← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محروم أبدًا، فليس العطاء، والمنع المادي، دليل على رضا الله عن العبد، بل رضاه سبحانه مقرون بعبادته وحده لا شريك له، وطاعته، وطاعة رسوله. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢١]. ولا سعادة للإنسان أبدا إلا بالإيمان بالله، ودوام ذكره، والعمل بشرعه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وهذه النفوس المؤمنة، تعود إلى ربها يوم القيامة، راضية مرضية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. • وذكر الله ينقسم إلى قسمين: ذكرٌ نفساني .. ذكرٌ لساني. الأول: الذكر النفساني أن تذكر ربك العظيم في نفسك من غير كلام، فتذكر في نفسك عظمة ربك، وكبريائه، وكماله، وجلاله، وتذكر فضله، ونعمه، وإحسانه، وتذكر ثوابه، وعقابه لاستدامة تعظيم الله والتضرع إليه، والخوف منه، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].

стр. 3467

وقال : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. الثاني: الذكر اللساني. وهو ذكر الله باللسان، كقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتلاوة القرآن، وأذكار الصلاة، وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان بإحسان، ثم ذكر القلب بأنه يكون في نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، وهذا النوع من الذكر عظيم جدًا؛ لأنك تتفكر في عظمة الله، وسلطانه، وجبروته، وإحسانه، وثوابه، وعقابه، خائفًا منه، راجيًا له: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨]. وآثار ذكر الله كثيرة، فالمؤمنون إذا سمعوا ذكر الله وجلت قلوبهم، وخافت، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وكذلك المؤمنون إذا سمعوا ذكر الله، اطمأنت قلوبهم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].

стр. 3468

فالطمأنينة تعتلى قلوب المؤمنين إذا سمعوا ذكر الله، لأن صدورهم انشرحت لمعرفة الحق، واطمأنت به، ومع هذا يخافون من الله، لما يرون من عظمته، وجبروته، وجلاله، ويخافون ألا يتقبل منهم أعمالهم، لما يعتريها من النقص ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١]. لهذا لا يتكلون على أعمالهم، بل يتوكلون على ربهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. أما الكفار فإذا ذكر الله عندهم اشمأزت قلوبهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥]. أنواع الذكر: الله أمرنا بالإكثار من ذكره كمًا، وكيفًا، ليلًا، ونهارًا، مكانًا، وزمانًا، وعلمنا الله، ورسوله كيفية الذكر، وأنواعه، ومقاديره، والذكر أوسع أبواب العبادات، فهو مسنون كل وقت، وكان ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. • وأنواع الذكر ثلاثة: الأول: ذكر أسماء الله، وصفاته، ومعرفة معانيها، والثناء على الله بها، والتعبد لله بها. الثاني: ذكر آلاء الله، ونعمه، وإحسانه إلى عباده. الثالث: ذكر الأمر، والنهي، والحلال، والحرام، والوعد، والوعيد.

стр. 3469

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. و ذكر الله يكون بثلاثة أشياء: بالقلب .. واللسان .. والجوارح. فذكر الله بالقلب هو: التفكر في عظمة أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، وآلائه، وإحسانه، وآياته، ونحو ذلك: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. أما الذكر باللسان هو: كل قول يقرب إلى الله من التهليل، والتكبير، والتسبيح، والتحميد، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].

стр. 3470

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وكذا ذكر الله بأنواع الأذكار والأدعية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وأما الذكر بالجوارح فهو كل فعل يقرب إلى الله من أنواع العبادات، كالصلاة، والزكاة، ونحوها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. • فذكر الله أنواع كثيرة: ١ - ذكر الله بأسمائه، وصفاته، والثناء عليه بها. ٢ - ذكر الله بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل. ٣ - ذكر الله بأحكامه، وأوامره، ونواهيه. ٤ - ذكر الله بمعرفة أقداره الكونية. ٥ - ذكر الله بكلامه، بتلاوة كتابه العظيم، وهو أفضل الأذكار. ٦ - ذكر الله بالدعاء، والاستغفار، والذكر، والتضرع. وأسعد الناس بهذه الأذكار، أهل العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].

стр. 3471

وقال : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وتذكير الناس بالدين له ثلاث حكم: الأولى: إبراء ذمة المذكر، كما قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٤]. الثانية: رجاء النفع لمن يوعظ بها. قال : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]. وقال : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى: ٩]. وبين الله هاتين الحكمتين بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ [الأعراف: ١٦٤]. الثالثة: إقامة الحجة على الناس، كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 3472

٢ - الخزانة الثانية • أفضل الذكر: أفضل الذكر كلمة التوحيد لا إله إلا الله، أما الأسماء المضمرة، التي وردت في كلمة التوحيد فهي ثلاثة: أنا، وأنت، وهو. وأعرف هذه الضمائر أنا؛ لأن كل أحد يشير به إلى نفسه، وأوسطها أنت؛ لأنها خطاب للغير بشرط كونه حاضرًا، وأدناها هو؛ لأنه يدل على الغائب. وكلمة التوحيد جاءت في القرآن بكل واحدة من هذه الألفاظ الثلاثة. ١ - فلفظ " أنا " جاء في سورة طه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، وغيرها من الآيات. ٢ - " وأنت " جاء في قوله سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]. ٣ - ولفظ " هو " جاء في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].، وغيرها. فقول لا إله إلا أنا، لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله، أو من يذكره على سبيل الحكايات عن الله؛ لأنه لا يعرف الله على سبيل التمام، والكمال إلا الله وحده لا شريك له. والثانية: لا إله إلا أنت، فهذه يصح ذكره بها من العبد، بشرط أن يكون حاضرًا لا غائبا، وذلك عند حضوره عند المناجاة، وغيبته عما سوى الله.

стр. 3473

والثالثة: لا إله إلا هو، فهذه يصح ذكر الله بها من الغائبين، ودرجات الحضور بين يد الله مختلفة بالقرب، والبعد، وكمال التجلي، ونقصانه، وكل درجة من درجات الحضور ناقصة، فهي غيبة بالنسبة للدرجة الكاملة. ومن جاهد شاهد، ومن شاهد صدق، ومن صدق أفلح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. ويحصل ذلك كله بالمداومة على ذكر الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. والعبد إذا دخل على الملك المهيب، والسلطان القاهر، ووقف بعينه، وعقله على كمال تلك المهابة، والعظمة، حضر بكليته بين يديه، وصار غافلًا عن كل ما سواه، وهكذا يجب على العبد أن يقف بين يدي ربه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وأفضل الذكر، ذكر الله بالثناء الجميل، الخالي عن السؤال، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ " أَلَا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعمالِكُم، وأَزْكاها عِنْدَ

стр. 3474

مَلِيكِكُم، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهُم، ويَضْرِبوا أعْناقكُم؟!، قالوا: بَلَى، قال: ذِكْرُ اللهِ" أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد (١). فإن الفقير إذا قال للغني: يا كريم، فإنما يريد إكرامه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والمقصود من جميع الطاعات، والعبادات، استدامة ذكر الله، ومن ذكر الله كثيرًا، أطاعه، ولم يعصه، وأحبه، وحمده، وشكره: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. والحق سبحانه يرغب الخلق، ويدعوهم إلى الطاعات، بمضاعفة أجورها، فتارة يجعل ثمن الطاعة عشرة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وتارة بسبعمائة ضعف، كما قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].

стр. 3475

وتارة يضاعفها أضعافًا كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وتارة يعطيها للعبد بغير عمل، فيعطى الله المؤمنون أجور عظيمة من لدنه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. وتارة يعطي الرب الأجر بغير حساب، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وتارة يضاعف الكريم بحسب الأزمنة: كرمضان، وليلة القدر، وأيام عشر ذي الحجة، وساعة الجمعة، ونحو ذلك. وتارة يضاعف حسب الأمكنة: كصلاة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وبيوت الله . والمقصود الأصلي من الكل جذب المكلف إلى الطاعة، وصرفه عن الاشتغال بالدنيا، وتوجيهه لعبادة ربه وحده لا شريك له، وحسن التوكل عليه، والاستغناء به عمن سواه ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].

стр. 3476

• حكمة الأذكار: المقصود من جميع الأدعية، والأذكار، وأنواع العبادات، والطاعات، هو حصول اليقين في القلب على ذات الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأنه بيديه كل شيء، وغيره ليس بيده شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وكذا حصول اليقين على دينه، وشرعه، وعلى وعده، ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فقوله لا إله إلا الله يزيد الإيمان في القلب، ودعوة لا إله إلا الله تزيد الإيمان في القلب، وتدمر الباطل في قلب الذي تكلم بها، وفي قلب من يسمعه، لهذا اليقين المطلوب، هو اليقين على ذات الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ودينه، وشرعه، وفقدان رؤية غير الله من القلب، فالذي يرى غير الله يفعل كالذي يمشي خلف السراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩]. فالله بيده ملكوت كل شيء، وغير الله ليس بيده شيء، هو-سُبْحَانَهُ-فعال لما يريد، يفعل ما يشاء بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].

стр. 3477

فالخوف، والأمن مثلًا بيد الله وحده لا شريك له، وأسباب الأمن، أو الخوف لا تخلق ذرة من الأمن، أو الخوف؛ لأن الأمن بيد المؤمن سبحانه، والخوف كذلك بيد الله وحده، وإبراهيم ﷺ ليس عنده من أسباب الأمن، والنجاة شيء، ونمرود، وجنوده عندهم كل أسباب الأمن الحسية، لكن الأمن بيد المؤمن ﷻ يؤمن به من يشاء من عباده ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. فقوة لا إله إلا الله أعظم سهم في كبد الجاهلية؛ لهذا أمر الله بالإكثار من ذكره، حتى يرسخ في القلب أن القوي هو الله، والكبير هو الله، والعزيز هو الله، والغني هو الله، والقادر وحده هو الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. • وأنواع الذكر ثلاثة: الأول: الذكر باللسان فيما بين العبد، وربه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. الثاني: الذكر باللسان فيما بين الناس بالدروس العلمية، التي يعلم فيها العلماء أحكام الشريعة: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال النبي ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ

стр. 3478

فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». متفق عليه (١). وقال ﷺ : «مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ، وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ». أخرجه البخاري (٢). الثالث: الذكر الاجتماعي، والذكر الاجتماعي يكون بالذهاب إلى الناس؛ لدعوتهم إلى الله، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر: «وَمِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أخرجه البخاري (٣). قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ونحن نعرف الأول: الذكر باللسان فيما بين العبد، وربه. ونعرف الثاني: الذكر باللسان فيما بين الناس بتعليمهم أحكام الشريعة. أما الثالث: وهو الدعوة إلى الله، فأصحابه قليل، وهذا أعظم أنواع الذكر، وبه يرفع الله البلاء عن البشرية. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١٧]. فهذه أنواع الذكر، الذكر اللساني، الذكر الاجتماعي، والذكر اللساني، والذكر التعليمي، والذكر الدعوي، والداعي كالنحلة تسكن في أعلى مكان،

стр. 3479

وتأكل أحسن أكل، وتطعم أحسن طعام، فالنحل تسكن في الجبال، والأماكن العالية، والداعي الذي يدعو إلى الله، ويخرج في سبيل الله، يسكن بيوت الله، أو بيوت الصالحين، والداعي لا يأكل إلا الحلال، وكذا النحل يأكل من كل الثمرات الطيبة، والنحل تسلك أحسن الطرق، وتأتي بالعسل، فيسلك سلك ربك زللا، فالنحل تسلك أحسن الطريق، وتأتي بالعسل الذي ينفع الناس، وكذا الداعي يمشي في الناس؛ لينشر الهداية، وينفع الناس: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. • الإنسان بين الذكر والنسيان. النسيان من طبيعة البشر، فلا آثم على ناس فمن نسى مأمورًا به شرعًا، فلا يسقط بنسيانه مع إمكان التدارك؛ لأن مقصود الشرع تحسين المصلحة للعباد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فمن نسى من حقوق الله شيئا كصلاةٍ، أو صومٍ، أو حجٍ، أو عمرة، أو نسى من حقوق العباد كدين، أو حق، أو قصاص، أو نذر، أو زكاة، أو صدقة، أو غير ذلك من حقوق الله، وحقوق عباده، فهذا له حالتان: الأولى: إن كان ما نسى لا يقبل التدارك كالجهاد، والجمعة، وصلاة كسوف، فهذا يسقط وجوبه بفواته. الثانية: إن كان ما نسيه يقبل التدارك وجب تداركه على الفور لأن تعجيله مسارعة إلى الخيرات، ومبادرة إلى قضاء الديون سواء كان من حقوق الله

стр. 3480

كصلاة، وزكاة، وصيام، والحج، والنذر، و الكفارات، أو كان من حقوق العباد كالديون، والنفقات، والحقوق الواجبة لأن الله يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. ولمن نسى أن هذا الفعل محرم حالتان: الأولى: أن يكون المنسي من محرمات العبادة كالكلام، والفعل الكثير في الصلوات، وارتكاب محظورات الإحرام، وملهيات الصيام، والاعتكاف، فهذا يسقط أثمه من غير بدل، ومن صلى ناسيًا طهارة الحدث لم تصح صلاته لأنه نسي مأمور به، فلا أثم عليه لكن عليه إعادة الصلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، والطهارة يمكن تداركها كما قال النبي ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» أخرجه البخاري (١). وإنما وجب تدارك المأمورات إذا ذكرت؛ لأن أغراض تحصيل مصلحتها وهو ممكن فالإنسان محتاج إلى وجود هذه العبادات. الثانية: ألا يختص التحريم بالعبادة، فيسقط أثمه، ويجب ضمانه كمن باع طعامًا ث نسي بيعه، فأكله، أو باع جاريته، فنسى بيعها، فوطأها، فهذا لا أثم عليه في ذلك، ويلزمه ضمان ما أتلفه من منافع لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ومن حلف بالله على شيء كطلاق أو عتاقٍ ثم فعل ما حلف عليه ناسيًا حلفه، فلا أثم عليه، ولا حنث عليه. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا

стр. 3481

مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فكل صلاة وجب أدائها كالصلوات الخمس والجمعة، فترك العبد متعمدًا لغير العذر، فلا يجب قضائها، وكذا كل عبادة واجبة من صلاة، أو صيام إذا تعمد تركها، فلا يلزمه القضاء؛ لأن القضاء ورد في الناسي والنائم، وهما معذوران، والمتعمد غير معذور كما قال النبي ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» أخرجه البخاري (١). والصلاة، والصوم، وسائر العبادات إكرام من الله لعبده، فمن رفضه لا يقضيه لكن يجب عليه التوبة فورًا من ترك أمر الله العظيم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. وقال لله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. وقال لله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].

стр. 3482

٣ - الخزانة الثالثة • آداب مجالس الذكر. مجالس الذكر هي التي يذكر فيها الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ويذكر فيها دينه، وشرعه، ويذكر فيها، وعده، و وعيده. مجالس الذكر هي التي يكبر الله فيها، ويعظم، ويحمد، ويشكر. • ولمجالس الذكر آداب، ومن هذه الآداب: الأول: أن يجلس المسلم في مجالس الذكر بالتعظيم لله والتعظيم لكلامه، وكلام رسوله ﷺ والحب لله ولرسوله ﷺ والحب لكلام الله، ورسوله ﷺ والرغبة في تعلم العلم، والخير، والهدى، والتواضع، والافتقار، وهذا كله عبادة من العبادات قال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (١). ثانيًا: أن نستحضر ونتعلم فضائل مجالس الذكر: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال لله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين وقال النبي ﷺ : «إذا مررتم برياضِ الجنةِ فارتعوا، قيل: يا رسولَ اللهِ وما هي رياضُ الجنةِ؟ قال: حلَقُ الذكرِ» أخرجه الترمذي وأحمد وأبو يعلى (٢).

стр. 3483

فمجالس الذكر، والعلم، والهدى أفضل المجالس: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. الثالث: في مجالس العلم، والذكر نسأل الله العليم أن يعلمنا ما ينفعنا، و أن ينفعنا بما علمنا، ونسأل الهادي أن يهدينا لما يحبه، ويرضاه، ونسأل الوهاب أن يهبنا من العلم ما يهدينا إليه، ويقربنا منه، وأن يهبنا من العمل ما يوافق سنة الرسول ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. رابعًا: نسمع الكلام عن الله، وعن دينه، وعن شرعه بنية التعلم، وبنية العمل به، ونية الدعوة إليه، وتعليمه الناس؛ لنعبد الله عن بصيرة، ونرفع الجهل عن أنفسنا، وعن غيرنا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. وقال لله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال لله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال لله : ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].

стр. 3484

وقال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» أخرجه البخاري (١). خامسًا: في حلقات، ومجالس الذكر نستحضر أن الله يرانا، وهو أول السامعين لنا: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. وكذلك نستحضر الملائكة الذين حضروا معنا في حلقات التعليم، والذكر، فنوقرهم، ونحترمهم، كما قال النبي ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ و حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أخرجه مسلم (٢). ونستحضر عظيم الأجر وذكر الله لنا كما قال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (٣). وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. سادسًا: أن نخلص العمل لله عبادةً، أو دعوةً، أو تعليمًا، أو إحسانًا إلى الخلق: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ

стр. 3485

مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وقال لله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. • أحكام الأذكار: ذكر الله من أيسر العبادات، وأسهلها، وأجلها، وأفضلها، فحركة اللسان أخف حركات الجوارح، وذكر الله ﷻ مشروعٌ في جميع الأوقات، وأفضلهم ما كان مصحوبًا بحضور القلب، وقد رتب الله عليه من الفضل، والعطاء ما لم يرتب على غيره من الأعمال. فذكر الله من أعظم العبادات التي أمر الله بها عباده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وقال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وكل فريضة من صلاة، وصيام، وغيرها جعل الله لها حدًا معلومًا، ووقتًا معلومًا، وعذر أهلها عند عدم القدرة عليها إلا الذكر، فلم يجعل الله له حدًا معلومًا، ولا وقتًا معلومًا، ولم يعذر أحد في تركه إلا من كان مغلوبًا

стр. 3486

على عقله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. • وكل مؤمن مكلف بأمرين: الذكر .. والشكر. كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقد قدم الله الذكر على الشكر لأن الذكر اشتغالٌ بذكر الله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والشكر اشتغالٌ بشكر نعم الله، وإذا أحب الله عبدًا أكرمه بكرامتين: الأولى: أن يلهمه ذكره؛ ليذكره ربه في ملكوت السماء، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ». متفقٌ عليه (١). الثانية: أن يعصمه عن المحرمات، والتعلق بالدنيا؛ لئلا يغضب عليه ربه ويحل بيه عقوبته، كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].

стр. 3487

قال عن يوسف ﷺ : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]. وقال : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨]. حكمة الإكثار من ذكر الله : ذكر الله يفيد العبد فائدتين عظيمتين: الأولى: طمأنينة القلب؛ لأن المخلوق محتاج إلى ربه في جميع أحواله، فمن آمن بالله أعطاه ربه ما يحبه، ومنع عنه ما يكره، فاطمئن قلبه. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وحاجات العباد غير متناهية، ولا يسد حاجة العباد إلا كريم قادر رحيم، وليس ذلك إلا الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ثانيًا: إزالة الظلمة البشرية، فالله نور السموات، والأرض، وكل ما سواه مظلم في ذاته، فكان ذكر الله يفيد وصول أنوار عالم الربوبية إلى باطن القلب، فتزول عن القلب ظلمات البشرية، وتشرق الروح الإلهي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].

стр. 3488

• أقسام الذكر. ذكر الله ثلاثة أقسام: ذكر الله باللسان، وذكر الله بالقلب، وذكر الله بالجوارح (البدن). • الذكر باللسان كقول العبد سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله وكالأذكار المطلقة، والمقيدة، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والنصيحة للمسلمين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠]. وقال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (١). • أما الذكر بالقلب فهو ثلاثة أنواع: الأول: أن يتفكر العبد في دلائل الوحدانية لله ودلائل وجمال أسماء الله، وصفاته، وأفعاله؛ ليأتي في قلبه حب الله، وتعظيمه، وشكره، وطاعته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 3489

الثاني: أن يتفكر في حسن الأحكام الشرعية من الأمر، والنهى، والحلال، والحرام، والثواب، والعقاب، والوعد، والوعيد؛ ليسهل عليه فعل الطاعات، وترك المعاصي، ويتم ذلك بالنظر في الآيات القرآنية، والسنة النبوية: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. الثالث: أن يتفكر في الآيات الكونية، وأسرار خلق الله في العالم العلوي، والسفلى، فيرى كل ذرة في المخلوقات دالة على وحدانية الله تسبح بحمده، وتشهد بوحدانيته، وجلاله، وجماله؛ ليعبد الله كأنه يراه بالتعظيم له، والذل له، والحب له، وهذا بحرٌ لا ساحل له: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. أما الذكر بالجوارح فهو أن تصير جوارح العبد مستغرقة في طاعة الله خالية من معاصي الله -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. فقوله تعالى " فَاذْكُرُونِي" يتضمن الأمر بجميع أنواع الطاعات، وقوله "أَذْكُرْكُمْ" يتضمن فضل الله في إعطاء جميع أنواع الكرامات، والخيرات من الثواب العظيم، والمقام الكريم، ورضوان رب العالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].

стр. 3490

وقال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب، واللسان والجوارح مقرون بالتضرع، والخوف، كما قال -سُبْحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. • وذكر الله في بدن الإنسان سبعة أنواع: ١ - فذكر اللسان بالحمد، والثناء، والاستغفار، والدعاء. ٢ - وذكر القلب بالحب، والخوف، والرجاء، والتعظيم لرب العالمين. ٣ - وذكر الروح بالتسليم، والرضا. ٤ - وذكر العين بالبكاء. ٥ - وذكر الأذنين بالإصغاء لوحي رب الأرض، والسماء. ٦ - وذكر اليدين بالبذل، والعطاء. ٧ - وذكر البدن بالجهد. والوفاء. قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 3491

ومن ذكر الله في الرخاء ذكره الله في الشدة، وأفضل الذاكرين الذي كل أحواله ذكر لربه، وذكرٌ لرسول رب العالمين إلى الخلق أجمعين ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. • صفة الذكر والدعاء: الأصل في الذكر، والدعاء هو الإصرار به، والجهر في الذكر، والدعاء يكون استثناء لا يكون إلا بما ورد به الشرع كالذكر بعد السلام في الصلاة، والتلبية، ونحوهما. ولا بد في مقام الذكر من رؤية صفات جلال الله، ورؤية صفات جماله؛ لتعظم مهابة الرب في القلب، ويزداد حب العبد لمولاه برؤية جلاله، وجماله، وعظيم نعمه، وإحسانه. • وخوف العباد من ربهم قسمان: الأول: خوف العقاب، وهذا مقام المبتدئين، فإن كل من خالف الأمر خشي أن تنزل به العقوبة، وخاف من ربه لأنه الذي يقول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. وقال : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. الثاني: خوف الجلال، وهذا مقام العارفين، وهو أكمل، فمن كان بالله اعرف كان منه أخوف، كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا

стр. 3492

وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وقال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]. قال الله تَعَالَى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. • خصائص الذكر: للذكر خصائص أربع هي: الأولى: الدوام كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨]. الثانية: كونه أكبر من كل شيء كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. الثالثة: الإكثار منه كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. الرابعة: الذكر بعد الذكر، فمن ذكر الله ذكره كما قال -سُبْحَانَهُ-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].

стр. 3493

٤ - الخزانة الرابعة • أحكام الأذكار: هدى النبي ﷺ في الذكر: النبي ﷺ أكمل الخلق ذكرًا لله ، فكان يذكر الله في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، فكلامه ﷺ كله في ذكره الله، وما مولاه، وكان أمره، ونهيه، وتشريعه ذكرًا منه لله سبحانه، وكان أخباره ﷺ عن ربه في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه ذكرًا منه لربه، وكان حمده لربه، وتسبيحه، وتمجيده له، وثناء عليه، وسؤاله إياه، ودعائه، وخوفه منه، ورجاءه إياه ذكرًا منه لربه، فصلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. نبيٌ ذكى الله عقله، وقلبه، ولسانه، وجوارحه، وذكى الكتاب الذي أُنزل إليه، وذكي الرسول الذي نزل به عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم: ١ - ٦]. • فضائل ذكر الله تَعَالَى: قال الله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ الرعد: ٢٨ - ٢٩].

стр. 3494

وقال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». متفقٌ عليه (١). وعن ابن موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ». أخرجه البخاري (٢). وعن أبى هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ. قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ». أخرجه مسلم (٣).

стр. 3495

• فوائد ذكر الله : ذكر الله له فوائد عظيمة وكثيرة ومنها: أن ذكر الله يرضى الرحمن، ويطرد الشيطان، ويسهل الصعب، ويزيل الشر، ويذهب الهم، والغم عن القلب ويقوى القلب، و البدن، و ينور القلب، والوجه، ويجلب الرزق، ويذهب المخاوف، ويزيد الأمان، والطاعات وهو غراس الجنة. وذكر الله يحط الخطايا، ويذهبها، وينجى من عذاب الله، ويزيل الوحشة بين العبد، وربه ويرث ذكر الله لعبده، ومحبة الله، والأنس به، والإنابة إليه، والقرب منه. وذكر الله سبحانه يعطى الذاكر قوة، ويكسوه جلالة، ومهابة، ونظرة. وذكر الله سببٌ لنزول السكينة على الذاكرين غاشيًا الرحمة لهم، تحفهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده، ويباهي بهم الملائكة. ولذلك أمر الله بدوام ذكره، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٤]. وقال الله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ [مريم: ٧٦].

стр. 3496

الباقيات الصالحات كل عمل صالح يرضي الله من الأدعية، والأذكار، وسائر الطاعات، والعبادات، ومن ذلك: أولًا: سبحان الله: ومعناها تقديس الله، وتنزيهه عن العيوب، والنقائص، ونفى الشريك له في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، ونفى الشبيه له في أسمائه، وصفاته ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. ثانيًا: الحمد لله: ومعناها إثبات جميع المحامد لله فهو المحمود على كمال ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله وهو المحمود على إنعامه، وإحسانه، وهو المحمود على دينه، وشرعه، وعلى ثوابه، وعقابه. ثالثًا: لا إله إلا الله: ومعناها لا معبود بحق إلا الله، وهى تنفى العبادة عن جميع المخلوقات، وتثبتها لله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. رابعًا: الله أكبر: ومعناها إثبات صفات الجلال، والعظمة، والكبرياء عن الله وحده لا شريك له. خامسًا: لا حول ولا قوة إلا بالله: ومعناها أن الله وحده صاحب الحول، والقوة، فلا يغير الأحوال إلا الله ولا نتمكن من أي عمل إلا بمعونة الله، ولا يحدث في الكون شيئًا إلا بإذن

стр. 3497

الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وقال الله : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]. • فضل دوام ذكر اللهَ تَعَالَى: قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وقال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠]. وقال : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨]. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيانه». أخرجه مسلم (١).

стр. 3498

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ؟ قَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ صحيح (١). عن أبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى». أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ صحيح (٢). • فضل مجالس الذكر: عن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أخرجه مسلم (٣). عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: " مَا أَجْلَسَكُمْ؟ "، فَقَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، قَالَ: " آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ "، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، فَقَالَ: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَلَكِنِّي أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ». أخرجه مسلم (٤).

стр. 3499

عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ». أخرجه مسلم (١). ذكر الله تعالى، والصلاة على نبيه في كل مجلس، قال اللهَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨]. وقال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. عن أَبِي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ». أخرجه أحمد، والترمذي بسندٍ صحيح (٢). عقوبة من أعرض عن ذكر الله : • من أعرض عن ذكر الله أصيب بأربعة عقوبات: الأولى: المعيشة الضنك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. الثاني: الاشتغال بالشهوات، و الإعراض عن عبادة الله، ومن أعرض عن الرحمن اقترن به الشيطان: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ

стр. 3500

لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧] وقال الله تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. الثالثة: نزول العذاب المستمر. قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٦ - ١٧]. وقال الله تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. وقال الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. رابعًا: الخسارة في الدنيا، والآخرة. قال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]. وقال الله تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].

стр. 3501

أنواع الأذكار: • الأذكار ثلاثة أنواع: أذكار الصباح والمساء .. الأذكار المطلقة .. الأذكار المقيدة. ١ - أذكار الصباح والمساء • وقت الأذكار: في الصباح: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وفي المساء: من دخول وقت العصر إلى غروب الشمس. والأمر فيها واسع لمن عرض له شغل، أو نسي، أو نام. قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ [الإنسان/ ٢٥ - ٢٦]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ، وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَومَ القِيَامَةِ بَأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيهِ». أخرجه مسلم (١). وفي لفظ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ في يَوْمٍ مِائةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَو كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ». متفق عليه (٢).

стр. 3502

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ في يَوم مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ». متفق عليه (١). وعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَني، وَأَنا عَبْدُكَ، وَأَنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لي إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَومِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيلِ، وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ». أخرجه البخاري (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كَانَ نَبِيُّ الله ﷺ إذَا أَمْسَى قَالَ: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ للهِ، وَالحَمْدُ للهِ، لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألُكَ مِنْ خَير هَذِهِ اللَّيلَةِ، وَخَيرمَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّمَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهرَم، وَسُوءِ الكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ القَبْرِ». وَإذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيضاً: «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ

стр. 3503

للهِ .. » الخ. أخرجه مسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَنْ قالها عشرَ مرَّاتٍ حين يصبح، كُتِبَ لَهُ بها مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ بها مِائَةُ سَيِّئةٍ، وَكَانَتْ لَهُ عَدْلَ رقبة، وحُفِظ بها يومئذٍ حَتَّى يُمْسِي، ومن قال مثل ذلك حين يُمْسِي كان له مثلُ ذَلِكَ». أخرجه أحمد (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن أبابكر الصديق ﵁ سأل النبي ﷺ ، قال: يا رسول الله علِّمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: «يا أبابَكْرٍ قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَليْكَهُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أقْتَرِفَ على نَفْسي سُوءاً أَوْ أَجُرَّهُ إلى مُسْلِمٍ». أخرجه البخاري في الأد ب المفرد والترمذي (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَصْبَحَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإلَيكَ النُّشُورُ»، وإذَا أَمْسَى قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإلَيكَ المَصِيرُ». أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود (٤).

стр. 3504

وعن ابن عمر ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يمسي، وحين يصبح: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألُكَ العَفْوَ وَالعَافيةَ في دِيني وَدُنيَايَ وَأَهْلي وَمَالي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتي، وَ آمِنْ رَوْعَاتي، وَاحْفَظْني مِنْ بَينِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِيني، وَعَنْ شِمَالي، وَمِنْ فَوقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١). وعن أبي عياش ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَانَ لَهُ عِدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ في حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ قَالَهَا إذَا أَمْسَى، كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢). وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلِّ يَومٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِاسْم الله الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأَرْضِ وَلا في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ». أخرجه الترمذي وابن ماجه (٣). وعن عبد الله بن أبزى ﵁ عن النبي ﷺ أنه كَانَ يَقُولُ إذَا أَصْبَحَ وَإذَا أَمْسَى: «أَصْبَحْنَا على فِطْرَةِ الإسْلامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإخْلاصِ، وَعَلَى

стр. 3505

دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ حَنيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المشْرِكِينَ». أخرجه أحمد والدارمي (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة: «مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوْصِيكِ بِهِ؟ أَنْ تَقُولي إذَا أَصْبَحْتِ وَإذَا أَمْسَيتِ: يَا حَيُّ يَا قيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لي شَأْني كُلَّهُ، وَلا تَكِلْني إلى نَفْسي طَرْفَةَ عَينٍ». أخرجه النسائي في الكبرى والحاكم (٢). وعن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ أنَّه كان له جُرْنٌ من تَمْرٍ فكان يَنقُصُ فحرسَه ذاتَ ليلةٍ فإذا هو بدابَّةٍ شِبْه الغُلامِ المُحتَلِمِ فسلَّمَ عليه فرَدَّ عليه¬ السلامَ فقال ما أنت جِنِّيٌ أمْ إنْسيٌ قال جِنِّيٌ قال فناوِلْنِي يدَك قال فناوَلَه يدَه فإذا يدُه يدُ كلبٍ وشَعرُه شَعرُ كلبٍ قال هذا خَلْقُ الجِنِّ قال قدْ عَلِمتِ الجِنُّ أنَّ ما فيِهم رجلًا أشدَ مِنِّي قال فما جاء بِكَ قال بلَغَنَا أنَّكَ تُحِبُّ الصَّدقةَ فجِئْنا نُصيبُ من طعامِك قال فما يُنَجِّينَا مِنْكُمْ قال هذه الآيةُ التِي في سورةِ البقرةِ ﴿﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. مَنْ قالَها حِينَ يُمسِي أُجِيرَ مِنَّا حتَى يُصْبِحَ ومَن قالَها حينَ يصبحُ أُجِيرَ مِنَّا حتى يُمسِي فلَمَّا أصبحَ أتَى رسولُ اللهِ ﷺ فذكر ذلكَ له فقال: صَدَقَ الخبيثُ». أخرجه الحاكم والطبراني (٣). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: مَنْ قَالَ إذا أصبح وإذا أمسى: حَسْبِيَ الله لا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، كَفَاهُ الله
следующие страницы →