٢ - الخزانة الثانية
• حكم رفع اليدين في الدعاء:
رفع اليدين عند الدعاء له ثلاث حالات:
الأولى: المسألة وهي أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، فتجعل باطنهما إلى السماء، وظهورهما إلى الأرض، وهذا في دعاء الرغبة؛ لأن الراغب كالمستطعم، وهذا أكثر الأحوال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثانية: الابتهال وهو أن تمد يديك جميعًا وترفعهما حتى يُرى بياض إبطيك فتجهل بطونهما مما يلي وجهك، وظهورهما مما يلي السماء، وهذا في دعاء الرهبة؛ لأن الراهب لأن المستجير المستعيذ الدافع، وهذا كما في صلاة دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، وخطبة الاستسقاء.
فعن أنس بن مالك قال: «كان النَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا عِنْدَ الِاسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْه». متفقٌ عليه (١).
وكان ﷺ يدعو أحيانًا بلا إشارة ولا رفع، والدعاء مشروع من الأدنى للأعلى، ومن الأعلى للأدنى، والداعي إذا دعا لغيره أثاب الله الداعي على دعائه، ونفع المدعو له بالدعاء، ولله المنة على الداعي، والمدعو له حيث نصب الله سبحانه لهم أسبابًا يرحمهم بها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
стр. 3537
لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
١ - والدعاء من الأعلى للأدنى كثير مثل قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
٢ - والدعاء من الأدنى للأعلى مثل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقال الله تعالى:: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وعامة أدعية القرآن من هذا.
فالخلق كلهم فقراء إلى الله سواء كانوا أنبياء أو غيرهم، فكل مخلوق مهما كان مطبوع على أربع صفات ضعيف فقير عاجز محتاج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فمن جعل أحد من الأنبياء أو غيرهم مستغنيًا عن مزيد الرحمة والرضوان وعلو الدرجات فهو جاهل بالله، ومن ظن أن دعاء الداعي للأنبياء وصلاته عليهم، أو صلاته على المؤمنين منة منه عليهم فهو جاهل، فإن الله يثيبه
стр. 3538
على عمله، وينفع من دعا له، ولله المنة على هذا وهذا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
أما حكم طلب الدعاء من الغير فيجوز للمسلم طلب الدعاء من الصالحين سواء كان لصالح المسلمين، أو لمصلحة نفسه فطلب الدعاء لمصلحة النفس كم قال الله عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢].
وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨].
وطلب الدعاء لمصلحة المسلمين كما طلب أحد الصحابة من النبي ﷺ أن يستسقي لهم السماء، فدعا الله لهم فمُطِروا.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فبينما رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ؛ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أن يسقنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه وما في السماء قزح قال: فطار صحابي أمثال الجبال المطر ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ قال: فمُطرنا يومنا ذلك، وفي الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، قام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا يُشِيرُ بِيَدِهِ
стр. 3539
إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ حَتَّى صَارَتْ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ حَتَّى سَالَ الْوَادِي وَادِي قَنَاةَ». متفقٌ عليه (١).
فقه الدعاء:
الدعاء من العبد لربه ينقسم إلى قسمين:
دعاء العبادة .. ودعاء المسألة.
أما دعاء العبادة فهو أن يقوم الإنسان بعبادة ربه، وهذه العبادة متضمنة للدعاء سواء إن كانت صلاة أو ذكرًا أو دعًا، وأما دعاء المسألة فهو أن يسأل العبد ربه شيئًا فيقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
أو يقول: يا رحمن ارحمني، ويا رزاق ارزقني ونحو ذلك.
وهذا الدعاء كذلك عبادة لما فيه من صفة التوجه إلى الله تعالى، والاعتراف بفضله والله تعالى كريم رحيم يستجيب لمن دعاه، والاستجابة في دعاء العبادة هو قبوله، والاستجابة في دعاء المسألة إعطاء الإنسان مسألته وهذا وعد من الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
ودعاء الله له شروط:
الأول: الإخلاص لله في الدعاء بأن تدعوه وحده لا شريك له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
стр. 3540
الثاني: الإخلاص لله في المسألة بأن تدعو الله وتشعر بأنك بحاجة إليه، وغنيًا عنك، وأنه قادر على إعطاءك، وأنه القادر على إعطاءك وحده دون سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثالث: أن يكون الدعاء لا عدوان فيه، فإن كان فيه عدوان فإن الله لا يقبله؛ لأن الله لا يحب المعتدين كما لو سأل الإنسان ربه شيئًا محرمًا، أو سأل ما لا يمكن حسًا كان أن يطلب ولد وهو لم يتزوج، أو سأل ما لا يمكن شرعًا كان يقول: اللهم اجعلني نبيًا، أو دعا على مظلوم فهذا وأمثاله كله دعاء لا يُقبل لأن فيه عدوان: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
الرابع: اليقين على ربه، أن يدعو الله وهو موقن بالإجابة، فإن دعوت ربك وأنت شاك من إجابته فإنه لا يقبل منك، ولا يستجيب دعاءك.
الخامس: اجتناب الحرام فمن أكل الحرام ربًا أو غشًا أو كذب لا يُستجاب دعائه ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وأجمع الدعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
وقد كان الرسول ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ومن ذلك قول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
стр. 3541
فجوامع الدعاء أبلغ في العموم والشمول والنفع ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
يشمل كل حسنات الدنيا زوجة صالحة، وعيشة هنية، ومسكن واسع، ومركب مريح مع الإيمان والتقوى والعمل الصالح: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
يشمل كل حسنات الآخرة من الحساب اليسير، وإعطاء الكتاب باليمين، والمرور على الصراط بسهولة، والشرب من حوض النبي ﷺ ، ورؤية الرب وسماع كلامه، والقرب منه ودخول الجنة وغيره ذلك من حسنات الآخرة: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
نجنا من عذاب النار بقبول توبتنا من الذنوب الموجبة بدخول النار، وقبول طاعتنا التي تكون سببًا لدخول الجنة.
ولأهمية هذا الدعاء كان النبي ﷺ يختم به أشواط الطواف بالبيت، فيقول بين الركن اليماني والحجر الأسود في ختام كل شوط: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
والدعاء للمؤمنين بظهر الغيب بدون وصية أو طلب منهم من سنن الرُسل وأتباعهم، وهي تدل على محبة الداعي لإخوانه المؤمنين، وأنه يحب لهم كما يحب لنفسه من الخير، وذلك من مقتضيات الإيمان الذي يُوجب الأخوة والمحبة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 3542
وقال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤٠ - ٤١].
وقال نوح ﷺ : ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨].
وقال النبي ﷺ : «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ». أخرجه مسلم (١).
• أقسام الدعاء:
الدعاء هو الطلب من المدعو جلب نفع، أو دفع ضر.
• والدعاء نوعان:
الأول: دعاء عبادة من يتعبد للمدعو طلبًا لثوابه أو خوفًا من عقابه وهذا لا يصح لغير الله، وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج من الملة، ومُوجب للعذاب في الآخرة لما فيه من الإعراض بالكفر والاستكبار ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
الثاني: دعاء المسألة وهو دعاء طلب الحاجات.
• وهذا الدعاء ثلاثة أقسام:
الأول: دعاء الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وهذا لا يجوز إلا لله ومن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء إن كان المدعو حيًا أو ميتًا كطلب الشفاء من مخلوق: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
стр. 3543
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
الثاني: دعاء الحي فيما يقدر عليه كأن يقول: يا فلان اسقني ماءًا فهذا جائز لا شيء فيه.
الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فهذا شرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يقدر أن يقوم بسقيه الماء، و دعاء غيره دليل على اعتقاده أن له تصرف في الكون مع الله وهذا ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
والدعاء هو العبادة وهو من أعظم مقامات العبودية، والمقصود من الدعاء إظهار العبودية والذلة والمسكنة لله، والانكسار بين يدي الله بالكلية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وإذا دعا العبد ربه أجابه ربه إلى ما فيه مصلحة العبد بحكمته، فإما أن يُعطى سُؤله، أو يُعطى سكينة في نفسه، أو يعطى انشراح في صدره.
стр. 3544
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ لَا تُرَدُّ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ تُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُصْرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِقَدْرِ مَا دَعَاهُ» أخرجه الترمذي (١).
والله سبحانه عليم خبير لا يقضى لعبد إلى ما هو خير له في دينه ودنياه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والله سبحانه وعد بالإجابة فإذا استجاب ولو في الآخرة كان الوعد صدقًا، والله سبحانه كريم أجاب دعاءك أيها العبد مع كمال غناه عنك، فكن مجيبًا لدعائه وأمره مع أنك محتاج من كل الوجوه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وإجابة الله لدعاء العبد فضلًا منه ابتداءً وغير مُعلل بطاعة العبد، والإجابة من العبد لله الطاعة، والإجابة من الله لعبده إعطائه مطلوبه ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 3545
٣ - الخزانة الثالثة
فضل الذكر والدعاء:
أمر الله عباده بكثرة الذكر والاستغفار والتسبيح خاصة في العبادات الكِبار كالصلاة والصيام والحج، ففي الحج أمر الله بذكره بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
ثم بين سبحانه أنه يجب على الناس ذكر الله كذكر الآباء وبل أشد؛ لأنه مفاخر الآباء قليلة أما صفات الرب ﷻ فهي غير متناهية، فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠].
فبعد الذكر يكون الدعاء بعد كسر النفس، وإزالة ظُلماتها وتنوير القلب بالذكر والدعاء إنما يكمُن إذا كان مسبوقًا بالذكر: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].
стр. 3546
• والذين يدعون الله فريقان:
الأول: من دعائه مقصور على طلب الدنيا.
والثاني: من طلب في دعائه بين طلب الدنيا وطلب الآخرة.
أما طلب الآخرة وحدها فغير مشروع؛ لأن الله خلق الإنسان محتاجًا ضعيفًا فقيرًا لا طاقة له بآلام الدنيا، ولا بمشاق الآخرة، فالأولى له أن يطلب من ربه ما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويستعيذ بالله من شرور الدنيا والآخرة فيقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
فكل مخلوق لا يستغني عن إمداد وعطاء ربه في الدنيا والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فلو سلط الله الألم على العبد عرق واحد أو منبت شعرة واحدة في البدن تشوش الأمر على الإنسان وصار محرومًا من الأنس بذكر الله والاشتغال بطاعته، فالإنسان لا يستغني عن ربه أبدًا في الدنيا والآخرة، والحسنات كثيرة سواء إن كانت مادية كالصحة والمال والولد الصالح والزوجة الصالحة، او كانت روحية كالأمن والإيمان والطاعات: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وأعظم الحسنات في الدنيا الإيمان، والعمل الصالح، وعلم الحسنات في الآخرة دخول الجنة ورضوان الرب ورؤيته.
اللهم ربنا أتنا في الدنيا حسنة في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
والكريم سبحانه يقول للأولياء عند الحساب بعد أخذ الكتب: هذه سيئاتكم قد عفوت عنها، وهذه حسناتكم قد ضاعفتها لكم كما في الحديث القدسي أن الله يقول: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ
стр. 3547
ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». أخرجه مسلم (١)
ويكون ذلك يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وإذا تيقن العبد انه عبد محتاج إلى من خلقه وحده لا شريك له فدعاه مضطرًا استجاب الله دعاءه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥].
ومن أراد أن يستجيب الله دعائه فليستجيب إلى طاعة منهج من يدعوه إن كان يُحب أن يستجيب الله دعائه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
ويستجيب الله دعاء من دعاه إذا كان مُؤهلا للإجابة بإخلاص الدعاء لله وحده: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
فإذا دعا العبد غير قادر على الوفاء فليس الله مسئولًا على إجابته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ [الأعراف: ١٩٤].
وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ
стр. 3548
وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
فمن استجاب لله استجاب الله له، وأجابه لما طلب: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
روح الدعاء: الإنسان يدعو ربه؛ ليطلب منه جلب خير، أو دفع شر، ولا يعلم ذلك إلا الله، فالله قد يمنعك ما تراه خيرًا؛ لأنك ظننت أنه خير، وهو شر عند الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
والله سُبْحَانَهُ كريم لا يرد سائلا أبدًا، فمن دعاه مخلصًا، أجابه بعطاءٍ، أو منع، وذلك هو الخير، فقد يكون الخير بعد السؤال أن تُعطى، أو قد يكون أن تُمنع ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
وروح الدعاء هو: الانكسار بين يد الله، والتضرع إليه في كل حال، فهذا هو مقصود الدعاء، أما إجابة الدعاء فهي مضمونة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والله سُبْحَانَهُ يجيب المضطر إذا دعاه بعد أن يستنفد الأسباب التي يقدر عليها كإنسان، والتي أمر الله بفعلها: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
стр. 3549
فمن جعل حظه من الدعاء الإجابة، فهو أحمق؛ لأن الحكمة من الدعاء العبادة، وإظهار التذلل، والانكسار بين يدي الله، فالله قد يبتليك ببلاء؛ ليظهر منك عبودية الدعاء، لمن يقدر على رفعه، ولمن يملك القدرة على إزالته: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقد يجيب الله العبد، فيعطيه ما سأله؛ ليبين له أنه لو لم يُجب، لكان أحسن، وإذا كان جهاز الداعي ملوثًا بالمحرمات، التي نهي الله عنها، فمن الحكمة ألا يجاب.
عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَاسْ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك». أخرجه مسلم (١).
فغشيان المحرمات مانع من إجابة الدعاء، وقد يمنع الله عنك الإجابة؛ لأنه سُبْحَانَهُ يريد أن يعطيك من خير الآخرة، فيمنعك خير الفانية، ليعطيك خير منه في الباقية، وقد يجيب الله أحيانًا دعوة من لا يحب، فيأمر جبريل فيعطيه؛ لأن الله لا يحب أن يسمع صوته، وقد يمنع أحيانًا إجابة الدعوة، ويؤخرها؛ لأن الله يحب سماع صوت هذا العبد الصالح، وتضرعه، فمن
стр. 3550
عباد الله من يحب الله دعائهم، فيبتليهم؛ ليقولوا: يا رب، يا رب: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧].
ومن استجاب الله له فيما أمره به، قنع بما قدره الله عليه، عما يطلبه منه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فربط العبد بربه، ربط العبد بربه بحبس حاجته عند إشعاره بحب الله له، وأنسه بصوته، فإبراهيم ﷺ لما أُلقي في النار، لم ينكر حاجته، لما قال له جبريل: ألك حاجة؟، لم يستكبر على البلوى، فقال: أما إليك فلا، أما إلى الله فبلى، فرأى الله أقرب إليه من جبريل، فقال جبريل: سله، فقال: علمه بحالي يغني عن سؤالي: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود: ٦١].
وشأن العبد في كل حال الافتقار، والتذلل، وشأن الرب سُبْحَانَهُ الجلال والإكرام: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
وآدم عصى ربه، وإبليس عصى ربه، لكن معصية آدم كانت عن ضعف، معصية شهوة لا عن كبر، فتاب، فتاب الله عليه، ومعصية إبليس كانت عن كبر: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
стр. 3551
فرب طاعة أورثت استكبارًا، وغرورًا، كما حصل من إبليس، فإنه كان من العباد، وأغتر بعبادته.
ورب معصية أورثت ذلًا، وانكسارًا، وتوبة، كما حصل من آدم ﷺ ، فمعصية آدم عن ضعف، ومعصية إبليس عن استكبار، ولهذا تاب الله على آدم، وجعله خليفة في الأرض، وطرد إبليس، ولعنه.
• حكمة الدعاء:
الدعاء هو العبادة، والدعاء يقبله الله تعالى إذا أظهر العبد لربه كمال الافتقار والذل له، وأعظم الناس افتقارا لربه سيد الخلق محمد ﷺ ، الذي وقف في العريش يوم بدر يناجي ربه ويقول عن أصحابه: اللهم إنهم جياع فأطعمهم وحفاة فاحملهم وعراة فاكسهم، اللهم نصرك الذي وعدتني، فنصره الله حيث لا عدد ولا عدة،، كما قال الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وكلما افتقر العبد إلى ربه كلما مرغ وجهه في التراب بين يديه، وكلما وقف أمام ربه مفتقرا ذليلًا، غمره ربه بالعطاء رفع ذكره وأغزه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وكلما قال العبد أنا ونحن وعندي ولي كلما خذله الله ففي بدر أظهر الرسول ﷺ وأصحابه الافتقار فنصرهم الله، وفي حنين قال بعض الصحابة: لن نغلب اليوم من قلة، فتخلى الله عنهم، ثم لما أنابوا وتابوا نصرهم الله كما قال الله سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
قل لربك العظيم الملك الرؤوف الرحيم: يا ربي إني ضعيف فقوني، وإني مريض فاشفني، أنا فقير فاغنني، وأنا جاهل فعلمني: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص: ١٦].
فشأن العبد دائمًا الخضوع، وشأن الرب العطاء، وبقدر ما تخضع يرفع العزيز شأنك: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ١ - ٨].
وإذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق في العالم العلوي والعالم السفلي، وإذا أحب الله عبدا كتب له القبول عند الخلق، فليشكر ربه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
والله حكيم عليم في خلقه وأمره، خلق الإنسان ضعيفًا ظلومًا جهولًا يئوسًا، قنوطًا، كنودًا كفورًا، ضالًا فقيرًا، عجولًا جذوعًا منوعًا هلوعًا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
стр. 3554
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فلماذا خلق الله الإنسان كذلك؟
لأن الله لو خلق الإنسان كامل الصفات، قويًا غنيًا؛ لاستغنى بقوته عن الله وشقي بذلك: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
فخلقه ربه ضعيفًا ليسعد بافتقاره إلى القوي الذي خلقه، لهذا بين الله للناس أنه الغني وهم الفقراء، وهو الغني وهم الضعفاء، ليدعوه ويسألوه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
ورفع مقام عباده أن يسألوه وحده فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والله سُبْحَانَهُ لطيف خبير خلقنا ضعفاء وساق إلينا بعض المصائب كي نفتقر إليه، وننكسر بين يديه، ونتصل به ونذوق طعم القرب منه، ونسعد بقربه، وأنه مولانا القائم على جميع أمورنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فعلة الدعاء وسببه أن الله يبتلي العبد إذا ابتعد عنه ببعض المصائب ليعود إليه، أو يبتليه لأن للعبد مقاما عند الله، لا يبلغه إلا بالصبر وكثرة الدعاء:
стр. 3555
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
فعلة البلاء أن تتصل بالله وتنكسر بين يديه؛ ليرفعك: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وهذا حال عامة المؤمنين، أما الأنبياء والرسل والصديقون والربانيون فيتصلون بالله من دون مصيبة أو ابتلاء، أما عامة المؤمنين لضعف إيمانهم فيحتاجون إلى بواعث وأسباب تلجئهم للدعاء، فإذا أجاب الله دعاء العبد بعد البلاء الذي نزل به، أكرمه الله بخمس كرامات، فيحصل له إيمان جديد، وتوبة جديدة، ومعرفة جديدة، وحب جديد وتعظيم جديد لله، وعبادات جديدة، فالضعف والنقص والفقر في حياة الإنسان لمصلحته، ليلتجئ إلى ربه ويفتقر إليه؛ فيدعوه فيغنيه ويسعده، والله سُبْحَانَهُ عليم بما يسعد خلقه، فيغني هذا بعد فقره؛ لأن الغنى يذكره بربه فتصلح حاله، ويفقر هذا لن الفقر يذكره بربه، فيدعوه ويجيبه فتصلح حاله ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
стр. 3556
فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤].
• مقصود الدعاء:
الدعاء هو العبادة، وهو عبادة من العبادات الكبار، فالفقير يسأل الغني سُبْحَانَهُ، والعاجز يسأل القادر، والصغير يسأل الكبير، والله هو الصمد الذي تصمد إيه جميع الخلائق في جميع حاجاتها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وبقدر كمال الإيمان واليقين وحسن التوجه إلى الله تكون سرعة الإجابة من الرب لعبده: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومقصود الدعاء وسر الدعاء هو أن يتصل العبد بالله الذي يمك وحده جميع الحاجات، فجميع الحاجات كلها بيد الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وجميع الحاجات مستجيبة لمشيئته سُبْحَانَهُ، ومسرعةٌ إلى إرادته وخاضعة إلى أمره، ومسبحة بحمده وشاهدة بوحدانيته، فمقصود الدعاء أن يسعد العبد بمناجاة الله ويذوق طعم القرب من ربه، وأن يرى كمال عزته
стр. 3557
وقدرته، وأن الأمر كله بيده، وأن يرى افتقار جميع من في العالم العلوي والعالم السفلي إليه سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والدعاء من أعظم أسباب تقوية الإيمان، فإذا دعوت ربك مضطرًا، ثم أجاب دعاءك، وأنت الذي ابتلاك هو الذي عافاك، ورأيت أن الذي منعك هو الذي أعطاك، وأنت لم تفعل سببًا إلا الدعاء الذي انكسرت فيه بين يدي ملك الملوك؛ فكل مصيبة محركة للعبد للدعاء وباعثة له على سؤال الرب الذي ابتلى ليعافي والذي منع ليعطي والذي قبض ليبسط: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فمن تذلل للعزيز أعزه ومن تصعر للكبير كبّره، ومن افتقر إلى الغني أغناه، ومن استعان بالقوي أعانه، ومن استغفر الغفور غفر له، ومن سأل الكريم أعطاه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
فسبحان الملك الصمد الذي تصمد إليه جميع المخلوقات بحوائجها: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
стр. 3558
والله سبحانه كريم وكرم الله ليس له أول ولا أخر ليس له بداية ولا نهاية؛ لأن كرمه مطلق، والكريم من الخلق هو الذي إذا قدر عفا، وإذا عاهد وفى، وإذا سُئل أعطى، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى.
والله سبحانه - أكرم الأكرمين، وكل كرم في الخلق فمن فضل كرم الكريم الذي وهبه لهم، فهو سبحانه - أكرم الأكرمين وبيده جميع حاجات الخلق، أحيانًا يعطي بالأسباب وأحيانا يعطي بضد الأسباب وأحيانًا يعطي بدون الأسباب.
فيعطي بالأسباب كما ينزل المطر على الأرض فتنبت من كل زوج بهيج، وكما يحصل الولد بالنكاح وأحيانًا يعطي بضد الأسباب كما جعل النار بردًا وسلاما على إبراهيم، وحفظ الله حياة يونس في بطن الحوت، في بطن البحر، وأحيانا يعطي بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
كما أعطى مريم ابنًا بلا ذكر، وثمر بلا شجر: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» أخرجه الترمذي (١).
قلب الدعاء وروحه وسره أنك تذوق طعم القرب من الله، ولذة مناجاة الرحمن الرحيم، وحلاوة التذلل بين يدي ربك العظيم، وهو من أعظم العبادات، أما الإجابة للدعاء فهي متحققةٌ قطعًا بنص القرآن ﴿وَقَالَ
стр. 3559
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
إن الله كريم لا يرد سائلا، ولا يؤيس مؤملا، ولا يقطع رجاء راجيًا، فإما أن يعطي عبده فورًا، أو يدفع عنهم من الشر أعظم مما سأل، أو يؤخره لأنه -سبحانه يحب أن يسمع صوت عبده بالتضرع بين يديه أو يؤجل إجابته للآخرة؛ لأنه يعلم لو أنه أعطاه ما طلب في الدنيا لأفسده وأطغاه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
وكلما تلقى العبد ما أصابه من ربه بالقبول والرضا والتسليم كلما كان أقرب إلى زواله واستبداله، فإبراهيم ﷺ قبل أمر الله في ذبح ولده إسماعيل، وباشر الذبح يقينا؛ فأنجى الله إسماعيل من الذبح: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧].
وأخرج من نسله سيد الأنبياء والمرسلين، كما قال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ [الصافات: ١٠٠ - ١١١].
فإبراهيم ﷺ لكما يقينه على ربه ضحى بالحياة، فوهب الله له الحياة في مكان الهلاك، في قعر النار، وضحى بالبلد في العراق فأعطاه الله أحسن بلد مكة فبنا فيها البيت العتيق، وضحى بالولد وهو إسماعيل فأحيى الله الولد وأخرج من نسله أفضل ولد محمد ﷺ ، وضحى بأم الولد فتركها في
стр. 3560
مكان غير ذي زرع فأحيى الله أم الولد، وجعل خطواتها نسكًا يتعبد به إلى يوم القيامة في الحج والعمرة في السعي بين الصفا والمروة. اللهم ارزقنا اليقين يا ذي الجلال والإكرام.
كلما تلقى ما أصابه من مكروه من ربه بالقبول والرضا والتسليم كلما كان أقرب إلى زواله عنه واستبداله، فإبراهيم ﷺ قبل أمر الله في ذبح ولده إسماعيل، وباشر الذبح؛ ولأنه رضي وسلم لله أنجى الله إسماعيل من الذبح ففداه بذبح عظيم، وكلما تلقى العبد المصيبة بالضجر وعدم الصبر كلما أطالت مدتها حتى يأذن الله بزوالها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
والدعاء هو العبادة، فالذي يدعو الله مؤمن بأن الله موجود، ومؤمن بأن الله يسمعه ويراه، ومؤمن أنه يعلم بحاله، ومؤمن أنه قادر على تغيير حاله، ومؤمن بأنه يحب أن يرحمه، وأن يغير حاله إلى ما هو خير: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
فخلق الله الإنسان ضعيفًا فقيرًا؛ ليسعد بسؤال ربه القوي الغني، ويتوجه إليه في كشف كربته، فكل دعاء رفع المحتاج لحاجته إلى قاضي الحاجات، وليس رفع البلاء هو المقصود وإنما المقصود الأنس بقرب الله ولذة مناجاته والتوجه إليه في قضاء حاجات العبد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)
стр. 3561
اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وأقوى الدعاء ما كان خفيا بين العبد وربه: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
وحظك من الدعاء الانكسار والتضرع والتذلل والبكاء بين يدي الله ولذة مناجاته، والإجابة حاصلة حاصلة من دون دعاء، والبلاء باعث على الدعاء، والدعاء وسيلة للقرب من الله والاتصال به فالله لا يفعل لك إلا الأصلح في دينك ودنياك، سواء دعوته أو لم تدعه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
ولك أجر الدعاء ويقربك الكريم لكن لا يعطيك إلا ما يصلحك: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فما يختاره الله هو الأصلح: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
فما اختاره الله لك من مكروه هو الأصلح، سواءً أعجبك أولم يعجبك، وسوف يعجبك لأن اختيار الله أحسن من اختيار العبد لنفسه، فالله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، والله تعالى لا يحب المعتدين برفع صوت أو الإطالة على الناس بالدعاء أو الاعتداء على الناس؛ فالاعتداء حجاب يمنع الدعاء عن الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
стр. 3562
(٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].
وأفضل الدعاء أن يطلب العبد ما يسعده في الدنيا والآخرة، من طلب الهداية وتيسير العمل الصالح، وزيادة الإيمان والعلم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وكل قوي أو غني أو طاغوت إلا الحكيم العليم يوظفه في خدمة أهل دينه وإصلاح أوليائه من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد ومن دون أن يؤجر، وإن الله ليعز هذا الدين بالرجل الفاجر.
فدور هذا الطاغي بجبروته أن يرد الناس إلى الله ويرجعهم إليه إذا شردوا عنه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣]
فالجبابرة والطغاة والظلمة عِصِيٌ بيد الله ينتقم بها من الظالمين ثم ينتقم منها؛ فطغيان الجبابرة وشدتهم وجبروتهم وقهرهم يرد المؤمنين إلى ربهم؛ فهم نصر سلبي للمؤمنين، فإن انحرف الناس وتجاوزوا حدود الله غضب الله عليهم، فأرسل إليهم طائفة من الطغاة، تردهم إليه إن أحسنوا إليه لم يقبل وإن أساؤوا إليه لم يغفروا، وإن رأى خيرًا كتمه وإن رأي شرًا
стр. 3563
أذاعه، فما من طاغ إلا ويرد الناس بطغيانه وهو لا يعلم إلى باب الله إلى باب التوبة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٤ - ٦].
وما عند الله يناله العبد من ربه بكثرة إحسانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
فأحسن بأقوالك وأعمالك وأخلاقك وإحسانك، فأحسن في عبادة ربك، وأحسن إلى والديك، وأحسن إلى جارك، و أحسن إلى الناس، وأحسن في تجارتك، وأحسن إلى موكليك، وأحسن إلى زبائنك، فإحسانك يحقق أهدافك من الدعاء؛ فالدعاء حظك من القرب من الله، ومضمون الدعاء يحقق إحسانك إلى الناس: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
стр. 3564
٤ - الخزانة الرابعة
• أحكام الأدعية:
• قوة الدعاء:
الأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح تامًا لا آفة به، والساعد ساعدًا قويًا، والمانع مفقودًا، حصلت به النكاية بالعدو، ومتى تخلف واحد من الثلاثة تخلف الأثر، والدعاء سلاح المؤمنين ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وبقدر قوة اليقين على الله - والاستقامة على أوامر الله، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله تكون إجابة الدعاء، وحصول المطلوب: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
• إجابة الدعاء:
الله غنيٌ كريمٌ، لا يرد من سأله أبدًا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 3565
وإذا حصل الدعاء بشروطه، فإن الله إما أن يعطي السائل حالًا، أو يؤخر الإجابة ليكثر المسلم من البكاء، والتضرع، إن الله يحب أن يسمع صوته، أو يعطيه شيئًا آخر أنفع له من سؤاله، أو يدفع به عنه بلاءًا، أو يؤخره إلى يوم القيامة، حيث يكون أحوج إليه، فالله أعلم بما يصلح لعباده، فلا تستعجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٣].
• موانع إجابة الدعاء:
الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثر، إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب، وعدم الإقبال على الله -تَعَالىَ وقت الدعاء، وإما حصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، واستيلاء الغفلة، والسهو، وتراكم الذنوب على القلب، وإما استعجال الإجابة، وترك الدعاء، وربما منعه الله في الدنيا؛ ليعطيه في الآخرة أعظم منه، وربما منعه، وصرف عنه من الشر مثله، وربما كان في حصول المطلوب زيادة إثم، فكان المنع أولى، وربما منعه لئلا ينشغل به عن ربه، فلا يسأله، ولا يقف ببابه.
عن جابر ﵁ قال: «سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكُمْ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَغَضِبَتْ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «بَلَى، قَدْ سَمِعْتُ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا». أخرجه مسلم (١).
стр. 3566
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلَ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلُ يُطِيلُ سَفَرُهُ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، مَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ». أخرجه مسلم (١).
• حالات الدعاء مع البلاء:
الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يمنع نزوله، ويرفعه إذا نزل، أو يخففه.
• وللدعاء مع البلاء ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء، فيدفعه.
الثانية: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء.
الثالثة: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
• فضل الدعاء:
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
стр. 3567
و قال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
• آداب الدعاء وأسباب الإجابة:
إجابة الدعاء آداب وأسباب: منها الإخلاص لله وأن يبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه ثم الصلاة على النبي ﷺ بأول الدعاء وآخره.
ومنها أن يكون الدعاء بأسماء الله الحسنى ولا يجوز لأحد أن يدعوا صفات الله فيقول يا وجه الله، يا علم الله، يا رحمة الله ونحوها، لكن يستحب التوسل إلى الله بصفاته فيقول: اللهم إني أسألك بقدرتك العظيمة أن تقضي حاجتي وأسألك برحمتك الواسعة أن ترحمني ونحو ذلك.
ومنها حضور القلب أثناء الدعاء وخفض الصوت في الدعاء والاعتراف بالذنب والاستغفار منه والاعتراف بالنعمة وشكر الله تعالى عليه.
ومنها الدعاء ثلاثة الإلحاح في الدعاء وعدم استبطاء الإجابة والجزم في الدعاء مع اليقين بالإجابة، وألا يدعو بإثم أو قطيعة رحم، وألا يعتدي في الدعاء وحسن الظن بالله تعالى.
ومنها عدم الدعاء على الأهل والنفس والمال والولد، وأن يكون مطعمه ومشربه وملبسه من حلال، وردّ المظالم إن كانت، والتضرع والخشوع والطهارة من الحدث ومن الخبث.
стр. 3568
ومنها رفع اليدين إلى المنكبين ضامًا لهما وبطونهما نحو السماء وإن شاء قنع بهما وجهه وظهورهما نحو القبلة.
ومنها استقبال القبلة أثناء الدعاء، والدعاء في الرخاء والشدة والدعاء بالأدعية التي هي مظنة الإجابة التي مما ورد شرعًا ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
стр. 3569
أنواع الدعاء:
• الدعاء ثلاثة أنواع:
الأول: أمر الله ورسوله العبد به إما أمر إيجاب أو أمر استحباب كالأدعية الواردة في الصلاة وغيرها مما ورد في القرآن والسنّة من الأدعية فهذا يحبه الله ويرضاه، وأفضل وأعظم وأكمل دعاء هو سؤال في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]
الثاني: نوع نهى الله ورسوله العبد عنه كالاعتداء في الدعاء مثل أن يسأل العبد ما هو من خصائص الرب كأن يسأل الله أن يجعله بكل شيء عليم أو على كل شيء قدير أو يطلعه على غيب أو نحو ذلك فهذا لا يحبه الله ولا يرضاه.
الثالث: نوع مباح كأن يسأل الفضول التي لا معصية فيها.
• أفضل الأوقات والأماكن والأحوال التي يستجاب فيها الدعاء:
أولًا: أفضل أوقات الدعاء:
١ - جوف الليل الآخر.
٢ - ليلة القدر.
٣ - دبر الصلوات المكتوبات.
٤ - بين الآذان والإقامة.
٥ - ساعة من كل ليلة.
٦ - ساعة من يوم الجمعة وهي آخر ساعة بعد العصر.
стр. 3570
٧ - وعند النداء الصلوات المكتوبة.
٨ - إذا نام على طهارة ثم استيقظ من الليل ودعي.
٩ - الدعاء في شهر رمضان وفي ليلة القدر ونحو ذلك من الأزمان.
ثانيًا: أفضل أماكن الدعاء:
١ - الدعاء أثناء الطواف بالكعبة.
٢ - ودعاء يوم عرفة في عرفة.
٣ - والدعاء على الصفا.
٤ - والدعاء على المروة.
٥ - والدعاء عند المشعر الحرام.
٦ - والدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى.
٧ - والدعاء بعد رمي الجمرة الوسطى في النسك ونحو ذلك.
ثالثًا: أفضل الأحوال:
١ - عند الدعاء بلا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
٢ - الدعاء حالة إقبال القلب على الله .
٣ - الدعاء بعد الوضوء.
٤ - ودعاء المسافر.
٥ - ودعاء المريض.
٦ - ودعاء المظلوم.
٧ - ودعاء الوالد لولده.
٨ - ودعاء المتضرر.
стр. 3571
٩ - والدعاء حال السجود، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند صياح الديك.
١٠ - وإذا تعرى من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثم استغفر ودعي ونحو ذلك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١٠ - ١١١].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
• كيفية سؤال الله :
أولًا: الإكثار من ذكر الله فإن من أكثر من ذكر الله أعطاه أفضل ما يعطي السائلين ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
ثانيًا: تقديم الحمد والثناء على الله ﷻ قبل السؤال، فإبراهيم ﷺ لما حاور قومه توسل إلى ربه بالثناء عليه قبل سؤاله ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)
стр. 3572
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨١].
ثم مزج السؤال بالثناء فقال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٨٢].
ثم صرح بعدها بالسؤال فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٩].
ثم أنزل الرحمن الرحيم سورة الفاتحة على محمد ﷺ على هذا الترتيب فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
وهذا كله حمد وثناء وتمجيد محض على الله .
ثم قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]
وهذا كله ثناء ممزوج بالسؤال.
ثم قال سُبْحَانَهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]
وهذا سؤال محض وأعظم سؤال وأول سؤال في القرآن.
стр. 3573
٥ - الخزانة الخامسة
• الأدعية من القرآن الكريم:
أنزل الله القرآن الكريم تبياناً لكل شيء وهدى وموعظة ورحمة وشفاء، وهذه بعض الأدعية مما ورد في القرآن الكريم يدعو بها المسلم، ويختار منها ما يناسب حاله، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، واليقين الكامل على أن الأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ١ - ٧].
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس: ٣٦].
﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾ [الزخرف: ٨٢].
﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩].
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾] الأنبياء: