← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

الخالق الرزاق، الكريم اللطيف بعباده، وأنّهم فقراء إليه، فيرون عظمته، وجميل إحسانه، فيعبدوه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس:/ ٣١ - ٣٢]. والله هو الحكيمٌ العليم لا يأمر العبد إلا بما فيه صلاحه، ولا ينهاه إلا عما في فعله فساده، وليميز بذلك بين من يطيعه، ومن يعصيه، فالأوامر كالواجبات والمستحبات، والنواهي كالمحرمات والمكروهات. فالمأمور به من أنواع الطاعات، بمنزلة الغذاء الذي هو قوام البدن، والمنهي عنه بمنزلة السُم الذي فيه هلاك البدن، ومن تيقن هذا طابت نفسه بعبادة ربه، وتوحيده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 3047

وإذا ضعف الإيمان مال الإنسان إلى الحيل والبدع، وتساهل في الأوامر والنواهي، وجمع بين نفاق الشرائع، ونفاق العقائد، وزلت به قدمه إلى النار: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • مقصود الولايات في الاسلام: مقصود الولايات في الإسلام هو الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وهذا هو الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، وشرف به هذه الأمة فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وهو واجب على كل مسلمٍ قادر، ومدار الولايات كلها على الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، وكل وال يحقق هذه المقاصد بحسب ولايته.

стр. 3048

فمن الولاة من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق، كصاحب الديوان الذي وظيفته حفظ الأموال، وصرفها إلى مستحقيها. ومنهم العريف والنقيب الذي وظيفته إخبار ولى الأمر بالأحوال في مملكته، والمطلوب منه الصدق، وعلى ولي الأمر أن يتبين الأحوال من جهته لئلا يقع في مظلمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]. ومنهم من يكون بمنزلة الآمر المطاع، والمطلوب منه العدل مثل الأمير، والقاضي، والمحتسب: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. فالمطلوب في كل ولاية الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام. والله حكيمٌ عليمٌ أخفى اثنين في اثنتين: الأولى: أخفى رضاه في طاعته، وأخفى سخطه في معصيته. الثانية: أخفى أولياءه في عباده. فلا تعلم في أي طاعةٍ يرضى الله عنك، ولا تعلم في أي معصية يسخط الله عليك، ولا يعلم أولياءه من أعدائه إلا هو سبحانه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. ولحكمٍ عظيمة أخفى الله أمورًا، وأظهر أخري.

стр. 3049

فأظهر المخلوقات، وأخفى نفسه، وأظهر الدنيا، وأخفى الآخرة، وأظهر قيمة الأموال والأشياء، وأخفى قيمة الإيمان والأعمال الصالحة، وأظهر الأجساد، وأخفى الأرواح، وأظهر السنن الكونية، وأخفى القدرة الإلهية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣]. • فقه الحكمة: الحكمة هي إصابة الحق في الأمور. والحكمة هي العلم، والناس فيها أربعة أقسام: الأول: من أتاه الله الحكمة فقضى بها، وعمل بها في نفسه، وعلمها الناس، فهذا خير الأقسام كما قال النبي ﷺ : «لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». متفق عليه (١). الثاني: من أتاه الله الحكمة فعمل بها في نفسه، ولم يعلمها الناس، فهذا خير، لكنه ناقص دون الذي قبله. الثالث: من أتاه الله حكمة، فلم يعمل بها في نفسه، ولم يعلمها غيره. فهذا خاسرٌ يشبه اليهود الذين علموا الحق، وعرفوه، واستكبروا عنه، وهو شر الأقسام. الرابع: من لم يؤتيه الله الحكمة إطلاقاً، أو أتاه الحكمة، وضل عنها كالنصارى، فهو جاهل، فهذا محرومٌ، لكنه أحسن حالاً ممن أوتى الحكمة، ولم يعمل بها: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].

стр. 3050

وقال سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. • حكمة خلق الجن، و الإنس: خلق الله الجن والإنس؛ لعبادته وحده لا شريك له، وعبادة الله هي طاعته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهذا هو الذي خلق الله العباد من أجله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. ما خلقنا الله لنأكل، ونشرب، ونلبس، ونسكن، ونتمتع، وإنما هذه كلها وسائل نأخذ منها ما حل الله لنا، أما الغاية الكبرى فهي عبادة الله وحده، فمن لم يعبد الله، أو عبد مع الله غيره، أو لم يعبد أحدًا فقد أضاع ما خلق من أجله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. والله هو الحكيم العليم في خلقه وأمره وشرعه، وقد ورد في القرآن والسنة أشياء مبهمة لم تُبين، والحكمة امتحان الخلق؛ ليتبين الحريص من الكسلان، والراغب من المُعرض، ويحرص الناس على العمل، ويجتهدوا في التحري والمواظبة؛ لعلهم يدركون الخير، ويعمرون الأوقات والقلوب

стр. 3051

بما يسعدهم في الدنيا والآخرة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. فمن ذلك أن الله الحكيم العليم أخفى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة. وأخفى الله سبحانه ساعة الإجابة في يوم الجمعة؛ ليحرص المسلم على العمل الصالح في ذلك اليوم كله. وأخفى الله ساعة الإجابة في كل ليلة؛ ليحرص المسلم على العمل الصالح في كل ليلة، ففي الليل ساعةٌ أخفاها الله ؛ ليتعبد الناس في تلك الليلة. وأخفى الله سبحانه الاسم الأعظم في أسمائه الحسنى، وبين النبي ﷺ أن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، ولكن لم يبينها؛ ليتعبد المسلم، ويدعو، بجميع أسماء الله الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وأخفى الله شعب الإيمان؛ لنحرص على تتبعها في القرآن والسنة، ثم نعمل بها. وأخفى الله الباقيات الصالحات؛ ليتقرب المسلم إلى ربه بكل عملٍ صالح: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].

стр. 3052

لهذا ينبغي للعالم الرباني، الذي يعلم الناس الخير، إذا ذكر لهم الأبواب الممنوعة في الدين، أن يفتح لهم الأبواب الجائزة، وإذا رغبهم في الأعمال الصالحة، أن يحذرهم من الأعمال السيئة، وإذا ذكر لهم أوصاف الجنة، ليرغبهم في الطاعات، فيتبع ذلك بأوصاف النار، ليحذرهم من المعاصي. حتى يخرج الناس من هذا إلى هذا، ويشتغلوا بالحلال عن الحرام، وبالطاعات عن المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وقال الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]. فهذه طريقة القرآن والسنة التي كلها حكمة في بيان الحق والباطل، وبيان الخير من الشر، وبيان الحلال من الحرام، وبيان الطاعات من المعاصي، وترغيب الناس في الفضائل، وتحذريهم من المساوئ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].

стр. 3053

• حكمة بعث الأنبياء، والرسل: بعث الله جميع الأنبياء والرسل إلى الناس بثلاثة أمور: الأول: التعريف بالله ، وبأسمائه، وصفاته؛ وأفعاله، ليحبه الناس، ويكبروه، ويوحدوه، ويحمدوه، ويعبدوه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. الثاني: بيان الطريق الموصل إلى رضاه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. الثالث: بيان مال الناس بعد القدوم على ربهم يوم القيامة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ٩ - ١٠]. وبعث الله جميع الأنبياء والرسل إلى الناس؛ ليقوموا بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، وذلك من رحمة الله بعباده. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. ولتحقيق ذلك كان الأنبياء والرسل يقوموا بأمرين: الأول: تعليق القلوب بالله وحده، وذلك بالإيمان بالله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].

стр. 3054

الثاني: تعليق الأجساد بالله، وذلك بأنواع العمل الصالح، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. فالعمل الصالح لا ينفع، إلا إذا كانت هناك علاقة بالله بالإيمان، والعلاقة بالله لا تنفع إلا إذا ظهرت ثمرتها بالعمل الصالح، والصحابة لما أسلموا القلب والجسد لله رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعزهم وجعل الممالك والأموال تحت أقدامهم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. فبالإيمان والعمل الصالح يحصل الأمن، وتُفتح بركات السموات والأرض في كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. • حكمة الإخفاء في الشريعة: أظهر الله بعض الأشياء لحكمة، وأخفى البعض الآخر لحكمة.

стр. 3055

فالله حكيم عليم، أخفى رضاه في الطاعات؛ ليرغب العباد في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي؛ ليحذروا من جميع المعاصي. وأخفى الإجابة في الدعاء؛ ليدعوا بكل الأدعية، وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء؛ ليدعوه بجميع الأسماء الحسنى، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس؛ ليحافظ المسلم على الكل، وأخفى الموت؛ ليخاف العبد في كل وقت، فيسارع إلى الخيرات والطاعات. وأخفى وليه من الناس؛ حتى يعظموا الكل، وأخفى قبول التوبة؛ ليواظب العبد على التوبة في كل وقت، وأخفى ساعة الإجابة من يوم الجمعة؛ ليجتهد العبد بالدعاء في كل اليوم، وأخفى ليلة القدر من رمضان؛ ليجتهد المسلم في الطاعات في كل ليالي رمضان، وأخفى الأرزاق المقسومة؛ ليجتهد العبد في طلب الرزق، ويمتثل لأمر الله في الكسب، والإنفاق. وأخفى الباقيات الصالحات في الطاعات؛ ليجتهد العبد في جميع أنواع الطاعات. وأظهر سبحانه المخلوقات وأخفى نفسه، وأظهر الدنيا وأخفى الآخرة، وأظهر قيمة الأموال والأشياء، وأخفى قيمة الإيمان والأعمال الصالحة، وأظهر سنته، وأخفى قدرته، وأظهر الأجساد، وأخفى الأرواح، وأظهر البشر والحيوان، وأخفى الملائكة، والجان: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨]. وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].

стр. 3056

٩ - الخزانة التاسعة • فقه حُسن الخُلق: الدين كله مجموع في أمرين: الأول: حسن الخلق مع الخالق، بتوحيده والإيمان به وتقواه، وحمده وشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. الثاني: حُسن الخلق مع المخلوق بالإحسان إليه، وكف الأذى عنه. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. وقد مدح الله رسوله ﷺ بحُسن الخلق، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ولا يمكن تحصيل الصفات الطيبة، إلا أن يتعرض الإنسان لضدها، فيحسن إلى من أساء إليه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. والذي يعيش لنفسه، ومع نفسه، يصعب عليه تحصيل هذه الصفات، والذي يعيش لربه، ويخالط الناس؛ لنصحهم وتوجيههم إلى ربه، يسهل عليه تحصيلها كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 3057

وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فيحسن العبد إلى غيره من الناس، من أجل الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وهكذا، ويخلص إلى الله في أعماله كلها؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وعلامة الإخلاص: أن يستوي عند الإنسان مدح الناس، وذمهم، ولا يطلب على عمله أجرًا إلا من الله، ولا يطلب عليه شاهدًا إلا الله، وأن تكون عبادته في الخفاء، أقوى منها العلانية. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] • صفة المدح: آفات المدح: للمدح آفات كثيرة منها: منها أنه يحدث كبرًا، وإعجابًا في الممدوح. ويُعمي الممدوح عن عيوبه، فلا يشمر للتفتيش عنها، وإزالتها عن نفسه. ويظن بنفسه خيرًا، فلا يجتهد في الإكثار من الطاعات، والقربات.

стр. 3058

والناس عند المدح، والذم أربعة أقسام: الأول: من يفرح بالمدح، ويشكر عليه، ويغضب من الذم، ويحقد على من ذمه. الثاني: أن يفرح باطنه بالمدح، لكن يحفظ ظاهره عن إظهار السرور، ومتعظ باطنه من الذم، ولكن يمسك لسانه وجوارحه عن معاقبته، وهذا من النقصان، ولكنه بالإضافة إلى ما قبله كمال. الثالث: أن يستوي عند الإنسان مدح الناس وذمهم، فلا يغمه الذم، ولا يسره المدح. الرابع: وهي أعلى الدرجات، أن يكره المدح، ويمقت المادح؛ لعلمه أن ذلك فتنة له، ويحب الذام؛ لعلمه أنه مهدٍ إليه عيوبه، ومرشده إلى التوبة إلى ربه. ولهذا أمرنا النبي ﷺ يحثو التراب في وجوه المداحين، كما قال النبي ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمِ التُّرَابَ». أخرجه مسلم (١). • صفة الغضب: يهيج الغضب في الإنسان، إذا استقبح من المغضوب عليه عملًا من الأعمال، واعتقد في نفسه كونه قادرًا، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزًا عن الدفع عن نفسه، فمن كان واقعاً في ظلمات عالم الأجسام اغتر بظواهر الأمور فانتقم منه، أما من انكشف له نور من عالم الغيب، زال عنه الغضب؛ لمعرفته بربه، وحسن ظنه به، وحسن تدبيره وحكمه.

стр. 3059

فالمؤمن العارف يعلم أن المغضوب عليه، خلق الله فيه داعية لذلك الفعل فلا سبيل له إلى تركه، فعند ذلك يزول عنه الغضب. وأما اعتقاد كونه قادرًا، وكون المغضوب عليه عاجزًا، فيتذكر أنه كم أساء في العمل لله، والله قادر عليه، ولكنه تجاوز عنه؛ لعله يتوب إليه، ويتذكر أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة لقدرة الله. ويتذكر أنه إذا أمضى الغضب كان شريكًا للسباع المؤذية، وإن ترك الانتقام، واختار العفو، كان شريكًا للأنبياء والأولياء: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. وأن يتذكر أنه ربما كان الضعيف قادرٌ عليه، فانتقم منه، وإذا عفا كان ذلك إحسانًا منه إليه، فيحسن إليه، وبهذه الوجوه يزول الغضب، ويحصل العفو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦]. • أقسام الأخلاق: الأخلاق تنقسم إلى قسمين: ١ - أخلاق محمودة، يحبها الله. ٢ - أخلاق مذمومة، يبغضها الله. فالأخلاق المحمودة: كالرحمة، والصبر، والصدق، ونحو ذلك.

стр. 3060

والأخلاق المذمومة: كالعُجب، والكبر، والجزع والظلم، ونحو ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. • صفة العجب: العجب هو: استعظام النعمة، والركون إليها، مع نسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وعجب الناس أنواع: ١ - فمن الناس من يعُجب بصحته، وقوته، وحسن صورته. ٢ - منهم من يعُجب بعقله، وفطنته، وذكائه. ٣ - منهم من يعُجب بعلمه. ٤ - منهم من يعُجب بعبادته. ٥ - منهم من يعُجب بنسبه. ٦ - منهم من يعُجب بماله. وميزان التفاضل بين الناس هو التقوى فقط: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وثمرة هذا العجب أن تجد أن هذا الإنسان مستبد برأيه، محتقر لغيره، معرض عن سماع رأى ما سواه، وقد نهى الله عن كل ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٧ - ٣٨].

стр. 3061

وقال الله : ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩]. والعُجب هو الدرجة الأولى في سُلم الكبر: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. وذلك أن إبليس أعُجب بعبادته، واستكبر على آدم، فلم يرى السجود له، حيث: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١] ومن أعُجب بنفسه، احتقر غيره، كما احتقر إبليس آدم ﷺ . والعُجب يختلف عن الكبر، فالكبر له ثلاثة أركان: مُتكبر .. ومُتكبر به، من مال أو جمال .. ومُتكبر عليه، وهو ما سوى المتكبر من الناس. وقد نهى الله عن الكبر، وتوعد المستكبرين بالعذاب الأليم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. والعُجب له ركنان فقط: مُعجب .. مُعجب به فقط. وكلاهما ذميم، وشر، نعوذ بالله من الكبر، والمستكبرين. • وعلاج العُجب بأربعة أمور هي: الأول: أن يرى الإنسان أن التوفيق وجميع النعم من الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 3062

وبذلك يشتغل بالذكر، والشكر لربه، ولا يعُجب بنفسه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. الثاني: أن ينظر إلى صنوف النعمة التي أنعم الله بها عليه، وبذلك يشتغل بشكر الله عليها، ويستقل عمله، ولا يعُجب به: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] الثالث: أن يخاف ألا يتقبل ربه منه عمله، فإذا خاف ربه، لم يعُجب بنفسه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. الرابع: أن ينظر في ذنوبه التي أذنب قبل ذلك، فإذا خاف أن ترجح سيئاته على حسناته، قل عجبه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]. • صفة الجزع: من الأخلاق السيئة: الجزع، والجزع من مراكب الشيطان، التي يحمل بها الإنسان من رياض الطمأنينة والسكينة، ثم يكبه في بحار الحيرة والأحزان والأوهام، حتى يضيق عليه حياته: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]. والمؤمن إذا أصابه بلاء، يركب مركب الصبر، ويمشي في بحر الرضا والتسليم، ويترقى إلى درجة الحمد، والشكر: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا

стр. 3063

كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]. فالمؤمن إذا أصابه كرب وبلاء، يصبر، ثم يرضى ويُسَلم، ثم يحمد ويشكر حتى يصل إلى محيط الفرج والطمأنينة والرضا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وأسباب الجزع كثيرة منها: تذكر المصيبة، حتى لا ينساها الإنسان، وتصورها في كل وقت حتى لا تغرب عنه. ومنها: كثرة الشكوى، وبث الجزع، ومن فعل ذلك فإنه من ربه يستغيث، ومن قضائه يتبرم، وعن ثوابه يرغب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. ومنها: الأسف وشدة الحزن والحسرة، فلا يرى من مصابه خلفًا، ولا يجد لمفقودة بدلًا، فيزداد بالأسف حزنًا. ومنها: اليأس من شر مصابه، وإدراك طلبه، فلا يبقى له صبر، ولا يتسع له صدر.

стр. 3064

ومنها: رؤية أهل النعمة، والسلامة، وأنه خُص من بينهم بالرزية، ولو نظر إلى من شاركه في الرزية؛ لهان عليه الأمر، وهان عليه الصبر، وحان منه الفرج: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٦]. والجزع، والهلع، فطرة في الإنسان، وقد أرشدنا الله إلى طريق التخلص منها بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]. • فقه حُسن الخلق: قيمة الإنسان عند الله بصفاته، لا بذاته، ولا بنسبه، ولا ماله. فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة، دخل الجنة، ورضي الله عنه، ولو كان عبدًا حبشيًا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢]. فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة، ورضي الله عنه، ولو كان عبدًا حبشيًا، ومن جاء بالنسب والحسب والمال بدون الإيمان دخل النار، ولو كان غنيًا ورشيًا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. وقال سبحانه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].

стр. 3065

وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وسر الأمر في حُسن الخُلق أمران: اعتبار حال القائل .. واعتبار حال الفاعل. أما اعتبار حال القائل: فإن جواهر النفوس البشرية مختلفة. قال النبي ﷺ : «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، والْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» أخرجه مسلم. (١). والنفوس لها حالتان: الأولى: في حال النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والندالة، واستيلاء حب المال واللذات، والشهوات والغضب عليها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. واليهود باءوا بغضب على غضب، فالغضب الذي باءوا به أنهم كفروا بما عرفوا من الحق. والغضب السابق، أنهم استكبروا عن الحق إذا كان لا تهواه أنفسهم.

стр. 3066

والغضب الثالث بسبب قتلهم الأنبياء، وتكذبيهم لهم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة: ٨٩ - ٩١]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧]. فهذه أحوال أهل النقصان العلمي، والعملي. أما في جانب الكمال، فتنتهي النفوس إلى غاية القوة والجلالة في القوة العلمية، والعملية. ففي القوة العلمية قال الله سبحانه لرسوله ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وفي القوة العملية، وصفه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 3067

وقوله سبحانه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩]. فكانت حياة النبي ﷺ العلمية والعملية نورُا على نور، وروحه كأنها من جنس أرواح الملائكة، لا تنقاد لشهوة، ولا تميل لدواعي الغضب، ولا تتأثر من حب المال والجاه، ومن استعلت روحه على جسده لم تلتفت إلى هذه الشهوات، ولم تمل إليها، فهذا اعتبار حال القائل. وأما اعتبار حال الفاعل: فمن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإن جميع الحوادث الأرضية، والعلوية، مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فمن فاته مطلوبُ لن يغضب، وإن حصل له محبوبُ لم يأنس، بل يأنس بربه ودينه والعمل بشرعه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. ومتى كان كذلك لم ينازع أحدًا في طلب شيء من لذات الدنيا وطيباتها، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها عليه، ومتى كان الإنسان كذلك، كان حسن الخُلق مع ربه، وحسن الخُلق مع خلقه. فالدين ركنان: الأول: عبادة الحق. الثاني: الإحسان إلى الخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].

стр. 3068

ولما كان ﷺ أكمل البشرية في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق مع الخالق، والمخلوق، لا جرم كان أكمل الخلق في حُسن الخُلق، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. • صفة الكبر: عقوبات الكبر: أول من استكبر وتعاظم إبليس لعنه الله، والجان هو إبليس، وهو أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، خلق الله إبليس من النار، بل من أشدها وهي نار السُموم الشديدة الحرارة، ومن مارج من نار وهو اللهب الذي لا دخان فيه، وكان من أعبد الجن، فرفع إلى السماء؛ ليتعبد مع الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧]. وقال الله : ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن: ١٥]. وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». أخرجه مسلم (١). فأول من استكبر وتعاظم إبليس، فلعنه الله وأهبطه من السماء إلى الأرض، صاغرًا، ذليلًا، مدحورًا، كما قال سبحانه لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٢ - ١٣].

стр. 3069

وقال الله : ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨]. والمتكبر لا يمكن أن ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يعاقبه الله بنقيض قصده من الذلة، والصغار، والهوان، فهو كمن هو على الجبل، يرى الناس صغارًا، وهم يرونه صغيرًا: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]. ومن عقوبات الكبر: أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات الله، كما قال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦]. والكبر سبب للشواء في النار، كما قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ [الزمر: ٦٠]. والمتكبر لا يحبه الله : ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ [النحل: ٢٣]. والكبر من أعظم الآفات والشرور كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر: ٢٧]. وقد توعد الله المتكبر بالعذاب الأليم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. ومن تكبر عن أوامر الله، وعلى خلق الله، طبع الله على قلبه، كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥].

стр. 3070

• صفة التواضع: التواضع سبيل الفوز والسعادة والراحة والطمأنينة في الدنيا، والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]. ومن تواضع من أجل الله رفعه الله في الدنيا والآخرة، والنفس الأمارة بالسوء تخدع الإنسان، وتقول له: إنك إذا عفوت عمن اعتدى عليك، فقد ذللت أمامه، وإذا تواضعت نزلت، ولكن الأمر بالعكس، فمن تواضع لله رفعه، وما زاد الله عبدًا بعفوِ إلا عزًا. والتواضع له معنيان: الأول: أن تتواضع لله بالعبادة، تخضع لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. الثاني: أن تتواضع لعباد الله؛ من أجل الله، لا خوفًا منهم، ولا رغبة فيما عندهم، وكلاهما سبب لرفعة الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ». أخرجه مسلم (١).

стр. 3071

والعفو عن أخطاء الغير عليك من مكارم الأخلاق، فمن جنى عليك وظلمك في نفسك أو مالك أو أهلك، فلك الحق أن تنتقم منه، كما مدح الله أوليائه فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩]. ولك أن تأخذ بحقك، ولكن الصبر على ذلك، والعفو عن الناس أفضل وأرفع مقامًا عند الله، وعند الناس، وأعز لك في الدنيا والآخرة: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 3072

١٠ - الخزانة العاشرة • فقه صلة الرحم: صلة الرحم من العبادات التي أمر الله بها، ورَغب فيها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥]. وصلة الأرحام وهم الأقارب تكون بما جرى به العرف؛ لأنه لم يبين في الكتاب والسنة، نوعها، ولا جنسها، ولا مقدارها، فما جرى به عرف المسلمين أنه صلة فهو الصلة، وما تعارفوا عليه أنه قطيعة فهو قطيعة. وصلة الأرحام فضلها عظيم، فمن أراد أن يصله الله فليصل رحمه، ومن أراد أن يقطعه الله، فليقطع رحمه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ: ٢٦]. وكلما كان الإنسان لرحمه أوصل كان الله له أوصل، وكل ما وصل أو قصر جاءه من الثواب أو العقاب بقدر ما عمل. عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعةِ، قَالَ: نَعَمْ، أمَا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ، ثُمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ : اقْرَؤُوا إنْ شِئْتمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ، وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ». متفق عليه (١). عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ». أخرجه البخاري (٢).

стр. 3073

وعن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». متفق عليه (١). وقطيعة الرحم من أعظم الذنوب، وقد توعد الله قاطع الرحم بالنار، كما قال النبي ﷺ : «لَا يَدْخُل الجَنَّةَ قَاطِعٌ». متفق عليه (٢). والمؤمن حقًا يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤]. والواصل للرحم هو الذي إذا قُطعت رحمه وصلها، فتكون صلته لله لا مكافئةً لعباد الله، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحًا عند الناس: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وليس الواصل بالمكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم. قال النبي ﷺ : «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا». أخرجه البخاري (٣). وصلة الرحم باب من أبواب الجنة: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا لَهُ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَبٌ مَا لَهُ؟

стр. 3074

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». متفق عليه (١). • فقه الحسد: الحسد والكبر من أعظم الصفات التي نهى الله عنها، لما تسببه من الضرر على النفس وعلى الغير، وقد أمر الله بالاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد، فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥) [الفلق/ ١ - ٥]. وقد أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم حسدوا النبي ﷺ على بعثته لهذه الأمة، فقال عنهم سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥]. والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره من مالٍ، أو جاه، أو علمِ أو نحو ذلك، وأشده أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره. ولا فرق بين أن تكره ما أنعم الله به على غيرك ليعود إليك هذا الشيء، أو ليرتفع عن أخيك وإن لم يعد إليك. والحسد من خصال اليهود، فمن حسد فهو متشبه بهم، كما قال الله عنهم: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤].

стр. 3075

ومن مفاسد الحسد الكبرى أن فيه تشبه بأخبث وأنجس وأخس خلق الله اليهود الذين قالوا على الله غير الحق، وقتلوا الأنبياء، وتركوا دين الله ، ويدل على خبث نفس الحاسد، وأنه لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وفى الحسد اعتراض على قدر الله، وكراهيته لما قضاه من قسمة النعم بين خلقه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢]. وكلما أنعم الله على عباده بنعمة التهبت نار الحسد في قلب الحاسد، وصار دائمًا في حسرة وغم، لأن نعم الله على العباد لا تحصى، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. والحسد يُقعد الإنسان عن العمل النافع، ويجعله منطويًا على نفسه، ليس له هم إلا تتبع نعم الله على العباد. والحسد ينبع من نفس شريرة، أنانية، تريد أن يكون كل شيء لها، والحسد لا يمكن أن يغير شيئًا مما قضاه الله أبدًا، فيظل الحاسد دائما في هم وغم، وقد يتدرج الحاسد إلى أن يكون من أهل العيون الذين يؤذون الناس بأعينهم، والعائن عليه من الإثم والوبال بقدر ما ضر العباد. والحسد يؤدى إلى تفرق المسلمين؛ لأن الحاسد مكروه مبغض عند المسلمين، فهذه عشرة مفاسد كلها في الحسد.

стр. 3076

• فقه البخل والشُح: البخل والشُح خلقان ذميمان، فالبخل هو منع ما يجب وما ينبغي بذله، والشح هو الطمع فيما ليس عنده، والبخل بما عنده. والشُح أشد من البخل، لأن الشحيح يطمع فيما عند الناس، ويمنع ما عنده عن الناس: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. والبخيل يمنع ما عنده مما أوجب الله عليه من زكاة، ونفقة، ومما ينبغي بذله مما تقتضيه المروءة، و لا فلاح للإنسان إلا بالتخلص من هذا، وهذا، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد: ٢٤]. وكل أحد بخل بما يجب بذله من مالٍ أو علمِ أو جاه، واستغنى بنفسه ولم يعمل بأوامر بالله، وكذب بالحق، فإن الله ييسره للعسرى، وتعسر عليه الأمور التي تسهل على المتقي، فلا تسهل عليه الطاعات والنفقات، وتثقل عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويتعسر عليه كل خير، ويسهل عليه كل شر، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٨ - ١٠]. وأما المسلم المصدق بالحق، المعطى لما يجب بذله، فإن الله ييسر عليه جميع الأمور في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]. والشُح: هو الطمع في حقوق الغير، وهو سببًا للهلاك: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].

стр. 3077

• فقه الظلم: الظلم: هو العدوان على الغير. والظلم نوعان: ظلمٌ في حق الله .. وظلمٌ في حق العباد. والظلم في حق الله يكون بالكفر به، وجعل شريك له في أسمائه، وصفاته، وعبادته، وأعظم الظلم كله الشرك بالله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. وظلم العباد نوعان: ظلمٌ بترك الواجب لهم .. وظلمٌ بالعدوان عليهم .. وكلاهما محرم: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾ [الفرقان: ١٩]. فمثال ترك الواجب لهم، كما قال النبي ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ». متفقٌ عليه (١). ومثال العدوان عليهم أخذ أموالهم، والكلام في أعراضهم، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». متفقٌ عليه (٢). وقال النبي ﷺ : «وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهُ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، فقال الصحابة: من هو يَا رَسُولَ اللَّهِ خاب، وخسر؟ قَالَ: جَارٌ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». أخرجه البخاري (٣).

стр. 3078

• صفة الكبر والعجب: الكِبر .. والعُجب، من الصفات الذميمة. فالكبر هو: الترفع باعتقاد الإنسان نفسه أنه كبير، وأنه فوق الناس، وأن له فضلاً عليهم. والعجب: أن يرى الإنسان عمل نفسه، فيعجب به، ويستعظمه، ويستكبره. فالإعجاب يكون في العمل، والكبر يكون في النفس، وكلاهما خلقٌ مذموم. والكبر نوعان: كبرٌ عن الحق .. كبرٌ على الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩]. والكبر من كبائر الذنوب، والمتكبر له حالتان: الأولى: من كان في قلبه كبر عن الحق، وكراهية له، فهذا كافرٌ مخلدٌ في النار: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. الثانية: من كان في قلبه كبر على الخلق، ولم يستكبر عن عبادة الله، فهذا يعذب على ما حصل من كبر على الخلق ثم إذا طُهر دخل الجنة.

стр. 3079

عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». أخرجه مسلم (١). وعن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ : «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، ولا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرياءٍ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 3080

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ١٩ - خزائن الأخلاق القسم الثاني ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 3081

١٩ - خزائن الأخلاق القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى • فقه حُسن الخُلق: حُسن الخلق من البر الذي أمر الله به، بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. وحُسن الخلق نوعان: الأول: حُسن الخلق في عبادة الله. الثاني: حُسن الخلق في معاملة عباد الله. فحُسن الخلق في عبادة الله، أن يتلقي المسلم أوامر الله بصدر منشرح، وبنفس مطمئنة، ويفعل ذلك بانقياد تام بدون تردد، ولا شك، ولا تسخط، ولا كراهية، فيصلي ويزكي، ويصوم ويحج، ويعبد الله بانقياد وتسليم، ومحبة وتعظيم لربه، ويعبد الله مستناً بسنن رسوله ﷺ : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وفي معاملة الناس، يقوم المسلم ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، ونصح الأمة، وحسن المعاملة، وهو في كل ذلك منشرح الصدر، واسع البال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ

стр. 3082

وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وأما أهل الفسوق، فأنهم لا يترددون في الآثام، بل لقلة إيمانهم يفعلونها بانشراح: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨]. وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ، وَالإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». أخرجه مسلم (١). وحُسن الخلق أحسن لباس يلبسه الإنسان، وهو صبغة الله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. وهو أفضل ثروة في الدنيا، والآخرة، وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة. وحُسن الخلق له ركنان: الأول: حُسن الخلق مع الله. الثاني: حُسن الخلق مع عباد الله. فحُسن الخلق مع الله هو الرضا بحكمه، شرعًا وقدرًا، فإذا قدر الله على العبد مكروهًا، رضي بذلك وسلم وصبر، وإذا حكم الله عليه بأمر أو حكم شرعي رضي وسلم، وانقاد لشريعة الله، فهذا حُسن الخلق مع الله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ

стр. 3083

قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. أما حُسن الخلق مع الخلق، فيكون بكف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه، وحسن الظن، فهذا حسن الخلق مع الخلق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والنبي ﷺ أحسن الخلق أخلاقاً، وقد أوتيهم معًا، ولهذا قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فنعم الراكب، ونعم المركوب، فصلوات الله وسلامه عليه. وحُسن الخلق يكون مع كل الناس، وكل الخلق، لكن الأهل أولى بحسن الخلق من غيرهم، كما قال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ، خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». أخرجه الترمذي بسند صحيح (١). فعليك بمحاسن الأخلاق، وعليك بالزهد والورع والتواضع. • فقه الزهد والورع والتواضع: فالزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فالزهد أعلى من الورع، فكل زاهدٍ ورع، ولا عكس. فالأمور ثلاثة: منها ما ينفع في الآخرة .. منها ما يضر في الآخرة .. منها ما لا يضر، ولا ينفع.

стр. 3084

والزهد أخذ ما ينفع في الآخرة، وترك ما يضر، وترك ما لا ينفع ولا يضر: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. ويجب على المسلم أن يتواضع لربه، ولإخوانه المسلمين. والتواضع للناس بحسب درجاتهم، فيجعل الإنسان من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر منه مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. فينظر إلى من هو أكبر منه، نظرة إكرام وإجلال، وينظر إلى من هو دونه، نظرة إشفاق ورحمة، وينظر إلى من هو مثله، نظرة مساواة، فلا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ». أخرجه مسلم (١).

стр. 3085

والبشر وطلاقة الوجه من مكارم الأخلاق التي أمر الله ورسوله بها، فإذا عملت عملًا صالحًا، فبشر نفسك، فأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. وإذا دعوت الله، فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. فبشر نفسك بكل خير، وبشر غيرك بكل خير، وأدخل عليه السرور تؤجر وتسعد وتسر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. وعن أنس أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا». متفق عليه (١). ويحرم على الإنسان أن ينفر الناس من الدين، أو من الأعمال الصالحة، بقوله أو فعله، بل يجب عليه أن يشجعهم ويرغبهم، ويلين قلوبهم، ويلين لهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فيجب على المسلم أن يلين لإخوانه المسلمين ولا يغضب، فالغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان؛ ليفرق بين المسلمين، فيغلي القلب،
следующие страницы →