تفاوتت رتب المصالح والمفاسد فقد يقدم الشرع بعض المصالح في بعض الشرائع على بعض، ويخالف ذلك في بعض الشرائع، وكذلك المفاسد.
فالقصاص في شريعة موسى واجبٌ حق حقًا لله في حد الزنا والسرقة، وهو في شريعتنا حقٌ للعبد مقترنٌ بحق الرب، ورجح فيه حق العبد على حق الرب في شرعنا وذلك نظرًا للجاني ولولي الدم.
وكذلك حرّم الله النكاح بأكثر من امرأة في شرع عيسى ﷺ نظرًا للنساء حتى لا يتضررن بكثرة الضرائر والإيماء، وأباح الله سبحانه في شرع موسى ﷺ النكاح من غير حصر لمن قدر على القيام بحقوقه. وأباح سبحانه في شرعنا الزيادة على واحدة نظرًا للرجال، وحرّم الزيادة على أربع نظرًا لمصلحة النساء ورحمةً بهن، وجوز وطئ الإيماء من غير حصر نظرًا للرجال وحاجتهم.
فلله الحمد والمنّة على أن أكمل لنا الدين، وأتمّ علينا النعمة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 3712
• أقسام المسؤولية:
المسؤولية الواجبة على كل مسلم ومسلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
المسئولية الأولى: الجهد على النفس
بتزكيتها بالتوحيد والإيمان والتقوى، وتطهيرها من الشرك والنفاق والفجور، لتنتقل من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة ثم إلى الملامة ثم إلى النفس المطمئنة ثم إلى الراضية ثم إلى المرضية ثم إلى الزاكية الصافية النقية التقية، وذلك بتحقيق أعمال النبوة في الإيمان والعبادة والدعوة والتعلم والتعليم والأخلاق.
قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وهذا الجهد يتحقق بالمجاهدة ولزوم بيئة الإيمان والأعمال الصالحة.
قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 3713
المسئولية الثانية: إصلاح البيئة.
فالإنسان في البيئة الصالحة يزداد صلاحًا، وفي البيئة الفاسدة يزداد فسادًا كالماء يجمد أو يسخن حسب البيئة.
• والبيئة الصالحة نستفيد فيها خمسة أمور:
أن نتعلم الدين .. ونعمل بالدين .. ونثبت على الدين .. ونترقى في الدين .. وننشر الدين.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
ويتم ذلك بإحياء حلقات الإيمان والتعليم في البيوت والمساجد، ومذاكرة فضائل الأعمال، والإكثار من ذكر الله واليوم الآخر، والمحافظة على العبادات في أوقاتها فنجلس في البيئة الإيمانية ليزيد إيماننا، ثم نخرج إلى الساحة الميدانية لننقل بإذن الله الغافلين إلى بيئة الذاكرين ليكونوا جميعًا سوا في كل شيء، ويعودوا مذكرين للغافلين: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
стр. 3714
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
فالبيئة الإيمانية يدخل بها الإنسان كافرًا ويخرج مؤمنًا، ويدخل فيها فاسقًا ويخرج صالحًا، ويدخل فيها جاهلًا ويخرج منها عالمًا.
المسئولية الثالثة: مسؤولية العالَم.
فنحن مسئولون عن العالَم كله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فنبلغ الناس دين رب الناس ليعبد كل الناس رب الناس، ففكر العالِمِ للعالَم كلّه، وعِلم العالِم للعالَم كله في مشارق الأرض ومغاربها، فالدنيا كلها ميدان جهد العلماء والدعاة إلى الله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 3715
وبهذا الجهد العظيم والقيام بالمسؤوليات الثلاث تتحقق جميع دوائر الهداية التي أكرمنا الله بها وشرفنا بالقيام بها، دائرة هداية النفس، ودائرة هداية الأسرة، ودائرة هداية العشيرة، وهداية البلد، وهداية القارة، وهداية العالم كله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وبهذا الجهد العظيم نبقى دائمًا في بيئةٍ صالحة مع رفقةٍ صالحة مع أعمالٍ صالحة مع مجموعةٍ صالحةٍ ومُصلحة: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وهذه الأنوار الثلاثة تضرب ظلمات البيئة الفاسدة والصحبة الفاسدة والأعمال الفاسدة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة: ٨٩ - ٩٣].
ولكن بني إسرائيل نقضوا العهد، فغضب الله عليهم، ولعنهم.
قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣].
والعهد المضاف إلى الله يشمل أمرين:
الأول: عهد بين المخلوق، والخالق
وهو الاعتراف بربوبية الله، وعبادته، وتوحيده، وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشره، فهذه وأمثالها عهود الله على خلقه، يجب عليهم الوفاء بها، كما قال سبحانه: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢].
الثاني: عهد بين المخلوق، ومخلوق؛ لأن العهد فيما بينك، وبين أخيك هو عهد الله؛ لأن الله أخذ العهد على كل واحد أن يفي لأخيه بما عاهده عليه، وألا يفعل معه إلا خيرًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
стр. 3724
(١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ١ - ٢].
• العهود قسمان:
الله له مع خلقه عهدًا، ولخلقه معه عهدًا.
فالعهد الذي أخذه الله على العباد ليس إلا عهد الطاعة، والعبودية لله، والعهد الذي التزمه الله من جهته ليس إلا عهد الرحمة، والربوبية، ومن تأمل في هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد، ومن أوفى بعهده من الله!
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١].
وأعظم الخلق وفاءً بالعهد هم الأنبياء، والرسل: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وما أعظم وفاء الله بعهده! حيث خلقنا، ورزقنا، وهدانا، وأعطانا العقول، والأسماع، والأبصار؛ لنقوم بعبادته، وطاعته، وشكره: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 3725
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وعهد الربوبية وفى الله به على أكمل وجه فالله أنعم علينا بنعم لا تعد، ولا تحصى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فأنعم علينا بنعمة الخلق، والإيجاد، ونعمة القوت، والإمداد، ونعمة الهداية، والإسعاد: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وعهد العبودية يقتضى منا كمال العبادة، والطاعة لله سبحانه والتي يعطينا الله عليها أعظم الثواب: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١].
وعهد الله مع الإنسان أن يقيمه بأنواع النعم، وقد فعل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
стр. 3726
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وعهد الإنسان مع ربه أن يصرف هذه النعم في سبيل مرضاته، لكنه لم يفعل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
إلا من منّ الله عليه بالهداية، فإن استقام على أوامر ربه ﷻ صدق أخباره، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه.
والله سبحانه أخذ العهد على بني آدم بالإيمان به، وبربوبيته، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ثم أخذ الله العهد على الأنبياء، والرسل أن يبشر أولهم بآخرهم، ويؤمن آخرهم بأولهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
وأخذ الله العهد على الأنبياء أن يؤمنوا بمحمدٍ ﷺ ويتبعوه إذا بعُث، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ
стр. 3727
أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
وعهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود:
العهد الأول: العهد الذي أخذه الله على آدم، وذريته، وهو الإقرار بربوبيته، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
العهد الثاني: العهد الذي أخذه الله على النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، ولا يتفرقوا فيه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾ [الأحزاب: ٧ - ٨].
العهد الثالث: العهد الذي أخذه الله على العلماء أن يبينوا للناس شرائع الدين: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وحذر الله علماء هذه الأمة من كتمان الحق، وعدم بيان العلم، والحق للناس، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
стр. 3728
فعهد الله لعباده أن يعبدوه وحده لا شريك له، وينصر رسله، فيكفر عنهم سيئاتهم، ويسعدهم في الدنيا، والآخرة، فالوفاء بعهدهم مع الله يكون بالإيمان، والعمل الصالح، ووفاء الله لهم إن فعلوا ذلك يكون بالمغفرة، ودخول الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢].
فقه العهد:
العهد هو: ما يعاهد الإنسان به غيره، والعهد نوعان:
الأول: عهد مع الله، فقد أخذ الله العهد على عباده جميعًا، حين خلقهم أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا؛ لأنه الرب الذي خلقهم سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
الثاني: عهد مع عباد الله، وهي العهود التي تقع بين الناس، بين المسلم، والمسلم، أو بين المسلم، والكافر، ونحو ذلك، وقد أمر الله
стр. 3729
بالوفاء بالعهود كلها، سواء كانت بين الله، وخلقه، أو بين الناس مع بعضهم، أو بين المسلمين، والكفار، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١].
كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١].
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» متفق عليه (١).
стр. 3730
٢ - الخزانة الثانية
• حكم الوفاء بالعهد:
يجب على المسلم إذا عاهد مسلمًا، أو كافرًا، أن يفي بعهده معه، سواء كان فردًا، أو حاكمًا، وإذا عاهد الإمام المشركين على ترك القتال فله معهم ثلاث حالات:
الأولى: أن ينقض العهد، فحينئذٍ يبطل العهد الذي بيننا وبينهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: ١٢ - ١٣].
الثاني: أن يستقيموا على العهد، فحينئذ يجب علينا أن نستقيم على العهد حتى تنتهي المدة، كما قال سبحانه: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ [التوبة: ٧].
وقال : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ٣ - ٤].
стр. 3731
الثالث: أن نخشى أن ينقضوا العهد، فهنا ننبذ إليهم العهد، ونقول لهم صراحة أنه لا عهد بيننا وبينكم الآن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٥ - ٥٨].
الأمانة هي حفظ كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وحفظ قلبك وجوارحك عن ما لا يرضي الله وحفظ ما اؤتمنت عليه من حقوق الناس، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧٣].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].
وقد وصف الله المؤمنين بصفات منها رعاية الأمانة، وأدائها، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
стр. 3732
حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
والأمانة التي عرضها الله على آدم ﷺ هي التكاليف الشرعية مع ما يتبعها من ثواب، وعقاب، وقد عرضها الله على السموات، والأرض، والجبال، فأبين أن يحملن، وأشفقن منها خوف من عواقب حملها أن يشاء لهن من ذلك عذاب الله، وسخطه، ثم تحمل هذه الأمانة الإنسان الذي هو آدم ﷺ والإنسان ظلومٌ جهول ظلومٌ لنفسه، جهول بعواقب الأمور.
• لهذا انقسم بنو آدم إلى قسمين:
الأول: من تحمل الأمانة، وأداها، وهم المؤمنون.
الثاني: من تحمل الأمانة، وخانها، وهم المنافقون، والمشركون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
والأمانة أنواع:
١ - فامتثال أوامر الله أمانة.
٢ - واجتناب النواهي أمانة.
٣ - والعبادة أمانة.
стр. 3733
٤ - والمعاملات أمانة.
فالصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصوم أمانة، والأمانة تحقق الأمان، والطمأنينة في الدنيا، والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]
وكل رسولٍ قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾ [الشعراء: ١٠٧].
والأمين المؤمن في الجنة، والخائن في النار، والولاية أمانة، فيجب أدائها بحق، وإلا كانت سببًا لهلاك الإنسان.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». أخرجه مسلم (١).
فلا دين لمن لا أمانة له، والمؤمن هو من أمنه الناس على دمائهم، وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، ومن علامات الساعة: خيانة الأمانة، فإذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة.
عن أبى هريرة ﵁ قال: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَومَ، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رسولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقالَ بَعْضُ القَومِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إذَا قَضَى حَدِيثَهُ قالَ: أيْنَ السَّائِلُ عَنِ
стр. 3734
السَّاعَةِ؟ قال: هَا أنا يَا رسُولَ اللهِ. قال: إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ قال: كَيفَ إضَاعَتُهَا؟ قال: إذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». رواه البخاري (١).
ومن خان الله، ورسوله، فهو جديرٌ بخيانة كل أحد: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [الأنفال: ٧١].
• فقه الأمانة:
الأمانة هي: ما يكون للغير عندك من حقوق، وأنت أمين عليها، إن شئت فعلتها، وإن شئت لم تفعلها، وهي شيء تقبله ممن ائتمنك، وليس للغير شاهد عليك إلا أمانتك، وذمتك، إن شئت أقررت، أو أنكرت: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
ولما تحمل الإنسان الأمانة، فمنهم من أداها، ومنهم من خانها: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣].، وهؤلاء الذين خانوا الأمانة.
