فلا يعتمد على المطر أو الماء في خروج الزرع، ولا يعتمد على الريح في سير السفينة، ولا على العين في الرؤية، ولا على الأذن في سماع الأصوات، ولا على الطعام في الشبع، ولا على الدواء في الشفاء، ومن علم أن القلم لا حكم له في نفسه، شكر الكاتب دون القلم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
стр. 3257
٩ - الخزانة التاسعة
• فقه الإنابة:
الإنابة:
هي الرجوع إلى الله، وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمن المحبة والخشية، فإن المنيب محب لمن أناب إليه، خاضع له، خاشعُ ذليل بين يديه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٤].
ومعنى الإنابة:
هي عكوف القلب على الله ، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وحقيقة الإنابة:
عكوف القلب على محبة الله، وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له، والمتابعة لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
ومن لم يعتكف قلبه على الله وحده، عكف على التماثيل الممنوعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢].
стр. 3258
• أقسام الإنابة:
الإنابة هي الرجوع إلى الحق، وهي نوعان:
أحدها: إنابة لربوبيته سبحانه، وهي إنابة البشر كلهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [الروم: ٣٣].
الثاني: إنابة الألوهيته، وهي إنابة أوليائه إليه إنابة عبودية ومحبة.
وهي تتضمن أربعة أمور:
محبة الله .. والخضوع له .. والإقبال عليه .. والإعراض عما سواه.
كما قال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣١ - ٣٥].
والصحابة ﵃ لما آمنوا وأنابوا إلى الله تغير فكرهم، وتغير عملهم، وتغيرت عواطفهم، وتغير جهدهم، فتغيرت حالهم، وعظم أجرهم، وثوابهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فاجتهدوا ﵃ للدين، حتى صارت الطاعات عندهم شهوات، وصارت المعاصي بمنزلة السموم المهلكة، واجتهدوا على تحصيل الإيمان والأعمال الصالحة، بدل الاستكثار من الأموال، والأشياء.
стр. 3259
وأكثر المسلمين اليوم اجتهدوا للدنيا، حتى صارت الأشياء المادية عندهم شهوات، وثقلت عليهم الطاعات، وصارت المعاصي لهم محبوبات، فالإيمان واحد، والوحي واحد، والقلوب واحدة، ولكن اليقين اختلف.
فالمؤمن يقينه على الإيمان والأعمال الصالحة، وغير المؤمن يقينه على الأموال والأشياء.
والصحابة ﵃، لكمال إنابتهم ومحبتهم للدين يستأذنون الدين؛ ليعملوا قليلاً للدنيا، ونحن نستأذن الدنيا لنعمل للدين، فنستغفر الله ونتوب إليه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٤].
والصحابة ﵃ يحبون مجالس الذكر؛ لأن في قلوبهم عظمة الله، والدار الآخرة، وكثير من المسلمين يملون مجالس الذكر؛ لأن في قلوبهم عظمة المخلوق، وحب الشهوات: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والصحابة ﵃ استخدموا أنفسهم وأموالهم وأفكارهم وأوقاتهم للدين، وأكثر المسلمين اليوم استخدموها للدنيا والشهوات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
• درجات الناس في الإنابة:
الناس في إنابتهم إلى ربهم على درجات متفاوتة:
فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي.
стр. 3260
وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامل عليها العلم، والخشية والخوف، والحذر من سخط الرب وعقوبته: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات فهو ساع فيها بجهده، وقد حبب إليه فعل الطاعات، وأنواع القربات.
وهذه الإنابة مصدرها الرجاء، ومطالعة الوعد والثواب والكرامة من الله لعباده المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وهؤلاء أبسط نفوساً، وأشرح صدوراً، من أهل القسم الأول، وجانب الرجاء ومطالعة المنة والرحمة أغلب عليهم، وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعاً، ولكن خوف هؤلاء اندرج في رجائهم فأنابوا بالعبادات، ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم، فكانت إنابتهم بترك المخالفات.
ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاء والافتقار إلى الله وسؤال الحاجات كلها منه، ومصدر هذه الإنابة: شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة.
فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم، فإنابتهم إليه من هذه الجهة، مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة، إنما هي من هذه الجهة.
• وأعلى أنواع الإنابة:
إنابة الروح بجملتها إلى ربها؛ لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم، ومعبودهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ
стр. 3261
الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وحين أنابت إليه أرواحهم لم يتخلف منها شيء عن الإنابة، فإن الأعضاء كلها تبعُ للروح.
فلما أنابت الروح بذاتها إليه، إنابة محب صادق المحبة، ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه، أنابت جميع القوى والجوارح، فأناب القلب بالمحبة والتضرع، والذل والانكسار، والتوبة والاستغفار.
وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه شبهة.
وأنابت النفس بالانقياد، والانخلاع عن العوائد النفسية، والأخلاق الذميمة، والإرادات الفاسدة، وانقادت لأوامره، خاضعة له، وفوضت أمرها إلى مولاها، راضية بقضائه، مسلِّمة لحكمه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
وأناب الجسد بالقيام بالأعمال فرضها ونفلها على أكمل الوجوه.
وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة، فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق، الذي كل محبة
стр. 3262
سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عذبة في مبادئها، فإنها عذاب في عواقبها: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
فإنابة العبد ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له، وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره، فأين إنابة هذا من إنابة من قبله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
بل هذه روح منيبة أبداً، وأما أصحاب الإنابات السابقة، فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر، فلنفسه، وروحه، وقلبه، وعقله، التفاتات عمن قد أناب إليه، فهو ينيب ساعة، ثم يترك ذلك مقبلاً على دواعي نفسه، وطبعه: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]
والله يختار من خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته، وولايته، كما اجتبى هذه الأمة، وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان، وخيرها، وأعظم الكتب، وأحسنها، وأفضل الرسل، وأكملهم، وهو سبحانه يهدي إليه من ينيب: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وهو سبحانه هو الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى جميع الموجودات، بحيث لا تستغني عن إحسانه طرفة عين: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
стр. 3263
وإذا عرف العبد بالدليل القاطع أن الله هو العظيم الذي يملك كل شيء، المنفرد بالنعم كلها، وكشف النقم كلها، وإعطاء الحسنات، وغفران السيئات، وكشف الكربات، وأن أحداً من الخلق ليس بيده من هذا شيء إلا ما أجراه الله على يده، جزم بأن الله هو الملك الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، فأقبل عليه وحده، وأناب إليه، وأعرض عما سواه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].
ومن اطلع الله على قلبه، وعلم أنه ليس فيه إلا الإنابة إليه، ومحبته، ومحبة ما يقرب إليه، فإنه وإن جرى منه في بعض الأوقات ما هو مقتضى الطبيعة البشرية، فإن الله يعفو عنه، ويغفر له الأمور العارضة غير المستقرة، كما قال سبحانه: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
стр. 3264
١٠ - الخزانة العاشرة
• فقه الاستقامة:
الاستقامة:
أن يعبد المؤمن ربه وحده لا شريك له، ويستقيم على الأمر، والنهي، فيعمل بطاعته، ويجتنب معصيته، ويؤدي فرائضه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والمطلوب من العبد الاستقامة، وهي السداد في النيات، والأقوال، والأعمال، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة، فإن نزل عن ذلك فالتفريط، والإضاعة كما قال النبي ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أنْ لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأنَّ أحَبَّ الأعْمَالِ أدْوَمُهَا إِلَى الله وَإِنْ قَلَّ». متفقٌ عليه (١).
فأمرهم بالاستقامة، ثم بين أنهم لا يطيقونها، فنقلهم إلى المقاربة، وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم، ومع هذا أخبرهم أن الاستقامة، والمقاربة تنجي يوم القيامة.
فلا يركن أحد إلى عمله، ولا يُعجب به، ولا يرى أن نجاته به، بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله.
والاستقامة تتعلق بالنيات، والأقوال، والأعمال، والأحوال، والاستقامة فيها، وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
стр. 3265
اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والاستقامة للحال بمنزلة الروح للبدن، فكما أن البدن إذا خلا عن الروح مات، فكذا الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد.
• حصول الاستقامة:
تحصل الاستقامة بثلاثة أشياء:
الأول: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله في قلب العبد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
فيتيقن العبد أن الخالق الرازق المالك الذي يتصرف في هذا الكون كله هو الله وحده لا شريك له، فيتوجه إليه وحده في جميع أحواله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
الثاني: تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله، بأن يعلم أن الوصول إلى الله عن طريق هدي رسول الله ﷺ ، فيؤثر حياته على حياة الشهوة والهوى، واللعب واللهو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 3266
الثالث: أن يعيش حياته بالإيمان، والأعمال الصالحة كأنه عابر سبيل، ومسافر من هذه الدنيا.
قال النبي ﷺ : «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». أخرجه البخاري (١).
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وهذه الأمة لها مقصد، وهو العبادة، ولها وظيفة، وهي الدعوة إلى الله، وكلما تجاوز الإنسان مقصده، وترك وظيفته، أصيب بآفتين:
الأولى: إحساسه بالتعب كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ [الكهف: ٦٢].
الثانية: مرافقة الشيطان له، فإذا غفل عن الرحمن، وأعرض عنه، رافقه الشيطان يزين له المعاصي، والمنكرات، والقبائح، والكبائر، ويؤزه إليها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله : ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وقال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وهذه الأمة الآن في كثيرًا من البلاد قد تجاوزت مقصد حياتها، وتركت وظيفتها، وظلمت نفسها، وظلمت غيرها، واستقلت المراكب لعمارة الدنيا، وتكميل الشهوات فماذا حصل؟.
стр. 3267
عامة بلاد الإسلام في شقاء وتعب، وذل وهوان: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
فكثير من بلاد المسلمين تعيش في شقاء وتعب وذل وهوان، ملوكها وأمراؤها، تجارها وفقراؤها، رجالها ونساؤها، أبناؤها وبناتها: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧].
إن الأمة الإسلامية في أغلب ديار الإسلام قد تجاوزت مقصد حياتها، وسافرت إلى الدنيا، فهي الآن عليلة تشكو من كل شيء في أخلاقها، ومعاشراتها، في معاملاتها وكسبها، في بيوتها وأسواقها؛ لأنها تجاوزت مقصد حياتها، فرافقها الشيطان في جميع أحوالها، لا يبيع الإنسان ويشتري إلا والشيطان معه، ولا يأكل ولا يشرب إلا والشيطان معه، ولا يلبس إلا والشيطان معه، ولا ينفق إلا والشيطان معه، ولا يقوم ولا يقعد ولا يمشي إلا والشيطان معه: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
ولا صلاح للبشرية إلا بأن ترجع الأمة الإسلامية إلى مقصدها، ووظيفتها، بعبادة الله وحده لا شريك له، وطاعة الله ورسوله ﷺ والدعوة إلى الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
стр. 3268
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
فموسى ﷺ لما جاوز مقصده في سفره قال لفتاه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ [الكهف: ٦٢].
فأحس موسى بالتعب لما جاوز مقصده، ولا يتخلص من هذا التعب، ولا يسلم من الشيطان، إلا بالرجوع إلى مقصده: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٤ - ٦٥].
فلما رجعا ظفرا بالخير، ونالا مرادهما.
وقد منَّ الله على هذه الأمة، وطلب منها أن تستقيم في جميع أمورها، وأن تعيش كما عاش الأنبياء والمرسلون؛ لأنها قدوة البشرية إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
ولكن أكثر الأمة ترك مقصد حياته، فصار كثير من المسلمين اليوم يعيشون عيشة اليهود والنصارى في أفكارهم وأعمالهم، وفي كسبهم ومعاملاتهم، وفي سائر شعب حياتهم.
في الدنيا يرافقون ويشاركون اليهود والنصارى، والشياطين في طريقة حياتهم، وفي الآخرة يريدون مرافقة الأنبياء والمرسلين في الجنة، وهذا ليس من سنة الله، بل سنة الله معلومة لا تتبدل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
стр. 3269
فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
فالأمة إذا تركت الحق، حركها الشيطان بالباطل، وإذا لم تقتدِ بالأنبياء، والمرسلين ابتليت بالاقتداء بأحفاد القردة والخنازير والشياطين، كما قال النبي ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قال: فمَنْ؟». متفق عليه (١).
• فقه الأحوال والأعمال:
بحسب أعمال البشر يرسل الله ﵎ الأحوال على العباد.
فمن كانت أعماله طيبة نزلت عليه من الله أحوال طيبة، ومن كانت أعماله سيئة نزلت عليه أحوال سيئة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
فإذا كانت الأعمال التي تصدر من الجسد موافقة لأوامر الله، وعلى هدي رسول الله ﷺ ، فهي أعمال صالحة، تثمر الأحوال الطيبة.
стр. 3270
فالعين إذا رأت حسب أمر الله، والأذن إذا سمعت حسب أمر الله، واللسان إذا تكلم حسب أمر الله، والبدن إذا عَبَدَ الله حسب أمر الله، فهذه أعمال صالحة تسعد الإنسان في دنياه وآخرته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٣٠].
والإنسان آلة الأعمال، فهو إما أن يتحرك بطاعة، أو يتحرك بمعصية، فهو يومياً ينتج أعمالاً كثيرة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
والملائكة كل يوم يتعاقبون على البشر، ويصعدون بسجلات الأعمال إلى ربهم، ويعرضونها أمام الله، ثم يرسل آخرون، كما قال النبي ﷺ : «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْألُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». متفق عليه (١).
فسبحان من أحصى كل شيء عدداً في كتاب لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
стр. 3271
ثم الله ينزل الأحوال حسب الأعمال خيراً كانت، أو شراً: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٤ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
• ولله على كل قلب هجرتان:
الأولى: هجرة إلى الله بالتوحيد والإيمان والإخلاص والتقوى، والإنابة والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة، وعدم الالتفات إلى ما سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثانية: هجرة إلى رسول الله ﷺ بالتحكيم له، والتسليم والانقياد لحكمه، وتلقي الأحكام من مشكاته، فمن قام بهذه الهجرة، وتلك الهجرة، فهو من أسعد الناس في الدنيا، والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
• وأصول الدين الإسلامي ثلاثة:
الإيمان .. والأحكام .. والأخلاق.
فالإيمان: هو اليقين على ذات الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأساسه العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم
стр. 3272
الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
أما الأحكام: فهي ما شرعه الله لعباده من الأعمال والأوامر التي يسيرون عليها، والمراد بها الأعمال الظاهرة التي تقوم بها الجوارح كالعبادات والمعاملات.
والشريعة لا تنفك عن العقيدة، ولا يتم قبول العمل إلا بهما جميعاً.
والعقيدة لن تثمر، والشريعة لن تؤثر في حياة الإنسان إلا حين يتحلى الإنسان بصفة الإحسان في كل شيء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].
فالإحسان أعظم الأخلاق وأعلاها، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
стр. 3273
فيجب على العبد أن يحسن المعاملة مع ربه، ومع الناس، وأن يحسن في عبادته كلها، وأن يحسن في جميع أموره كما أمر الله ورسوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
والاستقامة: ثمرة الإيمان، و بها يحصل كمال التقوى، وكمال العمل.
وكمال العمل يحصل بتطبيق حياة النبي ﷺ ، والقيام بجهد محمد ﷺ ، بالعبادة والدعوة إلى الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
والمؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أفضل ممن لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، وعند الفتن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام اعتزلهم؛ لكن ينبغي أن ينوي بعزلته كف شره عن الناس، ثم طلب السلامة من شر الأشرار، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين.
ثم تجريد الهمة لعبادة الله أبداً، ثم ليكن في خلوته مواظباً على العلم والعمل، والذكر والفكر، والاستغناء عن الناس، وعدم الإصغاء إلى أراجيف البلد، والقناعة باليسير من المعيشة، وتذكر الموت.
والعزلة والخلطة تختلف بحسب الأحوال والأشخاص، لكن في الأصل الخلطة أفضل، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكره، مستغرق الأعضاء والجوارح بعبودية الله.
стр. 3274
فإذا كان كذلك أحبه الله، ثم أنزل له القبول والمحبة في الأرض، فصارت الألسنة جارية بمدحه، والقلوب مجبولة على حبه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
وكما أن النفس تحب تكميل الشهوات فكذلك الله يحب تكميل الإيمان، والأعمال الصالحة التي هي الدين، وهى الإيمانيات، والعبادات، والمعاملات، والمعاشرات، والأخلاق.
فالإيمان أساس كل شيء، والعبادات تنظم علاقة العبد مع ربه سبحانه، وتقوي إيمانه؛ ليكون ذاكراً لربه حامداً له.
والمعاملات والمعاشرات والأخلاق تنظم علاقة العبد مع العباد؛ ليكون الجميع كالجسد الواحد: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
• حفظ الاستقامة:
على من يطلب الاستقامة أن يحفظ نفسه من أربعة أشياء:
o اللحظات
o والخطرات
стр. 3275
o واللفظات
o والخطوات.
ومن حفظ نفسه من هذه الأربعة فقد أحرز دينه، وحفظ استعمالها، كما أمر الله سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وإذا أهملها العبد، وغفل عنها، دخل منها العدو فجاس خلال الديار، وأهلك الحرث والنسل، وأفسد الظاهر والباطن، وكلما كان إيمان العبد أقوى، وعبادته أحسن، كانت معاملاته، ومعاشراته، وأخلاقه، أفضل وأحسن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وبمقدار ما يكون العبد محبوباً عند الله، يكون محبوباً عند أهل السماء وعند أهل الأرض: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
وكل من ضحى بشهواته من أجل الدين، أعطاه الله امتثال أوامره في جميع الأحوال، على وجه الكمال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والله ﵎ أوجب على كل مسلم من هذه الأمة العبادة والدعوة، وكما يسأل الإنسان عن حياته، فكذلك سيُسأل عن مسئوليته، فجميع
стр. 3276
المسلمين يحبون النبي ﷺ ، وأكثرهم يكرهون حياته.
وكل المسلمين يكرهون اليهود والنصارى، وأكثرهم يحبون حياتهم.
وبعض المسلمين يحبون حياة النبي ﷺ ، ولكن لا يريدون، ولا يطيقون، ولا يرغبون في جهد النبي ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فهذا جهده ﷺ .
ودينه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
• كمال الاستقامة:
تمام الاستقامة بتطبيق حياة النبي ﷺ ، والقيام بجهد النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
فعلى من أراد الاستقامة أن يدخل في السلم كافة، وأن يتركوا أمرهم لله ورسوله، ويستسلموا لقدر الله وتدبيره، ويتلقوا عنه ولا يقترحوا عليه، ويشكروا ربهم على نعمة الإيمان الذي هداهم إليه، وحرك قلوبهم لحبه،
стр. 3277
وكشف لهم عن جماله وفضله، وعلق أرواحهم به، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وهذا كله من رحمة الله وفيضه العميم على عباده.
فهو الذي أراد بهم هذا الخير، وخلص قلوبهم من ذلك الشر، وهو الذي جعلهم بهذا راشدين فضلًا منه ونعمة، وليطمئن إلى قضاء الله، وتدبيره، فالله يختار لهم الخير، ورسول الله ﷺ يأخذ بأيديهم إلى هذا الخير: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
والاستقامة هي الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٢٠ - خزائن الآداب
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ الخزانة العاشرة
стр. 3280
٢٠ - خزائن الآداب
١ - الخزانة الأولى
فقه الأدب:
الأدب هو اجتماع خصال الخير في الإنسان، وأكمل الخلق أدبًا هم الأنبياء والرُسل عَلَيْهمِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثم من سار على هديهم من المؤمنين والصديقين.
• والأدب ثلاث أنواع:
أدبٌ مع الله .. وأدبٌ مع رسوله ﷺ .. وأدبٌ مع خلقه.
فالأدب مع الله يكون بصيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة، وصيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره، وصيانة إرادته أن تتعلق بما ينكته الله عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالعبد يصل بطاعة الله إلى الجنة، ويصل بأدبه في طاعته إلى الله، وترك الأدب يوجب الطرد، وأنفع الأدب الفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة بما لله عليك، وحُسن الأدب في الظاهر عنوان حُسن الأدب في
стр. 3281
الباطن، والأدب مع الله حُسن الصحبة معه لإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتدى التعظيم والإجلال والحياة كحال مجالس الملوك، كما قال سبحانه عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والناس في الأدب ثلاث طبقات:
١ - فأهل الدنيا أكبر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم والثقافة.
٢ - وأهل الدين أكثر آدابهم في مخالفة النفوس وتأديب الجوارح بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي وحفظ الحدود وترك الشهوات.
٣ - وأما أهل الخصوص فأكبر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وحُسن الأدب في مواقف الطلب ومقامات القرب، والكمال لزوم الأدب ظاهرًا وباطنًا، فما ساء أحدٌ الأدب في الظاهر إلا عُوقب ظاهرًا، وما ساء أحد الأدب باطنًا إلا عُوقب باطنًا، ومن تهاون بالأدب عُوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عُوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عُوقب بحرمان المعرفة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وحقيقة الأدب استعمال الخُلق الجميل ولهذا كان الأدب استخراج ما في الطبيعة من الكمال من القول إلى الفعل، ومن الباطن إلى الظاهر والأدب هو الدين كله، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» أخرجه أحمد. (١).
стр. 3282
فإن ستر العورة من الأدب، والوضوء والغُسل من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب حتى يقف العبد بين يدي الله ظاهرًا، والتجمل والتزين بين يدي الله في الصلاة من الأدب وخفض العبد بصره في الصلاة من الأدب، وعدم قراءة القرآن في حال الركوع والسجود من الأدب، فإن القرآن كلام الله وكلامه أشرف الكلام.
وحالة الركوع والسجود حالة ذلٍ وانخفاضٍ من العبد، فمن الأدب مع كلام الله ألا يُقرأ في هاتين الحالتين، ومن الأدب مع الله ألا يستقبل بيته العتيق، ولا يستدبره حال قضاء الحاجة، ومن الأدب مع الله وضع اليد اليمنى على اليسرى عند الوقوف بين يديه في الصلاة، فالأدب مع الله هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرًا وباطنًا.
• ولا يستقيم لأحدٍ قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء:
١ - معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله.
٢ - ومعرفة بدينه وشرعه وما يُحب وما يكره.
٣ - ونفسٌ مستعد قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علمًا وعملًا وحالًا.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
• وأما الأدب مع رسول الله ﷺ :
فالقرآن مملوء منه فرأس الأدب معه الإيمان به، وكمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقى خبره بالقبول والتصديق، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد
стр. 3283
والإذعان، كما وحد الرب الذي أرسله بالعبادة والقصد والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما:
الأول: توحيد المرسل سبحانه.
الثاني: وتوحيد متابعة الرسول: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وكمال الأدب مع رسول الله ﷺ الاقتداء به في نيته وفكره وفى توحيده وإيمانه، وفي أقواله الحسنة وفى أعماله الصالحة وفى أخلاقه الكريمة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فلا يحاكم العبد إلى غير الرسول ﷺ ولا يرضى بحكم غيره، ولا يتقدم بين يده بأمرٍ، ولا نهى ولا إذنٍ ولا تصرف حتى يأمر هو ﷺ وينهى ويأذن، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
стр. 3284
والتقدم بين يدي سنته ﷺ بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته كلاهما لا يجوز، ومن الأدب معه ﷺ ألا تُرفع الأصوات فوق صوته؛ فإنه سببٌ لحبوط الأعمال فما الرأي برفع الآراء على سنته وما جاء به، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
ومن الأدب معه ﷺ ألا يجعل دعائه كدعاء غيره كما قال سبحانه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وأما الأدب مع الخلق فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم فلكل مرتبة أدبٌ خاص، فمع الوالدين أدبٌ خاص، وللأب منهم أدبٌ خاص به، وللأم أدبٌ خاص بها، وللعالم أدبٌ أخر يليق به ومع السلطان أدبٌ يليق به، ومع الأفراد أدبٌ يليق بهم، ومع الأجانب أدبٌ غير أدبه مع أصحابه، ومع الضيف أدبٌ غير أدبه مع أهل بيته وهكذا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 3285
ولكل حالٍ من أحوال الإنسان أدب فللأكل أدب، والشرب أدب، وللركوب أدب، وللسفر آداب، وللدخول والخروج آداب وللكلام آداب، وللنوم آداب، وللصحة آداب، وللمرض آداب، وللمجالس آداب، وللنكاح آداب وهكذا.
قررت الشريعة أكثر من ألف أدب لهذا الإنسان مع ربه، ومع رسوله، ومع سائر الخلق، وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره.
الأدب حفظ الحد بين الغلو والجفاء، فالانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء هو قلة الأدب، والأدب الوقوف في الوسط بين الطرفين فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها، ولا يتجاوز بها ما جُعلت حدًا لها، فكلاهما عُدوان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
والعُدوان سوء الأدب: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]
فإضاعة الأدب بالجفاء كمن لا يكمل أعضاء الوضوء، ولم يوفي الصلاة آدابها، وإضاعته باللغو كالوسوسة في عقد النية ورفع الصوت بها، وفى حق الأنبياء لا يغلو فيهم كما غلت النصارى، ولا يجفو عنهم كما جفت اليهود، فالنصارى ألهوهم وعبدوهم كما عبدوا عيسي ابن مريم ﷺ ، واليهود قتلوهم وكذبوهم والأمة الوسط المسلمون آمنوا بهم، وعزروهم ونصروهم، واتبعوا ما جاءوا به، كما قال سبحانه عن النبي ﷺ : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 3286
وأما الأدب في حق الخلق فلا يفرط في القيام بحقوقهم، ولا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة دينه وقلبه ولا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية، فإن الطرفين من العدوان الظاهر، وحقيقة الأدب العدل وكمال الأدب وحسنه من أعلى درجات العبودية.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والأدب على ثلاث درجات:
الأولى: منع الخوف ألا يتعدى إلى اليأس، وحبس الرجاء أن يخرج إلى الأمن وضبط السرور أن يضاهى الجرأة، فلا يدع العبد الخوف من الله يُفضى به إلى حدٍ يوقعه في القنوت واليأس من رحمة الله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
فهذا خوفٌ مذموم فالخوف الموقع في الإياس إساءة أدبٍ على رحمة الله التي سبقت غضبه، والتي وسعت كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وحد الخوف ما حجز الإنسان عن معاصي الله، فما زاد على ذلك فهو غير محتاجٍ إليه ولا يبلغ به الرجاء إلى حدٍ يأمن معه العقوبة، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، كما قال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
стр. 3287
وحد الرجاء ما طيب لك العبادة، وحملك على السير: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨].
وأما ضبط السرور فلا يقدر عليه إلا الأقوياء الذين لا تستفزهم السراء، فتغلُب شكرهم، ولا تُضعفهم الضراء فتغلب صبرهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الدرجة الثاني: الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض، والصعود من الرجاء إلى ميدان البسط، ومن السرور إلى المشاهدة فيقبض نفسه عن كل ما يُسبب له العقوبة، ويطمئن إلى رحمة ربه، ويأنس به ويناديه كأنه يراه بجلاله وجماله ورحمته وكماله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ الرعد: ٢٨].
стр. 3288
الدرجة الثالثة: معرفة الأدب فإذا عرفه وصار له حالًا نسبه إلى ربه دون نفسه، ويُغني عن نفسه وقيامها بالأدب بشهود الفضل لمن أقامها فيه، وشهود منته وهو ، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤].
والانبساط إرسال سجية النفس مع الغير وإزالة الوحشة الواقعة بين العبد ومن يحب الانبساط إليه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
والانبساط إلى الخلق يكون بألا يعتزلهم ظنًا على نفسه، أو شُحً على حظه فتحمله السماحة والجود والرحمة على ترك العزلة ومجالسة إخوانه وانتفاعهم بمجالسته ويؤثرهم على نفسه فينالون من فضله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وليسعهم العبد بخُلقه باحتمال ما يبدو منه من سوء العُشرة، ويوقرهم بلينه وتواضعه ويخفض لهم جناحه بحيث لا يترك لنفسه بينهم مرتبة يحترمونه من أجلها مع حفظ حاله وقلبه مع الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
стр. 3289
والانبساط مع الحق سبحانه هو لا يمنعك عن الانبساط إليه خوفٌ والبسط يأتي من مشاهدة أوصاف الجمال والبر والإحسان والتودد والرحمة، والقبض يأتي من مشاهدة أوصاف الجمال والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ولا يحجبك رجاء فإن الراجي يحجبه رجاءه وطمعه فما يناله من المعظم عند الانبساط إليه فينبسط إلى ربه انبساط فرح وسرور، ويأنس به ويتملقه ويبتهج به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• الأدب مع الرب ﷻ :
خلق الله الإنسان وجعله له آدابًا مع ربه، وآدابًا مع خلقه، ومن أعظم الآداب مع ربه هي توحيده والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له وكمال طاعته وطاعة رسوله ﷺ فالتوحيد هو إفراد الله تعالى بما يختص به وما يجب له، ومعناه أن يتيقن العبد ويُقر أن الله وحده رب كل شيء ومليكه وأنه الخالق وحده وأنه الحي القيوم الذي يدبر الكون كله وحده لا شريك له، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة والمثل الأعلى وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبودٍ سواه فهو باطل وأنه سبحانه متصفٌ بصفات الكمال، منزهٌ عن كل عيبٍ ونقص له
стр. 3290
وحده الأسماء الحسنى والصفات العلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
فالله هو الواحد الأحد القادر على كل أحد، الغنى عن كل أحد، العليم بكل أحد، السميع بكل أحد، البصير بكل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد فهو واحدٌ لا شريك له أحدٌ لا مثيل له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله له الملك وله الخلق والأمر وحده لا شريك له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
هو الملك وكل ما سواه مملوكٌ له، وهو الرب وكل ما سواه عبدٌ له، وهو الخالق وكل ما سواه مخلوقٌ له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وهو سبحانه القوى وكل ما سواه ضعيف، وهو القادر وكل ما سواه عاجز، وهو الكبير وكل ما سواه صغير، وهو الغنى وكل ما سواه فقيرٌ إليه وهو العزيز وكل ما سواه ذليل بين يديه وهو الحق وكل معبودٌ سواه باطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
هو سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، العلى الذي لا أعلي منه، الكبير الذي لا أكبر منه، الرحمن الذي لا أرحم منه، فإذا عرف العبد ذلك توجه إلى ربه بالحب والتعظيم والذل له هو سبحانه القوى الذي خلق القوة في كل قوي، القادر الذي خلق القدرة في كل قادر، الرحمن الذي خلق
стр. 3291
الرحمة في كل راحم، العليم الذي علم كل مخلوق، الرزاق الذي خلق الأرزاق والمرزوقين وأوصلها إليهم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
هو سبحانه الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، لكمال ذاته وجلاله وجماله وجميل إحسانه وإنعامه هو وحده الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
هو الحكيم العليم الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
هو سبحانه الأول قبل كل شيء، الآخر بعد كل شيء، الظاهر فوق كل شيء، الباطن دون كل شيء، العليم بكل شيء وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
وهو سبحانه الملك الحق الذي بيده كل شيء وكل ما سواه ليس بيده شيء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]
وأعظم الناس أدبًا وأحسنهم خُلقًا وأفضلهم علمًا من آمن بالله وحده لا شريك له، فرأى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات عن غيره من الأسباب والوسائط، فيرى كل شيءٍ بيد الله وحده لا شريك له ولا يرى
стр. 3292
الخير والشر والعطاء والمنع والنفع والضر والتصريف والتدبير إلا من الله وحده لا شريك له، وأن يعبده سبحانه بموجب هذا العلم عبادة يفرده بها، ولا يعبد غيره معه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
فأعظم الناس أدبًا هم من وحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ووحده بالعبادة وحده لا شريك له، وفى مقدمة هؤلاء الأنبياء والرُسل عليهم الصلاة والسلام، فالمؤمن حقًا الموحد حقًا المؤدب حقًا هو من وحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته وحده الله بأسمائه كالعليم والقدير والسميع والبصير وغيرها من الأسماء الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
ووحد الله بصفاته كالحياة والسمع والبصر والقدرة وغيرها من الصفات العلا، ووحده الله بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها من الأفعال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧].
ووحده ربه بأفعال العبد كدعاء الله والتوكل عليه ومحبته والخوف منه والصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
ووحد رسوله ﷺ بالإتباع: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 3293
ووحد كتاب ربه بالإتباع بتصديق أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
وكل ذلك يحصل للعبد بكمال معرفته بأسماء الله وصفاته وأفعاله وبقدر تلك المعرفة يمتلئ القلب بالتوحيد والإيمان، وينشرح الصدر للطاعة، وتنقاد الجوارح للعمل الصالح الذي يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وبهذا يحصل للعبد كمال الأدب بتوحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وتوحيده سبحانه بالعبادة وتوحيد الرسول ﷺ بالإتباع وتوحيد كتاب ربه بالإتباع ويعبد الله بكمال الحب وكمال التعظيم وكمال الذل له سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
• حُسن الأدب مع الرب:
من أعظم آداب الإنسان مع ربه وأعظم حقوق ربه عليه أن يؤمن به وحده لا شريك له، فيؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله واليوم الآخر والقدر خير وشره، وأن يعمل بموجب هذا الإيمان فيعبد ربه وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 3294
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
• والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى فقد فطر الله كل مخلوق على الإيمان بخالقه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ويجب على المؤمن ليزيد إيمانه أن ينظر في الآيات الكونية، ويتدبر الآيات القرآنية ليزيد إيمانه ويقوى فيعبد الله بموجب تلك المعرفة: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
الثاني: الإيمان بأن الله هو الرب وحده لا شريك له، والرب هو الذي يستحق أن يُعبد، والملك الذي بيده المُلك وله الخلق والأمر كله، فلا خالق إلا الله ولا مالك إلا الله، والأمر كله لله وحده لا شريك له، فالخلق خلقه والمُلك مُلكه، والأمر أمره فهو العزيز الرحيم الغنى الحميد الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة، وله وحده مُلك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله جنود السماوات
стр. 3295
والأرض، وله ميراث السماوات والأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
خلق كل شيء بقدرته ليس له وزيرٌ ولا مشيرٌ ولا معين سبحانه هو الرب الواحد القاهر، استوى على العرش برحمته وأمسك السماء بقدرته ودحر الأرض بمشيئته، وخلق الخلائق بإذنه وقهر العباد بقوته رب المشرق والمغرب، لا إله إلا الله الحي القيوم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فيعلم العبد ويتيقن أن الله وحده ربٌ قديرٌ له كل شيء، محيطٌ بكل شيء، مالكٌ لكل شيء، قاهرٌ فوق كل شيء، خضعت الأعناق بعظمته وخشعت الأصوات لهيبته: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو العليم بكل شيء الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
الثالث: الإيمان بألوهيته سبحانه فنعلم ونتيقن أن الله وحده هو الإله الحق لا شريك له، وأنه وحده المستحق للعبادة فهو رب العالمين وإله العالمين، ونعبده بما شرع مع كمال الذل له وكمال الحب له وكمال التعظيم له، فكما خضعنا لربوبيته خلقًا وتدبيرًا، فيجب أن نخضع لألوهيته أمرًا وشرعًا، فهو سبحان كمن واحدٌ في ربوبيته لا شريك له فكذلك هو واحدٌ في ألوهيته لا شريك له فنعبده وحده لا شريك له ونجتنب عبادة ما سواه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].