الثامنة: الإنكار بالحكمة على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
وعن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا». أخرجه مسلم (١).
فهذه واجبات الأمة لإمام المسلمين، وعليهم السمع والطاعة له في غير معصية الله، وبذل النصيحة له سرًا وعلانية، والقيام بنصرة إمام المسلمين باطنًا وظاهرًا لما فيه من نصرة المسلمين وكف المعتدين، وأن يعرفوا له عظيم حقه، وما يجب له من تعظيم قدره، واحترام شخصه، وإيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته شفقة عليه وحفظًا لدينه ولعرضه وصيانة لمقامه، وتحذيره من عدوه، وإخباره بمن يكيد له، أو حاسدٍ يرومه بأذى، أو أي أمرٍ يُخاف عليه منه.
وإعلامه بسير عماله في مملكته؛ ليثبت العادل ويزيل الظالم حتى تصلح الأحوال ولا يضطرب الناس، وإعانته على تحمل، وإعانته على ما تحمل
стр. 3684
من أعباء مصالح الأمة، ومساعدته فكل ما يحقق المصلحة للأمة في دينها ودنياها، ورد القلوب والنفوس النافرة عنه إليه، وجمع قلوب الأمة عليه بما في ذلك من جمع الكلمة، وانتظام حال الملة، والذب عنه بالقول والفعل، والمال والنفس في الظاهر والباطن، والسر والعلانية لما في استقامته وبقائه من صلاح أحوال الأمة وحفظها وسعادتها في الدنيا والآخرة.
• رؤوس الناس ثلاثة:
العلماء .. والحكام .. والأغنياء.
وعلى كل واحدٍ منهم من الواجبات ما ليس على غيرهم.
أما واجب العلماء فيجب على أهل العلم والإيمان وخلفاء الرسول ﷺ في أمته أن يدعو إلى الإسلام، وأن يفقهوا إخوانهم في الدين، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يقولوا بالحق لا يخافون لومة لائم، وأن يقوموا بالحق أينما كانوا ما استطاعوا لهذا أمر الله عموم المسلمين بالرجوع إلى العلماء فيما أشكل عليهم، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
وأمر العلماء ببيان الحق، فقال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وأخذ سبحانه الميثاق على العلماء أن يبينوا الحق، ولا يكتمونه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ
стр. 3685
فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وتوعدهم على الكتمان أو التقصير في البيان بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
إلا الذين تابوا من بعد ما ظلموا، وأصلحوا ما أفسدوا، وبينوا ما كتموا أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم، وقد أمر الله رسوله محمدًا ﷺ في حجة الوداع أن يحمل أعلم الخلق بعد الأنبياء، وهم أصحاب النبي ﷺ أن يبلغوا هذا الدين العظيم إلى من بعدهم من الخلق بقوله: «أَلَا لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». متفق عليه (١).
فيجب على العلماء وطلبة العلم إبلاغ الدين وتعليمه للجاهل، وإجابة السائل، وتذكير الغافل، وكشف الشبه، ورد البدع، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ما لا يجب على غيرهم من عامة المسلمين لتمام النعمة عليهم بالعلم، وشدة حاجة المسلمين إلى علمهم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 3686
وقد قام الصحابة بذلك خير قيام فبلغوا دين الله إلى الناس، ولما اتسعت الفتوح، واشتدت الحاجة إلى العلم تفرق الصحابة ﵃ في الأمصار يعلمون الناس سنن الدين، وأحكامه ويفقهون الداخلين في الإسلام، فلتكن لنا بالأنبياء والصحابة أسوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والعلم قسمان:
١ - علم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ويسمى علم التوحيد.
٢ - وعلم بأوامره الشريعة التي بينها الله ورسوله.
• والعلم بالأوامر الشريعة ينقسم إلى قسمين:
١ - - علم الفضائل.
٢ - وعلم المسائل.
فيجب علينا إبلاغ هذا الدين، وبذل الوقت والمال والنفس في سبيل إيصال الحق إلى الخلق: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
أما واجب الحكام فالله سبحانه ابتلى الحكام والأمراء في ولاية أمر الرعية، واستخلفهم بعد من قبلهم لينظر كيف يعملون، والواجب عليهم إقامة الدين الحق في الأرض، ودعوة الناس إليه، وحفظ حقوق المسلمين، وكف الشر عنهم، وصيانة حرماتهم، والحكم بينهم بما أنزل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل، فإذا قاموا بذلك حفظهم
стр. 3687
الله ونصرهم على عدوهم كما قال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وقال : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
أما واجب الأغنياء فالمال نعمة من الله يؤتيه من يشاء من عباده، والله استخلف الإنسان على المال، وابتلاه به لينظر أين يصرفه، ومن أين يكتسبه؟.
وأنفاق المال في مرضاة الله هو المأمور به شرعًا، وإنفاقه في مجال الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله من أعظم أسباب رضاه، كما قال سبحانه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧].
فينبغي على من أتاه الله فضلًا من رزقه أن ينفقه في سبيل الله، في نصرة دين الله ونشره وتعليمه وإيصاله إلى من لا يعلمه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ البقرة: [البقرة: ٢٧٤].
стр. 3688
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
وكل من أمسك ماله عن الإنفاق في الأمور المشروعة ابتلي في الإنفاق في الأمور المحرمة، فصار إنفاقه وبالًا عليه في الدنيا وعذابًا له في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وقد قام أصحاب النبي ﷺ بإنفاق أموالهم في سبيل الله كما أنفقت خديجة ﵂ زوج رسول الله ﷺ مالها في سبيل الله، وكذا أبو بكر وعمر وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وغيرهم من أغنياء الصحابة.
فيجب على الأغنياء بذل أموالهم في سبيل، وتعليم شرع الله ليكون الدين كله لله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - هَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ - أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا
٣ - الخزانة الثالثة
• واجبات الشريعة.
الحقوق تنقسم إلى قسمين:
أحدها: ما لا تشترط فيه الدعوة، وهو حقوق الله على عباده، كمن ترك الصلاة والزكاة ونحوهما.
الثاني: ما تشترط فيه الدعوة، وهو حقوق العباد التي تسقط بإسقاطهم كالديون والقصاص والديّات ونحو ذلك.
• أما واجبات الشريعة التي هي حقٌ لله تعالى فهي ثلاثة أقسام:
عبادات .. وعقوبات .. وكفّارات.
فالعبادات كالصلاة والزكاة والصيام.
• والعقوبات إما:
أولًا: مقدّرة كالحدود والقصاص
ثانيًا: مفوّضة إلى الحاكم كالتعزيرات.
أما الكفّارات فككفارة اليمين ونحوها.
وكل واحد من هذه الواجبات ينقسم إلى بدني ومالي ومركب منهما:
فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام.
والعبادات المالية: كالزكاة والصدقات.
والمركبة منهما: كالحجّ.
والكفّارات المالية: كالإطعام.
стр. 3691
والبدنية: كالصيام.
والمركبة: كالهدى الذي يُذبح في مكة ويُقسم على الفقراء.
والعقوبات البدنية: كالقتل وقطع اليد في السرقة.
والمالية: كإتلاف أوعية الخمر.
والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه وكقتل الكفار وأخذ أموالهم.
• وأما العقوبات البدنية:
أولًا: فتارة تكون جزاءً على ما مضى كقطع يد السارق.
ثانيًا: وتارةً تكون دفعاً عن الفساد المستقبل كحد الحرابة.
قال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
ثالثًا: وتارةً تكون العقوبات مركبة: كقتل القاتل.
• أما العقوبات المالية فهي ثلاثة أقسام:
منها ما هو من باب إزالة المنكر وتنقسم كالبدنية إلى:
أولًا: إتلاف كالمنكرات من الأعيان والصور والأصنام والكتب المُضلّة وآلات اللهو.
стр. 3692
عن أبي هيّاج الأسدي قال: قال لعلي بن أبي طالب: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: إلى تغييرٍ كالسُترة التي فيها صور، تغير إلى وسائد تُمتهن أو فُرشٍ تُعطى.
ثالثًا: إلى تمليكٍ للغير.
فهذه واجباتُ الشريعة فالحمدُ لله أن أنزل علينا كتاباً فيه تبيانُ كل شيء، ورسولاً قد بين لنا كل شيء: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والنبي ﷺ ما ترك خيراً إلا وقد دلّ الأمة عليه، وما ترك شراً إلا حذرها منها: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
أولًا: الله أرسل نبيّه ﷺ بالدين الكامل كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: ٣].
وقد بيّن الله في القرآن وبيّن كل شيء من الحقوق والواجبات على مستوى الأفراد والجماعات والرؤساء والحكّام، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 3693
وبيّن الله في القرآن الكريم ما يحقق للأمة العدل والأمن والسعادة في الدنيا والآخرة.
قال الله تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام/ ٨٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأمر الله سبحانه الحاكم والرئيس الكبير بما يفعله مع رعيّته بقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
فأمر الله الحاكم بحكم الحقّ وعدم إتباع الهوى، وخشية الله وعدم الخشية من الناس، وعدم شراء الدنيا بالدين، فقال : ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وأمر سبحانه المجتمع العام أن يتعاملوا فيما بينهم بالإخوة والمحبة والتعاون على البرّ والتقوى، فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وأمر سبحانه الإنسان بما يفعله مع مجتمعه الخاص وهم زوجته وأولاده وأهله، فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» أخرجه ابن ماجه (١).
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
ولما كان الإنسان لا يخلو من عدو سواءً كان من شياطين الجنّ أو الإنس، أمر الله بالإعراض عن الجاهل، وأمر بالإحسان إليه إن كان من الإنس،
стр. 3696
وبالاستعاذة بالله من العدو الجنّي، فقال سبحانه في العدو الإنسي: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وقال في العدو الإبليسي: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
• وجوب طاعة أولو الأمر:
أولو الأمر هم الأمراء والعلماء، العلماء ولاة أمورنا في بيان شريعة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
والأمراء ولاة أمورنا في تنفيذ شريعة الله والحكم بما أنزل الله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ولا يستقيم الأمراء إلا بالعلماء، ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء، فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء لمعرفة شريعة الله، والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء ويعظوهم ليطبقوا شريعة الله في عباد الله، وعلى الأمراء أن يطيعوهم وعلينا طاعة الأمراء والعلماء في غير معصية الله، فالأمراء والعلماء هم روح
стр. 3697
الحياة وهم أئمة الناس في الخير والشر، وصلاح الدنيا والآخرة بصلاح الأمراء والعلماء، وفساد الدنيا والآخرة بفساد الأمراء والعلماء.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا هداة مهتدين ووفقنا وإياهم لما تحب وترضاه يا كريم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفقٌ عليه (١).
وإذا استأثر الولاة بالأموال التي للمسلمين فيها حق فيجب أن نؤدي حقهم علينا من السمع والطاعة ولا ننازعهم الأمر الذي أعطاهم الله ونسوا الحق الذي لنا من ربنا فنسأل الله أن يهديهم ليؤدوا الحق الذي لنا عليهم، ونصبر على ذلك ولا ننزع يدًا من طاعة فالناس كما يكونون يولى عليهم، والأصل أن صلاح الراعي شرطٌ لصلاح الرعية، فإنّ الإمام راعٍ يُقتدى به، وهو مسئول عن رعيته.
ويجب على حكام المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله ولا يتم إيمانهم إلا بثلاثة شروط:
الأول: تحكيم الرسول ﷺ في جميع الأمور.
الثاني: ألا يجد الحاكم في نفسه حرجًا مما قضاه الرسول ﷺ .
стр. 3698
الثالث: أن يسلم تسليمًا تامًا بالغًا وينقاد لحكم الله ورسوله بقلبه وجوارحه، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وإن لم تتم هذه الثلاثة فإما هو خالٍ من الإيمان مطلقًا، أو ناقص الإيمان، ومن حقه المناصحة والطاعة في غير معصية الله، ويجب على جميع المسلمين السمع والطاعة لولي الأمر، لكن إن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة في هذا الأمر وما سوى ذلك فتجب طاعته.
• وما أمر به الإمام له ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون ما أمر به ولي الأمر مأمورًا به شرعًا كالصلاة ونحوها، فهذا يجب لأمر الله ورسوله به ولأمر ولي الأمر به.
الثاني: إما أن يكون الإمام يأمر بمعصية الله من ترك واجب أو فعل محرم، فهذا لا سمع ولا طاعة ولكن يطاع فيما سواه، ولا تُنزع يدًا من طاعة.
الثالث: إما أن يأمر بما ليس فيه أمرٌ شرعي ولا معصية شرعية، هذا يجب طاعته فيه لأن طاعة وليّ الأمر في غير معصية الله طاعةٌ لله ورسوله.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ويجب على جميع المسلمين في جميع أوامر الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، كما قال-سبحانه-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
стр. 3699
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فيسلّم المسلم لأوامر الله ورسوله تسليمًا مطلقًا سواءً عرف الحكمة أو لم يعرفها، ولا يقول لماذا أمر الله بكذا؟ أو لِمَ يأمر بكذا على سبيل التشكيك.
فمثلًا لا يقول: لماذا أمرنا الله ورسوله بالوضوء من لحوم الإبل ولم يأمرنا بالوضوء من لحم البقر أو الغنم مع أن كلاهما حيوان؟ ولا يقول: لماذا أمرت الحائض في صيام رمضان بقضاء الصيام ولم تؤمر بقضاء الصلاة مع أنّ كلًا من أركان الإسلام، بل يقول: الله الذي شرع الأحكام وهو أعلم وأحكم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
стр. 3700
٤ - الخزانة الرابعة
• حكم اختلاط النساء بالرجال في أماكن العمل:
اختلاط النساء بالرجال في المدارس والجامعات وأماكن العمل المختلفة محرّمٌ لا يجوز، والشهامة العربية والغيرة الطبيعية المملوءة بالأنفة تقتضي التباعد عنه، وتجنب الوسائل المفضية إليه.
• وذلك للأمور الآتية:
الأول: في القرآن الكريم أمر الله جميع الرجال ألا يسألوا نساء النبي ﷺ إلا من وراء حجاب لتكون قلوب الإنسين في غاية الطهارة من أدناس الريبة: ﴿الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وهذا تشريعٌ لأمهات المؤمنين ولنساء المسلمين ورجالهم إلى يوم القيامة.
الثاني: أمر الله الرجال والنساء بغضِّ البصر عن الآخر، ليطهر كل منهما من الريبة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ
стр. 3701
الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣٠ - ٣١].
فيغض كل من الرجل والمرأة بصره حياءً من الله وخوفًا منه وامتثالًا لأمره، لأنّ غضّ البصر عبادة أمر الله بها الرجال والنساء عمّا حرّم الله.
الثالث: أنّ الله أمر أمهات المؤمنين ألا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وأن تبقى النساء في البيوت وألا تخرج إلا لحاجة لأنّ الله يريد لنساء المسلمين الطهر والعفاف، كما قال سبحانه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٣].
الرابع: حذرّ النبي ﷺ من الخلوة بالمرأة الأجنبية لما تسببه تلك الخلوة من الوقوع في الفاحشة وانتهاك الفضيلة والشرف عن طريق الرؤية والكلام الليّن، وقد قال النبي ﷺ : «وَلَا يَخْلَوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا» أخرجه أحمد (١).
وقال النبي ﷺ عن الحمو قال: «الحَمْوُ المَوْتُ» أخرجه البخاري (٢).
الخامس: أنّ هذا الزمان انعدم فيه الخوف من الله والحياء منه، وانتشرت به الإباحية التي يعرق بها الجبين لأنها من موبقات العار، واختلاط الذكور
стр. 3702
بالإناث في أماكن العمل يغذي الفاحشة ويفتح أبواب الرذيلة، لهذا وجب سدّ الذرائع الموصّلة إلى فاحشة الزنا.
السادس: أنّ الشيطان يحاول إهانة بني آدم بكشف العورة وإبداء السوءة، وأول إهانة ظفر بها إبليس إهانة آدم وحواء في الجنة، لأنّ إهانة الآدمي تسرّه ومعصيته تُفرحه، وقد حمل العرب في الجاهلية حتى خلعوا ثيابهم وطافوا بالبيت عُراة حتى يهينهم بكشف العورة في حرم الله في حالة مُزرية رجالًا ونساءً.
فأنزل الله قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وللشيطان مقصد آخر وهو أن كشف العورة يدعو إلى فاحشة الزنا، وهذا ما حصل ويحصل الآن في أنحاء العالم.
السابع: أنّ من طبيعة العرب الغيرة على النساء وعدم الدياثة، لأنّ ضمائرهم حيّة وطبائعهم أبية لا تأبى دنس الأعراف وقذارتها، والاختلاط في أماكن العمل ينافي أصول الشرف والمروءة.
الثامن: الاختلاط كما هو مشاهد يسبب كثرة الجرائم وكثرة الزنا، وكثرة أولاد الزنا ويولّد الشك، ويضاعف حالات الطلاق والانتحار، وهذا كما هو محرّم شرعًا واقعٌ حسًا، فنسأل الله السلامة والعافية لجميع المسلمين والمسلمات: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا
стр. 3703
تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٢٨].
فيجب على الرجال أن يكونوا في أماكن العمل لوحدهم، والنساء في أماكن العمل لوحدهن طاعةً لله ورسوله، وحفظًا للجميع من الوقوع في الزنا ووسائله، وعدم تهيئة الفرصة للوقوع بفاحشة الزنا.
• الواجبات الكبرى في الإسلام:
يجب على كل مسلم ومسلمة تصديق أخبار الله ورسوله، وامتثاله أوامر الله ورسوله، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• فيجب على عموم المسلمين الواجبات الآتية:
أولًا: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
ثانيًا: إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له واجتناب عبادة ما سواه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
стр. 3704
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ٣٦].
ثالثًا: طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ وطاعة ولي الأمر في غير معصية الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفقٌ عليه (١).
رابعًا: تعلم العلم الشرعي وتعليمه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
خامسًا: الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
تاسعًا: حسن الخُلق مع الخَلق والخالق، فحسن الخلق مع الخالق بتوحيده والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له، وحسن الخلق مع الخلق ببذل الندى وكفّ الأذى.
• فالدين ركنان:
١ - عبادة الحق.
٢ - والإحسان إلى الخلق.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
عاشرًا: لزوم الاستغفار والتوبة في كل حال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
حكم دفع الصائل:
من صال عليه آدمي أو بهيمة وجب عليه أن يدافع عن نفسه وأهله للأمور الآتية:
أولًا: أنّ الله أمر بالدفاع عن النفس، كما قال سبحانه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ
стр. 3707
انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩١ - ١٩٣].
ثانيًا: أنّ الله نهى الإنسان أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
ثالثًا: أنّ النفس محترمة، ونفس الصائل معتدية ليس لها حُرمة، فيجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية.
رابعًا: ولأنّ نفس الإنسان محترمة وأمانة عنده وجب عليه أن يدافع عنها.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ». أخرجه مسلم (١).
أما إذا حصلت فتنةٌ عظيمة، واضطرب الناس، واضطرب الأمن فصار بعضهم يقتل بعضًا فيجب الدفاع عن النفس والأهل بقدر الاستطاعة، فإن كانت المدافعة لا تجدي لكثرة الغوغاء أو ترتب على المدافع فيها شرٌ أكبر، أو كان الإنسان لا يستطيع المدافعة ففي هذه الحالات لا يجب الدفع، ويعتزل الإنسان الفتنة وأهلها، كما قال النبي ﷺ : «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا
стр. 3708
خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ». متفقٌ عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ». متفقٌ عليه (٢).
أما إذا وجد الإنسان مع امرأته رجلًا يزني بها فله قتله دون إنذار، لأنّ هذا من باب عقوبة المعتدي لا من باب دفع الصائل، أما الدفاع عن المال فيجوز ولا يجب، وإن لم يندفع إلا بالقتل قتل لانتهاك حرمة المال، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». متفقٌ عليه (٣).
ومن نظر من خصاص الباب إلى البيت فهذا تُفقأ عينه دون مدافعة لأنّ هذا ليس من باب دفع الصائل، بل من باب عقوبة المعتدي.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» (٤) متفقٌ عليه
стр. 3709
٥ - الخزانة الخامسة
من حقوق المسلم على أخيه إجابة الدعوة، فمن حق المسلم على أخيه إذا دعاه أن يجيبه، إذا كان الداعي مسلمًا ولم يكن مجاهرًا بالمعصية، ولم تكن الدعوة مشتملة على معصيةٍ لا يستطيع إزالتها، وتجب الدعوة في العرس خاصة.
فإذا كان الداعي غير مسلم فلا تجب الإجابة وتشرع إجابة دعوة الكافر لمصلحة كرجاء إسلامه أو تأليف قلبه، لأن النبي ﷺ أجاب دعوة يهوديٍ في المدينة.
وإن كان الداعي مسلمًا مجاهرًا بالمعصية كحلق اللحى أو شرب الدخان علنًا أو غير ذلك من المحرمات، فإن إجابته ليست بواجبة، وكذا لو كان الإنسان معذورًا بمرضٍ أو مناسبةٍ أخرى أو غير ذلك من الأعذار، وإن كان في إجابة المجاهر بالمعصية مصلحة أجابه، وإن كان ليس في إجابته مصلحة نظر فإن كان في عدم إجابته مصلحة فلا تجبه لعلّ الله يهديه.
وإن كان لا فائدة من ذلك فأنت بالخيار، وإن كان بالدعوة منكر فإن كان الإنسان قادرًا على تغييره وجب عليه الإجابة لإزالة المنكر وإجابة دعوة أخيه، وإن كان المنكر لا يستطيع تغييره كالأغاني وشرب الدخان ونحو ذلك من المحرمات فلا يجوز إجابته، لأن حضور المحرّم ولو مع كراهة الإنسان له في قلبه يكون الإنسان مشاركًا للفاعل، كما قال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا
стр. 3710
مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
فعلى المسلم لأخيه المسلم حقوق يجب عليه أداؤها بقدر الاستطاعة، عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ». أخرجه البخاري (١).
وعن البراء بن عازب ﵄ قال: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ سَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ فَذَكَرَ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ المُقْسِمِ». متفقٌ عليه (٢).
وعن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ». متفقٌ عليه (٣).
والشرائع الإسلامية مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، فإذا عظمت المصلحة أوجبها الله سبحانه في كل شريعة، كالتوحيد والإيمان والعدل ونحو ذلك، وإذا عظمت المفسدة حرّمها الله في كل شريعة، كالكفر والشرك والقتل والزنا والظلم والغصب وأمثالها من المحرمات، فإن
стр. 3711
تفاوتت رتب المصالح والمفاسد فقد يقدم الشرع بعض المصالح في بعض الشرائع على بعض، ويخالف ذلك في بعض الشرائع، وكذلك المفاسد.
فالقصاص في شريعة موسى واجبٌ حق حقًا لله في حد الزنا والسرقة، وهو في شريعتنا حقٌ للعبد مقترنٌ بحق الرب، ورجح فيه حق العبد على حق الرب في شرعنا وذلك نظرًا للجاني ولولي الدم.
وكذلك حرّم الله النكاح بأكثر من امرأة في شرع عيسى ﷺ نظرًا للنساء حتى لا يتضررن بكثرة الضرائر والإيماء، وأباح الله سبحانه في شرع موسى ﷺ النكاح من غير حصر لمن قدر على القيام بحقوقه. وأباح سبحانه في شرعنا الزيادة على واحدة نظرًا للرجال، وحرّم الزيادة على أربع نظرًا لمصلحة النساء ورحمةً بهن، وجوز وطئ الإيماء من غير حصر نظرًا للرجال وحاجتهم.
فلله الحمد والمنّة على أن أكمل لنا الدين، وأتمّ علينا النعمة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 3712
• أقسام المسؤولية:
المسؤولية الواجبة على كل مسلم ومسلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
المسئولية الأولى: الجهد على النفس
بتزكيتها بالتوحيد والإيمان والتقوى، وتطهيرها من الشرك والنفاق والفجور، لتنتقل من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة ثم إلى الملامة ثم إلى النفس المطمئنة ثم إلى الراضية ثم إلى المرضية ثم إلى الزاكية الصافية النقية التقية، وذلك بتحقيق أعمال النبوة في الإيمان والعبادة والدعوة والتعلم والتعليم والأخلاق.
قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وهذا الجهد يتحقق بالمجاهدة ولزوم بيئة الإيمان والأعمال الصالحة.
قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 3713
المسئولية الثانية: إصلاح البيئة.
فالإنسان في البيئة الصالحة يزداد صلاحًا، وفي البيئة الفاسدة يزداد فسادًا كالماء يجمد أو يسخن حسب البيئة.
• والبيئة الصالحة نستفيد فيها خمسة أمور:
أن نتعلم الدين .. ونعمل بالدين .. ونثبت على الدين .. ونترقى في الدين .. وننشر الدين.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
ويتم ذلك بإحياء حلقات الإيمان والتعليم في البيوت والمساجد، ومذاكرة فضائل الأعمال، والإكثار من ذكر الله واليوم الآخر، والمحافظة على العبادات في أوقاتها فنجلس في البيئة الإيمانية ليزيد إيماننا، ثم نخرج إلى الساحة الميدانية لننقل بإذن الله الغافلين إلى بيئة الذاكرين ليكونوا جميعًا سوا في كل شيء، ويعودوا مذكرين للغافلين: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
стр. 3714
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
فالبيئة الإيمانية يدخل بها الإنسان كافرًا ويخرج مؤمنًا، ويدخل فيها فاسقًا ويخرج صالحًا، ويدخل فيها جاهلًا ويخرج منها عالمًا.
المسئولية الثالثة: مسؤولية العالَم.
فنحن مسئولون عن العالَم كله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فنبلغ الناس دين رب الناس ليعبد كل الناس رب الناس، ففكر العالِمِ للعالَم كلّه، وعِلم العالِم للعالَم كله في مشارق الأرض ومغاربها، فالدنيا كلها ميدان جهد العلماء والدعاة إلى الله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 3715
وبهذا الجهد العظيم والقيام بالمسؤوليات الثلاث تتحقق جميع دوائر الهداية التي أكرمنا الله بها وشرفنا بالقيام بها، دائرة هداية النفس، ودائرة هداية الأسرة، ودائرة هداية العشيرة، وهداية البلد، وهداية القارة، وهداية العالم كله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وبهذا الجهد العظيم نبقى دائمًا في بيئةٍ صالحة مع رفقةٍ صالحة مع أعمالٍ صالحة مع مجموعةٍ صالحةٍ ومُصلحة: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وهذه الأنوار الثلاثة تضرب ظلمات البيئة الفاسدة والصحبة الفاسدة والأعمال الفاسدة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