← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

١٩ - خزائن الأخلاق القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى • فقه حُسن الخُلق: حُسن الخلق من البر الذي أمر الله به، بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. وحُسن الخلق نوعان: الأول: حُسن الخلق في عبادة الله. الثاني: حُسن الخلق في معاملة عباد الله. فحُسن الخلق في عبادة الله، أن يتلقي المسلم أوامر الله بصدر منشرح، وبنفس مطمئنة، ويفعل ذلك بانقياد تام بدون تردد، ولا شك، ولا تسخط، ولا كراهية، فيصلي ويزكي، ويصوم ويحج، ويعبد الله بانقياد وتسليم، ومحبة وتعظيم لربه، ويعبد الله مستناً بسنن رسوله ﷺ : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وفي معاملة الناس، يقوم المسلم ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، ونصح الأمة، وحسن المعاملة، وهو في كل ذلك منشرح الصدر، واسع البال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ

стр. 3082

وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وأما أهل الفسوق، فأنهم لا يترددون في الآثام، بل لقلة إيمانهم يفعلونها بانشراح: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨]. وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ، وَالإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». أخرجه مسلم (١). وحُسن الخلق أحسن لباس يلبسه الإنسان، وهو صبغة الله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. وهو أفضل ثروة في الدنيا، والآخرة، وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة. وحُسن الخلق له ركنان: الأول: حُسن الخلق مع الله. الثاني: حُسن الخلق مع عباد الله. فحُسن الخلق مع الله هو الرضا بحكمه، شرعًا وقدرًا، فإذا قدر الله على العبد مكروهًا، رضي بذلك وسلم وصبر، وإذا حكم الله عليه بأمر أو حكم شرعي رضي وسلم، وانقاد لشريعة الله، فهذا حُسن الخلق مع الله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ

стр. 3083

قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. أما حُسن الخلق مع الخلق، فيكون بكف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه، وحسن الظن، فهذا حسن الخلق مع الخلق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والنبي ﷺ أحسن الخلق أخلاقاً، وقد أوتيهم معًا، ولهذا قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فنعم الراكب، ونعم المركوب، فصلوات الله وسلامه عليه. وحُسن الخلق يكون مع كل الناس، وكل الخلق، لكن الأهل أولى بحسن الخلق من غيرهم، كما قال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ، خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». أخرجه الترمذي بسند صحيح (١). فعليك بمحاسن الأخلاق، وعليك بالزهد والورع والتواضع. • فقه الزهد والورع والتواضع: فالزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فالزهد أعلى من الورع، فكل زاهدٍ ورع، ولا عكس. فالأمور ثلاثة: منها ما ينفع في الآخرة .. منها ما يضر في الآخرة .. منها ما لا يضر، ولا ينفع.

стр. 3084

والزهد أخذ ما ينفع في الآخرة، وترك ما يضر، وترك ما لا ينفع ولا يضر: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. ويجب على المسلم أن يتواضع لربه، ولإخوانه المسلمين. والتواضع للناس بحسب درجاتهم، فيجعل الإنسان من هو أصغر منه مثل ابنه، ومن هو أكبر منه مثل أبيه، ومن هو مثله مثل أخيه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. فينظر إلى من هو أكبر منه، نظرة إكرام وإجلال، وينظر إلى من هو دونه، نظرة إشفاق ورحمة، وينظر إلى من هو مثله، نظرة مساواة، فلا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ». أخرجه مسلم (١).

стр. 3085

والبشر وطلاقة الوجه من مكارم الأخلاق التي أمر الله ورسوله بها، فإذا عملت عملًا صالحًا، فبشر نفسك، فأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. وإذا دعوت الله، فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. فبشر نفسك بكل خير، وبشر غيرك بكل خير، وأدخل عليه السرور تؤجر وتسعد وتسر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. وعن أنس أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا». متفق عليه (١). ويحرم على الإنسان أن ينفر الناس من الدين، أو من الأعمال الصالحة، بقوله أو فعله، بل يجب عليه أن يشجعهم ويرغبهم، ويلين قلوبهم، ويلين لهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فيجب على المسلم أن يلين لإخوانه المسلمين ولا يغضب، فالغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان؛ ليفرق بين المسلمين، فيغلي القلب،

стр. 3086

وتنتفخ الأوداج، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان، ويفعل شيئًا يندم عليه، من كسر، أو قتل، أو ضرب، أو نحو ذلك من المضار. والغضب خلق ذميم، يجر الإنسان إلى فعل ما يندم عليه، فينبغي للمسلم ألا يكون سريع الغضب، يستثيره أي شيء، بل يكون حليمًا، متأنيًا، مطمئنًا، وبهذا يكون محسنًا إلى نفسه، وإلى غيره. عن جرير عن النبي ﷺ قال: «من يحرم الرفق، يحرم الخير». أخرجه مسلم (١). وعن عائشة زوجة النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ». أخرجه مسلم (٢). وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فَقَالَ: أَوْصِنِي يا رسول الله، فقال: «لَا تَغْضَبْ، فقال: زدني، فقال: لَا تَغْضَبْ، فقال: زدني، فقال: لَا تَغْضَبْ». أخرجه البخاري (٣). كل شيء لا يتم، ولا يكمل، إلا بتنقيته من الشوائب، وتكميله بالفضائل، فالتكميل بالفضائل نصف، والتنقية من الرذائل نصف آخر، ولهذا قال النبي ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ». أخرجه مسلم (٤). وذلك يشمل الطهور بالماء، وطهور التيمم، وطهارة القلب من الشرك والشك، والغل والحقد، والحسد والرياء، ونحو ذلك مما يجب التطهر

стр. 3087

منه حساً ومعنىً، فالطهور شطر الإيمان، والنصف الثاني هو التحلي بالأخلاق الفاضلة، والإعمال الصالحة، وبالطهارة من الرذائل، وبالتحلي الفضائل، يكمل الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. • فقه السلام: ومن مكارم الأخلاق، وما يجلب المحبة بين الناس، إفشاء السلام، كما قال النبي ﷺ : «لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ». أخرجه مسلم (١). فالمسلم مأمورٌ بإفشاء السلام على كل من لاقاه ممن يستحق السلام، سواء عرفه، أو لم يعرفه، و الذي يستحق أن يُسلم عليه هو المسلم الذي لا يحل هجره، المسلم الذي سلم قلبه وقالبه لربه، فعبد الله وحده لا شريك له. أما الكافر، فلا يبدأ بالسلام، لأنه لا يستحقه. وصيغة السلام على الواحد: السلام عليك، وإن كانوا جماعة رجال، فيقول: السلام عليكم، وإن كن جماعة نساء قال: السلام عليكن، حسب المخاطب. والسلام تحية ودعاء، فتشعر أنك إذا قلت لجماعة: السلام عليكم، بأن الله يسلمهم من كل الآفات، آفات الذنوب، وآفات القلوب، وآفات الأجسام، وآفات الأعراض، ومن كل آفة، وبلية.

стр. 3088

والله هو السلام ﷻ ، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]. فكل سلامةٍ من السلام ﷻ ، أكرم الله بها عباده، وكل أمنٍ من المؤمن ﷻ : ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤]. ولو قلت في رد السلام: أهلًا، ومرحبًا، بدل السلام ما أجزأك، لأنها تحية، وتهنئة، ليس فيها دعاء. والسلام سنة، ورد السلام واجب بمثله أو بأحسن منه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]. وينبغي للمسلم إذا سلم عليه احد أن يرد عليه بأحسن منها، أو مثلها. والأحسن ثلاثة أنواع: الأول: الأحسن نوعاً: فإذا قال له المسلم: السلام عليكم، رد عليه بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ولا يكتفي بأهلًا، أو مرحبًا. الثاني: الأحسن كمية: فإذا قال له: السلام عليكم، رد عليه بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

стр. 3089

الثالث: الأحسن كيفية: فإذا سلم عليك أحدٌ بصوتٍ واضح مرتفع، فرد عليه بمثل ذلك وإذا سلم عليك وقد أقبل إليك بوجهه فرد عليه كذلك ولا تصعر خدك له: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩]. • فقه الغيبة والنميمة: الغِيبة والنميمة من الأخلاق السيئة التي نهى الله ورسوله عنها، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢]. والغيبة ذكرك أخاك بما يكره، والنميمة نقل الكلام السيئ بين الناس للإفساد بينهم. والغيبة والنميمة من كبائر الذنوب التي لا تكفرها الصلاة، ولا الصدقة، ولا الصيام، ولا غيرها من الأعمال الصالحة، فتبقى على الموازنة؛ لأنها حق لأدمي، سيأخذه إن لم يسامح.

стр. 3090

والغيبة تكون في غيبة الإنسان بالكلام فيه بما يكره، فإن كان ذلك كذبًا فقد اغتبته وبهته، فإن كان ذلك في وجهه سُمي ذلك سبًا وشتمًا ولا يُسمى غيبة، فالغِيبة ذكرك أخاك بما يكره على وجه السب في غيبته. أما إذا كانت الغيبة للنصح والبيان، فلا بأس بها؛ لأن فيها بيان الحق الواجب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ، وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ». أخرجه مسلم (١). وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ». أخرجه مسلم (٢). وما يكرهه الإنسان يشمل: العيب الجسدي .. والعيب الخُلقي .. والعيب الخَلقي .. والعيب الديني. فالجسدي كما لو اغتبته بأنه أعرج، أو أعور، أو أسود، أو قصير، ونحو ذلك من الأوصاف. والخُلقي كما لو اغتبته، بأنه ليس بعفيف مثلًا. والديني كأن تقول أنه مبتدع، أو لا يصلي مع الجماعة. وتزداد الغِيبة والنميمة قبحًا وإثمًا بحسب ما تؤدي إليه، فغيبة العامي من الناس، ليست كغيبة الملك، أو الأمير، أو العالم، أو ما أشبه ذلك ممن

стр. 3091

لهم شأن؛ لأن غيبة ولاة الأمور أشد من غيبة من ليس له أمر، فغيبة ولاة الأمر تسقط مهابتهم عند الناس، وتسبب الفوضى، وليس فيها فائدة. وغيبة العالم تشكك الناس في علمه وأمانته، فيسقط من أعين الناس ولا يقبلوا قوله، وهذه جناية على العلم الشرعي الذي يحمله. والعجيب أن من يغتاب ولاة الأمور والعلماء، لا يأتي بحسناتهم مع أنه يعلم أن الله أمر بالقسط، والعدل، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. ولا تجدهم في الغالب يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ لأنهم مشغولون بسقطات الناس، وزلاتهم، وهذه أمراض في بعض الناس، يتتبع العورات والسقطات والزلات، ويشيعها بين الناس، فيضطرب الأمن، ويحصل الخلاف وتحصل الفتن. فعلينا أن نجتنب الغيبة والنميمة؛ لأنها نقص في حسناتنا، وزيادة في حسنات من نغتاب: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. الغِيبة من كبائر الذنوب، لما فيها من كشف العورات والسوءات والزلات، ومن تتبع عورة أخيه؛ ليفضحه، تتبع الله عورته، لكن الغيبة إن كانت للنصح والبيان فلا بأس بها، كما لو أردت أن تعامل فلانًا، فلا بأس أن تسأل عنه

стр. 3092

غيرك، فإذا أجابك هذا الغير بما فيه من خيرِ أو شر، فلا يعتبر غيبة له؛ لأن هذا من باب النصح والبيان، لا من باب بيان العيب والفضيحة. وكذلك الفاسق إذا ذكرنا فسقه على وجه العيب والسب فإن هذا غِيبة، وإذا ذكرناه على وجه النصيحة والتحذير منه، فلا بأس به بل قد يجب. أما الكافر فلا غيبة له، فإن كان له أقارب من المسلمين، فلا نغتبه، لئلا نسؤهم. والأسباب المبيحة للغيبة: أن الغيبة من كبائر الذنوب، ولا تباح إلا لغرض صحيح، لا يمكن الوصول إليه إلا بها. وهو ستة أسباب: الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يقول لقادرِ على إنصافه، ظلمني فلان بكذا، وكذا. الثاني: الاستفتاء، فيقول للمفتي ظلمني أبي، أو أخي، أو ابني، أو جاري، أو زوجي بكذا، فهل له ذلك؟. الثالث: الاستعانة على تغيير المنكر، فيقول الإنسان لأخيه لمن يعلم قدرته على إزالة المنكر فلان يعمل كذا فازجره عنه؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى. الرابع: تحذير المسلمين من الشر، ونصحهم مثل جرح المجروحين من رواة الحديث، أو الشهود في القضاء، أو المشاورة في مشاركة إنسان، أو مصاهرته، أو مجاورته، فلا بأس من ذكر المساوئ، بنية النصيحة لأخيه،

стр. 3093

أو يكون مثلًا مهملًا في عمله، لا يقوم به على الوجه الأكمل، ونحو ذلك من الأسباب. الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته، فيجوز ذكره بما يجاهر به، من باب النصيحة، لا من باب الفضيحة؛ لأنه لا غيبة لفاسق. السادس: التعريف، كما لو كان الإنسان معروفًا بلقب: كالأعمش، والأعرج، والأصم، فلا بأس من تعريفهم به، على وجه التعريف لا التنقص، ولا السخرية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٣]. والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب، لما تسببه من الفساد، والفرقة بين الناس، فإن كان من باب النصيحة فلا بأس، كأن يحذره من فلان، ويقول أنه يقول فيك كذا، وكذا؛ ليحذره منه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١]. وقال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». متفق عليه (١).

стр. 3094

فالغِيبة والنميمة معصية عظيمة، لكن إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى نقل كلام الناس، إلى ولاة الأمور؛ لدفع مفسدة، أو حصول مصلحة، فإنه لابد من نقله إليهم؛ لتردع ولاة الأمور أهل الشر والفساد؛ ولأنه من باب التعاون على البر والتقوى، وقد قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. وأما إذا لم يكن فيه مصلحة، ولا دفع مفسدة، فإنه لا ينبغي نقل الكلام إلى ولاة الأمور، لما يسببه من العدوان، والكراهية بين ولاة الأمور ورعيتهم، وحصول الشر، وظهور الفتن: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].

стр. 3095

٢ - الخزانة الثانية • فقه الكذب: الصدق من الأخلاق المحمودة، والكذب من الأخلاق المذمومة. والكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، والكذب من كبائر الذنوب. وهو أنواع: الأول: الكذب على الله ورسوله بأن يقول قال الله وقال رسوله كذا وهو لم يقل، أو يفسر كلام الله ورسوله بغير ما أراده الله ورسوله، فهذا أعظم أنواع الكذب، وعقوبته النار يوم القيامة. وأكثر الناس كذبًا على رسول الله ﷺ هم الرافضة والمشركون: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقال النبيَّ ﷺ : «مَنْ كَذَب عليّ مُتعمِّدًا فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار». متفق عليه (١). الثاني: الكذب على الناس، وهو نوعان: الأول: كذب النفاق، بأن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهذا أخطر أنواع الكذب، بعد الكذب على الله ورسوله، وصاحبه مخلدُ في النار إن مات ولم يتب منه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ

стр. 3096

فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦]. الثاني: الكذب في الحديث بين الناس، كأن يقول قلت لفلان كذا وهو لم يقل، أو قال فلان كذا وهو لم يقل، أو يتكلم في أمر لا يعلمه، فهذا حرام وهو من علامات النفاق، كما قال النبي ﷺ : «آية المنافقِ ثلاثٌ: إِذا حدَّث كذَب، وِإذا وعدَ أَخلفَ، وِإذا اؤتمِنَ خانَ». متفق عليه (١). عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرٍو أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إذا اؤتُمِن خَان، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه (٢). • درجات الكذب: الكذب يتضاعف جرمه بحسب ما يؤدي إليه من المفاسد والأضرار، فالكذب على الله ورسوله أعظم أنواع الكذب. ويليه كذب النفاق وهو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر. والكذب في المعاملات أشد من الكذب في مجرد الأخبار؛ لأن الكذب في المعاملات يمحق البركة، وما كسبه الإنسان بالكذب سُحت لا خير فيه، ولحم نبت على السحت النار أولى به؛ ولأنه مبني على الكذب، والكذب على الأمراء والعلماء أعظم من الكذب على العامة، والكذب كله محرم؛ لأنه يهدي إلى الفجور: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾ [الصف: ٧].

стр. 3097

وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَدِيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». متفق عليه (١). والكذب كله محرم، ويباح الكذب في ثلاثة أحوال: ١ - في الحرب بين المسلمين والكفار. ٢ - في الإصلاح بين الناس. ٣ - وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، إذا لم يتضرر بذلك أحد. فكل مقصود محمود، يمكن تحصيله بدون الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب، ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا، كان الكذب واجبًا، كإنقاذ معصومِ من ظالم يريد قتله ظلمًا، والأحوط في ذلك كله أن يوري في كلامه. • من الأخلاق السيئة: السخرية بالناس، والغدر بهم، والبغي عليهم، والفخر عليهم. فيحرم على المسلم احتقار غيره من الناس وازدرائه، والسخرية به والاستهزاء به، والحط من قدره؛ لما فيه من العدوان على أخيك المسلم،

стр. 3098

الذي يجب أن تحبه وتحترمه وتوقره؛ لأنه مؤمن بالله، والسخرية تنافي الإيمان وتنقصه، ومحبته من مقتضيات الإيمان. كما قال النبي ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه (١). وقد حرم الله على الرجال، والنساء جميع أنواع السخرية بالناس. والسخرية أنواع: فقد تكون السخرية من هيئة هذا الإنسان، وقد يسخر من طوله أو قصره، أو ضخامته أو نحافته، أو بياضه أو سواده، وقد يسخر بكلامه، وتقليد كلامه استهزاءًا به، وقد يسخر بأهله أو عشيرته، وقد يسخر في معاملته الناس، وقد يسخر بمشيته، أو سيارته، ونحو ذلك مما لا يمكن حصره، وفي كل ذلك ظلمٌ لأخيك المسلم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ [الهمزة: ١ - ٦]. وقال النبي ﷺ : «حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَكُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 3099

• حكم الغدر: الغدرُ خيانة الإنسان غيره في موضع الاستئمان، فالوفاء بالعهد من مقتضيات الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. والغدر ينافي الإيمان وينقصه، فيجب على الإنسان الوفاء بالعهد ويحرم عليه الغدر، لما فيه من الظلم والعدوان وإنكار الحقوق، وينصب للغادر ديوان تحت مقعدته يوم القيامة، فيرتفع بين الناس قدر غدرته؛ ليعلم الناس به. والغدر من صفات المنافقين، والغدر من كبائر الذنوب، لما فيه من ظلم، وأكل أموال الناس بالباطل. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «آية الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ». متفق عليه (١). عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إذا اؤتُمِن خَان، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه (٢). • حكم الفخر والبغي: الفخر أن يمدح الإنسان نفسه، ويفخر بما أعطاه الله من نعمة، سواءً كانت نعمة المال، أو العلم، أو الجاه أو الولد، أو قوة البدن، وما أشبه ذلك فخرًا وعلوًا على الناس، فهذا لا يجوز.

стр. 3100

وأما التحدث بنعم الله على وجه إظهار نعمة الله على العبد مع التواضع لله فهذا محمود، لقوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]. • وأما البغي فهو العدوان على الغير، بأن يعتدي على بدن الإنسان، أو ماله، أو أهله، أو مقامه، ونحو ذلك، وهو محروم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. والبغي محرم، لما فيه من ظلم وعدوان، وانتهاك حرمة أخيه المسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. فيجب على المسلم أن يتواضع لله، ويتواضع للحق، ويتواضع للناس، والفخر كذلك محرم، لما فيه من الغلو والتعاظم، وقد نهى الله عن تزكية النفوس على وجه الفخر، فقال سبحانه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. وقال الله : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى/ ٤١ - ٤٣]. وقال الله : ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨].

стр. 3101

• حكم مدح الإنسان غيره: مدح الإنسان لغيره من الناس له أحوال: الأولى: أن يكون في مدحه خيرًا، وتشجيعًا له على الأخلاق الحميدة، فهذا لا بأس به؛ لأنه تشجيع له على الكرم والإحسان إلى الغير، بل هو حسن ليستمر على ما هو عليه، وهو من التعاون على البر والتقوى، كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. الثانية: أن يمدحه ليتبين فضله بين الناس؛ ليحترموه لما له من الأفعال الجميلة، كما فعل النبي ﷺ مع أبي بكر، وعمر ﵄. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْر ﵁: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ». أخرجه مسلم (١). وقال النبي ﷺ لعمر: «مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا، إِلا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». متفق عليه (٢). الثالثة: أن تمدح غيرك، وتغلو في إطرائه، وتصفه بما لا يستحق، فهذا محرم؛ لأنه كذب وخداع، وهو ضرر على المادح والممدوح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].

стр. 3102

وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. الرابعة: أن تمدحه بما هو فيه، لكن تخشى أن الممدوح يغتر بنفسه، ويزهو ويترفع على غيره، فهذا محرم لا يجوز؛ لأنه سبب لحصول المحرم، كما قال النبي ﷺ : «إذَا رَأيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ». أخرجه مسلم (١). والمادح هو: الذي يمدح غيره أحياناً، ومن مدح غيره بحق فالأفضل أن يقول أحسبه كذلك، وحسيبه الله، ولا أزكي على الله أحدًا. والمداح هو: الذي يكثر من مدح غيره، كلما جلس عند إنسان كبيرٍ، أو أميرٍ، أو عالمٍ، أو قاضٍ، وأمثالهم، قام يمدحه، فهذا حق أن يحثى في وجهه التراب، والمداح غير المادح، ولكل واحد حكمه. عن المقتاد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذَا رَأيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ». أخرجه مسلم (٢). فعلى المسلم أن يجتنب هذه الصفات السيئة، ولا يغلو في مدح إخوانه، ولا يعجب بقوته ولا بعلمه، ولا بماله، ولا بذكائه، ولا بعقله، والغالب أن الإنسان إذا أعجب بذلك فإنه يهزم ويخذل بإذن الله. إن أعجب بعمله ضل، وإن أعجب بكثرته هُزم، وإن أعجب بعقله تاه، وإن أعجب بقوته خذل، فيجب على الإنسان ألا يعجب بنفسه، ولا بقوة من قواه، بل يستعين بالله، ويفوض أمره إليه، حتى يتم له ما يريد: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ

стр. 3103

عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧]. • صفة أولياء الله، وصفة أولياء الشيطان: أولياء الله هم الذين آمنوا بالله، واتقوه، واستقاموا على دينه، فأولياء الله يؤمنون بالله، ويتقونه، ويقومون بطاعته على الوجه الأكمل، ولا يزكون أنفسهم، ولا يغرون الناس، ولا يخدعونهم بهذه الدعوة، ولا يدعون أنهم أسياد أو أولياء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. فكل إنسان يوزن بعمله وإيمانه، فإن كان مدعي الولاية، عمله مبنيًا على الإيمان والتقوى فإنه ولي الله، وإلا فليس بولي، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. وقال الله : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. وعلامات محبة الله وولايته كثيرة، وأظهرها ما يلي: الأولى: أولياء الله، وأهل محبته وطاعته، هم أهل الإيمان والتقوى فالإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح، فمن ادعى الولاية، ولم يتصف بهذين

стр. 3104

الوصفين فهو كاذب: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. الثانية: إتباع الرسول ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. الثالثة: الذلة للمؤمنين، وعدم محاربتهم أو إيذائهم، والعزة على الكافرين فيقفون في وجوههم في الجهاد في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، لأنهم لا يخافون في الله لومة لائم، مهما لامهم أحد على ما قاموا به من دون الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦]. • والفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان ما يلي: أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون الذين يحبون ما أحب الله، ويبغضون ما أبغض الله، ويرضون بما يرضى الله، ويسخطون مما يُسخط الله، ويأمرون بما أمر الله ورسوله به، وينهون عما نهى الله ورسوله عنه، ويفعلون ما أمر الله ورسوله به، ويجتنبون ما نهى الله ورسوله عنه، ويتبعون الرسول ﷺ ظاهراً وباطنًا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 3105

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]. والناس متفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، ومتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وأولياء الله على طبقتين: الأولى: سابقون مقربون: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]. الثانية: أصحاب يمين مقتصدون. والجنة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وهم متفاضلون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم، وأولياء الله ليسوا معصومين، قد يخطئون في بعض أمور الدين، جهلًا أو نسيانًا. أما الأنبياء فيجب الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله؛ لأنهم معصومون، وتجب طاعتهم في كل ما يأمرون به، أما غيرهم فلا يطاعوا في كل شيء،

стр. 3106

بل يعرض ما جاء به أحدهم على الكتاب والسنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. أما أولياء الشيطان وهم الذين أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وخالفوا الكتاب والسنة، فهؤلاء جنود إبليس وأولياء الشيطان، وهؤلاء أخسر الناس في الدنيا و الآخرة: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠]. وأولياء الشيطان قد تكون لهم خوارق من الشياطين، يفتنون بها الناس ويخدعونهم، كما يكون ذلك للكفار والمشركين، وأهل الكتاب وأهل البدع: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].

стр. 3107

٣ - الخزانة الثالثة • فقه حُسن الخُلق: مقصود الله من خَلقه تحصيل الأسماء والصفات التي يحبها، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ثم عبادته بموجب تلك الصفات، وعدم الالتفات لأحد سواه، فلا نشغل أنفسنا بغيره، فهو الصمد الذي تكفل بقضاء جميع الحاجات لجميع الخلق، في كل مكان وزمان. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقد اجتهد النبي ﷺ ثلاثة وعشرين سنة على الصحابة ﵃، حتى جاءت فيهم الصفات التي يحبها الله، ثم جاء بهم إلى الحج؛ لتظهر صفاتهم فيما بينهم، وتظهر فيما بينهم وبين ربهم. فموسم الحج والعمرة، وصلاة العيدين وصلاة الجمعة، والصلوات الخمس جماعة، ومناسبات الزواج والأفراح وغيرها، كلها أماكن لإظهار الصفات الحسنة، كم عندي من الإيمان؟ كم عندي من الصبر؟ كم عندي من التوكل؟ كم عندي من اليقين؟ وكم عندي من الإكرام؟ وكم عندي من العلم والحلم، والإيثار والعفو والإحسان؟، وهكذا.

стр. 3108

قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والصفات التي يحبها الله هي: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. وهي كذلك ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. فلا تنفع الطاعة بدون إيمان وتقوى، فالتي تصوم وتصلي وتؤذي جيرانها، هي في النار، فلابد من هاتين العلامتين: o تقوى الله o وحُسن الخُلق. وذلك يحتاج إلى مجاهدة مستمرة، ينال بها الإنسان الهداية إلى تلك الصفات والأخلاق العالية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ولهذا أثنى الله على رسوله بحُسن الخُلق، بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 3109

وقال النبي ﷺ : «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». أخرجه الترمذي (١). وقيمة الإنسان بصفاته لا بذاته، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وخيارهم أحسنهم أخلاقًا، والله أعطانا الدين، وأعطانا العمر؛ لنحصل الصفات التي يحبها من: الإيمان، والتقوى، والكرم، والعلم، والحلم، والعمل، والعفو، والرحمة، والإحسان، وغيرها من الصفات الحسنة. وتزداد قيمة الإنسان، بحسب ما يتحلى به من الصفات في جميع الأحوال، وأعظم هذه الصفات الإيمان بالله، واليقين على ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والتوكل عليه، والصبر ابتغاء مرضاته: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. والله وحده هو المستحق للعبادة، وكل ما سواه مخلوق، وكل مخلوق لا يستحق أن يكون إلهًا؛ لأنه في الأصل ما كان شيئًا حتى يفعل شيئًا.

стр. 3110

لأن كل مخلوق فيه أربع صفات نقص أساسية، وهي: أنه ضعيف .. فقير .. عاجز .. مُحتاج. فكل مخلوق محتاج إلى الله في إيجاده وحياته، وإمداده وبقائه، والمحتاج يتوجه إلى الغني سبحانه، فإذا توجه إلى محتاج مثله، زادت حوائجه. قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. والشرك بالله خطير، وظلم عظيم، لأن المشرك يتجه إلى ما سوى الله ، وما سوى الله لن يغني عنك شيئًا. والإيمان عظيم؛ لأن المؤمن يتجه إلى العظيم، الذي بيده كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. مذمومًا: لا حميد لك، مخذولًا: لا ناصر لك. • فقه مكارم الأخلاق: بعث الله رسوله محمدًا ﷺ ؛ ليتمم مكارم الأخلاق. والسخاء حسن لكنه في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكنه في الفقراء والمرضى أحسن، والورع حسن لكنه في العلماء أحسن، والعدل حسن

стр. 3111

لكنه في الأمراء أحسن، والحياء حسن لكنه في النساء أحسن، والتواضع حسن لكنه من الأمير، والعالم، والكبير أحسن، والكرم حسن لكنه من الفقير أحسن، والقبح قبيح لكنه من الغني أقبح. فأخفض نفسك لربك، وتواضع للمؤمنين يرفعك الله درجات، وأخفض أهل الشرك والمعاصي والفجور: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. ومن له أيادٍ بيضاء في نصرة الإسلام، ونفع المسلمين، ونصرة المظلومين، وإظهار الدين، وتعليم الأحكام، فمن السنة الثناء عليه، ورفع مقامه، وقد وصف النبي ﷺ أصحابه بما اشتهروا به من الفضائل ومكارم الأخلاق ونوه بذكر فضائلهم. فقد وصف خالدًا بأنه سيف الله، وأبا عبيدة بأنه أمين هذه الأمة، والزبير بن العوام بأنه حواري هذه الأمة، وعمر لو كان نبي بعده لكان هو، وأبا بكر بأخ، ولو كان متخذًا خليلًا لأتخذه، كما قال النبي ﷺ : «أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَم فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وأقضاهم عليٌّ، وَأَصْدَقُهَم حَيَاءً عُثْمَانُ، وأَفْرَضُهُم زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلالِ، وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، ولِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بن العَوامْ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ». أخرجه الترمذي (١).

стр. 3112

• آفة الكبر: الكبر من أخلاق إبليس، وبسبب كفره وكبره؛ لعنه الله وطرده: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. والمؤمن متواضع لربه، ومتواضع لخلقه، مستسلم لمولاه. والكبر في خمس كلمات مهلكات: أنا، ولي، ونحن، وعندي، وبيدي. فإبليس قال لربه عن آدم: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]. فأهلكه الله وطرده ولعنه وأبعده. وفرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. فأغرقه الله وجنوده في البحر. وقوم بلقيس قالوا: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ [النمل: ٣٣]. فأذلهم الله ، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧]. والمشركون قالوا: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ [سبأ: ٣٥]. فأهلكهم الله، وأظهر دينه، وأعز رسوله ﷺ .

стр. 3113

وفرعون قال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ [الزخرف: ٥١]. فأغرقه الله بالماء، الذي قال: أنه يجري من تحته. وقارون قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. فخسف الله به وبداره الأرض. فهذه كلها لله وحده، وليس للخلق فيها نصيب. • فقه الجمال: التجمل مشروع في الإسلام، والله جميل يحب الجمال، والحُسن والجمال كما هو محبوب طبعًا، فهو مأمور به شرعًا، فالله جميل يحب الجمال. لكن الجمال وفق الحدود والقيود الآتية: أولًا: عدم التشبه بالكفار، لأن النبي ﷺ يقول: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». أخرجه داود وأحمد (١). ثانيًا: عدم تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، كما قال النبي ﷺ : «لَعَنَ اللهُ المُتَشَبهِينَ مِنَ الرّجالِ بالنّسَاءِ، وَالمُتشبِهاتِ مِنْ النّسَاءِ بالرّجَالْ». أخرجه الترمذي وابن ماجة (٢). ثالثًا: عدم الإسراف، والتبذير، كما قال : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].

стр. 3114

وقال الله : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]. رابعًا: عدم التكبر والخيلاء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]. خامسًا: عدم تغيير خلق الله، كما قال الله عن الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. سادسًا: اجتناب ما فيه شهرة من لباس وغيره، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ لَبِاس مَذَلَّةٍ». أخرجه أحمد وابن ماجة (١). سابعًا: عدم الغش، والتدليس، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه مسلم (٢). والجمال الذي يحبه الله عام في الأقوال، والأعمال، والأخلاق وغيرها. قال الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 3115

وأحسن الجمال أن تتجمل لله بالتوحيد، والإيمان، والتقوى؛ لأن الله جميل يحب الجمال، والجمال يكون بالأقوال والأعمال والأخلاق واللباس: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والجمال أحسنه ما كان لله ، وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتخلق بالأخلاق التي يحبها الله كما قال سبحانه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].

стр. 3116

٤ - الخزانة الرابعة • فقه أخلاق: الأخلاق جمع خُلق، والخُلق هو الطبع والسجية، والأخلاق للأرواح كالأعضاء للأبدان، فالخُلق صورة الإنسان الباطنة، والخَلق صورة الإنسان الظاهرة: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. فالخَلق مختص بالأجسام والأشكال والصور المدركة بالبصر، والخُلق مختص بالقيم والسجايا والطباع المدركة بالبصيرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. والله سبحانه خالق الأبدان والأرواح: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. وخلق سبحانهالإنسان في أحسن تقويم، وجعله قابلًا للحق والباطل، والإيمان والكفر، والطاعات والمعاصي: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢]. وقال الله : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].

стр. 3117

وكما أن الثياب جعلها الله تستر الأبدان، كذلك جعل الله الأخلاق ساترة للقلوب: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦]. وأساس الأخلاق كلها هو التوحيد والإيمان والتقوى، وكما أن ثياب الأبدان تكون باختيار الإنسان وقدرته فبعضهم يلبس اللباس الحسن، وبعضهم يلبس الرديء، فكذلك القلوب قابلةٌ للأخلاق الحسنة والأخلاق السيئة: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفقٌ عليه (١). واللباس الحسن، والخلق الحسن، جميلٌ في نفسه، وجميلٌ في غيره، ومحبوب عند الله، وعند الناس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. واللباس السيئ، والخلق السيئ، قبيح في نفسه، وقبيح في غيره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢]. والله سبحانه جميل يحب الجمال كله، وينهى عن القبيح كله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].

стр. 3118

وقال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. فالإيمان أحسن شيء، وأحسن ثمراته التقوى، والأخلاق الحسنة، والأقوال الحسنه، والأعمال الحسنة مع الحق سبحانه بعبادته وحده لا شريك له، ومع الخلق بالعدل والإحسان، وهذه محبوبات الرب من الخلق: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال الله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال الله : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. وقيمة الإنسان بصفاته وأخلاقه، لا بذاته ولا ماله ولا نسبه، فالإنسان من كان، وحيث كان، ليست قيمته بطوله وعرضه، ولا لونه وشكله، ولا نسبه وجاهه، ولا غناه وفقره، إنما قيمته وقدره بإيمانه وأعماله الصالحة وأخلاقه

стр. 3119

الحسنة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. والله سبحانه لا ينظر إلى الأبدان والأموال وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». أخرجه مسلم (١). وقال الله : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]. ويقول النبي ﷺ : «لَا فَضْلَ لا أبيض على أَسْوَدَ ولا لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ خُلق مِنْ تُرَابٍ». أخرجه الترمذي (٢). فالأخلاق الحسنه كلها ثمرة الإيمان والعمل الصالح، وإيمانٌ وأعمال دون خُلق، كشجرة لا ظل لها ولا ثمرة: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. والأخلاق الحسنة أحسن الحلل التي يلبسها المسلم، يعبد الله بموجبها، و يخالق الناس بها من الإيمان والإحسان، والصدق والصبر، والعدالة والأمانة، والحياء والعفة، والتعاون والتناصر، واللين والرأفة، والحلم والتواضع: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].

стр. 3120

وقد جمع الله مكارم ومحاسن الأخلاق في أنبيائه ورسله، ثم جمعها في أفضلهم، وسيدهم، وآخرهم، حتى اثني الله عليه، بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وأثنى الله على أهل الأخلاق الحسنة، و وعدهم بالأجر، والفلاح، والسعادة في الدنيا، والآخرة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وقال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. الأخلاق الحسنة هي مناطُ بقاء الأمم وسعادتها وأمنها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. والأخلاق السيئة هي أساس فساد الأمم، وشقائها، وهلاكها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وقال الله : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
следующие страницы →