• ومن هذه الأمانات:
١ - أمانة الوقت، فالوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، والنفس أن لم تشغلها بالخير، شغلتك بالشر، فالمكان ظرف للأشياء، والزمان ظرف للأعمال، ولأهمية الوقت أقسم الله به في القرآن بجميع الأوقات، فأقسم الله بالليل، والنهار، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل: ١ - ٢].
وأقسم الفجر، وبالعصر، والضحى، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ١ - ٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١ - ٢].
وقسم العبادات على الأوقات: كالصيام، والحج، والأذكار، وغيرها. وملأ حياة الإنسان بالأعمال الصالحة، التي تستغرق حياة الإنسان، وتسعده في دنياه، وأخراه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ومن هذه الأمانات، أمانة الشهادة لهذا الدين، فالشهادة له في النفس البشرية أولًا بمجاهدة النفس، حتى تكون ترجمة له، ترجمة حية في شعورها، وسلوكها، وظاهرها، وباطنها حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه
стр. 3747
النفس الجميلة، فيقولون ما أحسن هذا الإيمان، وأطيبه، وأزكاه، وهو يصوغ أصحابه على الجمال، والكمال، وحسن الأخلاق، والآداب: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
فتكون هذه شهادة، لهذا الدين في النفس، يتأثر بها الآخرون فيدخلون فيه، والشهادة له كذلك بدعوة الناس إليه، وبيان فضله، وجماله، وسننه، وأحكامه، فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لما يدعو إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة، والتبليغ، والبيان، وهي إحدى الأمانات الكبرى، التي شرف الله بها الإنسان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
ثم الشهادة لهذا الدين، بمحاولة إقراره في الأرض منهجًا للبشرية كلها، تسير على هداه، وتتميز عن البهائم، والسباع، والكفار، فإقرار منهج لله في حياة الفرد، وحياة الأمة، في حياة البشر، هو كبرى الأمانات بعد الأيمان بالله، ولا يعفى من هذه الأمانة فرد، ولا جماعة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
стр. 3748
(١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
ومن الأمانات التي يجب أدائها، أمانة التعامل مع الناس، ورد أمانتهم إليهم، وأمانة المعاملات، والودائع، وأمانة النصيحة للراعي، والرعية، وأمانة القيام على الأهل، والأولاد، وأمانة المحافظة على العبادات، وأدائها في وقتها بصفتها خالصة لله، وسائر ما ورد في الدين من أحكام، وواجبات، وسنن، وآداب، فهذه من الأمانات التي يجب أن تؤدى، كما أمر الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
ومن أعظم الأمانات، وأهمها:
الحكم بما أنزل الله في أي جيل، وفي أي قبيل، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فإنما يرفض ألوهية الله، ويرد أمره، وذلك كفر، وخيانة للأمانة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]
стр. 3749
٤ - الخزانة الرابعة
• وصف الله من لم يحكم بما أنزل الله بثلاث صفات:
الكفر .. الظلم .. الفسق.
فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
فالظلم صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله، فهو كافر باعتباره رافض للألوهية الله سبحانه، واختصاصه بالتشريع لعباده وحده، وهو ظالم بحمل الناس على شريعة، غير شريعة الله الصالحة المصلحة لأحوالهم، وهو ظالم لنفسه بإيرادها موارد الهلكة، وتعرضيها لعقاب الكفر، وتعريض حياة الناس، وهو معهم للفساد.
وصفة الفسق، صفة ثالثة تضاف إلى صفة الكفر، والظلم من قبل، فمن رد الأمانة، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فهو فاسقٌ بخروجه عن منهج الله، وإتباع غير طريقه.
فالكفر برفض ألوهية الله مثلًا في رفض شريعته، والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله، والفسق بالخروج عن منهج الله، وتجاوزه إلى غيره.
стр. 3750
لقد ربى الله ﵎ هذه الأمة بمنهج القرآن، وقوامة رسول الله ﷺ ، حتى وصلت إلى المستوى الذي تؤتمن فيه على دين الله في نفوسها، وحياتها، وقوامتها على البشرية، لقد رباها الله بشتى التوجيهات، وشتى المؤثرات، وشتى التشريعات، وشتي الابتلاءات: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقد حقق الله ما يريده بهذه الأمة، فقامت في واقع الحياة الأرضية، في عهد ﷺ تلك الصورة المضيئة من دين الله، حين كان دين أولئك سمعنا، وأطعنا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وبأداء هذه الأمانة، وتحقيقها في واقع النفس، وفي واقع الحياة، صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، ونقلها الله من شر القرون إلى خير القرون، ومن شر البرية إلى خير البرية، فنقلها من الشرك إلى التوحيد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الجهل إلى العلم، فكانت خير أمة أخرجت للناس، وكانت أبرها للأمة قلوبا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو
стр. 3751
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وتملك البشرية ذلك اليوم حين تعود إلى ربها، وتجاهد لبلوغ رضاه، فيعينها الله، والله غالب على أمره، وبيده مقاليد الأمور.
• والناس في أداء الأمانة قسمان:
القسم الأول: قسم خلقه الله لجهنم، وهؤلاء هم الذين خانوا الأمانة، الذين ينكرون الحق، ويكذبون به، فلهم جنهم.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
القسم الثاني: قسم متمسكون بالحق، ويدعون الناس إليه، ويحكمون به، ويدافعون عنه، ولا ينحرفون عنه، وهم الذين أدوا الأمانة، كما قال سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ [الأعراف: ١٨١].
فهذه الأمة ثابتة على الحق، العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، فهم يهدون بالحق، ويدعون إلى الحق، ويعملون بالحق، فهم لا يقتصرون على معرفة الحق، والعمل به، إنما يتجاوزونه إلى الهداية به، والدعوة إليه، ويتجاوزون معرفة الحق، والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس، والحكم بينهم تحقيقًا للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق.
стр. 3752
فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علمٍ يعرف، ويدرس، ولا مجرد وعظٍ يهدى به، ويعرف، إنما جاء هذا الحق؛ ليحكم أمر الناس كله بلا استثناء.
قال الله تَعَالىَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
يحكم اعتقادهم، ويحكم شعائرهم التعبدية، ويحكم حياتهم الواقعية، ويحكم أخلاقهم، وسلوكهم، ويحكم أفكارهم، وعلومهم، يصبغها بلونه، ويضبطها بموازينه.
قال الله تَعَالىَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق وحده: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
والأموال، والأولاد فتنة، قد تقعد الناس عن استجابة الله، والرسول؛ خوفًا، وبخلا، والحياة التي يدعو إليها رسول الله ﷺ حياة كريمة، لابد لها من تكاليف، ولابد لها من تضحيات، ولقلب هذا الحرص، ينبه الله عبادة إلى فتنة الأموال، والأولاد، فهي موضع فتنة، وابتلاء، ويحذرهم من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان، ومن التخلف
стр. 3753
عن دعوة الجهاد، وعن النقوص عن تكاليف الأمانة، والعهد، والبيان، واعتبار هذا كله خيانة لله، والرسول، وخيانة للأمانات التي تطلع بها الأمة المسلمة في الأرض، والتي تميزها عن سائر البشر، وهي إعلاء كلمة الله في الأرض، وتقرير ألوهيته وحده للعباد، والوصاية على البشرية بالحق، والعدل، وتنفيذ أوامر الله في عباده على مدار الزمان، ومع هذا التحذير، التذكير بما عند الله من أجر عظيم، يرجح بالأموال، والأولاد التي تقعد الناس عن التضحية، والجهاد في سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]
فعلى الأمة المسلمة، التي آمنت بالله، أن تجاهد لتقرير عقيدة الإيمان في القلوب، وإقامة منهج الله في خلقه، وبذلك تكون قد أدت الأمانة، التي حملتها.
الإسلام ليس كلمة تقال باللسان فقط، وليس مجرد عبادات، وأدعية، وأذكار فقط، إنما هو مع ذلك منهج حياة كاملة، شاملة؛ لبناء واقع الحياة الإنسانية، على قاعدة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق، ورد المجتمع كله إلى حكمه، وشرعه، ورد الطغاة المعتدين على ألوهية الله، وسلطانه، من الطغيان، والاعتداء،
стр. 3754
وتأمين الحق، والعدل، ومكارم الأخلاق للناس جميعًا، وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت، وتعمير الأرض، والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله بمنهج الله، وفق سنة رسول الله ﷺ .
قال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وكل هذه أمانات عظيمة، من لم ينهض بها فقد خانها، وخان عهد الله الذي عاهد الله عليه، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله، وأداء ذلك كله يحتاج إلى الصبر، والتضحية، وإلى الاستعلاء على فتنة الأموال، والأولاد، وإلى التطلع إلى ما عند الله من أجر عظيم، لمن أدى الأمانة، واعلموا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥].
فقد وهب الله عباده الأموال، والأولاد ليبلغهم بها، ويفتنهم بها، فهي من زينة الحياة الدنيا، التي تكون موضع امتحان، وابتلاء، ليرى الله فيها صنع العبد، وتصرفه، أيشكر الله عليها، ويؤدى حق النعمة فيها؟ أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها، أمانة الله الذي أتمنه الله عليها، فإذا انتبه القلب لموضع الامتحان، والاختبار، كان ذلك عونًا له على الحذر، واليقظة، لئلا يخفق في الامتحان، ثم لا يدعه الله بلا عون منه، ولا عوض.
فقد يضعف الإنسان بثقل الأمر، خاصة في موطن الضعف في الأموال، والأولاد، فيلوح الله له بما هو خير له من ذلك، وأبقي؛ ليستعين به على
стр. 3755
مقاومة الفتنة، ويتقوى، ويثبت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦].
وبعض الناس يظن أن الاعتراف بألوهية الله في ذاته، والإيمان، وأن الناس متى اعترفوا بأن الله إلههم، فقد بلغوا الغاية، دون أن يربتوا على الألوهية مقتضاها، وهو العبودية، فيطيعونه، ويخضعون له في كل شيء، فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له، ولا يحكمون في أمرهم كله غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وبعضهم يظن أن العبودية، تتحقق بمجرد تقديم الشعائر لله، ويحسبون أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده، من صلاة، وذكر، وتلاوة قرآن، فقد عبدوا الله وحده، بينما كلمة العبادة اشتقت من عبد، وعبد تقيد ابتداء، وهو عبد تفيد ابتداء دان، وخضع، وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة، والخضوع لله، وهذا لا يستغرق كل حقيقة الدينونة، ولا كل مظاهرها.
стр. 3756
يا حسرة على العباد من سوء الفهم! وسوء الظن! وسوء الجهل!.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٣٠].
إن الجاهلية ليست فترة من الزمان مرت فقط، إنما هي انحصار معنى الألوهية، والعبادة على هذا النحو، هذا الانحصار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك، وهم يحسبون أنهم على دين الله، كما قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
فهل يليق بالمسلمين أن يؤدوا الشعائر لله، بينما أربابهم في الحياة غير الله يشرعون لهم ما لم يأذن به الله، فيطيعونهم، وتلك عبادتهم إياهم.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١: ٦٠].
والله هو الذي خلق هذا الكون، وله الأمر، والحكم فيه، وحده لا شريك له، فهو الذي يحكم لعباده بسلطانه، وشريعته، وهو الذي يدينون له وحده، ويخضعون لأمره، ولنهيه وحده، ويتبعون ما شرعه لهم في جميع أحوالهم، ولا يجوز لهم أن يشركوا معه أحدًا سواه.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
стр. 3757
إن على المصلحين، والدعاة إلى الله، والعلماء، أن يعملوا لإعادة هذا الدين في حياة الأمة إلى الوجود الفعلي في مختلف شعب الحياة، بعد أن انقطع هذا الوجود منذ حلت شرائع البشر محل شريعة الله، في أغلب بقاع الأرض، وخلى وجه الأرض من الوجود الحقيقي للإسلام، وإن بقيت المآذن، والمساجد، والأدعية، والشعائر، تخدر مشاعر الباقيين على الولاء العاطفي، الغامر، لهذا الدين، وتوهمهم أنه لا يزالوا بخير، وهو يمحى من الوجود محوًا، وتطرد شرائعه، وأحكامه من واقع الحياة طردًا، وتهمد أركانه، وواجباته، وسننه كل حين: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١٠٩ - ١١٠].
إن مجتمع التوحيد، والإيمان قد وجد في مكة قبل أن توجد الشعائر التعبدية من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وغيرها.
وقبل أن توجد المساجد، وجد من يوم قيل للناس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
стр. 3758
ومن حين قيل للناس: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥].
فعبدوه، ولم تكن عبادتهم حين إذا ممثلة في الشعائر، فالشعائر لم تكن بعد قد فرضت إنما كانت عبادتهم له ممثلة في الدينونة لله وحده في كل شيء قبل نزول الشرائع.
وحين أصبح لهؤلاء الذين قرروا الدينونة لله وحده سلطانٌ ماديٌ، فالأرض تنزلت الشرائع، والشعائر، وأدان الناس لربهم بهذا، وهذا على حدا سواء.
إن الناس لا تتحول أبدًا من الجاهلية، وعبادة الطواغيت إلى الإسلام، وعبادة الله وحده إلا عن طريق ذلك الطريق الطويل البطيء الذي سارت فيه دعوة الإسلام في كل مرة من أول يوم فأفلحت.
ذلك الطريق الذي بدأ بفرد وهو الرسول ﷺ ثم تتبعه طليعة مؤمن، ثم تتحرك هذه العصبة في وجه الجاهلية، وتعانى ما تعانى حتى يحكم الله بينها، وبين قومها بالحق، ويمكن لها في الأرض، فتقيم الشعائر، والشرائع في جميع أحوالها، ثم يدخل الناس في دين الله أفواجًا.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وهذه الأمة التي اختارها الله لحمل أمانة الدين، والدعوة إليها لها صفات، وعليها واجبات، ولها مكانة عند الله، ومكانة عند الناس.
стр. 3759
وقد جمع الله المنهاج الذي رسمه لهذه الأمة، ولخص التكاليف التي ناطها به، وقرر مكانها الذي قدره لها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
إن الله يناديهم بالصفة الذي ميزهم بها عن غيرهم، وهى الإيمان، ثم يأمرهم بالركوع، والسجود، وهم ركنا الصلوات البارزات، ثم يأمرهم ثالثًا بالأمر العام بالعبادة، وهى أشمل من الصلاة، فعبادة الله تشمل الفرائض كلها، وتزيد عليها كذلك كل عمل، وكل حركة، وكل نية يتوجه بها العبد إلى ربه ثم يختم بفعل الخير عامة بالتعامل مع الناس بعد التعامل مع الله فالصلاة، والعبادة.
стр. 3760
٥ - الخزانة الخامسة
يأمر الله الأمة المسلمة بذلك رجاء أن تُفلح، فهذه أسباب الفلاح العبادة تصله بالله خالقها، وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة على قاعدة الإيمان بالله، فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة بالله، واستقامة الحياة نهضت بالتبعة الشاقة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
• والجهاد في سبيل الله يشمل:
جهاد النفس، وجهاد العدو، وجهاد الشر، والفساد كلها سواء: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده، وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر، وحسن الأداء لهذه الأمانة.
وهو تكليفٌ محفوف برحمة الله، فلا حرج فيه، ولا مشقة، وهذا الدين كله بتكاليف، وعباداته، وشرائعه ملحوظٌ في فطرة الإنسان، وطاقته، فلا تبقى طاقة حبيسة مكتومة.
ولا تنطلق انتقال الحيوان الغشيم، البهيم الذي يتلف كل شيء بلا حساب، إنه منهج الله الذي أكرم به البشرية ملة أبيكم إبراهيم منبع التوحيد الذي بقى في ذريته لم ينقطع من الأرض كما انقطع من قبل إبراهيم، وقد سماكم الله بالمسلمين من قبل، وبعد نزول القرآن، فالإسلام هو إسلام الوجه والقلب لله وحده لا شريك له فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع
стр. 3761
الرسل والرسالات والأجيال حتى انتهى بها المطاف إلى امة محمد ﷺ وحتى سُلمت إليها الأمانة عهد الله عليها بالوصاية على البشرية إلى يوم القيامة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فهذه الأمة هي القوامة على البشرية بعد نبيها ﷺ وهي الوصية على الناس في موازين شريعتها، وهي أمينةٌ على ذلك، ومسئولة عنه، فعليها أداء الشهادة لهذا الدين من خلال واقعها ومنهج حياتها كما أراد الله ليدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهي مسئولة عنهم، وشاهدة عليهم فما أعظم الكرامة! وما أكبر المهمة! وما أثقل الأمانة!.
فالرسول ﷺ يشهد على هذه الأمة، وهذه الأمة تشهد على الناس: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بهذا المنهج الإلهي العظيم، وطبقته في حياتها الواقعية، ومشيت به في الناس: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
стр. 3762
حتى إذا انحرفت عنه، و تخلت عن تكاليفه ردها الله من مكان القيادة والعزة إلى مكان التابع في ذيل القافلة حتى تحكم فيه أحفاد القردة، والخنازير من اليهود والنصارى.
فما تزال ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اصطفاها الله له، وهذا الأمر العظيم يقتضى الاحتشاد له، والاستعداد له ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتابها الله لها، وشرفها بها إن الإيمان أمانةٌ في الأرض، ولابد من الابتلاء؛ ليعلم الله الصادق من الكاذب ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢].
إن الإيمان أمانة الله في الأرض، ولابد من الابتلاء؛ ليعلم الله الصادق من الكاذب، كما قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
ومن الفتن أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل، وأهله ثم لا يجد النصير الذي يساعده، ويدافع عنه، ولا يملك النصر لنفسه، ولا المنعة، ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان، وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، ولكنها ليست أعنف صور الفتنة، فهناك فتن كثيرة في صور شتى ربما كانت هي أمر وأدهى.
стр. 3763
هناك فتنة الأهل، والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم أذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعًا.
وقد يهتفون به؛ ليسالم، أو يستسلم، وينادونه باسم الحب، والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى، أو الهلاك.
وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين، ومرموقين تهتف لهم الدنيا، وتصاغ لهم الأمجاد وهو مهملٌ منكر لا يحس به أحد ولا يحامى عنه أحد، ولا تقضى له حاجة، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا.
وهناك كذلك فتنة الغربة في البيئة حين يرى المؤمن كل من حوله غارقًا في طيار الضلالة سابحًا في بحر الشهوات، وهو وحده موحشٌ، غريبٌ، طريد.
هناك كذلك فتنةٌ من نوع آخر فتنة أن يجد المؤمن أممًا ودولًا غارقة في الرذائل، وهى مع ذلك راقية في مجتمعها يجد الفرد فيها من الرعاية، والحماية ما يناسب قيمة الإنسان، ويجدها غنية قوية، وهى مشاقة لله، ورسوله.
وهناك فتنةٌ أكبر من ذلك كله إنها فتنة النفس، والشهوة، وجاذبية الأرض، والرغبة في المتاع، والسلطان، وفى الدعة، والراحة، وفى صعوبة الاستقامة على صراط الله مع المعوقات، والمثبطات في أعماق النفس، وفى ملابسات الحياة، وفى منطق البيئة، فإذا طال الأمد، و أبطيء نصر الله
стр. 3764
كانت الفتنة أشد وأقصى، وكان الابتلاء أشد، وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله.
وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في قلب الإنسان، وحاشا الله أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة، ولكنه الإعداد الحقيقي؛ لتحمل الأمانة فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية الشاقة، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله، أو في ثوابه على الرغم من طول الفتنة، وشدة الابتلاء، واقتحام الأهوال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١١٠].
والنفس تطهرها الشدائد، فتنفى عنها الخبث، وتستجيشوا كامن قواها، وتطرقها بعنف، وشدة، فيشتد عودها، وكذا تفعل الشدائد بالمؤمنين، فلا يبقى صامدًا إلا أصلبهم عودًا، وأشدهم اتصالًا بالله وثقة فيما عند الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية، مؤتمنين عليها بعد الاستعداد، والاختبار، وإن هؤلاء الأخيار من المسلمين يتسلمون الأمانة وهى عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالٍ ثمين، وبما أدوا لها من عال الثمن، وبما بذلوا لها من الصبر على المحن، وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام،
стр. 3765
والتضحيات: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فهؤلاء هم الذين يشعرون بقيمة الأمانة، فلا يهون عليهم أن يسلموها رخيصة بعد كل هذه التضحيات، والآلام.
فأما انتصار الإيمان، والحق، في النهاية فأمر تكلف الله به وما يشك مؤمنٌ في وعد الله، فإن أبطيء فلحكمة مقدرة فيها الخير للإيمان، وأهله، وليس أحد بأغير على الحق، وأهله من الله.
وحسب المؤمنين الذين تصيبهم فتنة، ويقع عليهم البلاء أن يكون هم المختارين من الله؛ ليكونوا أمناء الله على حق الله، ودينه، وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة هو اختارهم للابتلاء حسب إيمانهم فأشد الناس بلاء الأنبياء، والأمثل، والأمثل.
كما سئل ﷺ : «أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» رواه الترمذي وابن ماجه بسندٍ حسن (١).
والذين يفتنون المؤمنين، ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب الله، ولا ناجين مهما انتفخ باطنهم، وانتفش: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ [العنكبوت: ٤].
стр. 3766
فلا يحسبن مفسد أنه مفلت، ولا سابق، ومن يحسب هذا، فقد ساء حكمه، وفسد تقديره: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة؛ ليمتحن إيمانهم، ويميز بين الصادقين، والكاذبين، وهو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل، ولا تتخلف، ولا تحيد، وإذا كانت الفتنة سنةٌ جارية، لامتحان القلوب، وتمحيص الصفوف، فخيبة المسيئين، وأخذ المفسدين سنة جارية، لابد أن تجيء، وهذه النفوس التي تحتمل تكاليف الإيمان، ومشاق الجهاد، إنما تجاهد لنفسها، ولخيرها، ولاستكمال فضائلها، وإصلاح أمرها، وحياتها، وإلا فما بالله حاجة لأحد، وأنه الغني عن كل أحد: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
فلا يقفن أحد في وسط الطريق يطلب من الله ثمن الجهاد، ويمن عليه، وعلى دعوته، ويستبطئ المكافأة على ما ناله، فإن الله لا ينال من جهاد العبد شيء، وليس في حاجة إلى جهد بشرٍ، ضعيفٍ، هذيل، وإنما هو فضل من الله، أن يعينه في جهاده، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثواب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ [العنكبوت: ٧].
فليطمئن المؤمن على ما له عند الله، وليصبر على تكاليف الجهاد، وليثبت على ما وراء الفتنة، والابتلاء: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشورى: ٣٦].
стр. 3767
ومن أدى الأمانة فاز بالجنة، والرضوان، ومن ضيع الأمانة باء بالنار، والخسران: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
هذا مبدأ الجزاء العادل، الذي يفرق بين المحسنين، والمسيئين في الدنيا، والآخرة، والذي يعلق الجزاء بالعمل على أساس العدل، والإحسان، فما يستوي المؤمنون، والفاسقون في طبيعة، ولا شعور، ولا سلوك حتى يستووا في الجزاء في الدنيا والآخرة سواء، المؤمنون متجهون إلى الله، مؤمنون به، عاملون بمنهجه.
والفاسقون منحرفون، شاردون، مفسدون في الأرض، لا يرتقون مع المؤمنين على منهج الله في الحياة، فلا عجب أن يختلف طريق المؤمنين، وطريق الفاسقين في الآخرة، وأن يلقى كل منهم الجزاء الذي يناسب رصيده، وما قدمت يداه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]
стр. 3768
٢٥ - خزائن خلق الجن
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
стр. 3769
٢٥ - خزائن خلق الجن
١ - الخزانة الأولى
الله هو الخلاق العليم، الذي خلق كل شيءٍ فقدره تقديرا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وأعظم المخلوقات التي خلقها الله العرش العظيم، الذي استوى عليه برحمته كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
• والمخلوقات الكبرى التي خلقها الله بعد ذلك هي:
عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان وعالم الإنسان وعالم الجان وعالم الملائكة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
ومن هذه المخلوقات ما هو مكلفٌ، ومنها ما هو مسخر.
فالمكلفون هم الملائكة والإنس والجن، الملائكة مخلوقاتٌ مكلفةٌ مسخرة، فهم يسبحون بحمد ربهم، وهم المدبرات أمرًا في العالم العلوي والعالم السفلي وعالم الدنيا وعالم الآخرة، والإنس والجن مكلفون بعبادة الله، لكن تكليفهم اختياري لا تسخيري: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
стр. 3770
لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
الله ﵎ خلق الملائكة من نور، وخلق الجن من نار، وخلق البشر من تراب كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧].
والجان مخلوقون قبل آدم، قال النبي ﷺ : «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». أخرجه مسلم (١).
والجان هو أبو الجن، وفيهم المؤمن والكافر، وإبليس هو أبو الشياطين، وله ذريةٌ لا يموتون إلا معه، وهو من الجن ولكنه تمحض للشر: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥٠ - ٥١].
وآدم ﷺ هو أبو الإنس، وفيهم المؤمن والكافر، والملائكة خلقهم الله من نور، وهم مجبولون على الطاعات: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
стр. 3771
فالملائكة تمحضوا للخير، والشياطين تمحضوا للشر، والجن والإنس قابلون للإيمان والكفر، مستعدون للهدى والضلال، قائمون بالطاعة أو المعصية، ولا سبيل إلى معرفة الملائكة والجن إلا عن طريق الوحي الإلهي.
وإبليس هو الشيطان، وهو من الجن، وله ذرية كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].
والجن من خلق الله ولهذا الجنس من الخلق خصائص منها:
خلقهم من نار: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].
ومنها أنهم يرون الناس ولا يراهم الناس، كما قال الله عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧].
وللجن تجمعاتٌ معينة تشبه تجمعات البشر في قبائل وأجناس، ولهم قدرة على الحياة في هذه الأرض مع البشر كما قال الله عن آدم وإبليس: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ [الأعراف: ٢٤].
ولهم قدرة كذلك على الحياة خارج الأرض، والصعود إلى السماء كما قال سبحانه عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا
стр. 3772
(٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٨ - ٩].
والجن يستطيعون أن يسمعوا أصوات الإنسان، ويفهمون لغته، ويتأثرون به، كما قال الله عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف: ٢٩].
وإبليس وذريته يملكون التأثير على البشر وإغوائهم إلا عباد الله المخلصين، فلا سلطان لهم عليهم، كما قال سبحانه عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
والجن كالإنس، يعرفون الحق من الباطل، والرشد من الغي، والخير من الشر، قد شاء الله أن تعرف الجن نبأ الرسالة الأخيرة وأن يؤمن فريقٌ منهم لما سمعوا القرآن، ثم دعوا قومهم إليه: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: ٣٠ - ٣١].
وحين سمعوا الهدى من ربهم أسلموا فورًا كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ [الجن: ١٣].
وهؤلاء الجن الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ شعروا أن عليهم واجبًا في الإنذار لابد أن يؤدوه، واعتبروا نزول هذا الكتاب العظيم إلى الأرض دعوةً من الله لكل من بلغته من إنسٍ وجن، فنادوا قومهم بقولهم: ﴿يَاقَوْمَنَا
وهذا الإقرار من الجن يفيد ازدواج طبيعة الجن واستعدادهم للخير والشر كبني آدم، إلا من تمحض للشر منهم وهو إبليس وقبيله، ليس كل الجن يمثلون الشر، بل فيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، ولكن تمحض من الجن للشر إبليس وذريته، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والمؤمنون من الجن يعرفون عظمة الله وقدرته، ويدركون أنهم لا يستطيعون الهرب من سلطانه ولا الإفلات من قبضته، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ [الجن: ١٢].
وهم يتأثرون بسماع الهدى كالإنس فيؤمنون، وهم مطمئنون إلى عدل الله وقدرته، مؤمنون أن الله لا يبخس المؤمن حقه ولا يرهقه فوق طاقته، والجن كالإنس في الهدى والضلال، والجزاء على الهدى والضلال، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٤ - ١٥].
فالجن كالإنس يعذبون بالنار ويتنعمون بالجنة حسب إيمانهم وأعمالهم، وكلٌ ميسرٌ لما خُلق له والله أمر الإنس والجن بعبادته، وأعطاهم القدرة على امتثال الأوامر والعمل بالشر، وأعطى كل جنسٍ من الطاقات والقدرات ما يناسب حاله، فإذا استطاع إنسانٌ أن يسخر جنيًا فقد حصل على فرصةٍ أكبر من أفراد جنسه، فهو يستطيع أن يفعل ما لا يستطيع أن يفعله غيره من البشر، فإذا استبد بهذا الإنسان هواه وأنانيته، واستخدم هذه الميزة في الشر بدلًا من الخير سلط الله عليه ما يجعله مرهقًا متعبًا في حياته،
стр. 3775
ولذلك نجد أمثال هؤلاء الناس يعيشون حياةً تعيسةً شقية، وينتهي أمرهم بالانتحار أو الجنون أو النكد، فالذي يأخذ فرصةً أعلى من غيره قد تشقيه ولا تسعده، والذي يعطيه الله فرصةً أقوى إذا لم يستخدمها في الخير سلط الله عليه الشقاء.
فالذي يستعين بقوىً غير قوى البشر كالجن مثلًا نجد شكله منفرًا، ورغم أنه قد يستخف بعقول بعض البشر، ويحصل منهم على الأموال، إلا أننا نجده دائما مفلسًا معسرًا قلقًا، ويموت غالبًا على سوء حال، فالفرصة غير متكافئة لا تجلب له إلا الشقاء، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦].
والله سبحانه حينما سخر الجن لسليمان ﷺ سخرهم لنفع الناس وعمارة الأرض، ولم يسخرهم في الإيذاء كما قال سبحانه عن سليمان ﷺ : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣].
وما أكثر الغاوين الذين أغواهم الشيطان وأضلهم من الجن والإنس، أعطاهم الله القلوب والأسماع والأبصار، ولكنهم لم يستعملوا هذه النعم فيما خلقت له من معرفة الله والإيمان به وطاعته، فهؤلاء جديرون بأن يكونوا من أهل النار: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
стр. 3776
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
• من أنكر الجن فهو كافر لأنه مكذبٌ للقرآن والسنة.
وفي القرآن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وفي القرآن: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].
وأما من جحد دخول الجن في الإنس فهو ضال، وليس بكافر، لأنه قال قولًا ينكره الواقع، وينكره الثابت في السنة، فليعلم ذلك. وقد قال النبي ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ قَالُوا: وَإِيَّاكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ». أخرجه مسلم (١).
فالجن كالإنس مكلفون، ومنهم المسلم والكافر، وأهل سنة وأهل بدعة، كافرهم يدخل النار كما قال سبحانه: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
ومؤمنهم يدخل الجنة كما قال سبحانه عن الإنس والجن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
والجن تهاب الإنس كما تهابهم الإنس، ولكن خوفهم من الإنس أشد، فمن حمل عليهم هربوا منه، ومن خاف منهم ركبوه وآذوه، والعين عينان: عينٌ إنسية، وعينٌ جنية.
стр. 3777
عن أم سلمة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ». أخرجه البخاري (١).
والجنون الذي يصيب بعض الناس مرضٌ من الأمراض أو عابرٌ من الجن، والمجانين كالعقلاء، فيهم من فيه صلاحٌ وفيهم من لا صلاح له، وعقلاء الجن قومٌ لهم تألُّه وإنابة إلى الله، ومحبةٌ له، وإعراضٌ عن الدنيا، أعطاهم الله عقولًا وأحوالًا، فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم، فأسقط ما فرض بما سلب، وسبب الجنون إما واردٌ ورد عليه من المحبة أو الخوف أو الحزن أو الفرح حتى انحرف مزاجه، أو خلطٌ غلب عليه من السوداء، أو قرينٌ قُرِن به من الجن.
• وأسباب مس الجن للإنس ثلاثة:
أولًا: فصرع الجن للإنس له حالات، فقد يكون هذا الصرع عن هوًى وشهوة وعشق كما يحصل بين الإنس.
ثانيًا: وقد يكون عن بغضٍ ومجازاة وهذا هو الأكثر، مثل أن يؤذيهم الإنسان، فيظنون أن هذا الإنسي يتعمد أذاهم، إما ببولٍ على بعضهم، وإما بصب ماءٍ حارٍ عليهم، أو بالوقوع عليهم من مكانٍ عالٍ، وإما بقتل بعضهم خطأً، وفي الجن جهلٌ عظيم وظلم، فيعاقبونه بأكثر مما يستحق.
ثالثًا: وقد يكون الصرع عن عبثٍ من الجن وشرٌ كما يحصل من سفهاء الإنس على بعض الناس.
стр. 3778
فما كان من الأول فهو من الفواحش التي حرمها الله، فيخاطب الجن بذلك، ويُعرّف أن هذا فاحشةٌ وعدوانٌ محرم، لتقوم الحجة عليه بذلك، ويعلمه أنه يحكم فيه بحكم الله ورسوله الذي أرسله إلى جميع الثقلين، الجن والإنس.
وإن كان من القسم الثاني، فإن كان الإنسي لم يعلم بالجنى فيقال له بأن هذا لم يعلم ومن لم يتعمد الأذى لا يستحق العقوبة، وإن كان فعل ذلك في داره وملكه فله أن يتصرف فيها بما يجوز، وأنت أيها الجني لا يحل لك أن تمكث في ملك الإنس بغير إذنهم.
والجن ريحٌ يدخلون في الإنسان عن طريق المسام في جسم الإنسان، وظلم الجن للإنس أن يمسه دون سبب، ويدخل فيه عبثًا، ولا يتسنى له ذلك إلا في إحدى حالاتٍ أربعة:
١ - عند الغضب الشديد.
٢ - وعند الخوف الشديد.
٣ - وعند الغفلة الشديدة.
٤ - وعند الانكباب على الشهوات.
٥ - وعند المفاجآت ونحو ذلك، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». متفقٌ عليه (١).
стр. 3779
• والصرْع هو المس، وهو صرع الجن للإنس وهو قسمان:
الأول: صرعٌ سببه تشنج الأعصاب.
وهذا مرضٌ عضوي يمكن أن يعاج كغيره من قبِل الأطباء بدواءٍ يسكنه أو يزيله.
الثاني: صرعٌ سببه تسلط الجن على الإنس ليصرعه، ثم يغمى عليه من شدة الصرع ولا يحس، ثم يتكلم الجني على لسانه.
وقد ثبت هذا النوع بالقرآن والسنة والواقع، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وهذا النوع يعالج بالقراءة من أهل الإيمان والتقوى والعلم إذا وقع، ويدفعه عن نفسه بالأوراد الشرعية صباحًا ومساءً كما مر معنا سابقًا.
الله خلق الجن والإنس وجعلهم مختارين، إن شاءوا آمنوا وإن شاءوا كفروا، وإن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا، وأرسل إليهم الرسل، وشياطين الجن والإنس مشتركون في الضلال والإضلال لبني آدم، وجعلهم الله أعداءً للأنبياء، لأن الأنبياء يدعون إلى الحق، وشياطين الجن والإنس يدعون إلى الباطل، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣].
стр. 3780
والله سبحانه يؤيد أولياءه بالحق وينصرهم على من عاداهم ومن ناوأهم.
وقد أرسل الله برحمته الأنبياء والرسل إلى الجن والإنس معًا، كما قال سبحانه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ [الأنعام: ١٣٠ - ١٣١].
والله هو الهادي إلى كل خير، ولو شاء لهدى الإنس والجن جميعًا: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
ولكنه لحكمته جعلهم مختارين وأرسل إليهم الرسل وأنزل إليهم الكتب امتحانًا وابتلاءً.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وكل ما في الكون في قبضة الله، فلن يفلح أحد ولن يهرب أحد بلا محاسبة وثوابٍ أو عقاب.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤].
стр. 3781
وقال الله تَعَالىَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
الله سبحانه في قبضته كل شيء: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وإبليس من الجن، لا من الملائكة، كان لقوة عبادته رفعه الله مع الملائكة في السماء، فنُسِب إليهم.
• ويدل على كون إبليس من الجن لا من الملائكة أمران:
أحدهما: شهادة الله للملائكة بالعصمة، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وإبليس عصى الله ما أمره، فدل على أنه ليس من العباد المكرمين، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
الثاني: أن الله صرح بأن إبليس كان من الجن، وكونه من الجن هو الذي جعله يعصي ربه، ولو كان من الملائكة لفعل كما فعل الملائكة في حُسن الطاعة: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].
стр. 3782
وشر الشيطان على الإنسان أعظم من شر النفس الأمارة بالسوء، لأن شر النفس وفسادها إنما ينشأ من وسوسة الشيطان، كما وسوس لآدم وزوجه فأكلا من الشجرة، فالنفس مركب الشيطان، وموضع شرعه، ومحل طاعته، ولهذا أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه كثيرًا لعظيم شره: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقد حذر الله آدم ﷺ وزوجه من عداوة الشيطان من أول يوم، فقال سبحانه: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
والنفس أمارةٌ بالسوء بسبب اقتران الشيطان بها، وجاءت الاستعاذة من شرها في خطبة الحاجة كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّه نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». إلى آخر الخطبة (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
стр. 3783
٢ - الخزانة الثانية
• وسوسة الشيطان للإنسان:
الشيطان عدوٌ مبينٌ للإنسان.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١: ٦٠].
فالشيطان يوسوس في صدور الناس، والقلب في الصدر، فهو يوسوس في الصدور لا في القلوب، لأنه ضعيف لا يستجيب له إلا من أصغى إليه فهو ضعيف في ذاته سريع الاندحار، كلما قاومه الإنسان ولم يبالِ به واستعاذ بالله من شره، فكلما دافعه المؤمن خنس ورجع، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]
فالشيطان كلما ذكر العبد ربه خنس وهرب، لأنه ضعيف لا يقاوِم، لكنه مؤثرٌ في القلب الذي يصغي إليه، ملازمٌ لكل إنسان، فالمؤمن لا يلتفت إلى وسوسة الشيطان، بل يذكر ربه فيفر منه الشيطان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١].
стр. 3784
والشيطان مثل الكلب إن التفت إليه لحقك وتحرش بك، وإن أهملته وتركته نبح مرة أو أكثر، ثم تركك: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
ومدافعة وسوسة الشيطان محض الإيمان، لأن الله رد كيده إلى الوسوسة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
فلا يضر الشيطان إلا من أصغى إليه، وعن أبي هريرة أنهم قالوا: «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ». أخرجه مسلم (١).
• ومداخل الشيطان على ابن آدم ثلاثة:
فهو يدخل على ابن آدم ليضله من أحد ثلاثة أبواب:
الباب الأول: باب حب التملك وطول الأمل، كما قال لآدم ﷺ : ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠].
فغرّ إبليس آدم ليعصي ربه بقوله: كل من هذه الشجرة لتكون مَلَكًا خالدًا في الحياة.
فإذا يئس من الإنسان من باب حب التملك، من باب حب الملك والدنيا، جاءه من باب العبادة والطاعة: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا