مسلم (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتيَ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبدًا». متفق عليه (٢).
الحرز الثالث: قراءة المعوذات.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ عند النوم، وأدبار الصلوات الخمس، وعند المرض.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : «قُلْ» قُلْتُ: وَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» فَقَرَأَهُنَّ رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «لَمْ يَتَعَوَّذِ النَّاسُ بِمِثْلِهِنَّ، أَوْ لَا يَتَعَوَّذُ النَّاسُ بِمِثْلِهِنَّ». أخرجه النسائي (٣).
الحرز الرابع: قراءة آية الكرسي.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتاني آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ الله
стр. 3642
ﷺ ، فَقَصَّ الحَدِيثَ فَقَالَ: إذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَمْ يَزَلْ مَعَكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ». أخرجه البخاري معلقاً ووصله النسائي (١).
الحرز الخامس: قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة.
عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَرَأَ هَاتَينِ الآيتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». متفق عليه (٢).
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦].
الحرز السادس: قراءة سورة البقرة.
عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البقَرَةِ». أخرجه مسلم (٣).
الحرز السابع: كثرة ذكر الله تعالى
стр. 3643
بقراءة القرآن، والتسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل، ونحوها من الأعمال الصالحة، فمن ذَكَر الله ذَكَره وحفظه.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ». متفق عليه (١).
الحرز الثامن: الدعاء إذا نزل منزلاً.
عن خولة بنت حكيم السلمية ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذَا نزلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلاً فَلْيقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ». أخرجه مسلم (٢).
الحرز التاسع: كظم التثاؤب، ووضع اليد على الفم لئلا يدخل الشيطان.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَليُمْسِكْ بِيَدِهِ على فيهِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ». أخرجه مسلم (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «التّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ». متفق عليه (٤).
стр. 3644
الحرز العاشر: الأذان.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أَدْبَر الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إذَا ثُوِّبَ لِلصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ المرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُر حَتَّى يظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». متفق عليه (١).
الحرز الحادي عشر: دعاء دخول المسجد.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه كَانَ إذَا دَخَلَ المسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِالله العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» قَالَ: أقَطُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ اليَومِ. أخرجه أبو داود (٢).
الحرز الثاني عشر: الوضوء والصلاة، ولا سيما عند الغضب والشهوة، فما أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
الحرز الثالث عشر: طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، واجتناب المعاصي، وتجنب فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول المخالطة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
стр. 3645
وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
الحرز الرابع عشر: تطهير البيت من الصور، والتماثيل، والكلاب، والأجراس، لتدخل الملائكة، وتخرج الشياطين.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ». أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيْها كَلْبٌ وَلا جَرَسٌ». أخرجه مسلم (٢).
الحرز الخامس عشر: اجتناب مساكن الجن والشياطين
كالأماكن الخربة، والأماكن النجسة كالحشوش، والمزابل، والأماكن الخالية من الإنس كالصحاري، وشواطئ البحار البعيدة، ومرابض الإبل ونحوها.
стр. 3646
١٠ - الخزانة العاشرة
• أحكام السحر والسحرة:
السحر: هو عزائم ورقى وعُقَد تؤثر في القلوب والأبدان.
والسحر شر محض، وظلم وبغي وعدوان، واعتداء على حقوق العبد إما في بدنه، أو ماله، أو عقله، أو علاقته مع غيره.
المس: هو صرع الجن للإنس.
• أسباب المس:
المس يقع بشكل مباشر من الجن إما عن شهوة وهوى وعشق كما يقع للإنس، أو يقع عن بغض ومجازاة لمن ظَلمهم أو آذاهم من الإنس إما بقتل بعضهم، أو صب ماء حار، أو البول على بعضهم، وقد يكون عن عبث وشر من الجن كسفهاء الناس.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة/ ٢٧٥].
• أحوال الإنس مع الجن:
الجن أحياء عقلاء، مكلَّفون مأمورون منهيون، لهم طاعات ومعاص، ولهم ثواب وعقاب، فمَنْ كان من الإنس يأمر الإنس ويأمر الجن بما أمر الله ورسوله به من الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذا من أفضل أولياء الله.
стр. 3647
ومَنْ استعمل الجن فيما نهى الله ورسوله عنه من الشرك، أو قَتْل معصوم الدم، أو عدوان كأن يمرضهم، أو بضربهم أحداً من الناس، أو يستعملهم في فاحشة، أو سرقة، فهذا قد استعان بهم على الكفر والإثم والعدوان.
ومَنْ استعان بهم على ما يظن أنه من الكرامات فهذا مغرور قد مكروا به.
ومَنْ استعمل الجن في أمور مباحة فهذا يُمنع منه؛ لعدم وروده في الشرع.
• حكم إتيان السحرة:
يحرم على الإنسان الذهاب إلى السحرة ومن في حكمهم من الكهان والعرافين والمنجمين، وسؤالهم وتصديقهم، وذلك من كبائر الذنوب، بل قد يصل إلى الكفر.
فمن سأل الساحر أو الكاهن أو المنجِّم عن شيء من أمور الغيب فصدقه فقد كفر، ومن سأله ولم يصدقه لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً، سواء قابله، أو شاهده في قنوات الإعلام، أو سأله سؤال استهزاء، أو تسلية، أو حب استطلاع، وإن سأله ليمتحن حاله ويفضحه ويكشف أمره ليُحذِّر منه فهذا مشروع لمن له قدرة ليدفع شره عن الناس.
١ - عَنْ أبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتى عَرَّافاً أو كاهناً فصدَّقه فيمَا يقولُ فقد كَفرَ بما أُنْزِلَ على مُحمَّدٍ ﷺ ». أخرجه الحاكم (١).
٢ - وعَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتى عَرَّافاً فَسَألَهُ عَنْ شَيْءٍ لمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». أخرجه مسلم (٢).
стр. 3648
• حكم تعلُّم السحر:
يحرم على الإنسان تعلُّم السحر وتعليمه وفعله، وكل ذلك من الكبائر، بل من الكفر؛ لما فيه من الشرك والكذب والعدوان، وادّعاء علم الغيب، والاستعانة بالشياطين، ونشر الباطل: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنبُوا السَّبْعَ المُوبقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالحقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المؤمِنَاتِ الغَافِلَاتِ». متفق عليه (١).
• حكم أخذ الأجرة على السحر:
يحرم على الساحر أخذ الأجرة على فعل السحر، أو على فك السحر، كما يحرم على الناس دفع المال للساحر أو الكاهن ونحوهم؛ لأنها عوض عن محرم، وأكل لأموال الناس بالباطل، وتعاون على الإثم والعدوان: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وعَنْ أبي مسعود الأنصاري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ نهى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. متفق عليه (٢).
стр. 3649
• أسباب انتشار السحر:
لانتشار السحر والسحرة بين الناس أسباب كثيرة، أهمها ما يلي:
١ - الجهل بأحكام الله، والجهل بحقيقة السحر والسحرة والكهَّان والمشعوذين.
٢ - ضعف الإيمان والتقوى، فيُؤْثِر الساحر الشرك على التوحيد، والمعصية على الطاعة، والدنيا على الآخرة، ثم يستحلي السحر، ويتكسب به.
٣ - كثرة الوسائل والقنوات المعينة على انتشار السحر والسحرة.
٤ - الطمع والرغبة في كسب المال من قِبَل السحرة والشركات والقنوات التي تروِّج للفساد.
٥ - رغبة بعض الناس في معرفة أحوال الغيب المستقبل.
٦ - كثرة الأمراض والأوهام والمشكلات التي تجعل المصاب يتعلَّق بأي شيء، ويركن إلى أهل الدَّجَل الذين يُمَنُّونه بالأماني الباطلة، والوعود الكاذبة.
٧ - مشاهدة الأفلام التي تنشر الكفر والشرك والسحر كأفلام الكرتون المشتملة على الخرافة والدَّجَل والخداع ونحو ذلك مما يُفسد التوحيد.
٨ - كثرة من يأتي السحرة من ضعاف الإيمان، وقلَّة العقوبات الرادعة للسحرة والمشعوذين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء/ ١١٥].
стр. 3650
• أنواع السحر:
السحر هو كل أمر خَفِيَ سببه، مؤلَّف من عزائم وعُقَد ورُقَى شركية، تؤثِّر في الأبدان والقلوب بمرض، أو قتل، أو تفريق أو تجميع، أو حب أو كره.
والسحر أنواع كثيرة:
فمنه الخداع والتمويه كأن يطير الساحر في الهواء، أو يَدخل في حلقة ضيقة، أو يمشي على الماء، أو يمشي على خيط معلَّق، أو يقلب الحمامة إلى إنسان ونحو ذلك مما فيه صَرْف الشيء عن حقيقته، وإخراج الباطل في صورة الحق، فهذا كله من السحر والشعوذة، والأخذ بالعيون كما قال سبحانه عن سحرة فرعون: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٦].
وهناك أعمال يمكن إلحاقها بالسحر لِمَا بينهما من التشابه والاشتراك في ادّعاء علم الغيب، وسلوك الطرق المنحرفة للوصول إلى ذلك، وفَتْح أبواب الدَّجَل والخرافة، والتعلق بغير الله، ومن ذلك: الكهانة، والعِرَافة، والتنجيم، والطِّيَرة، والخط على الرمل ونحو ذلك.
• علامات السحرة والدجالين:
للسحرة والدجالين والمشعوذين علامات منها:
١ - أن يسأل الساحر عن اسم المريض، أو اسم أمه، أو اسم أبيه، ليستعين بذلك على معرفة المريض عن طريق الشياطين.
٢ - أن يخبر الساحر المريض باسمه واسم أمه، ويخبره بعلَّته قبل أن يتكلم؛
стр. 3651
لأن الشيطان أخبره.
٣ - أن يطلب الساحر أثراً من آثار المريض كشعره، أو ثوبه، أو صورته، ليستعين بذلك على معرفته عن طريق الشياطين.
٤ - أن يشتمل كلام الساحر أو المشعوذ على استعانةٍ بالجن والشياطين أو عبارات غير مفهومة.
٥ - أن يطلب الساحر من المريض أن يذبح حيواناً، أو طيراً، ولا يذكر اسم الله عليه، ليضعه على صدره، أو تحت وسادته.
٦ - أن يعطي الساحر المريض حرزاً مختوماً لا يعلم ما فيه، ويمنعه من فتحه.
٧ - أن يطلب الساحر من المريض ألا يمس الماء مدة معينة، أو يطلب منه وضع أوراق محترمة في النجاسة قد تكون من المصحف.
٨ - أن يطلب الساحر من المرأة أن تتكشف وتتبرَّج أمامه، ويخلو بها في ظلام من دون مَحْرم.
٩ - أن يعطي الساحر المريض أشياء يدفنها في الأرض، أو يعطيه أوراقاً مختومة ليحرقها ويتبخَّر بها، أو يبول عليها قد تكون من المصحف.
١٠ - أن يكون الساحر معروفاً بالانحراف، وغشيان المحرمات، تاركاً أو مقصِّراً في الشعائر الظاهرة كالصلاة مع الجماعة ونحو ذلك.
• حكم حَلّ السحر عن المسحور:
لا ريب أنَّ السحر داء يؤثِّر في الناس بالمرض أو القتل أو التفريق بين المرء
стр. 3652
وزوجه، ولَمَّا كان لكل داء دواء شُرِع للمصاب أن يسعى في علاجه بالرقية الشرعية، والأدوية النافعة المباحة.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً». أخرجه البخاري (١).
• حكم حَلّ السحر بالسحر:
ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواءً مباحاً أو مشروعاً، فلا يجوز حَلّ السحر بالسحر؛ لما في ذلك من التقرُّب إلى الشياطين بالشرك والكبائر، ليَحِلَّ الشيطان السحر عن المسحور.
ولا يَحِلّ السحر إلا ساحر يتقرَّب إلى الشيطان بما يحب من الشرك كالسجود له، أو ذَ بْح حيوان على غير اسم الله، أو تلطيخ المصحف بالنجاسة ونحو ذلك مما يُسخِط الله.
فإذا فعل الساحر ذلك ساعده الشيطان، وكلَّم إخوانه الشياطين الذين عملوا السحر، فأبطلوا ذلك العمل عن المسحور، وهؤلاء وأولئك: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام/ ١١٢].
وعَنْ أبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتى عَرَّافاً أو كاهناً فصدَّقهُ فيمَا يقولُ فقد كَفرَ بما أُنْزِلَ على مُحمَّدٍ ﷺ ». أخرجه الحاكم (٢).
стр. 3653
• حد الساحر:
حد الساحر القتل؛ لما في السحر من الشرك، وادِّعاء علم الغيب، والاستعانة بالشياطين، والسعي في الأرض بالفساد، وإذا قَتل الساحر بسحره قُتِل حداً.
وتُقبَل توبة الساحر إذا تاب؛ لأنه مشرك، والمشرك إذا تاب تاب الله عليه، ولهذا قَبِل الله توبة سحرة فرعون: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة/ ٣٩].
• علاج السحر والمس:
علاج السحر والمس له حالتان:
الأولى: أن يُعرف موضع السحر، فيُستخرج ويُتلف، فيبطل معه السحر بإذن الله، وهذا أبلغ ما يُعالج به المسحور، ويمكن معرفة موضع السحر إما بالرؤيا في المنام، أو يوفقه الله لرؤيته أثناء البحث عن السحر، أو عن طريق الجن إذا قرأ على المسحور، فينطق الجني، ويخبر بمكان السحر، فيؤخذ ويُتلَف.
عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسول الله ﷺ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أنه يَأْتي النِّسَاءَ وَلا يَأْتيهِنَّ. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان
стр. 3654
كذا، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَعَلِمْتِ أَنَّ الله قَدْ أَفْتَاني فِيْمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فيهِ؟ أَتَاني رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ مُنَافِقاً، قَالَ: وَفيمَ؟ قَالَ: في مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ: وَأَينَ؟ قَالَ: في جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ في بِئْرِ ذَرْوَانَ» قَالَتْ: فَأَتى النَّبِيُّ ﷺ البِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ … متفق عليه (١).
الثانية: ألّا يعرف موضع السحر، فيعالج حينئذ بأمرين:
الأول: الرقية الشرعية: وتكون بالقراءة على المريض رغبة إلى الله في شفائه بما ورد من الأدعية في القرآن والسنة أو بما يوافقهما.
والرقية الشرعية تكون من السحر، والمس، والحسد، والعين، والصرع، والجنون، والسم، واللدغة، والألم، والمرض، والهمّ وغير ذلك من الأمراض الظاهرة والباطنة، فالحمد لله الذي جعل لكل داء دواء، وجعل القرآن هدىً وشفاء، وجعل الشفاء بيده سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام/ ١٧ - ١٨].
وشروط الرقية الشرعية ما يلي:
١ - أن تكون بكلام الله ورسوله، أو بالأدعية الموافقة للشرع.
٢ - أن تكون باللسان العربي أو بغيره مما يُفهم معناه.
стр. 3655
٣ - أن يعتقد الراقي والمصاب أن الرقية سبب، فلا يعتمد عليها، بل يتوكل على الله في الشفاء.
٤ - ألا تشتمل الرقية على شيء يخالف الشرع كدعاء غير الله، والسب والشتم ونحو ذلك.
والأحسن أن يقرأ الإنسان على نفسه أو مريضه، ويجوز له طلب الرقية من غيره من أهل التقوى والصلاح، ومن استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه.
الثاني: الدواء المباح شرعاً كالعسل، وماء زمزم، والعجوة، والحبة السوداء، والحجامة.
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ في ثَلاثَةٍ: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتي عَنِ الكَيِّ». أخرجه البخاري (١).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلا سِحْرٌ». متفق عليه (٢).
وفي رواية لمسلم: «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لابتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ».
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ في الحَبَّةِ
стр. 3656
السَّودَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ». متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإحْدَى وَعِشْرِينَ، كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ». أخرجه أبو داود (٢).
• كيفية الرقية الشرعية:
يتوضأ الراقي، ثم يبدأ بالقراءة على نفسه أو المريض، مرتلاً للآيات، وينفث على نفسه أو المريض بما تيسر من القرآن، ومن ذلك: سورة الفاتحة، آية الكرسي، خواتم سورة البقرة، سورة الكافرون، والمعوذات، وآيات السحر والجان، ومنها:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ [يونس: ٧٩ - ٨٢].
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا
عَينٍ». أخرجه مسلم (١).
«امْسَحِ البَأْسَ، رَبَّ النَّاسِ، بِيَدِكَ الشِّفَاءُ، لا كَاشِفَ لَهُ إلَّا أَنْتَ». أخرجه البخاري (٢).
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ». أخرجه البخاري (٣).
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ». أخرجه مسلم (٤).
«بِاسْمِ اللهِ (ثَلاثاً)، أَعُوذُ بِالله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» سبع مرات، واضعاً يده على مكان الألم. أخرجه مسلم (٥).
«أَسْألُ الله العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ» سبع مرات. أخرجه أبو داود والترمذي (٦).
стр. 3659
٣ - رقية العين
• العين:
هي سهام تخرج من نَفْس الحاسد والعائن نحو المحسود والمَعِين.
فتصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإنْ صادفَتْه مكشوفاً لا وقاية عليه أثَّرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذراً مُحصَّناً لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه.
والعين التي تصيب بني آدم نتيجة من نتائج الحسد، أو انبهار شديد بما يرى العائن مع غفلة عن ذكر الله تعالى، وقد يتبعها شيطان من شياطين الجن.
• كيفية الإصابة بالعين:
يطلق العائن الوصف على من يريد بدون ذكر اسم الله تعالى ولا تبريك، فتَتَلَقَّفُه الأرواح الشيطانية الحاضرة، وتعمد إلى إهلاك المعيون أو إيذائه إذا أراد الله ، ولم يكن ثمة تحصين بذكر، أو دعاء، أو قرآن: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
• علاج من أصابته العين:
من أصابته عين فله حالتان:
الأولى: إن عَرف العائن فعليه أن يأمره بالاغتسال، وعلى العائن أن يمتثل ويغتسل طاعة للهِ ورسوله ﷺ ، ثم يُؤخذ الماء الذي اغتسل فيه العائن، ويُصب من خلف المَعِين دفعة واحدة، فيبرأ بإذن الله تعالى.
стр. 3660
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «العَيْنُ حَقٌّ، وَلَو كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَينُ، وَإذَا اسْتُغْسِلتُمْ فَاغْسِلُوا». أخرجه مسلم (١).
• صفة الاغتسال:
عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ .. -وَفِيهِ- فَلُبِطَ بِسَهْلٍ، فَأُتيَ رَسُولَ الله ﷺ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ لَكَ في سَهْلٍ وَالله مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَمَا يُفيقُ، قَالَ: «هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَظَرَ إلَيهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ.
فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَامِراً فتَغَيَّظَ عَلَيهِ وَقَالَ: «عَلامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاه؟ هَلَّا إذَا رَأَيتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ» ثُمَّ قَالَ له: «اغْتَسِلْ لَهُ». فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ في قَدَح، ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ المَاءَ عَلَيهِ، يَصُبُّه رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ يُكْفِئُ القَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ به ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. أخرجه أحمد وابن ماجه (٢).
الثانية: إذا لم يُعرف العائن فيرقِي نفسه أو غيره بالقرآن
كالفاتحة، وآية الكرسي، وخواتم سورة البقرة، وسورة الإخلاص، والمعوذتان، وإن شاء قرأ من القرآن ما يلي:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].
٢٣ - خزائن الحقوق والواجبات
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
стр. 3663
٢٣ - رسائل الحقوق والواجبات
١ - الخزانة الأولى
• حقوق الله :
من أعظم حقوق الله على خلقه:
توحيده، والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، فالعبادة حقٌ خالصٌ لله وحده كخلق السماوات والأرض، وخلق البحار والجبال والرياح وغيرها من المخلوقات: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والرسل وأتباعهم يصرفون هذا الحق لله وحده لا شريك له، فالذي خلق المخلوقات كلها هو الذي بيده كشف الكروب، والشدائد، لا يكشفها إلا هو، كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
ولكمال معرفة الرسول ﷺ بحقوق ربه كان يتوجه إليه في كل حال، وعند الشدائد والكروب، فيستجيب دعائه، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ
стр. 3664
رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقد أرسل الله من الأنبياء والرسل مائة وأربعةٍ وعشرين نبيًا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
فأعظم حقوق الله على عباده هو عبادته وحده لا شريك له.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
• والحقوق ثلاثة:
١ - حق محضٌ لله وهو عبادة الله وحده لا شريك له وأعظمها الصلاة.
٢ - وحق للآدمي محض.
стр. 3665
٣ - وحق مشترك كالزكاة فهي حق لله؛ لأن الله فرض على عباده الزكاة وجعلها من أركان الإسلام، وهي عبادة من العبادات، وكونها حق للآدمي فلما فيها من قضاء حوائج المسلمين.
وأما حق الآدمي المحض فهو: بذل النصيحة له كما قال النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (١).
وعن جرير ﵁ قال: «بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي: فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». أخرجه البخاري (٢).
وبعبادة الله وحده لا شريك له يحصل للأمة الأمن.
• فالأمن لا يحصل إلا بأمرين:
الإيمان بالله .. وعدم الظلم.
قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
ولا يزول الظلم عن العالم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يحصل الإيمان إلا بالدعوة إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 3666
وقال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فالأمن كل الأمن لا يحصل إلا من المؤمن الذي يملك الأمن وهو الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
فالأمن لا يحصل بكثيرة الجنود، ولا بكثرة السلاح، ولا بقوة الملاحظة والمراقبة، وإن كان ذلك مطلوبًا إنما يحصل الأمن التام الكامل بهذين الأمرين فقط: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
• الحقوق الواجبة تنقسم إلى قسمين:
الأول: حقوق الخالق كالتوحيد والإيمان، وعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب الكفر والشرك والمعاصي: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
стр. 3667
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
• وحقوق الله ثلاثة أقسام هي:
الأول: ما هو خالص لله وحده كالتوحيد والإيمان، وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بما يجب الإيمان به كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
الثاني: ما يتركب من حقوق الله وحقوق العباد كالزكوات، والصدقات، والكفارات، والمنذورات، والهدايا، والوصايا والأوقاف، والأضاحي ونحو ذلك، فهذه كلها قربةٌ إلى الله من وجه، ونفع للعباد من وجهٍ آخر، والغرض الأظهر منها نفع العباد، وما وجب من ذلك، أو ندب إليه فهو قربة لباذليه، ورزق لآخذيه.
ثالثًا: ما يتركب من حق الله، وحق رسوله ﷺ ، وحق المكلف كالآذان والإقامة، فحق الله تكبيرات، والشهادة له بالوحدانية، وحق الرسول ﷺ الشهادة له بالرسالة، وحق العباد الإعلام بدخول الوقت في الأذان، والإعلان بقيام الصلاة في الإقامة.
وكذا الصلاة حق الله فيها كثير كالتكبير والتسبيح والركوع، والسجود، والتحيات وغيرها، وحق الرسول ﷺ الصلاة والسلام عليه، والشهادة له بالرسالة، وحق العبد الدعاء بالهداية، والإعانة على العبادة، ودعاء الاستفتاح والتسليم على نفسه؛ ولهذا كانت الصلاة من أفضل الأعمال فهي الركن الثاني بعد الشهادتين.
стр. 3668
وكذا الجهاد فحق الله فيه: محو الكفر، وإزالته من قلوب الكفار، وكسر الأصنام والصلبان، وحق المسلمين الذب عن أنفسهم وأموالهم، وما يحصل لهم من الغنائم، وحقه في نفسه دفعهم عنه، وما يأخذه من حقه من الغنيمة.
الثاني: حقوق الخلق وذلك بجلب المصالح لهم ودفع المفاسد عنهم.
• وهو ثلاثة أقسام:
الأول: حقوق المكلف على نفسه كتقديم نفسه للكساء والمسكن والنفقة، وحقوقه في العلاج والنوم والأكل ونحو ذلك.
الثاني: حقوق بعض المكلفين على بعض، فكل أحد له حقوق وعليه لغيره حقوق، وضابطها تحصيل المصالح ودرأ المفاسد، لكل منهما، ومن كل منهما: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وكذلك السلام ورد السلام، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وحقوق الأزواج، وحقوق الآباء، وحقوق الأولاد، وحقوق الجيران ونحو ذلك من ستر الزلات وتعليم الشريعة والقرآن.
стр. 3669
• وحقوق العباد قسمان:
١ - حقوق في حياتهم كما تقدم.
٢ ــ وحقوق بعد مماتهم من إكرامهم وغسلهم وتكفينهم، وحملهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وزيارتهم، والاستغفار لهم.
ثالثًا: حقوق البهائم، والحيوان على الإنسان بأن ينفق عليها، ولا يحملها ما لا تطيق، وأن يرفق بها، ولا يجمع بينها، وبين ما يؤذيها، ويحسن ذبحها إذا ذبحها، ولا يذبح أولادها وغيرها في مرأى منها كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» أخرجه مسلم (١).
والله ﵎ هو العلي الكبير، وهو الخالق لكل شيء فله وحده حق العبادة لا شريك له، وله حق التشريع وحده لا شريك له، وكما أنه لا شريك له في عبادته، فكذلك لا شريك له في حكمه، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف: ٢٦].
فهو سبحانه الحاكم وحده، فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وليس لأحدٍ البتة تشريعٌ مع الله، فكل من أتبع تشريعًا سوى ما
стр. 3670
أنزل الله فهو كافرٌ بالله كفرًا بواحًا مخرجًا من الملة، وربه ذلك التشريع الذي وضعه إبليس على ألسنة أولياءه من كفرة الإنس والجن.
لأن التشريع والعبادة لا يمكن أن يكون إلا للخالق العظيم الذي خلق هذا الكون العظيم العلي الكبير، الذي له الكبرياء في السماوات والأرض: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢].
فالشرك بالله في حكمه كالشرك بالله في عبادته، كلاهما شركٌ أكبر مخرجٌ من ملة الإسلام، وعبادة الشيطان هي إتباع نظامه وتشريعه في سن المعاصي والكبائر والفواحش والكفريات التي يجر الخلق بها إلى الشرك، ثم إلى النار: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
أعظم حقوق الله على عباده هي:
امتثال أوامره، واجتناب نواهيه ابتغاء مرضاته: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
стр. 3671
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فيجب على كل مسلم ومسلمة أداء الحقوق، وفعل الواجبات، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي التي جاءت في القرآن والسنة.
قال الله تَعَالىَ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣].
• والدين ركنان:
١ - عبادة الحق.
٢ - والإحسان إلى الخلق.
ومن أعظم الحقوق في بين العبد وربه، وفيما بين العبد وخلقه ما ذكره الله في كتابه بقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ
стр. 3672
الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ومن الحقوق الواجبة فيما بين العبد وربه، وفيما بين العبد وخلقه ما ذكره الله في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
والمسكين حقه الإطعام، ودفع حاجته، واليتيم حقه:
الإكرام إن كان غنيًا، يكرم ليتمه ولا يطعم لغناه، وإن كان اليتيم فقيرًا فإنه يُكرم ليتمه، ويطعم لفقره، والرفق بالضعفاء والفقراء والمساكين، واليتامى وإكرامهم فيه مواساة لهم، ويكرم الله من فعل ذلك بالرحمة واللين والإنابة
كما قال النبي ﷺ : «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» أخرجه البخاري (١).
وقال : ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٩ - ٢٠].
стр. 3673
وقال : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ١ - ٣].
والجيران ثلاثة ولكل جار حق:
فأولًا: الجار المسلم القريب له حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام فهذه ثلاثة حقوق.
ثانيًا: جار مسلم غريب، فهذا له حق الجوار، وحق الإسلام.
الثالث: جار كافر فهذا إن كان قريبًا له حق الجوار، وحق القرابة، وإن كان غريبًا فله حق الجوار فقط، قال النبي ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». متفقٌ عليه (١).
فلله حقوق، وللرسول ﷺ حقوق، وللجيران حقوق، وللقرابة حقوق.
• فأهل بيت رسول الله ﷺ قسمان:
الأول: كفار فهؤلاء ليسوا من أهل بيته، وإن كانوا أقارب له في النسب كأبي لهب.
كما قال الله لنوح: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٥ - ٤٧].
стр. 3674
الثاني: المؤمنون من قرابته ﷺ فهؤلاء هم أهل بيته، ومنهم زوجاته، كما قال سبحانه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٣].
• ولأهل بيت الرسول ﷺ حقان:
١ - حق الإيمان.
٢ - وحق القرابة من رسول الله ﷺ .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وآل البيت هم كل من حرم الصدقة بعده، وهم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس.
стр. 3675
٢ - الخزانة الثانية
• واجبات الخليفة:
الخلافة عبادة من أعظم العبادة لما يحصل بها من كثير من المنافع والمصالح في الدنيا والآخرة، وللقيام بها على الوجه الأكمل يجب على خليفة المسلمين ما يلي:
الأول: إقامة الدين.
وذلك بحفظه، والعمل به، والدعوة إليه، ودفع الشبه عنه، وتنفيذ أحكامه وحدوده، والحكم بين الناس بما أنزل الله، والجهاد في سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣].
стр. 3676
الثاني: اختيار الأكفاء للمناصب والولايات كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦].
وعن معقل بن يسار ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ، وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ». أخرجه مسلم (١).
الثالث: محاسبة الإمام عماله على ما يقولون، ويفعلون.
عن أبي حميد ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزدي يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي إليَّ، قال: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا». متفق عليه (٢).
الرابع: تفقد أحوال الرعية، وتدبير أمورها بما يحقق المصلحة.
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي
стр. 3677
مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ». متفق عليه (١).
الخامس: الرفق بالرعية، والعناية بهم، والنصح لهم.
عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٢).
وعن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ، وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ». أخرجه مسلم (٣).
السادس: مشاورة أهل الشورى من المسلمين في الأمور.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
السابع: رعاية مصالح الأمة الداخلية والخارجية.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
стр. 3678
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله يقول في بيتي هذا «اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ». أخرجه مسلم (١).
الثامن: أن يكون قدوة حسنة لرعيته لدينه وخلقه.
قال الله تعالى عن نبينا ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٣ - ٢٤].
التاسع: حسن الظن بالمسلمين وعدم تتبع عوراتهم.
قال الله تعالى: ﴿(١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].
وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّكَ إن اتَّبعتَ عَوراتِ الناسِ أَفْسَدْتَهُم، أو كِدْتَ أن تُفْسِدَهُم». أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح (٢).
стр. 3679
العاشر: اختيار البطانة الصالحة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى». أخرجه البخاري (١).
• واجبات الأمة:
يجب على الأمة نحو إمام المسلمين الوظائف الآتية:
الأولى: طاعة ولي الأمر في غير معصية الله.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 3680
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أنه قال: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفق عليه (١).
الثانية: المناصحة لولاة الأمر.
عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٢).
الثالث: نصره ومؤازرته في الحق
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
الرابعة: عدم الغش والخيانة لولاة الأمر ولغيرهم.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه مسلم (٣).