رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَ ثُمَّ قال: إِذَا جَاءَ أحَدُكُمْ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». أخرجه مسلم (١).
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: «أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». أخرجه البخاري (٢).
• جواز لعب الصغار في المسجد بما لا معصية فيه:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَدْ رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَوْماً عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، وَرَسُولُ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إلَى لَعِبِهِمْ». متفق عليه (٣).
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَا الحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأهْوَى إِلَى الحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقال: دَعْهُمْ يَا عُمَرُ». متفق عليه (٤).
• عدم التباهي بالمساجد وزخرفتها:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَا أُمِرْتُ بتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ». أخرجه أبو داود بسند صحيح (٥).
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ». أخرجه أبو داود وابن ماجة بسند صحيح (٦).
стр. 3434
١٠ - الخزانة العاشرة
٢٠ - آداب الجوار:
فضل الجار الصالح:
عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه (١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ». أخرجه الترمذي بسند صحيح (٢).
• حق الجار:
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ؛ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّه سَيُوَرِّثُهُ». متفق عليه (٣).
стр. 3435
• إكرام الجار والإحسان إليه:
عن أبي هريرة ﵁ عن الرسول ﷺ قال: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُت، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». متفق عليه (١).
وعن أبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَها وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ». أخرجه مسلم (٢).
• تقديم الجار الملاصق على غيره بالإحسان:
عن عائشة ﵂ قالت: «يا رسولَ الله! إنَّ لي جارَيْنِ؛ فإلى أيِّهِما أُهدي؟ قال: إلى أقرَبِهِما مِنْكِ باباً». أخرجه البخاري (٣).
• عدم منع الجار جاره من الانتفاع بجداره:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَمْنَعْ جارًا جَارَهُ أَنْ يَغْرِز خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ». متفق عليه (٤).
• عدم أذى الجار بقولٍ أو فعل:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ فَلا يُؤذي جارَهُ». متفق عليه (٥).
стр. 3436
• أعظم أذى الجار:
عن ابن مسعود ﵁ قال: «سألتُ النبيَّ ﷺ : أيُّ الذَّنْبِ أعظَمُ عندَ اللهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ للهِ ندًّا وهو خَلَقَكَ، قلتُ: إنَّ ذلك لعظيمٌ، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ تَخافُ أنْ يَطْعَمَ معكَ، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلةَ جارِكَ». متفق عليه (١).
• إثم من لا يأمن جاره بوائقه:
عن أبي شرح ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه». أخرجه البخاري (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». أخرجه مسلم (٣).
• ماذا يفعل من آذاه جاره:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَاصْبِرْ فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ، وَفَعَلَ، وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ». أخرجه أبو داود بسند صحيح (٤).
стр. 3437
• عدم الظن السيئ:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَحاسدوا، ولا تَباغَضوا، ولا تدابروا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْواناً». متفق عليه (١).
ما يجوز من الظن:
وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا، قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ المُنَافِقِينَ». أخرجه البخاري (٢).
• اختيار الجار قبل الدار:
قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١١].
وعن أنس بن مالك ﵁ في حديث الهجرة وفيه، فقال النبي ﷺ : «أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا، قَالَ: قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ». أخرجه البخاري (٣).
стр. 3438
٢١ - آداب البيوت:
• ما يقوله إذا دخل البيت:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [النور: ٢٧].
وعن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَم يَذكُر اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ المَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُر اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أدْرَكْتُم المَبِيتَ وَالعَشَاءَ». أخرجه مسلم (١).
• ما يفعله إذا دخل بيته:
عن شريح قال: «سَألْتُ عَائِشَةَ قُلْتُ: بِأيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ». أخرجه مسلم (٢).
• حُسن الخُلق مع الأهل:
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا». متفق عليه (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال الرسول ﷺ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». أخرجه الترمذي بسند صحيح (٤).
стр. 3439
• حُسن معاشرة الأهل:
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وعن جابر ﵁ في حجة الوداع وفيه قال الرسول ﷺ : «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». أخرجه مسلم (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال الرسول ﷺ : «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ». أخرجه مسلم (٢).
٣ - وعن أسامه بن زيد ﵁ قال كان الرسول ﷺ «يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا». أخرجه البخاري (٣).
стр. 3440
• تعليم الأهل ما ينفعهم:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩].
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه مَثَلُ الحيِّ والميِّت». أخرجه مسلم (١).
• تلاوة القرآن:
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب: ٣٤].
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ». أخرجه مسلم (٢).
