقالت: قال النبي ﷺ : مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ». متفق عليه (٥). وعن أبي مسعود ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عَنْ صلاة الغداة من أجل فلان مما يُطيل بنا، قال: فما رأيت رسول الله ﷺ قط أشدَّ

стр. 2945

غضباً في موعظةٍ منه يومئذ، قال: فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ فَإنَّ فِيهِمُ المريضَ، وَالكَبِيرَ، وَذَا الحَاجَةِ». متفق عليه (١). • شفقته ﷺ على أمته: قال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلِي، وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً فَجَعَلَ الجَنَادِبُ، وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيْهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي». أخرجه مسلم (٢). • انبساطه ﷺ إلى الناس: عن أنس بن مالك ﵁ قال: إنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ». متفق عليه (٣). • زهده ﷺ : عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهُ ﷺ : «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتاً». متفق عليه (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ المدِيْنَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعاً حَتَّى قُبِضَ». متفق عليه (٥).

стр. 2946

وعن عروة، عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: «وَالله يَا ابْنَ أُخْتِي إنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلَى الهِلالِ ثُمَّ الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَينِ، وَمَا أُوْقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ الله ﷺ نَارٌ، قَالَ: قُلْتُ يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ الله ﷺ جِيرانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إلَى رَسُولِ الله ﷺ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ». متفق عليه (١). وعَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ قال: «مَا تَرَكَ رَسُولُ الله ﷺ دِينَارًا، وَلا دِرْهَمًا، وَلا عَبْدًا وَلا أمَةً، إلا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلاحَهُ، وَأرْضًا جَعَلَهَا لابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً». أخرجه البخاري (٢). • عدله ﷺ : عن عائشة ﵂: أن قريشاً أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت وفيه-: فكلَّمه أسامة بن زيد، فقال رسول الله ﷺ : «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ؟». ثُمَّ قَام فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وَأيْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». متفق عليه (٣).

стр. 2947

• حلمه ﷺ : عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَومِكِ وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلَى مَا أَرَدْتُّ، فَانْطَلَقْتُ، وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيْهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوْا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيهِمُ الأَخْشَبَينِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً». متفق عليه (١). • صبره ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شَديداً، فَقَالَ

стр. 2948

رَسُولُ الله ﷺ : «أَجَلْ إنِّي أُوْعَكُ كَمَا يُوْعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ». قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَجَلْ». متفق عليه (١). وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: «شَكَونَا إلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟، أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيْهَا، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ، فَيُوْضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَينِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مِنْ دُونِ لَحْمِهِ، وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِيْنِهِ، وَالله لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا الله، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». أخرجه البخاري (٢). • نصحه ﷺ : كَانَ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً». متفق عليه (٣). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلاثِ ليَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ». متفق عليه (٤). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً». متفق عليه (٥).

стр. 2949

وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ، وَلا شُهَدَاءَ يَومَ القِيَامَةِ». أخرجه مسلم (١). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ شِرَارِ النَّاِس ذَا الوَجْهَينِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه (٢). وكان ﷺ يقول: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ». متفق عليه (٣). وكان ﷺ يقول: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ.، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ». أخرجه مسلم (٤). وكان ﷺ يقول: «إذَا رَأيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ». أخرجه مسلم (٥). وكان ﷺ يقول: «لا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ الله أعْلَمُ بِأهْلِ البِرِّ مِنْكُمْ». أخرجه مسلم (٦).

стр. 2950

وكان ﷺ يقول: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدٌ مِنْكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْراً لِي». متفق عليه (١). وكان ﷺ يقول: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يَنْفَعَ أخَاهُ فَلْيَفْعَلْ». أخرجه مسلم (٢). وكان ﷺ يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله، وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله، وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». متفق عليه (٣). فهذه أخلاق النبي ﷺ العظيمة، وهذه صفاته الكريمة، فمن كان مستناً فليستن بسيد الخلق أجمعين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 2951

شمائل النبي ﷺ : «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً، وَأحْسَنَهُ خَلْقاً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ، وَلا بِالقَصِيرِ». متفق عليه (١). و «كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوهُ لِيْفٌ». متفق عليه (٢). و «كَانَ ﷺ إذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ». متفق عليه (٣). و «كَانَ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ». متفق عليه (٤). و «كَانَ ﷺ إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ». متفق عليه (٥). و «كَانَ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوقَ الإزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ». متفق عليه (٦). و «كَانَ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ». متفق عليه (٧). و «كَانَ ﷺ يُقبِّلُ، وَيُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ». متفق عليه (٨).

стр. 2952

و «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لا يَدْخُلُ إلَّا غُدْوَةً، أَوْ عَشِيَّةً». متفق عليه (١). و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ العَسَلَ، وَالحَلْوَاءَ، وَكَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إحْدَاهُنَّ». متفق عليه (٢). و «كَانَ ﷺ لا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إلَّا نَهَاراً فِي الضُّحَى، فَإذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالمسْجِدِ، فَصَلَّى فِيْهِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ». متفق عليه (٣). و «كَانَ ﷺ مَرْبُوعاً، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ». متفق عليه (٤). و «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ الله ﷺ رَجِلاً، لَيْسَ بِالسَّبِطِ، وَلا الجَعْدِ، بَيْنَ أُذُنَيْهِ، وَعَاتِقِهِ». متفق عليه (٥). و «كَانَ ﷺ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي آخِرَهُ». متفق عليه (٦). و «كَانَ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ». متفق عليه (٧). و «كَانَ ﷺ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ». متفق عليه (٨).

стр. 2953

و «كان ﷺ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثاً حَتَّى تُفْهَمَ، وَإذَا أَتَى عَلَى قَومٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّم عَلَيهِمْ ثَلاثاً». أخرجه البخاري (١). و «كَانَ ﷺ إذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاةِ، وَإذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاةِ». أخرجه البخاري (٢). وقال كعب بن مالك ﵁: «لقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ إذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ». أخرجه البخاري (٣). و «كَانَ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإذَا أَرَادَ الفَرِيْضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ». أخرجه البخاري (٤). و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ رَحِيماً رَفِيقاً». أخرجه البخاري (٥). و «كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ». أخرجه البخاري (٦). و «كَانَ ﷺ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلا صَوتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ». أخرجه مسلم (٧). و «كَانَ ﷺ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ». أخرجه مسلم (٨).

стр. 2954

و «كَانَ ﷺ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ». أخرجه مسلم (١). و «كَانَ ﷺ يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيْحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ». أخرجه مسلم (٢). و «كَانَ ﷺ إذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيهِ بِالمُعَوِّذَاتِ». أخرجه مسلم (٣). و «كَانَ ﷺ يَذْكُرُ الله تَعَالَى عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». أخرجه مسلم (٤). و «كَان ﷺ رَجُلاً سَهْلاً». أخرجه مسلم (٥). و «كَانَ ﷺ يُوجِزُ فِي الصَّلاةِ وَيُتِمُّ». أخرجه مسلم (٦). و «كَانَ ﷺ لا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوْ الغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ». أخرجه مسلم (٧). و «كَانَ ﷺ رَحِيماً رَفِيقاً». أخرجه مسلم (٨). و «كَانَ ﷺ يَتَخَلَّفُ فِي المَسِير، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَيُرْدِفُ، وَيَدْعُوْ لَهُمْ». أخرجه أبو داود بسند صحيح (٩).

стр. 2955

و «كَانَ ﷺ إذَا اكْتَحَلَ اكْتَحَلَ وِتْراً وَإذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ وِتْراً». أخرجه أحمد بسند صحيح (١). و «كان ﷺ تعجبه الريح الطيبة». أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح (٢). و «كَانَ ﷺ إذَا دَعَا لأحَدٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ». أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح (٣). و «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى رَسُولِ الله ﷺ القَمِيْصُ». أخرجه أبو داود، والترمذي بسند صحيح (٤). و «كَانَ ﷺ إذَا أَرَادَ الحَاجَةَ أَبْعَدَ». أخرجه أحمد، والنسائي بسند صحيح (٥). و «كَانَ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ». أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح (٦). و «كَانَ لِرَسُولِ الله ﷺ خَاتِمُ فِضَّةٍ يَتَخَتَّمُ بِهِ فِي يَمِينِهِ». أخرجه النسائي بسند صحيح (٧). و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الغُسْلِ». أخرجه الترمذي، والنسائي بسند صحيح (٨).

стр. 2956

و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ». أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح (١). و «كَانَ ﷺ يَبِيْتُ اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِياً، وَأَهْلُهُ لا يَجِدُوْنَ عَشَاءً، وَكَانَ عَامَّةُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيْرِ». أخرجه أحمد، والترمذي بسند صحيح (٢). و «كَانَ ﷺ إذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ، أَوْ بِثَوْبِهِ، وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ». أخرجه أبو داود، والترمذي بسند صحيح (٣). و «كَانَ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاة، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ، وَالمسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الحَاجَةَ». أخرجه النسائي بسند صحيح (٤). و «كان ﷺ إذا رَاعَهُ شيء قال: هُوَ الله رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيئاً». أخرجه النسائي بسند صحيح (٥). و «كَانَ صلى الله عليه وسلملا يُسْأَلُ شَيْئاً إلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ». أخرجه الحاكم بسند صحيح (٦). و «كَانَ ﷺ إِذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا لَيْسَ فِيهِ كَسَلٌ». أخرجه أحمد، والبزار بسند صحيح (٧).

стр. 2957

و «كَانَ ﷺ كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ». أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح (١). و «كَانَ ﷺ رَحِيماً، وَكَانَ لا يَأْتِيهِ أَحَدٌ إلَّا وَعَدَهُ، وَأَنْجَزَ لَهُ إنْ كَانَ عِنْدَه». أخرجه البخاري في الأدب المفرد بسند حسن (٢). و «كَانَ كَلامُ رسول الله ﷺ كَلاماً فَصْلاً يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ». أخرجه أبو داود بسند حسن (٣). و «كَانَ ﷺ لا يَنَامُ إلَّا وَالسِّوَاكُ عِنْدَهُ فَإذَا اسْتَيْقَظَ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ». أخرجه أحمد بسند حسن (٤). فهذه شمائل النبي ﷺ ، وهذه أقواله، وهذه أفعاله، وهذه أخلاقه. فمن كان يرجو لقاء ربه، فليقتد به، ويسير على هديه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 2958

٢ - الخزانة الثانية • فقه حسن الخلق: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين والأجر والدرجة. والخلق: هو بذل المعروف، وكف الأذى، واحتمال الأذى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤]. وإنما يدرك العبد ذلك بثلاثة أشياء: بالعلم .. والجود .. والصبر. فالعلم: يرشد الإنسان إلى مواقع بذل المعروف، والفرق بينه وبين المنكر، ووضع الشيء في موضعه، فلا يضع الغضب موضع الحلم، ولا العكس، ولا يضع الإمساك موضع البذل، ولا العكس: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩]. بل يعرف مواقع الخير، والشر، ومراتبها، وموضع كل خلق أين يضعه؟، وأين يحسن استعماله؟.

стр. 2959

قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. أما الجود فيبعث الإنسان على المسامحة بحقوق نفسه، ودفع المزيد عند أداء حقوق غيره، فالجود قائد جيوش الخير كلها. وكان النبي ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. متفق عليه (١) والصبر يحفظ عليه استدامة ذلك، ويحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها، وهو أكبر العون على كل مطلوب: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. فبهذه الثلاثة تحصل تزكية النفوس، وتهذيبها؛ لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه، فإن المرء مع من أحب. وحسن الخلق بذل الجميل، وكف القبيح، والتخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].

стр. 2960

• أركان حسن الخلق: حسن الخلق يقوم على أربعة أركان: الصبر .. والعفة .. والشجاعة .. والعدل. فالصبر يحمل الإنسان على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وعدم الطيش، والعجلة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح، من الأقوال والأفعال، وتحمله على الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء والمنكر من البخل والكذب، والغيبة والنميمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. والشجاعة تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق، والشيم، وعلى البذل، والندى، وتحمله على كظم الغيظ، والحلم. فبالشجاعة يمسك عنان نفسه، ويمسك بلجامها عن النزغ، والبطش: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والعدل يحمله على اعتدال أخلاقه، فلا إفراط، ولا تفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء، الذي هو وسط بين الإمساك والإسراف والتبذير. ويحمله على خُلق الحياء، الذي هو وسط بين الذل، والقحة.

стр. 2961

ويحمله على خلق الشجاعة، الذي هو وسط بين الجبن، والتهور. ويحمله على خلق الحلم، الذي هو وسط بين الغضب، والمهانة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة. • أركان سوء الخلق: أما الأخلاق السافلة فمنشؤها، وبناؤها، يقوم على أربعة أركان: o الجهل o والظلم o والشهوة o والغضب. فالجهل: يُري الإنسان الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والنقص كمالاً، والكمال نقصاً، والحق باطلاً، والباطل حقاً، نعوذ بالله من الجهل وأهله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضا، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويبذل في موضع الإمساك، ويحجم في موضع الإقدام،

стр. 2962

ويقدم في موضع الإحجام، وهكذا: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨]. والجاهل يلين في موضع الشدة، ويقسو في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع. والشهوة: تحمله على الحرص والطمع، والبخل والشح، والنهمة والجشع، والذل وعدم العفة، والدناءات كلها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. والغضب: يحمله على الكبر والحقد، والحسد والعدوان، والسفه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. • أقسام الأخلاق: الأخلاق نوعان: أخلاقٌ حسنة ممدوحة أخلاقٌ سيئة مذمومة. فالخلق الحسن: هو الأدب والفضيلة، وينتج عنه أقوال وأفعال جميلة عقلاً وشرعاً، كالصدق والصبر، والحلم والإحسان، والعفو والإيثار، والرحمة واللين، ونحوها: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 2963

والخلق السيئ: هو سوء الأدب والرذيلة، وينتج عنه أقوال وأفعال قبيحة عقلاً وشرعاً، كالكذب والعجلة والجهل، والبخل والرياء، والحسد والظلم والحرص، ونحوها. والله يأمر بكل حسن من الأقوال والأعمال والأخلاق، وينهي عن كل سيئ من الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. • فقه الأخلاق: علم الأخلاق في الإسلام يدور حول تنظيم سلوك الإنسان، وتنبيهه إلى الخير، ليسعي إليه، وإلى الشر، ليجتنبه ويتركه. فهو علم يبحث في الأحكام التي تعرف بالفضائل، ليتحلى بها الإنسان، والرذائل ليجتنبها، بهدف تزكية النفس على أساس من الوحي الإلهي: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وكل خُلق محمود مكتنف بخُلقين ذميمين، وهو وسط بينهما، وطرفاه خُلقان ذميمان، كالجود الذي هو وسط بين خلق البخل والتبذير، والتواضع الذي هو وسط بين خلق الذل، والمهانة، والكبر والعلو. والنفس إذا انحرفت عن التوسط انحرفت ولا بدَّ إلى أحد الخُلقين الذميمين، فإن انحرفت عن خلق التواضع انحرفت إما إلى كبر وعلو، وإما إلى ذل ومهانة وحقارة.

стр. 2964

وإذا انحرفت عن خلق الحياء، انحرفت إلى قحة وجرأة، وإما إلى عجز وخور ومهانة. وإذا انحرفت النفس عن خلق الأناة، والرفق، انحرفت إما إلى عجلة وطيش وعنف، وإما إلى تفريط وإضاعة. وإذا انحرفت النفس عن خلق الصبر، انحرفت إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط،، وإما إلى غلظة كبد، وقسوة قلب، وتحجر طبع. وإذا انحرفت النفس عن خلق الحلم، انحرفت إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة، وإما إلى الذلة والمهانة والعجز والحقارة. وإذا انحرفت النفس عن خلق العزة، التي وهبها الله للمؤمنين، انحرفت إما إلى كبر، وإما إلى ذل، والعزة المحمودة بينهما. وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة، انحرفت إما إلى تهور وإقدام غير محمود، وإما إلى جبن وتأخر مذموم. وإذا انحرفت عن خلق القناعة، انحرفت إما إلى حرص وطمع، وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة. وإذا انحرفت عن خلق الرحمة، انحرفت إما إلى قسوة وغلظة، وإما إلى ضعف القلب وجبن النفس، كمن لا يقدم على ذبح شاة، ولا إقامة حد، أو تأديب ولد. وصاحب الخلق الوسط مهيب محبوب، عزيز جانبه، حبيب لقاؤه، غزيرة منافعه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 2965

ولا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: o العفة عما في أيدي الناس o والتجاوز عما يكون منهم. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومعاشرة النبي ﷺ قامت على أصلين: البساطة .. والحياء. ومعاشرة الكفار قامت على: الإسراف .. والفحشاء .. والتبذير. والخلق ملكة تصدر بها عن النفس الأفعال بسهولة ويسر، من غير تقدم فكر أو رويَّة أو تكلف: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 2966

٣ - الخزانة الثالثة • فقه الأخلاق: الأخلاق في الإسلام ربانية المصدر، وكلها مستمدة من الشرع، وهي ربانية الهدف فكلها يبتغي بها المسلم وجه الله ورضاه، وهي عبادة من أعظم العبادات: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. منها ما هو مأمورًا به كالصدق والإحسان، ومنها ما هو منهي عنه كالكذب والبخل، والمأمور به درجات، والمنهي عنه درجات، ففعل المأمور به عبادة، وترك المنهي عنه عبادة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. ومهما تخلق الإنسان بالأخلاق الحسنة، فإنها ستبقى صورة بلا روح، طالما لم يُرِد بها صاحبها وجه الله ورضاه، فليس الغرض من الأخلاق وجود صورتها الخارجية، وإنما هذه آثارها، فمصدرها قلبي، وأصلها صلاح الباطن، تملك على المسلم قلبه، ويدفعه إليها إيمانه، ويزيده الالتزام بها إيمانًا؛ لأنها عبادة. فالعدل عبادة مأمور بها، والإحسان عبادة، وترك الفحشاء والمنكر عبادة، وترك المنكرات كلها عبادة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

стр. 2967

وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. والعدل مع العدو أقرب إلى التقوى؛ لأنها مسألة عبادية، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨]. فقد يكون هذا العدل سببًا لهداية الكافر، ومهما حسنت أخلاق الكافر، فهي هباء منثور؛ لأنها لم تكن خالصة لوجه الله ، وإذا لم تكن خالصة لله، فإنها ستظهر نفاقاً، أو لمصلحة ثم تزول، ويظهر ما وراءها من سوء الخلق، كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. والإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق، والسمو إلى أعلى الدرجات، ولكنه يراعي نفسية البشر، وحاجاتهم وقدراتهم، كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. ولا يعتبر الخائف، أو المكره ناقضاً للصدق إن كذب؛ لينجو حين لا ينجيه من البطش إلا الكذب، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. كما لا يعد الجائع المضطر خائناً للأمانة إن سرق ليأكل، ولا يعد طيشاً وخروجاً عن خلق الحلم، إن غضب، وثار من استُفِز، واستُغْضِب: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩].

стр. 2968

والأخلاق الإسلامية، أصيلة في نفس صاحبها، لا تفارقه في جميع أحواله، فليست قميصاً يلبسه إذا شاء، وينزعه إذا شاء، بل هي لازمة له لزوم النور للشمس؛ لأنها تعبدية، يدور صاحبها مع الحق حيث دار، ويثبت عليها في كل حال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. فلا يتغير خُلق المسلم مع الضعفاء والأقوياء، ولا مع الفقراء والأغنياء، ولا يتغير خلقه في حال رضاه وغضبه، ولا في حال فقره وغناه، ولا في حال خلوته وجلوته، ولا في حال سفره وإقامته، ولا فيما له ولا فيما عليه. ولا تختلف أخلاقه حين يكون أميراً أو مأموراً، أو مكرماً أو مظلوماً. فالمسلم ثابت على أخلاقه التي أمره الله بها؛ لأنها عبادة يتقرب بها إلى ربه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. أما أخلاق الكفار، فهي متقلبة تدور مع المصالح والأهواء، وتدير صاحبها على حسب تقلبها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].

стр. 2969

والأخلاق التي جاء بها الإسلام شاملة كاملة، تغطي جميع جوانب حياة الإنسان، وتشمل كافة أحواله، وسائر علاقاته، فالنبي ﷺ بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، كما قال ﷺ : «إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمَّمَ مَكارِمَ الأَخْلَاقِ».، وفي رواية «صَالِحَ الأَخْلَاقِ». أخرجه أحمد والبخاري في الأدب (١). فالمؤمن حسن العلاقة مع ربه، ومع الناس، وفي بيته، وفي عمله، وفي بيعه وشرائه، حسن الأخلاق في أكله وشربه، وفي يقظته ونومه، وفي صحته وسقمه، وفي ظاهره وباطنه، وفي قلبه، وجوارحه. وكل الأخلاق الإسلامية مطلوبة، العدل، والإحسان، والرحمة، والشدة، فلا يغلب بعضها على بعض، ولكل خُلق حالة ومكان. فإن غلبت على الإنسان صفات القوة والشجاعة والعزة، فسيجأر الناس إلى الله من عدوانه وجبروته وتكبره، وإن غلبت عليه صفات العفو والسماحة والسكينة، ربما رأى فيه الناس الذلة والمسكنة. وإن غلبت عليه صفات الجرأة والصراحة والنصيحة، ربما شَكَوا من سوء أدبه، وقلة احترامه. فالأخلاق الإسلامية مع كمالها متوازنة، تدعو إلى العزة والتواضع، كما تدعو إلى الانتصار والعفو. • أنواع الأخلاق: الأخلاق نوعان: منها ما هو طبيعة وجبلة يتفضل الله بها على بعض خلقه، فيجبلهم عليها من غير كسب منهم، ولا جهد، كما قال النبي ﷺ لأشج بن عبد القيس: «إنَّ

стр. 2970

فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ». أخرجه مسلم (١). فمثل هذا فضل من الله ومنة على من أوليها. ومن لم يؤتها مكلف بمجاهدة نفسه حتى يحصل عليها، وتصبح له خُلقاً مكتسباً بعد الترويض والمجاهدة، وتنقلب مع الزمن إلى طبع ثابت، وخُلق أصيل، فهذا هو النوع الثاني، وهو المكتسب الذي يحصل بالتخلق والتكلف حتى يصير ملكة وسجية، ولذلك قال النبي ﷺ : «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا للهِ وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». متفق عليه (٢). فبالتسامح يصبح سمحاً، وبالتورع يصبح ورعاً للهِ وهكذا في باقي الأخلاق. اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. والأخلاق الإسلامية تؤخذ بالتأسي والاقتداء بأهل الأخلاق الفاضلة، وهكذا تتوارث الأجيال الأخلاق العالية بالنظر إلى أخلاق القرون الأولى الصالحين، ويتوارث الأفراد مكارم الأخلاق بالاقتداء والتأسي بأحاسنهم أخلاقاً. ولذلك فإن الله لم ينزل كتبه إلا وأرسل معها العامل بها، القائم عليها من رسله، الممتثل لأوامرها، والمتخلق بأخلاقها؛ ليقتدي به الناس، ويتأسون به، خاصة أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً، سيدنا محمد ﷺ ، الذي كان خلقه

стр. 2971

القرآن، وأثنى عليه ربه بكمال خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فنعم الراكب، ونعم المركوب، وشرع لنا الاقتداء به، والتأسي به في جميع الأحوال، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والأخلاق الإسلامية لا تطلب من الناس بكمها الكبير وكُليتها الشاملة من أول يوم يلج فيه الإنسان باب الهداية، بل لابدَّ من التدرج بتقديم الأهم، والأوجب في الأوامر، واجتناب الأفحش والأخطر في باب المناهي: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. فيطالب ابتداء بالصدقة بما تجود به نفسه، ولا يطالب بالتنازل عن كل ماله، كما فعل أبو بكر ﵁؛ لقوة إيمانه. وكذلك لا ننتظر منه أكثر من العفو عمن أساء إليه، أما أن يحسن إلى المسيء، فتلك مرتبة أعلى ومقام أرفع، يمكن أن يرتقي إليها بالتربية تدريجياً: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والقفز إلى معالي الأخلاق، من العزيمة التي يوفق إليها أهل الهمم الكبيرة، ولكن أغلب النفوس يربيها التدريج والتدرج، والأخلاق درجات

стр. 2972

متفاوتة، وبحار واسعة، والناس فيها متفاوتون، وأحسن الأخلاق ما حسن به صاحبه، وشرف به حامله. • درجات الأخلاق: الخُلق على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن يعرف العبد مقام الناس، ومقاديرهم، وجريان الأحكام القدرية عليهم، وأنهم مقيدون بالقدر، لا خروج لهم عن القدر البتة، وأنهم محبوسون في قدرتهم وطاقتهم، لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها، وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري، لا يتعدونه، فيحسن خُلقه معهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤]. وبهذه المعرفة يستفيد العبد ثلاثة أشياء: أمن الخلق منه .. ومحبة الخلق له .. ونجاة الخلق به. فالعبد العارف بالله، إذا نظر إلى الخلق بعين الحقيقة، لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه، فيعفو عنهم، ويأمنوا من تكليفه إياهم بما لا يقدرون عليه، فإنه في هذه الحال عاذر لهم، فيما يجري عليهم من الأحكام، فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم؛ لأنهم إذا كانوا محبوسين في طاقاتهم، فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس، وعذرهم بما يعذر به المحبوس. وإذا بدا منهم في حقك تقصير، أو إساءة، أو تفريط، فلا تقابلهم به، ولا تخاصمهم، بل اغفر لهم ذلك واعذرهم، نظراً إلى جريان الأحكام عليهم، وأنهم آلة، وهذا ما يجلب محبتهم له، ويرشدهم إلى القبول منه، وتلقي

стр. 2973

ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه، بأحسن التلقي: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. وقال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] الدرجة الثانية: تحسين خلقك مع الحق سبحانه، وتحسينه منك، أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذراً، وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكراً، وألا ترى له من الوفاء بداً: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. وقال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. فتعلم أيها الإنسان أنك ناقص، وكل ما يأتي من الناقص ناقص، يوجب اعتذار العبد منه لا محالة، فعلى العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير، وشر: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]. أما الشر فظاهر، وأما الخير فيعتذر من نقصانه أو تأخيره، ولا يراه صالحًا لربه، فهو مع إحسانه معتذر وَجِل، ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠].

стр. 2974

والحامل للعبد على هذا الاعتذار أمران: أحدهما: شهود تقصيره في العمل، ونقصانه. الثاني: صدق محبته لربه. فإن المُحب الصادق، يتقرب إلى محبوبه بغاية إمكانه وهو معتذرًا إليه، مستحي منه، يرى أن قدره فوقه، وأجل منه. ويعلم أن كل ما يصدر منه سبحانه إلى عبده نافع عظيم، وأنه يوجب عليه الشكر، وأنه عاجزًا عن شكره، ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة، فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله منه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. ويعامل الحق سبحانه بمقتضى الاعتذار من كل ما منه، والشكر على كل ما من ربه، وهذا عقدًا لازم لك أبداً، لا ترى من الوفاء به بداً. الدرجة الثالثة: الاشتغال بالله عن كل ما سواه، فيتقرب إليه بما يحب من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، ويستأنس به، ويستوحش من غيره، ويتلذذ بعبادته ومناجاته، ويقف أمام ربه وقوف العبد العاجز المقصر المحتاج، معظماً لربه، حامداً له، مستعيناً به، مستغفراً له، سائلاً له، معتذراً إليه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].

стр. 2975

• أصول الأخلاق: أصول الأخلاق بالنسبة للنفس ستة: ١ - الإخلاص لله في السر، والعلانية. ٢ - والعدل في الغضب، والرضا. ٣ - والقصد في الفقر، والغنى. ٤ - وأن يكون صمتي فكراً. ٥ - ونطقي ذكراً. ٦ - ونظري عِبراً. هذا بالنسبة للنفس: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. إما بالنسبة للغير فأصول الأخلاق أربعة: أن أعفو عمن ظلمني .. وأعطي من حرمني. وأصل من قطعني .. وأحسن إلى من أساء إلي. قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وأعظم من تمثلت فيه هذه الأخلاق العظيمة، سيد الخلق محمد ﷺ ، الذي قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ومكانة المسلم عند الله عظيمة، وحقه كبير، فإن في قلبه لا إله إلا الله التي لو وضعت السموات والأرض ومن فيهن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة،

стр. 2976

لمالت بهن، ومن بدن هذا الإنسان وجوارحه تصدر الأقوال والأعمال والأخلاق التي جاء بها رسول الله ﷺ ، فكم وزنه عند الله؟ وكم قيمته عند مولاه؟. فلهذا المسلم حقوق على أخيه المسلم، لا بدَّ من معرفتها أولاً، وأدائها ثانياً، كما قال النبي ﷺ : «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ».، قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ للهِ قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ». متفق عليه (١). فيجب على كل مسلم إكرام كل مسلم، ولإكرام المسلم أربع درجات: الأولى: أداء الحقوق حسب أمر الله ورسوله به، وكيفية أدائها بإعطاء كل ذي حق حقه حسب مكانته، فمنها: حقوق الوالدين، والأقربين، والجيران، وحقوق الزوج على زوجته، حقوق الزوجة على زوجها، وحقوق الحكام على الرعية، وحقوق الرعية على الحكام، وحقوق الفقراء على الأغنياء، وحقوق الأغنياء على الفقراء، وحقوق العلماء على المؤمنين، وحقوق المؤمنين على العلماء، وحقوق الكبار على الصغار، وحقوق الصغار على الكبار، وهكذا. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].

стр. 2977

الثانية: حسن الخلق، فعلى المسلم أن يتخلق بالأخلاق التي تخلق بها النبي ﷺ ، سواء كانت أداءً للواجب نحو خالقه بالإيمان به، وتوحيده، وعبادته، وطاعته، أو كانت تتعلق بالمخلوق نفسه، أو تتعلق بغيره؛ لتكون هذه الأخلاق سبباً لمحبة الله له، ومحبة الناس له: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. الثالثة: الإيثار، وهو درجة الكمال للأخلاق، وهو أن يفضل الإنسان غيره، ويقدم حاجة أخيه على حاجته، وأن يحسن إلى من لا يحسن إليه، فالله مع كونه غنياً قادراً يغفر للعاصين، ويرزق المؤمنين والعاصين والكافرين، على حد سواء؛ لأنه لا رازق غيره، ولا رب سواه، ولا أكرم منه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس:/ ٣١ - ٣٢]. فعلى الإنسان أن يقضي حوائج الآخرين تقربًا إلى ربه قبل أن يقضي حوائجه، ويخدم خلق الله قبل أن يخدم نفسه؛ لينال الأجر، ويكسب محبة الله، ومحبة خلق الله، وقد كان الصحابة ﵃ يحبون كل مؤمن: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].

стр. 2978

الرابعة: الإكرام، ودرجة الإكرام درجة خاصة لا يستحقها غير أهل التقوى من المسلمين. فالدرجات ثلاث: الأُوَل لجميع الناس، أما الدرجة الرابعة، فهي تخص المؤمنين فقط. فالمسلم مهما بلغ من الضعف والتقصير لا يمكن إهماله وتركه، بل نبذل الجهود في إرشاده وتعليمه بالرفق واللين، والترغيب والترهيب. فهو كالمريض تجب مداواته، والعناية به، حتى يعود إلى صحته، فالله قد اختاره، وزينه بالإيمان، وأكرمه بالإسلام، وأدخله إلى بيته. وإذا تغيرت أحواله، وساءت أخلاقه، لزم إكرامه ونصحه، فالدين النصيحة، وترغيبه وإرشاده حتى يعود إلى ربه، وبالإكرام والتذكير تتغير القلوب، ثم يتغير عمل الجوارح، كما يحي الله الأرض بالماء بعد موتها، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]. وعن ابن عباس ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ ﷺ أجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَة». متفق عليه (١).

стр. 2979

٤ - الخزانة الرابعة • فقه تغيير الأخلاق: التغيير سنةٌ كونية جارية فيها آياتٌ وعبر: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢]. والله يغير في ملكه ما شاء، متى شاء، كيف شاء، ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، حراً وبرداً، صحةً ومرضًا، راحًة وتعبًا، وحركًة وسكوناً، وآمنًا وخوفًا: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧] وقد حّمل الله الإنسان أمانة تغيير أخلاقه من بين سائر المخلوقات، ومكّنه من اختيار ما يريد من إيمان وكفر، وعدلٍ وظلم، وحقًا وباطل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩]. والإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، ويكسب أخلاقه من خلالها، فإن كانت طيبة تذكر بالله واليوم الآخر طابت أخلاقه وأعماله، وإن كانت سيئة

стр. 2980

فيها الفواحش والفجور والشهوات ساءت أخلاقه، وفسدت أعماله، ولهذا أمرنا الله بلزوم البيئة الصالحة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وحذرنا من البيئة الفاسدة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. وأصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طُبعت النفوس عليها، فهي كالنهر المنحدر الذي إن تُرك أغرق الأرض والعمران، فسكره وحبسه لا يجدي؛ لأنه سيجتمع فيكون إفساده وتخريبه أعظم، وقطعه من أصل الينبوع متعذر؛ لأنه كلما سد من موضع نبع من موضع آخر، فلم يزل خطره؛ لكن الأجدى، والأنفع، صرفه عن مجراه المنتهى إلى العمران إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه، ولا يتضررون به، فصرفه إلى أرض قابلة للنبات، وسقيها به، أجدى وأنفع وأسلم. إذا تبين هذا فالله العليم الحكيم اقتضت حكمته أن ركب الإنسان، والحيوان على طبيعة محمولة على قوتين: قوة غضبية .. قوة شهوانية. وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها، وهما مركوزتان في جبلة كل حيوان برحمة العزيز العليم، فبقوة الشهوة يجذب الإنسان المنافع إلى نفسه، وبقوة الغضب يدفع المضار عن نفسه، فإذا استعمل الإنسان الشهوة في طلب ما يحتاج تولد منها الحرص.
следующие страницы →