← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

لمالت بهن، ومن بدن هذا الإنسان وجوارحه تصدر الأقوال والأعمال والأخلاق التي جاء بها رسول الله ﷺ ، فكم وزنه عند الله؟ وكم قيمته عند مولاه؟. فلهذا المسلم حقوق على أخيه المسلم، لا بدَّ من معرفتها أولاً، وأدائها ثانياً، كما قال النبي ﷺ : «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ».، قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ للهِ قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ». متفق عليه (١). فيجب على كل مسلم إكرام كل مسلم، ولإكرام المسلم أربع درجات: الأولى: أداء الحقوق حسب أمر الله ورسوله به، وكيفية أدائها بإعطاء كل ذي حق حقه حسب مكانته، فمنها: حقوق الوالدين، والأقربين، والجيران، وحقوق الزوج على زوجته، حقوق الزوجة على زوجها، وحقوق الحكام على الرعية، وحقوق الرعية على الحكام، وحقوق الفقراء على الأغنياء، وحقوق الأغنياء على الفقراء، وحقوق العلماء على المؤمنين، وحقوق المؤمنين على العلماء، وحقوق الكبار على الصغار، وحقوق الصغار على الكبار، وهكذا. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].

стр. 2977

الثانية: حسن الخلق، فعلى المسلم أن يتخلق بالأخلاق التي تخلق بها النبي ﷺ ، سواء كانت أداءً للواجب نحو خالقه بالإيمان به، وتوحيده، وعبادته، وطاعته، أو كانت تتعلق بالمخلوق نفسه، أو تتعلق بغيره؛ لتكون هذه الأخلاق سبباً لمحبة الله له، ومحبة الناس له: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. الثالثة: الإيثار، وهو درجة الكمال للأخلاق، وهو أن يفضل الإنسان غيره، ويقدم حاجة أخيه على حاجته، وأن يحسن إلى من لا يحسن إليه، فالله مع كونه غنياً قادراً يغفر للعاصين، ويرزق المؤمنين والعاصين والكافرين، على حد سواء؛ لأنه لا رازق غيره، ولا رب سواه، ولا أكرم منه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس:/ ٣١ - ٣٢]. فعلى الإنسان أن يقضي حوائج الآخرين تقربًا إلى ربه قبل أن يقضي حوائجه، ويخدم خلق الله قبل أن يخدم نفسه؛ لينال الأجر، ويكسب محبة الله، ومحبة خلق الله، وقد كان الصحابة ﵃ يحبون كل مؤمن: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].

стр. 2978

الرابعة: الإكرام، ودرجة الإكرام درجة خاصة لا يستحقها غير أهل التقوى من المسلمين. فالدرجات ثلاث: الأُوَل لجميع الناس، أما الدرجة الرابعة، فهي تخص المؤمنين فقط. فالمسلم مهما بلغ من الضعف والتقصير لا يمكن إهماله وتركه، بل نبذل الجهود في إرشاده وتعليمه بالرفق واللين، والترغيب والترهيب. فهو كالمريض تجب مداواته، والعناية به، حتى يعود إلى صحته، فالله قد اختاره، وزينه بالإيمان، وأكرمه بالإسلام، وأدخله إلى بيته. وإذا تغيرت أحواله، وساءت أخلاقه، لزم إكرامه ونصحه، فالدين النصيحة، وترغيبه وإرشاده حتى يعود إلى ربه، وبالإكرام والتذكير تتغير القلوب، ثم يتغير عمل الجوارح، كما يحي الله الأرض بالماء بعد موتها، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]. وعن ابن عباس ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ ﷺ أجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَة». متفق عليه (١).

стр. 2979

٤ - الخزانة الرابعة • فقه تغيير الأخلاق: التغيير سنةٌ كونية جارية فيها آياتٌ وعبر: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢]. والله يغير في ملكه ما شاء، متى شاء، كيف شاء، ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، حراً وبرداً، صحةً ومرضًا، راحًة وتعبًا، وحركًة وسكوناً، وآمنًا وخوفًا: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧] وقد حّمل الله الإنسان أمانة تغيير أخلاقه من بين سائر المخلوقات، ومكّنه من اختيار ما يريد من إيمان وكفر، وعدلٍ وظلم، وحقًا وباطل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩]. والإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، ويكسب أخلاقه من خلالها، فإن كانت طيبة تذكر بالله واليوم الآخر طابت أخلاقه وأعماله، وإن كانت سيئة

стр. 2980

فيها الفواحش والفجور والشهوات ساءت أخلاقه، وفسدت أعماله، ولهذا أمرنا الله بلزوم البيئة الصالحة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وحذرنا من البيئة الفاسدة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. وأصعب ما على الطبيعة الإنسانية تغيير الأخلاق التي طُبعت النفوس عليها، فهي كالنهر المنحدر الذي إن تُرك أغرق الأرض والعمران، فسكره وحبسه لا يجدي؛ لأنه سيجتمع فيكون إفساده وتخريبه أعظم، وقطعه من أصل الينبوع متعذر؛ لأنه كلما سد من موضع نبع من موضع آخر، فلم يزل خطره؛ لكن الأجدى، والأنفع، صرفه عن مجراه المنتهى إلى العمران إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه، ولا يتضررون به، فصرفه إلى أرض قابلة للنبات، وسقيها به، أجدى وأنفع وأسلم. إذا تبين هذا فالله العليم الحكيم اقتضت حكمته أن ركب الإنسان، والحيوان على طبيعة محمولة على قوتين: قوة غضبية .. قوة شهوانية. وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها، وهما مركوزتان في جبلة كل حيوان برحمة العزيز العليم، فبقوة الشهوة يجذب الإنسان المنافع إلى نفسه، وبقوة الغضب يدفع المضار عن نفسه، فإذا استعمل الإنسان الشهوة في طلب ما يحتاج تولد منها الحرص.

стр. 2981

وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه تولد منه القوة والغيرة، فإذا عجز عن ذلك الضار أورثه قوة الحقد، وإن عجز عن وصول ما يحتاج إليه، ورأى غيره مستبداً به أورثه الحسد، فإن ظفر بما يحب ويحتاج أورثته شدة شهوته خلق البخل والشح، وإن اشتد حرصه على الشيء، واشتدت شهوته له، ولم يمكنه تحصيله إلا بالقوة الغضبية، فاستعملها فيه، أورثه ذلك العدوان، والبغي والظلم، ومنه يتولد الكبر والفخر والخيلاء، فالنهر مثال هاتين القوتين الغضبية، والشهوانية، وهو منصب في جداول الطبيعة، ومجراها إلى دور القلب، وعمرانه يخربها وينفعها، ولا بد: قال النبي ﷺ : «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (١). فالنفوس الجاهلة الظالمة تركته ومجراه، فخرب ديار الإيمان، وهدم عمران الإسلام، وقلع أشجاره الطيبة، وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة. وأما النفوس الزكية الفاضلة؛ فإنها رأت ما يؤول إليه أمر هذا النهر فافترقوا ثلاث فرق: الأولى: أصحاب المجاهدات، والخلوات، والتمرينات، راموا قطعه من ينبوعه؛ فأبت عليهم حكمة الله، وما طبع الله عليه الجبلة البشرية، ولم تنقد له الطبيعة البشرية، فاشتد القتال، وحمي الوطيس، فانقطعوا، ولم يصلوا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 2982

الثانية: الدين أعرضوا عنه، وشغلوا نفوسهم بالأعمال، ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات مع تخليتهم إياها على مجراها، واشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه؛ فهؤلاء صرفوا قوتهم، وإرادتهم، في العمارة والتحصين، وأولئك صرفوها في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفاً من هدم البنيان: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. والفرقة الثالثة: رأت أن هذه الصفات ما خلقت عبثًا ولا سدى، وأنها بمنزلة ماء يسقى الورد والشوك، وأن ما خاف منه أولئك هو سبب الفلاح والنجاة، فرأوا أن الكبر نهر يسقى به العلو والفخر، والبطر والظلم، والشر والعدوان، ويسقى به علو الهمة والأنفة، والحمية والمراغمة لأعداء الله، وقهرهم فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. فأبقوه على حاله في نفوسهم؛ لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع كالخيلاء، فهي مبغوضة للرب، لكنها في الحرب أمام الأعداء، وعند الصدقة، محبوبة للرب. وكذلك خلق الحسد مذموم؛ لكن صرفه إلى الحسد المحمود، الذي يوصل إلى المنافسة في الخير الذي يحبه الله، أمر محمود، كما قال النبي ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». متفقٌ عليه (١).

стр. 2983

فالأخلاق لها مصرفان: مصرفُ طاعة، ومصرفُ معصية، مصرفُ خير، ومصرفُ شر، مصرف حسن، ومصرفٌ سيء، فخلق الحرص من أنفع الأخلاق وأوصلها إلى كل خير، وشدة الطلب بحسب قوة الحرص، فلا نقطعها؛ ولكن نوجهها إلى ما ينفع النفس في معادها، ويزكيها بالإيمان، والعبادات، والطاعات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. فقوة الحرص لا تُذم، وإنما يذم صرفها إلى ما يضر الحرص عليه من الشهوات والمعاصي، أو لا ينفع، وغيره أنفع للعبد منه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وكذلك قوة الشهوة من أنفع القوى للعبد، وأوصلها إلى كماله وسعادته، فإنها تثمر المحبة، وبحسب شهوة العبد للكمال، والاستقامة، يكون طلبه. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وصدق الشهوة وقوتها وكمالها يحمل المسلم على بيع مشتهى دنيء خسيس بمشتهى أعلى منه، وأجل، وأرفع، من أنواع الطاعات، والحسنات، والجنات، والدرجات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 2984

وكذلك خلق الشح والبخل لهما مصرفان: الأول: مصرف محمود نافع للعبد، يحمله على بخله وشحه بزمانه ووقته، وأنفاسه أن يضيعها، ويسمح بها لمن لا يساويه، ويشح غاية الشح بحظه ونصيبه من الله أن يبيعه، أو يهبه لأحد من الخلق، ويشح بماله ألا يكون في ميزانه، وأن يتركه لغيره يتنعم به، ويفوته هو أجره وثوابه، فالشحيح بماله المحب له هو الذي يقدمه بين يديه زاداً لمعاده: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. الثاني: أما المصرف المذموم فهو من يشح ويبخل بماله ووقته، أن يصرفه فيما يحب الله ورسوله، وهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات، والأخلاق: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات والأخلاق، فالرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بصرفها عن مجاريها المذمومة، إلى مجاريها المحمودة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. وقال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 2985

فجاءوا بصرف قوة الشهوة إلى النكاح والتسري بدلاً من الزنا والسفاح، فصرفوا قوة الشهوة، ومجرى الحرام، إلى مجرى الحلال الذي يحبه الله وجاءوا بصرف قوة الغضب من الظلم والبغي إلى جهاد أعداء الله ورسوله ﷺ ، والغلظة عليهم، والانتقام منهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩]. وجاءوا بصرف قوة اللهو والركوب، إلى اللهو والرمي، والمسابقة على الخيل، وركوبها في سبيل الله، واللهو في العرس والعيد. وكذلك شهوة استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يذم بل يُحمد، وقد وقف النبي ﷺ يستمع إلى قراءة أبي موسى الأشعري ﵁ للقرآن، وأمر ابن مسعود ﵁ أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ عليه وسمع، وتأثر بما سمع وبكى. وهذا سماع خواص الأولياء، فلا بدَّ للروح من سماعِ طيب تتغذى به، وهو سماع القرآن، وآيات الله المنزلة، فهذا سماع طيب تتغذى به، ولذا قال سبحانه: ﴿(٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤]. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لِي رَسُولُ الله ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قال فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أقْرَأُ عَلَيْكَ! وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: إِنِّي أشْتَهِي أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]. رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيل». متفق عليه (١).

стр. 2986

والسماع المذموم سماع المكاء، والتصدية، وألفاظ الخنا، وآلات المعازف. فهذا غذاء، وهذا غذاء، ولكن لا يستوي مَنْ غذاؤه الحلوى والطيبات والعسل، ومَن غذاؤه الرجيع، والميتة، والدم، وما أُهلَّ به لغير الله: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. تزكية النفوس بالتوحيد والإيمان والتقوى أصعب من علاج الأبدان، ولهذا أرسل الله بها الأنبياء والرسل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. فمن زكى نفسه بالرياضة، والمجاهدة، والخلوة، التي لم يجيء بها الرسل، فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، ويترك الطبيب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]. وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. والأنبياء والرسل هم أطباء القلوب، والأبدان، وتزكية النفوس مسلَّم إليهم، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، والله إنما بعثهم لهذه التزكية، وولاهم إياها، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ

стр. 2987

الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وقال النبي ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأِتَمِّمَ صَالِحَ الأْخْلَاقِ». أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد بسندٍ حسن (١). والنفس آية من آيات الله العظيمة، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. وهي موجودة في كل حيوان، وهي في غاية اللطف والخفة، موجودة في البدن، ولكنها لا تُرى، سريعة التنقل والحركة، سريعة التغير والتأثر، والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، والقصد والحب، والبغض، ولولاها لكان البدن مجرد تمثال لا حركة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة، كما قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وللإنسان مع نفسه حالتان: الأولى: إما أن يطهر نفسه من الذنوب، وينقيها من العيوب، ويرقيها بطاعة الله، ويعليها بالعلم النافع، ويرفعها بالعمل الصالح، فهذا قد زكى نفسه بما يحبه الله، فهو من المفلحين، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩]. الثانية: ان يهمل نفسه، ويتركها تتقلب في شهواتها، ناسية حقوقها وواجباتها: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ١٠].

стр. 2988

والناس متفاوتون في الأعمال والأخلاق تفاوتاً كبيراً، وذلك بحسب تفاوت الإيمان والأعمال، والأخلاق ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هي خالصة لله فتقبل، وتبقى، وتنفع صاحبها؟ أم هي غير خالصة لله فترد، وتبطل، وتفني، وتضر صاحبها؟. فالناس مختلفون، وأعمالهم وأخلاقهم متفاوتة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل: ٤]. ولهذا بين الله أن العاملين قسمان، ولكل قسم عمل وحكم وجزاء في الدنيا والآخرة: فالقسم الأول: من قام بما أمره الله به من التوحيد، والإيمان، وأدى ما أمر الله به من العبادات المالية كالزكوات، والصدقات، والنفقات، والكفارات، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم، والمركبة منهما كالعمرة، والحج، ونحوهما، واتقى ما نهى الله عنه من المحرمات، والمعاصي، وصدق بلا إله إلا الله وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي. فهذا يسهل الله عليه أمره، ويجعله ميسراً له كل خير، ميسراً له ترك كل شر؛ لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٤ - ٧]. وأما القسم الثاني: فهو من بخل بما أمره الله به، فترك الإنفاق الواجب، والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، واستغنى عن الله، فترك عبادته، وطاعته، ولم يرى نفسه محتاجة إلى ربه الذي لا نجاة له إلا بعبادته، وطاعته.

стр. 2989

وكذب بما أوجب الله على العباد التصديق به من الإيمان، وما يترتب عليه من الأعمال، والثواب، والجزاء. فهذا ييسره الله للحالات العسرة، والخصال الذميمة، بأن يكون ميسراً للشر أينما كان، مقيضاً له فعل المعاصي؛ لأنه أتى بأسباب التعسير، والهلاك، نسأل الله العافية، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٨ - ١٠]. وأخلاق البشر يمكن تغييرها، وجرها إلى أن تكون حسنة أو قبيحة، حسب التذكير والوعظ، وحسب الإيمان والكفر، وحسب البيئة الصالحة أو الفاسدة إلا أن بعض النفوس، والطباع سريعة القَبول، والتأثر والتأثير، وبعضها صعب يحتاج إلى معالجة، وبعضها غير قابل. كما قال النبي ﷺ : «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ الله، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله للهِ الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ». متفق عليه (١). ومن سنة الله في عباده أن الناس إذا غيروا ما بأنفسهم، فانتقلوا من الكفر إلى الإيمان، ومن معصية الله إلى طاعته، غيَّر الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء والذلة والشدة، إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ

стр. 2990

أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وكذلك الله لا يغير ما بقوم من النعمة والإحسان ورغد العيش، حتى يغيروا ما بأنفسهم، فينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعات إلى المعاصي، ومن شكر النعم إلى البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١]. والإسلام كله تغيير العواطف من الأدنى إلى الأعلى، من المخلوق العاجز إلى الخالق القادر، ومن الدنيا إلى الدين والآخرة، ومن الاشتغال بالأموال والأشياء إلى المسارعة للإيمان والأعمال الصالحة، ومن العادات والتقاليد إلى السنن والآداب الإسلامية، ومن الدعوة إلى الأشياء إلى الدعوة إلى الله، وإلى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وجزاء ذلك كله العزة في الدنيا، والجنة في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].

стр. 2991

٥ - الخزانة الخامسة • فقه حسن الخلق: خلق الله هذا الإنسان في أحسن تقويم، وجعله مركباً من جسد وروح، فالجسد مُدرك بالبصر، والروح مُدركة بالبصيرة، ولكل واحد منهما هيأة وصورة، إما جميلة أو قبيحة. وخَلْق الإنسان: صورته الظاهرة، وخُلُق الإنسان: صورته الباطنة. والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدراً من الجسد المدرك بالبصر، ولذلك عظم الله أمره فقال: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]. فنبه سبحانه على أن الجسد منسوبًا إلى الطين، والروح منسوبة إليه سبحانه، فالخلق هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بيسر وسهولة، فإن كانت الأفعال جميلة سميت خُلقاً حسناً، وإن كانت الأفعال قبيحة سميت خُلقاً سيئاً، والخُلق الحسن صفة الأنبياء والصديقين، والخُلق السيئ صفة الشياطين والمجرمين، والأخلاق السيئة سموم قاتلة، تهوي بصاحبها إلى القاع، وتَنظم صاحبها في سلك الشياطين: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وحسن الخُلق هو الاعتدال، فإذا مال عنه العبد وقع في ضده من سوء الخُلق، وهذا الاعتدال تارة يحصل بكمال الفطرة منحة من الخالق ، وكرامة منه لمن شاء من عباده: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي

стр. 2992

فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فكم من صبي يخلقه الله صادقاً، سخياً، كريماً، حليماً. وتارة يحصل حسن الخُلق بالاكتساب وذلك بحمل النفس على الأعمال الجالبة للخُلق الحسن المطلوب: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [فاطر: ١٨]. فمن أراد تحصيل خُلق الجود، فليفعل فعل الجواد من البذل، ليصير بذلك طبعاً له، كما أن من أراد أن يكون كاتباً تعاطي فعل الكتابة، إلا أن ذلك يحتاج إلى تكرار ومداومة، كما أن نمو القامة والبدن يحتاج إلى وقت. وكما أن تعاطي أسباب الفضائل يؤثر في النفس، ويغير طباعها، فكذلك مساكنة الكسل والكسالى يصير عادة، فيُحرم بسببه كل خير، وكما لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعات، فإن دوامها يثمر خيراً، فكذلك لا يستهان بقليل الذنوب، فإن دوامها يجلب شراً: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. وكذلك تُكتسب الأخلاق الحسنة بمصاحبة أهل الإيمان والخير والتقوى، وإنما المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] والاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال سقم لها ومرض، والنفس في علاجها كالبدن في علاجه، فكما أن البدن لا يخلق

стр. 2993

كاملاً، وإنما يكمل بالتربية بالغذاء، كذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتزكية، وتهذيب الأخلاق بالعلم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وكما أن البدن إذا كان صحيحاً، فشأن الطبيب العمل على حفظ الصحة، وإن كان مريضاً، فشأنه جلب الصحة إليه، كذلك النفس إذا كانت زكية طاهرة مهذبة الأخلاق، فينبغي للعبد أن يسعى لحفظها، وجلب مزيد القوة إليها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وإذا كانت عديمة الكمال سعى في جلب الكمال إليها، وكما أن أمراض البدن تعالج بضدها، إن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الأخلاق السيئة، التي هي من مرض القلب علاجها بضدها من الأخلاق الحسنة. فيعالج مرض الكبر بالتواضع، ويعالج مرض الجهل بالعلم، ويعالج مرض البُخل بالكرم، ويعالج مرضى السفه بالحلم، ومرض الظلم بالعدل والإحسان، وهكذا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وكما أنه لا بدَّ من احتمال مرارة الدواء، وشدة الصبر عما يشتهي من أجل صلاح البدن، فكذلك لا بدَّ من احتمال مرارة المجاهدة، والصبر على

стр. 2994

مداواة مرض القلب، بل هو أولى، فإن ألم مرض البدن يخلص منه بالموت، وألم مرض القلب يؤلمه قبل الموت، وبعد الموت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وكل عضو في الإنسان خلقه الله لفعلٍ خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، فمرض العين تعذر الإبصار، ومرض الأذن تعذر السماع، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلقه الله من أجله، وهو الإيمان بالله والعلم، والحكمة، والمعرفة، وحب الله تَعَالَى، وتعظيمه وعبادته وشكره، وإيثار ذلك على كل شهوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ولو أن الإنسان عرف كل شيء، ولم يعرف الله سبحانه، فكأنه لم يعرف شيئًا، وعلامة المعرفة حب الله، وتعظيمه فمن عرف الله أحبه، وكبره، وعظمه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وعلامة العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله الحب له، فمن عرف الله أحبه، وعظمه، وكبره، وحمده، وشكره، وعلامة المحبة أن لا يؤثر العبد عليه شيئاً من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئاً من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة التي تؤثر أكل الطين على أكل الخبز مريضة.

стр. 2995

وأمراض القلوب خفية لا يعلمها أكثر الناس فلذلك يغفلون عنها، وإذا عرف الإنسان مرض قلبه، صعب عليه الصبر على مرارة دوائه؛ لأن دواؤه مخالفة الهوى، والانتقال منه إلى الهدى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، والأطباء هم العلماء بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله ودينه، وشرعه، وإذا كان أكثرهم مرضى، والطبيب إذا كان مريضاً، فقلما يلتفت إلى علاج نفسه فضلاً عن علاج غيره. فلما قل العلماء الربانيون صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر أكثر الناس طب القلوب ومرضها بالكلية، وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات، وباطنها عادات، لا تزيد إيماناً، ولا تحجز عن محرم، فهذا علامة أصل المرض: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. وأمراض القلب هي الكفر، والشرك، والنفاقُ، والرياءُ، ومساوئ الأخلاق. وأما عافية القلب، وعوده إلى الصحة بعد المعالجة، فهو أن ينظر إلى العلة، فإن كان المرض مثلاً داء البخل فعلاجه بذل المال، ولكن لا يسرف ويصير إلى حد التبذير، فيحصل به داء آخر، بل المطلوب الاعتدال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٢٩ - ٣٠].

стр. 2996

وإذا أراد الإنسان أن يعرف الوسط فلينظر إلى نفسه، فإن كان جمع المال، وإمساكه، ألذ عنده وأيسر عليه من بذله لمستحقه، فليعلم أن الغالب عليه خلق البخل، وهو مرض، فليعالجه بالبذل. وإن كان البذل ألذ عنده، وأخف عليه من الإمساك، فقد غلب عليه التبذير، وهو مرض، فليرجع إلى المواظبة على الإمساك، وهكذا، ولا يزال الإنسان يراقب نفسه حتى تنقطع علاقة قلبه عن المال، فلا يميل إلى بذله، ولا إمساكه. بل يصير عنده كالماء، فكل قلب صار كذلك فقد جاء إلى الله سليماً في المقام، وهكذا بقية الصفات: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. ويجب أن يكون القلب سليماً من سائر الأخلاق السافلة، مزيناً بالأخلاق العالية، حتى لا تكون له علاقة بشيء من الدنيا، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها، غير ملتفتة إليها، ولا متشوفة إلى أسبابها، فحينئذ ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض، فلا جرم أن من استوي على هذا الصراط المستقيم في الدنيا، جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].

стр. 2997

ولأجل عسر الاستقامة، ودوامها، أمر الله العبد أن يقول في كل يوم مرات عديدة في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. ومن لم يقدر على الاستقامة، فليجتهد على القرب منها، فإن النجاة بالعمل الصالح، فسددوا، وقاربوا، واستقيموا، ولن تحصوا. قال النبي ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أحَداً الْجَنَّةَ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلا أنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَلا أنَا، إِلا أنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ». متفق عليه (١). والأعمال الصالحة كالأخلاق الحسنة يصيبها الخلل والنقص، فليتفقد كل عبد صفاته، وأخلاقه، وأعماله، وأقواله، وليشتغل بعلاجها تدريجياً، وليصبر على ذلك، وشدة مرارته، فإنه سيحلو كما يحلو الفطام للطفل بعد كراهته له، فلو رد إلى الثدي لكرهه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وإذا أراد الله بعبده خيراً بصَّره بعيوب نفسه، فمن كملت بصيرته لم تخف عليه عيوبه، وإذا عرف العبد عيوبه أمكنه العلاج، ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوبهم، يرون الصغائر في غيرهم، ولا يرون الكبائر في أنفسهم، ولا بدَّ لكل مسلم مع الإيمان والإخلاص، والعمل الصالح من الأخلاق الحسنة، فهي التي تحفظ الأعمال الصالحة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ

стр. 2998

وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. فيأتي العبد يوم القيامة بأعمال صالحة كالجبال، وهي من الأعمال المقبولة، ولكن إذا كانت أخلاقه سيئة أكلت هذه الأعمال، يأتي يوم القيامة وقد شتم هذا، وسب هذا، وقذف هذا، وسرق هذا، وظلم هذا، وغدر بهذا، وقتل هذا، فماذا يبقى له من الأجر والحسنات إذا أخذ هؤلاء حقوقهم منه؟. قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال النبي ﷺ : «أتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: إنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار». أخرجه مسلم (١). فالإيمان فريضة، وتعلمه فريضة، والإخلاص فريضة، وتعلمه فريضة، والعمل فريضة، وتعلمه فريضة، والأخلاق فريضة وتعلمها فريضة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)

стр. 2999

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. وأكمل الناس إيماناً أكملهم خُلقاً، ولذلك وصف الله نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فيجب علينا الاقتداء به في أقواله وأمثاله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١] وأحسن الناس أخلاقاً هم الأنبياء، والرسل، ثم يليهم من آمن بهم، فقد فرق الله الأخلاق الحسنة في الأنبياء والرسل، ثم جمعها في أفضلهم محمد ﷺ ، ثم فرقها في أمة محمد ﷺ ، التي هي خير أمة أخرجت للناس. والناس معادن فيجب الاستفادة من هذه المعادن النفيسة، فأصحاب النبي ﷺ هم خير القرون؛ لأنهم أخذوا الدين، والأخلاق عن النبي مباشرة، فكانت فيهم حياة محمد ﷺ وجُهد محمد ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [لبينة: ٧ - ٨]. فظهرت في حياتهم أحسن الأخلاق كالإيمان والتقوى، والصدق والإخلاص، واليقين والتوكل، والرحمة والشفقة، والجود والكرم، والحياء والتواضع، والعدل والإحسان، والمحبة والإيثار، والتعاون على البر والتقوى، وغير ذلك من الصفات والأخلاق التي كانت سبباً في هداية الناس للدين، وجذبهم إليه، ومحبتهم له، فهم أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 3000

عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وكانت فيهم صفات مشتركة بينهم، لا يخلو منها واحد منهم أهمها: الإيمان بالله، وتوحيده، وطاعة الله ورسوله، والعبادات التي تزكي النفوس وأعظمها الصلاة، وتعلم العلم الذي تصح به العبادات والمعاملات وتعليمه، والدعوة التي بسببها تنتشر الهداية في الأمة، والكرم الذي بسببه تُقبل النفوس إلى الدخول في الدين، والرحمة التي بسببها تنزل الرحمة عليهم، وعلى الناس، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والإخلاص الذي يُقبل به العمل: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]. ثم مضى زمن فصار الجهاد من أجل الملك والمال فتركه خيار الناس، واشتغلوا بطلب العلم وتعليمه، ثم دخلت الدنيا على طلبة العلم، ودخل فيهم من يطلب العلم لا لله، بل لأمر يريده من جاه، أو مال أو عمل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. ثم اشتغل أناس من أهل الإيمان بالتزكية، فلازموا المساجد، وتركوا الساحة للشيطان وجنوده، يعيثون في الخلق فسادًا وإضلالًا، ثم دخل فيهم ونافسهم أهل البدع والأهواء، فاشتغلوا بالتزكية الإبليسية، وتبعهم أناس على ذلك، وبذلك انتشرت البدع، وصارت ديناً يُعبد الله به، ويتقرب إليه به: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. ثم ذهبت حقيقة العبادة وروحها، وبقيت في أكثر الأمة صورة العبادة، ثم

стр. 3001

خرجت الأخلاق من المعاملات والمعاشرات، وترك أكثرهم الدعوة إلى الله، وأقاموا مكانها الدعوة إلى الأموال، والأشياء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. فقامت الدنيا، وقعد الدين، وزاد المال، وقل الإيمان، وكثرت الأشياء، وقلت الأعمال، وقعد أكثر الناس على موائد الدنيا، وقاموا عن موائد الآخرة، وتسابق أكثر الناس إلى سنن اليهود، والنصارى، وتركوا سنن الأنبياء، والمرسلين، كما قال النبي ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لاتَّبَعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ». متفق عليه (١). فخير القرون قرن النبي ﷺ وأصحابه ﵃، الذين كان فيهم الإيمان، والعبادة، والدعوة، والتعليم، والجهاد، ومكارم الأخلاق، ثم يليهم مَنْ بعدهم فمن سار مع هديهم، ثم مَنْ بعدهم، ثم خيرهم مِنْ بعدهم من اتصف بصفاتهم، وعمل كأعمالهم، وتخلق بأخلاقهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال النبي ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». متفق عليه (٢).

стр. 3002

٦ - الخزانة السادسة • علامات حسن الخلق: كما أن للمؤمنين علامات، وللكفار علامات، وللحي علامات، وللميت علامات، فكذلك أهل الأخلاق الحسنة لهم علامات، وأهل الأخلاق السيئة لهم علامات. أما علامات حسن الخُلق، فقد يجاهد الإنسان نفسه حتى يترك الفواحش والمعاصي، ثم يظن أنه قد هذب نفسه، واستغنى عن المجاهدة، وليس كذلك، فإن حسن الخُلق هو مجموع صفات المؤمنين التي وصفهم الله بها حين اشترى منهم أنفسهم، وأموالهم فقال في صفاتهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ

стр. 3003

رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وغير ذلك من الصفات، والأخلاق التي يحبها الله، وهي مذكورةٌ في القرآن. ومن صفاتهم التي وصفهم بها رسول الله ﷺ : محبة الله، ورسوله، ومحبة دينه، ومحبة المؤمنين، وإكرام الجار، وإكرام الضيف، والقول الحسن، والعفو، وكف الأذى، والصبر، واحتمال الأذى، وصلة الرحم، والحلم والأناة، والرفق والسماحة، والعدل والإحسان، والرحمة والشفقة، وحفظ اللسان، والسمع، والبصر. ومن لم يجد في نفسه هذه الصفات، أو بعض هذه العلامات، فليجاهد نفسه حتى تصير صفة له. وقد بعث الله رسوله محمداً ﷺ متمماً لمكارم الأخلاق، فكان خلقه القرآن، وكان أحسن الناس خَلْقاً، وخُلُقاً، يأمر بكل خير، ويكون أسبق الناس إليه، وينهى عن كل شر، ويكون أبعد الناس منه، جمع مع جمال الباطن جمال الظاهر، فكان قدوة للناس وأسوة للبشرية إلى يوم القيامة في الإيمان، والعبادات والمعاملات، والمعاشرات والأخلاق: ﴿لَقَدْ

стр. 3004

جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقد أمرنا الله بالاقتداء به ﷺ في سائر أحواله، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. فنقتدي بالنبي ﷺ في جميع أحواله، في نيته وفكره، وفي توحيده وإيمانه، وفي عبادته ودعوته، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفى أخلاقه الكريمة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. • أقسام الأدب في الإسلام: كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها له أدب مع الله، ومع كتابه، ومع رسوله، ومع نفسه، ومع غيره من الخلق. فأدبه مع الله: يكون بالإيمان بالله، وتوحيده، وتعظيمه، ومحبته، وطاعته، وعبادته، وحمده، وشكره، والتوكل عليه، والحياء منه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وأدبه مع كتاب الله: يكون بحسن تلاوته، وسماعه، والعمل بما فيه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وحسن تدبره، وإبلاغه للناس، والإعراض عما سواه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].

стр. 3005

وأدبه مع رسول الله ﷺ : يكون بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وأدبه مع نفسه: يكون بحملها على تعلم العلم الشرعي، و طاعة الله ورسوله، وامتثال جميع أوامر الله على طريقة رسول الله، وفعل الخيرات، واجتناب المنكرات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. وأدبه مع غيره: يكون بالعدل والإحسان، وحسن الخلق، والتوقير والإكرام، والإحسان إلى إخوانه المسلمين، وجيرانه، ووالديه، وأقاربه، وسائر الناس، وسائر المخلوقات، فالمؤمن كالغيث أينما حل نفع، وكالشمس حيث سار أنار، وكاليدين تغسل إحداهما الأخرى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال النبي ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». متفقٌ عليه (١). وسئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تَقْوَى الله، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ: «الْفَمُ، وَالْفَرْج». أخرجه الترمذي وابن ماجه (٢).

стр. 3006

وإذا تحلى الإنسان بهذه الصفات، وهذه الأخلاق، أثمرت له مكارم الأخلاق، ومحبة الله ورسوله للعبد، وكثرت الأجر والثواب، وحفظ الأعمال الصالحة، ومعية الله للعبد، ومحبة الناس له، وجلب الناس إلى الدين، ومحبتهم له، ودخولهم فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. كل عبدًا عليه حقان: حق الله .. وحق للعباد. فالحق الذي عليه لا بدَّ أن يخل ببعضه أحياناً إما جهلاً أو نسياناً أو تهاوناً، إما بترك مأمور، أو فعل محظور، فأمره الله ، بتقوى الله . كما قال النبي ﷺ حين سئل عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فقال: «تقوى الله و حُسْنُ الخُلُق». أخرجه الترمذي وأبن ماجة (١). والمسلم يعمل، ويخطئ عمداً وسهواً، فأمره بفعل الحسنات التي تزيل السيئات وتمحوها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]. وبهذا وذاك يكون قد قضى حق الله من العمل الصالح، وإصلاح الفاسد، ثم قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 3007

حق الله عبادته وحده لا شريك له، وحق الناس الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم. وجماع ذلك أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له، وتعطي من حرمك من العلم والمال، وتعفو عمن ظلمك في دم، أو مال، أو عرض، وتحسن إلى من أساء إليك، ومعية الله ونصرته ومحبته تكون لمن اتصف بالصفات الإيمانية كالإيمان، والتقوى، والتوكل، والصبر، والإحسان، وغيرها: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. فمن اتصف بهذه الصفات أحبه الله، وكانت معه نصرة الله، ومعيته، واستفاد من قدرة الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. فهنا نوعان: الأول: الصفات الإيمانية، ومن اتصف بها حصلت له نصرة الله، ومعيته، ومحبته كالإيمان، واليقين، والتوكل، ونحوها. الثاني: الأعمال الإيمانية كالصلاة، والصوم، والحج، ونحوها، فهذه على قسمين: الأول: أعمال مقبولة، وهي المقرونة بالصفات الإيمانية، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. الثاني: أعمال غير مقبولة، وهي الخالية من الصفات الإيمانية، كما قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥].

стр. 3008

والأعمال التي فيها شرك أو رياء غير مقبولة، والرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ومن يجاهد ليقال جريء، أو يقرأ ليقال قارئ، أو ينفق ليقال جواد، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤]. والصفات الإيمانية محلها القلب، والأعمال محلها الجوارح، وأعمال الجوارح مبنية على ما في القلوب من الإيمان أو عدمه. وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع، وعلو الهمة، وأصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة. فالفخر، والبطر، والأشر، والظلم، والبغي، والتجبر، والعجب، والخيلاء، والحسد، وإباء قبول النصيحة، وطلب العلم، وحب الرئاسة، والجاه، كلها أمراض قلبية ناشئة من الكبر. والكذب، والمكر، والخسة، والخيانة، والرياء، والحرص، والخديعة، والطمع، والجبن، والبخل، والعجز والكسل، والفزع، والذل لغير الله، ونحوها، كلها أمراض قلبية ناشئة من المهانة، والدناءة، وصغر النفس؛ فما أجل مكارم الأخلاق! وما أحسن التحلي بها: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. وما أعظم أجرها، وثوابها، وما أخفها على نفوس الكرام، وما أثقلها على نفوس اللئام، وهي بحار مختلفة لا يقدر عليها كل أحد، فهى بحر الصبر، وبحر التقوى، وبحر الحلم، وبحر العفو، وبحر الإيثار، وبحر الإحسان، وبحر الصدق، وبحر العلم، وبحر العدل.

стр. 3009

فلهذا قَل واردها، وندر من أبحر فيها، وهي تقسم كما تقسم الأرزاق والآجال، ولها أهل، ولضدها أهل، والله أعلم حيث يجعل رسالته: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. إن العاقل حقاً من أرضى ربه قبل أن يلقاه، وبني قبره قبل أن يدخله، وترك الدنيا قبل أن تتركه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. ومن استطاع أن يتحلى بمكارم الأخلاق، ويترقى فيها حتى يكون إماماً لحيه، وإماماً للناس، فليفعل، فإن له من كل عمل مقتدٍ به من الناس، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا». أخرجه مسلم (١). • أقسام حسن الخلق: حسن الخُلق قسمان: حسن الخُلق مع الله .. وحسن الخُلق مع الناس. وقد جمع الله بينهما في قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ

стр. 3010

الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. وحُسن الخُلق مع الله: أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله تَعَالَى ونواهيه، يفعل ما أمره الله به، راضياً به، فرحاً بأدائه، مستبشراً بطاعة ربه، مجتنباً ما نهى الله عنه، وأن يعلم أن كل ما يكون من نفسه يوجب عذراً، وأن كل ما يأتي من الله يوجب شكراً، فلا يزال شاكراً لربه، معتذراً إليه من تقصيره، سائراً إليه بين مطالعة منة الله، وشهود عيب نفسه، فهو ناظر إلى عزة الربوبية، وإلى ذلة العبودية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وحُسن الخُلق مع الناس جماعه أمران: أحدهما: بذل المعروف قولاً، وفعلاً. الثاني: كف الأذى قولاً، وفعلاً. ففي المعاملات مع الناس يكون سمحاً بحقوقه، لا يطالب بها غيره، ويوفي ما يجب عليه لغيره منها. فإن مُرض ولم يعده أحد، أو قدم من سفر فلم يزره أحد، أو ضاف فلم يكرم، أو أحسن فلم يُشكر، أو تكلم فلم ينصت له، أو استأذن فلم يؤذن له، أو خطب فلم يُزوج، وما أشبه ذلك، لم يغضب ولم يعاقب، ولم يتنكر من حاله حال، ولا يقابل ذلك بمثله، بل يؤمن أنه لا يعتد بشيء من ذلك، ويقابل كل ذلك منه بما هو أحسن وأفضل وأقرب منه إلى البر والتقوى:

стр. 3011

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. ثم يكون في إيفاء ما يكون عليه أفضل وأحسن وأجمل، فإذا مُرض أخوه المسلم عاده، وإن استمهله في قضاء دين أمهله، وإن جاء في شفاعة شفعه، وإن احتاج منه إلى معونة أعانه، وإن استسمحه في بيع سمح، ولا ينظر ولا يلتفت إلى سوء معاملته له فيما خلا من قبل. إنما يتخذ الأحسن إماماً لنفسه، ويسبق إلى كل فضيلة، ويأنف من كل رذيلة، ويتجاوز لإخوانه عن كل سيئة، ويعفو ويصفح ويتبع السيئة الحسنة تمحها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وبحسب قوة إيمان العبد، وكمال تصديقه بالجزاء، ومعرفة حسن موعود الله وثوابه، يسهل على العبد تحمل ذلك، والقيام به، ويلذ له الاتصاف به: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وحُسن السمت من أخلاق الأنبياء والصالحين، وهو دليل على كمال الإيمان، ورجاحة العقل، وهو حُسن المظهر الخارجي للإنسان من طريقة الكلام، والصمت، والحركة، والسكون، والدخول، والخروج، وحسن الهيئة، وحسن السيرة العملية بين الناس، وحسن المعاشرة مع الأهل.

стр. 3012

عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: كَانَ النبي ﷺ مَرْبُوعاً، وَقَدْ رَأيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مَا رَأيْتُ شَيْئاً أحْسَنَ مِنْهُ». متفق عليه (١). وحسن الظن بالله تعالى من حسن العبادة. قال النبي ﷺ : «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُّحْسِنُ الظَّنَّ بِالله ». أخرجه مسلم (٢). وعن أبي بكر ﵁ قال: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأبْصَرَنَا، فَقال: مَا ظَنُّكَ يَا أبَا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا». متفق عليه (٣). والأخلاق غرائز كامنة، وحُسن الخُلق ميل النفس نحو الأرفق الأحمد الأحسن من الأقوال والأفعال، والتخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله التي ذكرها الله في كتابه، وفى سنة رسوله. وإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر محبوه، وقلّ معادوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]. فسهلت عليه الأمور الصعاب، ولانت له القلوب الغضاب، ونبتت على جوارحه المحاب، وسال لسانه بكل ما لذ وطاب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 3013

فحسن الخلق ذهب بخيري الدنيا بالآخرة، وخيار الناس أحاسنهم أخلاقاً، وأحسن البشرية أخلاقاً على الإطلاق سيد الأولين والآخرين، وسيد ولد آدم، وسيد الأنبياء والرسل محمد ﷺ الذي قال عنه ربه مثنيًا عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ولحسن خلقه ﷺ وكمال أدبه، فهو محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وما فيه من صفات الكمال محمود عند كل عاقل، وهو أحمد الخلق لربه، فصلوات الله وسلامه عليه. وهو محمود بما يملأ به الأرض من الهدى والإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح، فتح الله به القلوب، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسر الشياطين، ومن الشرك بالله، والكفر به، والجهل به، ونال أتباعه شرف الدنيا والآخرة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. أغاث الله به البلاد والعباد، و أحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، فعرف الناس ربهم و معبودهم، عرَّفهم بربهم، وعرَّفهم بالطريق الموصل إليه، وعرَّفهم بما لهم بعد القدوم عليه، لم يدع حسناً إلا أمرهم به، ولا قبيحاً إلا نهاهم عنه، ولم يدع باباً من أبواب العلم النافع المقرب إلى الله إلا فتحه، ولا مشكلاً إلا بيَّنه وشرحه، ولا خيراً إلا رغَّب فيه، ولا شراً إلا حذرهم منه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا

стр. 3014

مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، أرسله الله رحمة للعالمين، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ ؟. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فمحمد ﷺ أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثاً، وأجودهم، وأسخاهم، وأصبرهم، وأعظمهم عفواً، ومغفرة، ورحمة، وأعظم الخلق نفعاً للعباد في دينهم، ودنياهم، وأشدهم تواضعاً، وأعظمهم إيثاراً على نفسه، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، ولما كانت هذه صفاته وهذه أخلاقه، أمرنا الله أن نقتدي به، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 3015

٧ - الخزانة السابعة • فقه مكارم الأخلاق: الأدب هو استعمال ما يُحمد وما يحسن من الأقوال، والأعمال، ومكارم الأخلاق. ومكارم الأخلاق هي مجموع الصفات الحسنة التي يتزين بها الإنسان، ابتغاء وجه ربه، ويتميز بها عن غيره، فيحبه الله، ويحبه الناس بسببها كالإيمان بالله، وكمال الطاعة لله ورسوله، والعمل بشرعه، والإحسان إلى الناس، وكف الأذى عنهم، واحتمال أذاهم، واستعمال الأخلاق الكريمة معهم، والصفح عن عثراتهم، وحسن الخلق معهم، وبذل الندى، وترك ما تهوى لما تخشى. وأن لا يشهد العبد لنفسه فضلاً، ولا يرى له حقاً، يعم الناس بفضله، ونصحه، وبره، كما تعم الشمس بنورها سائر الخلق، فهم يحبونها لنورها ونفعها، ومن لا نور فيه ولا نفع فمن ذا يحبه؟ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. • ومكارم الأخلاق على ثلاث درجات: الأولى: ترك خصومة الخلق، والتغافل عن زلاتهم، ونسيان أذاهم، فلا ينصب نفسه خصماً لأحد غير نفسه، فلا يخاصم بلسانه، ولا بقلبه، ولا يخطر على باله، هذا في حق نفسه.
следующие страницы →