• قيام الليل:
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَإِذَا أوْتَرَ قال: قُومِي فَأوْتِرِي يَا عَائِشَةُ». أخرجه مسلم (١).
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ثمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (٢).
• ما يقوله إذا خرج من المنزل:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: «بسْمِ الله تَوَكَّلْتُ عَلَى الله، اللَّهمَّ إِنَّا نَعُوذ بكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا». أخرجه الترمذي والنسائي بسندٍ صحيح (٣).
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «إِذا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بسْمِ الله تَوَكَّلْتُ عَلَى الله لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بالله، قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ برَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (٤).
стр. 3460
٢١ - خزائن الأذكار
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
стр. 3461
٢١ - رسائل الأذكار
١ - الخزانة الأولى
مقصود جميع العبادات هو ذكر الله ، ومن ذكر الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، عظمه، وكبره، وحمده، وشكره، وأحبه، وأثنى عليه، وأقبل على طاعته، وعبادته، وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١].
والذكر الجامع، الذي يريده الله من عباده إذا أمرهم بذكره، هو ذكر الله بالثناء، والتعظيم، والإجلال، وذكر نعمه، وفضله، وإحسانه إلى عباده، وذكر جلاله الموجب للخشية، والحياء منه، وذكر وعيد الله، وعقابه لمن كفر به، وعصاه، وذكر يوم العرض الأكبر، يوم القيامة، وذكر دار القرار، وذكر كمال رحمة الله، ولطفه بعباده، وذكر حلمه، وعفوه، وذكر كمال مغفرته، ورأفته: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
стр. 3462
فهذا الذكر إذا تواطأ عليه القلب، واللسان مع إظهار الحاجة، والافتقار، والاضطرار، قضى حاجة صاحبه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وأنواع الذكر ثلاثة:
ذكر الله يكون بالقلب .. يكون باللسان .. يكون بالجوارح.
فالذكر باللسان يكون بحمد الله، وشكره، وتسبيحه، وتكبيره، وتمجيده، وتلاوة كتابه، والدعوة إليه، وتعليم شرعه.
• وذكر الله بالقلب ثلاثة أنواع:
الأول: الفكر في الدلائل الدالة على كمال ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
الثاني: الفكر في الدلائل الدالة على كمال أحكامه، وتكاليفه، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ووعيده: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وقال : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
стр. 3463
الثالث: الفكر في أسرار المخلوقات في العالم العلوي، والعالم السفلي، وهذا مقام عظيم لا نهاية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
أما ذكر الله بالجوارح، فهو أن تكون جوارح العبد مستغرقةٌ في الأعمال الصالحة، التي أمر الله بها، خالية من الأعمال السيئة التي نهى الله عنها: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والله سبحانه له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو العظيم المنزه عن المثيل وعن صفات النقص، والعيب، وعن صفات البشر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه محتاج إليه؛ ولهذا يستحق الحمد، والتكبير، والذكر، والشكر ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]
стр. 3464
لهذا كان سبحانه مستحقًا لأعظم أنواع الحمد، والحمد يجب أن يكون مقرونًا بالإجلال والتكبير لعظيم نعمه، وإحسانه ﷻ ، ولجلاله، وجماله.
• وتكبير الله أنواع:
الأول: تكبير الله في ذاته، فهو الكبير وحده، وكل ما سواه صغير، هو الغني عن كل ما سواه وحده، وكل ما سواه فقير: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الثاني: تكبير الله في صفاته، وذلك من ثلاثة أوجه:
١ - فجميع صفات الله يعتقد العبد أنها صفات إجلال، وجمال، وكمال، وأنه سبحانه منزه عن صفات النقص، وصفات الخلق.
٢ - وأن يعتقد أنه كما لا نهاية لذاته، فلا نهاية لصفاته.
٣ - ويعتقد أنه كما تنزهت ذاته عن الحدوث، والتغير، والزوال، فكذلك صفاته ذاتية، أزلية، منزهة عن التغير، والحدوث ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
الثالث: تكبير الله في أفعاله، فنحمد الله، ونكبره على أنه يفعل ما يشاء، ولا يجري في ملكه إلا ما يشاء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 3465
الرابع: تكبير الله في أحكامه، بأن يعتقد بأنه وحده الملك، الذي له الملك، والخلق، والأمر، وله الحكم كله، يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
• الإنسان بين الذكر والغفلة:
الإنسان إما ذاكر، وإما غافل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
ونوع الإنسان أنه من شأنه إذا فاز بمحبوبه، ووصل إلى مطلوبة، أغتر بنفسه، وماله، وصار غافلًا عن عبادة ربه الذي أنعم عليه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨].
وكل ما زاد الله عليه نعمه اغتر بها، فنسي ذكر الله، وأعرض عن عبادة ربه الذي خلقه، وأنعم عليه، وهداه ن وإن مسه فقر، أو مرض، أو ابتلاء كان يئوسًا، شديد اليأس من رحمة الله، واستولى عليه الأسف، والحزن على الدنيا، ولم يتفرغ لذكر الله تعالى. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محروم أبدًا من ذكر الله، ورحمته سواء أعطي، أو منع: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٣ - ٨٤].
стр. 3466
فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محروم أبدًا، فليس العطاء، والمنع المادي، دليل على رضا الله عن العبد، بل رضاه سبحانه مقرون بعبادته وحده لا شريك له، وطاعته، وطاعة رسوله. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢١].
ولا سعادة للإنسان أبدا إلا بالإيمان بالله، ودوام ذكره، والعمل بشرعه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وهذه النفوس المؤمنة، تعود إلى ربها يوم القيامة، راضية مرضية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
• وذكر الله ينقسم إلى قسمين:
ذكرٌ نفساني .. ذكرٌ لساني.
الأول: الذكر النفساني
أن تذكر ربك العظيم في نفسك من غير كلام، فتذكر في نفسك عظمة ربك، وكبريائه، وكماله، وجلاله، وتذكر فضله، ونعمه، وإحسانه، وتذكر ثوابه، وعقابه لاستدامة تعظيم الله والتضرع إليه، والخوف منه، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
стр. 3467
وقال : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
الثاني: الذكر اللساني.
وهو ذكر الله باللسان، كقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتلاوة القرآن، وأذكار الصلاة، وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان بإحسان، ثم ذكر القلب بأنه يكون في نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، وهذا النوع من الذكر عظيم جدًا؛ لأنك تتفكر في عظمة الله، وسلطانه، وجبروته، وإحسانه، وثوابه، وعقابه، خائفًا منه، راجيًا له: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
وآثار ذكر الله كثيرة، فالمؤمنون إذا سمعوا ذكر الله وجلت قلوبهم، وخافت، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكذلك المؤمنون إذا سمعوا ذكر الله، اطمأنت قلوبهم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
стр. 3468
فالطمأنينة تعتلى قلوب المؤمنين إذا سمعوا ذكر الله، لأن صدورهم انشرحت لمعرفة الحق، واطمأنت به، ومع هذا يخافون من الله، لما يرون من عظمته، وجبروته، وجلاله، ويخافون ألا يتقبل منهم أعمالهم، لما يعتريها من النقص ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].
لهذا لا يتكلون على أعمالهم، بل يتوكلون على ربهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
أما الكفار فإذا ذكر الله عندهم اشمأزت قلوبهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥].
أنواع الذكر:
الله أمرنا بالإكثار من ذكره كمًا، وكيفًا، ليلًا، ونهارًا، مكانًا، وزمانًا، وعلمنا الله، ورسوله كيفية الذكر، وأنواعه، ومقاديره، والذكر أوسع أبواب العبادات، فهو مسنون كل وقت، وكان ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
• وأنواع الذكر ثلاثة:
الأول: ذكر أسماء الله، وصفاته، ومعرفة معانيها، والثناء على الله بها، والتعبد لله بها.
الثاني: ذكر آلاء الله، ونعمه، وإحسانه إلى عباده.
الثالث: ذكر الأمر، والنهي، والحلال، والحرام، والوعد، والوعيد.
стр. 3469
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
و ذكر الله يكون بثلاثة أشياء:
بالقلب .. واللسان .. والجوارح.
فذكر الله بالقلب هو: التفكر في عظمة أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، وآلائه، وإحسانه، وآياته، ونحو ذلك: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
أما الذكر باللسان هو: كل قول يقرب إلى الله من التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 3470
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وكذا ذكر الله بأنواع الأذكار والأدعية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وأما الذكر بالجوارح فهو كل فعل يقرب إلى الله من أنواع العبادات، كالصلاة، والزكاة، ونحوها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
• فذكر الله أنواع كثيرة:
١ - ذكر الله بأسمائه، وصفاته، والثناء عليه بها.
٢ - ذكر الله بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل.
٣ - ذكر الله بأحكامه، وأوامره، ونواهيه.
٤ - ذكر الله بمعرفة أقداره الكونية.
٥ - ذكر الله بكلامه، بتلاوة كتابه العظيم، وهو أفضل الأذكار.
٦ - ذكر الله بالدعاء، والاستغفار، والذكر، والتضرع.
وأسعد الناس بهذه الأذكار، أهل العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].