وقال الله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: -٧].، وهؤلاء الذين أدوا الأمانة.
والله يقول: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢].
стр. 3735
فالله أودع فينا أمانات في قلوبنا، وجوارحنا، وأعطانا الاختيار في أداء الأمانة، وعدم أدائها.
• ومن لوازم الأمانة الاختيار:
١ - اختيار الإيمان، أو الكفر.
٢ - اختيار الطاعات، أو المعاصي.
٣ - اختيار الخير، أو الشر ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
والله سبحانه لما خلق آدم ﷺ أخرج من صلبه جميع ذريته، وأشهدهم على أنفسهم، ألست ربكم، قالوا: بلى، ثم أعادهم إلى صلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق، من أصلاب الرجال، وأرحام النساء فإذا اكتملوا، أذن الله بقيام الساعة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
والدين كله أمانة، فقد ائتمن عليه آدم، وذريته، وائتمن عليها الجن، والإنس، فالدين أمانة، وكلمة الحق أمانة، والدعوة أمانة، والعبادات كلها أمانة، والمعاملات أمانة، والحكم بما أنزل الله أمانة، والأخلاق العالية أمانة، والأمر بالمعروف أمانة، والنهي عن المنكر أمانة، وتعليم شرع الله أمانة، والجهاد في سبيل الله أمانة، والنصيحة أمانة، والتواصي بالحق أمانة، وعقد، وعهد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
стр. 3736
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
وخيانة الأمانة من أعظم الجرائم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٩].
• والحكم بما أنزل الله أمانة، والحكام ثلاثة أقسام:
الأول: حاكم يحكم بشرع الله، ويتقيه، فهذا يجب محبته، ومعاونته، ويحرم الخروج عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
الثاني: حاكم يحكم بشرع الله، ولكن فيه فسق، وجور، وظلم، فهذا الذي ينبغي أن نصبر عليه، كما قال النبي ﷺ : «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إِلا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَمَنْ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ عَلَيْهِ وَلا طَاعَةً». أخرجه مسلم (١).
стр. 3737
الثالث: الحاكم المبدل لشرع الله، الخارج عن شرع الله، الكافر بدين الله.
• فهذا يجوز الخروج عليه بشرطين:
الأول: أن يأتي بكفر بواح.
الثاني: أن يغلب على الظن أن الخروج عليه سوف يزيله.
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
لم يخلق الله عباده عبثًا، ولم يتركهم سدى لا أمر ولا نهى، كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]
بل خلقهم الله لأمرٍ عظيم هو عبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادات من سواه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فالله خلق العباد لأمرٍ عظيم عرضه على السموات، والأرض، والجبال، فأبين أن يحملهن، وأشفقن منه، وحملها الإنسان على ضعفه، وعجزه عن حمله؛ لظلمه وجهله، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم؛
стр. 3738
لشدة مئونته عليهم، وثقله، فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة لا ينظرون إلى معرفة موجدهم، ولا إلى حقه عليهم، ولا في المراد من إيجادهم، وإخراجهم إلى هذه الدار التي هي معبرٌ إلى دار القرار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في هذه الدنيا الفانية، وسرعة رحيلهم إلى الدار الآخرة الباقية ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة، فآثروا ما يفنى عن ما يبقى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
فما أشد غفلة الإنسان عن ربه!
ما أجهله بربه، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملكه، وسلطانه، ودينه، وشرعه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فما أعظم غفلة الإنسان عن ربه وعن ما يراد به، فأنفاسهم معدودة، وأيامهم محدودة، ومطايا الليل، والنهار تسرع به، ولا يتفكر إلى أين يحمل، ولا يدرى إلى أي الدارين ينقل إذا نزل به الموت اشتد قلقه؛ لخراب ذاته، وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته، وسلف من تفريطه أجير إن ربى غفور رحيم.
стр. 3739
كأنه لم ينبأ بأن عذاب الله هو العذاب الأليم يبيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر في أبدٍ لا يزول بأضغاث أحلام، وباع جنة عرضها السموات، والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات باع لذة النظر إلى وجهه العزيز الرحيم بالنظر إلى الناقص الفاني ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣].
فالأمانة هي التكليف، والإلزام بما يجب، وقد عرضها الله على السموات، والأرض، والجبال، فأبت حملها لما فيها من المشقة، ولما تخشى من إضاعتها، وحملها الإنسان بأمرين:
العقل .. والرسل.
العقل الذي أعطاه الله للإنسان؛ ليعقل به الأمور يعرف به ما ينفعه، وما يضره: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والرسل الذين أرسلهم الله للناس يبينون لهم الحق من الباطل، فلم يبقى للناس عذر: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
стр. 3740
٣ - الخزانة الثالثة
• أقسام الأمانة:
الأمانة تطلق على معانٍ عدة يجمعها أصلان:
الأول: أمانة في حقوق الله:
وهى جميع العبادات التي ائتمن الله عباده عليها، وكلفهم بها كالوضوء، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد وغيرها من أنواع العبادات.
الثاني: أمانة في حقوق البشر:
وهى كثيرة جدًا منها أمانة الولاية، وهى أعظمها مسئولية فالحاكم أمين على مصالح الأمة الدينية، والدنيوية، وأمانة القاضي في عمله، وأمانة الرجل في أهله، وأمانة المعلم على طلابه، وأمانة الطبيب على مرضاه، وأمانة التاجر على زبائنه، وغير ذلك من أنواع الأمانات.
ثانيًا: الأمانة المالية:
وهي الأموال التي تكون بيد الإنسان؛ لمصلحته كالعارية، أو لمصلحة مالكها كالوديعة، أو لمصلحتهما معا كالدار المستأجرة، أو السيارة المستأجرة، فهذه مصلحتها للجميع، فيجب حفظها، وأداؤها لأهلها.
ثالثًا: الأمور الخاصة التي تكون بين الرجل، وصاحبه، أو بين الزوج، وزوجته، فهذه أمانة لا يجوز له أن يفشيها لأحد.
وأعظم الأمانات ما كان بين العبد، وربه بعبادة الله وحده لا شريك له واجتناب عبادة ما سواه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 3741
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فأعظم الأمانات ما كان بين العبد، وربه بالعبادة، وما يجب على خلقه بالدعوة لأن حق الرب أعظم الحقوق ثم حقوق الخلق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩].
• فقه حمل الأمانة:
إن السموات، والأرض، والجبال من المخلوقات العظيمة، التي يبدو الإنسان أمامها شيئًا صغيرًا، ضئيلًا، هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى من يحكمها، ويدبرها، وتطيع أمر الخالق طاعة مباشرة بلا تدبر، ولا وساطة، وتجري، وتمضي في تنفيذ أوامر خالقها دائبةٌ منقادة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فهذه الشمس تدور في فلكها، وترسل أشعتها، وتجري لمستقر لها، وتؤدي وظيفتها التي قدر الله لها بلا إرادة منها، وهي مسرعة في تنفيذ أوامر ربها، وطاعته ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨].
стр. 3742
وهذا القمر، وهذه النجوم، والكواكب، وهذه الرياح، والسحب، وهذا الهواء كلها تمضي بشأنها بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته، بلا جهد منها، ولا كد، ولا محاولة: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٩ - ٤٠].
وهذه السماء المرفوعة، بما فيها من عجائب، والمخلوقات الهائلة، وهذه الأرض بما فيها من الآيات، والعبر، تخرج زرعها، وتقوت أبنائها، وتوارى موتاها، وتفجر ينابيعها، وفق سنة الله، بلا إرادة منها ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وهذا الماء الجاري، وهذه النباتات المختلفة، وهذه الأشجار المثمرة، وهذه الجبال العالية، وهذه البحار الواسعة، وهذه السهول، وهذه المهاد، وهذه البطاح كلها تؤدي دورها، وتطيع ربها، وتقوم بوظيفتها طائعة منقادة بإذن ربها، خاشعة لربها تنفذ أمره بلا إرادة منها.
هذه المخلوقات العظيمة في العالم العلوي وفي العالم السفلي، كلها أشفقت من أمانة تبعة، أمانة الإرادة، أمانة المعرفة الذاتية، أمانة المحاولة الخاصة، وحملها الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه، وشعوره، ويهتدي إلى بارئه بتدبره، وبصره، ويطيع الله بإرادته، وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته، ونزغاته، ومجاهدة ميوله، وشهواته: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
стр. 3743
حقًا إنها أمانة عظيمة، حملها هذا المخلوق صغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر، الظلوم، الجهول، الكفور، العجول، اليئوس، القنوط، الذي تحيط به المغريات، وتناوشه الشهوات، وتستبد به النزعات، والميول، والأطماع، وإنها حقًا لتبعةٌ ثقيلة جسيمة، وبسبب ظلمه لنفسه، وجهله بطاقته، زج نفسه لحملها، وأنه لمقامٌ عالٍ كريم، حين رضي الإنسان بالتبعة، ويصل لمعرفة بارئه، والاهتداء المباشر إلى ربه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه، كالمخلوقات الأخرى، التي فطرها الله على معرفته ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
فالمخلوقات الأخرى تعرف ربها مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطلع مباشرة، ولا يحول بينها، وبين بارئها حائل، ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد، والطاعة، والأداء، فهي جميعًا في العالم العلوي، والعالم السفلي، شاهدة بوحدانية الله، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته، وخاضعة لأمره، ومسبحة بحمده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
إن الإنسان حين يصل إلى هذه الدرجة، وهو واعٍ، مدركٍ، مريد، أنه يحصل حقًا إلى مقام كريم، ومكان عظيم بين خلق الله الفريد: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
إن الإرادة، والإدراك، والمحاولة، وحمل التبعة، هي ميزة الإنسان على كثير من خلق الله في السماء، والأرض، وهى مناط التكريم الذي أعلنه الله
стр. 3744
في الملأ الأعلى، وهو أمر الملائكة بالسجود لآدم، وأكرم بذلك ذريته من بعده.
فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله، ولينهض بالأمانة التي اختارها، والتي عرضت: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
واختصاص الإنسان بحمل الأمانة، وأخذ على عاتقه أن يعرف بنفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه، هذا كان؛ ليتحمل عاقبة اختياره، وليكون جزائه على عمله، وليحق العذاب على المنافقين، والمنافقات، والمشركين، والمشركات، وليمد الله يد العون للمؤمنين، والمؤمنات؛ ليتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط، مما ركب فيهم من ضعف، ونقص، ما يقف في طريقهم من حوله، من عواجز، وموانع، وما يشدهم، ويجذبهم من الشهوات، والمغريات، فذلك فضل الله، وعونه: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد: ٢٩].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقد حمل الإنسان هذه الأمانة: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٣].
الأمانات في الدين كثيرة، وقد أمر الله بأداء جميع هذه الأمانات، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ
стр. 3745
بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى، الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان، والتي أبت السموات، والأرض، أن يحملنها، وشفقنا منها، وحملها الإنسان، وهي أمانة الهداية، والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد، وإرادة، وجهد، واتجاه، ومحبة، فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فكل ما عدا الإنسان، ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته، وألزمه طاعة أمره بغير جهد منه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
والإنسان وحده هو الذي وكله الله إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقد حمل الإنسان هذه الأمانة العظيمة، وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات، ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات التي أمر الله أن تؤدى.
стр. 3746
• ومن هذه الأمانات:
١ - أمانة الوقت، فالوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، والنفس أن لم تشغلها بالخير، شغلتك بالشر، فالمكان ظرف للأشياء، والزمان ظرف للأعمال، ولأهمية الوقت أقسم الله به في القرآن بجميع الأوقات، فأقسم الله بالليل، والنهار، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل: ١ - ٢].
وأقسم الفجر، وبالعصر، والضحى، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ١ - ٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١ - ٢].
وقسم العبادات على الأوقات: كالصيام، والحج، والأذكار، وغيرها. وملأ حياة الإنسان بالأعمال الصالحة، التي تستغرق حياة الإنسان، وتسعده في دنياه، وأخراه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
ومن هذه الأمانات، أمانة الشهادة لهذا الدين، فالشهادة له في النفس البشرية أولًا بمجاهدة النفس، حتى تكون ترجمة له، ترجمة حية في شعورها، وسلوكها، وظاهرها، وباطنها حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه
стр. 3747
النفس الجميلة، فيقولون ما أحسن هذا الإيمان، وأطيبه، وأزكاه، وهو يصوغ أصحابه على الجمال، والكمال، وحسن الأخلاق، والآداب: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
فتكون هذه شهادة، لهذا الدين في النفس، يتأثر بها الآخرون فيدخلون فيه، والشهادة له كذلك بدعوة الناس إليه، وبيان فضله، وجماله، وسننه، وأحكامه، فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لما يدعو إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة، والتبليغ، والبيان، وهي إحدى الأمانات الكبرى، التي شرف الله بها الإنسان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
ثم الشهادة لهذا الدين، بمحاولة إقراره في الأرض منهجًا للبشرية كلها، تسير على هداه، وتتميز عن البهائم، والسباع، والكفار، فإقرار منهج لله في حياة الفرد، وحياة الأمة، في حياة البشر، هو كبرى الأمانات بعد الأيمان بالله، ولا يعفى من هذه الأمانة فرد، ولا جماعة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
стр. 3748
(١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
ومن الأمانات التي يجب أدائها، أمانة التعامل مع الناس، ورد أمانتهم إليهم، وأمانة المعاملات، والودائع، وأمانة النصيحة للراعي، والرعية، وأمانة القيام على الأهل، والأولاد، وأمانة المحافظة على العبادات، وأدائها في وقتها بصفتها خالصة لله، وسائر ما ورد في الدين من أحكام، وواجبات، وسنن، وآداب، فهذه من الأمانات التي يجب أن تؤدى، كما أمر الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
ومن أعظم الأمانات، وأهمها:
الحكم بما أنزل الله في أي جيل، وفي أي قبيل، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فإنما يرفض ألوهية الله، ويرد أمره، وذلك كفر، وخيانة للأمانة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]
стр. 3749
٤ - الخزانة الرابعة
• وصف الله من لم يحكم بما أنزل الله بثلاث صفات:
الكفر .. الظلم .. الفسق.
فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
فالظلم صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله، فهو كافر باعتباره رافض للألوهية الله سبحانه، واختصاصه بالتشريع لعباده وحده، وهو ظالم بحمل الناس على شريعة، غير شريعة الله الصالحة المصلحة لأحوالهم، وهو ظالم لنفسه بإيرادها موارد الهلكة، وتعرضيها لعقاب الكفر، وتعريض حياة الناس، وهو معهم للفساد.
وصفة الفسق، صفة ثالثة تضاف إلى صفة الكفر، والظلم من قبل، فمن رد الأمانة، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فهو فاسقٌ بخروجه عن منهج الله، وإتباع غير طريقه.
فالكفر برفض ألوهية الله مثلًا في رفض شريعته، والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله، والفسق بالخروج عن منهج الله، وتجاوزه إلى غيره.
стр. 3750
لقد ربى الله ﵎ هذه الأمة بمنهج القرآن، وقوامة رسول الله ﷺ ، حتى وصلت إلى المستوى الذي تؤتمن فيه على دين الله في نفوسها، وحياتها، وقوامتها على البشرية، لقد رباها الله بشتى التوجيهات، وشتى المؤثرات، وشتى التشريعات، وشتي الابتلاءات: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقد حقق الله ما يريده بهذه الأمة، فقامت في واقع الحياة الأرضية، في عهد ﷺ تلك الصورة المضيئة من دين الله، حين كان دين أولئك سمعنا، وأطعنا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وبأداء هذه الأمانة، وتحقيقها في واقع النفس، وفي واقع الحياة، صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، ونقلها الله من شر القرون إلى خير القرون، ومن شر البرية إلى خير البرية، فنقلها من الشرك إلى التوحيد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الجهل إلى العلم، فكانت خير أمة أخرجت للناس، وكانت أبرها للأمة قلوبا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو