← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

فالعبدُ عاجزٌ عن تحصيل مصالحه بنفسه، فعليه أن يستجير بربه ليعيذه من كل شرٍّ في كل حال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦]. وقال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]. فهذا فقه الاستعاذة. • فقه المستعاذ به: أما فقه المستعاذ به، فالمستعاذ به ورد في القرآن والسنّة على وجهين: أحدهما: كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]. والثاني: كما قال النبي ﷺ : «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ» أخرجه البخاري (١). فالاستعاذة بالله لكونه موصوفًا بصفات الجلال والجمال وله الأسماء الحسنى والصفات العُلا والأفعال الحميدة والقدرة القاهرة والمشيئة النافذة، والاستعاذة بكلمات الله المراد بها: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. فقدرته نافذة فيما يريد، ومشيئته سائرة في الكائنات كلّها لا ردّ لقضائه ولا مُعقّبَ لحكمة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].

стр. 3817

فالعبد يستجير بربّه وكلماته بكل ما يضره ويلتجأُ إليه في تحصيل كل ما ينفعه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فقه المستعيذ. ورد الأمر بالاستعاذة بالله لكل مخلوق على سبيل العموم من الأنبياء والأولياء فقال الله عن نوحٍ ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧]. فأعطاهُ الله السلامة والبركات: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨]. وقال يوسف ﷺ : ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [يوسف: ٢٣] فأعطاه الله سلعتين: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر: ٢٧]. فأعطاه الله مُراده: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٧].

стр. 3818

وقالت أم مريم: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران: ٣٦]. فوجدت الخِلَع والقبول: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧]. قالت مريم لما رأت جبريل في صورة بشر: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم: ١٨]. • فوجدت نعمتين: الأولى: ولدًا من غيرِ ذَكَر. الثانية: تنزيهُ الله إياها عن السوء بلسانِ ذلك الولد، كما قال عيسى ﷺ : ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٢]. وأمر الله محمدًا ﷺ بالاستعاذة مرةً بعدَ أخرى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]

стр. 3819

وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]. فهذا يدل على أنّ الأنبياء كانوا أبدًا في جميع الأحوال في الاستعاذة بالله من شرّ شياطين الإنس والجنّ. • أما فقه المستعاذ منه: فالمستعاذ منه هو الشيطان، والمقصود من الاستعاذة دفع شر الشيطان، وشر الشيطان يكون بالوسوسة وتزيين المعاصي للناس: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]. والجنّ والشياطين أجسامٌ هوائية قادرة على التشكل بأشكالٍ مختلفة، ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمالٍ صعبة، والجنّ منه أرواحٌ مؤمنة مشرقة خيّرة وهم الصالحون من الجنّ، ومنهم أرواح كدرة سفلية شريرة وهم الشياطين كما قال سبحانه عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٤ - ١٥]. والجنّ موجودون يذهبون ويجيئون كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢].

стр. 3820

والشيطانُ يجري من ابن آدم مجرى الدم كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم» أخرجه البخاري (١). ولما كانت حاجات العبد غير متناهية فلا خير من الخيرات إلا وهو محتاجٌ إلى تحصيله، ولا شر من الشرور إلا وهو محتاجٌ لدفعه وإبطاله، فلهذا شُرع له الاستعاذة بربه من جميع المضارّ الدينية والمناهي الشرعية والمضارّ الدنيوية كالآلام والأسقام والعمى والفقرِ ونحوها، ويجمعها ثلاثة أمور كلها لا نهاية لها وهي: أولًا: الجهل. فأنواع المعلومات غير متناهية، وكذا أنواع الجهالات غير متناهية، فيستعيذ العبد من جميعها بربّه كمذاهب أهل الكفر ومذاهب أهل البدعة وأهل الضلال. ثانيًا: الفسق. فأنواع الصلاح غير متناهية، وكذا أنواع الفسق غير متناهية، فيستعيذ العبد من جميع أنواع الفسوق: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات: ٧]. ثالثًا: المكروهات والآفات والمخافات، وأنواعها غير متناهية.

стр. 3821

فإذا قال العبد: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، فعليه أن يستحضر هذه الأنواع الثلاثة: الجهالات .. والفسوق .. والمكروهات. وهذه الثلاثة لا حدّ لها واعلم أن قدرة جميع الخلائق لا تقدر على دفعها فحينئذٍ يحمله طبعه وعقله على اللجوء إلى الله القادر على كل شيء: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. فهو سبحانه وحده القادر على دفعها وحده لا شريك له، فيقول: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا اعترافٌ بأمرين: الأول: عجز النفس البشرية. الثاني: قدرة الربّ ﷻ . ولمّا كان قرآن فيه جميع أنواع الخيرات أمر الله أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند قراءته بقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩].

стр. 3822

٥ - الخزانة الخامسة • جهد الشيطان على الإنسان: لمّا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم سجدوا جميعًا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. فطرد الله إبليس ولعنه بسبب كبره وكفره ومعصيته، فندر الشيطان نفسه لإغواء بني آدم جميعًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وأول: جهدٍ للشيطان على الإنسان أن يقطع علاقته بربه. قال الله تَعَالىَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧]. الثاني: إضعافُ العلاقة مع الله. وهو يُضعفها بأمرين: الأول: التوسع والاشتغال بالحلال الذي يصرف الإنسان عن الله والعمل بشرعه والمبادرة إلى الطاعات: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].

стр. 3823

وقال الله تَعَالىَ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. فهذا إذا كان الإنسانُ مؤمنًا صالحًا. الثاني: إذا كان الإنسانُ فاسقًا شغله بالحرام عن الله وعن عبادته، وإذا عجز الشيطان عن ذلك قال للمسلم: كن قويًا مع الله واعبد ربك وأصلح نفسك لتنجو من عذاب ربّك واحذر أن تنصح أحدًا أو تعلِّمَ أحدًا لكيلا ينالك الأذى فذلك الشيطان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. ثمّ يخذلك ويصغرّك فيقول لك: شكلك لا يصلح للدعوة، لا علم لا منصب لا فقه والقول على الله بلا علمٍ عظيم، وسوف تُسأل عنه، لماذا يقول ذلك؟ لأنّ الشيطان يريد الدعوة له ولجنوده إلى الباطل، ودعوة الحق تُبطِلُ جهده وتطّفي الحرائق التي يُشعلها وتأخذ أتباعه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. والشيطانُ لا يريد أن تكون نداء الحق دكان في السوق أبدًا، يريد السوق كله له: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. وبالأخير يقول للمسلم إذا عجِزَ عنه: لابأس ادعُ إلى الله وعظ الناس حتى يبكون، لكن احذر أن تأمرهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله.

стр. 3824

قال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. فإذا يأس من ذلك قال: ادعُ إلى الله ورغّب الناس في الدعوة إلى الله ولكن لا تقول للناس ادعو إلى الله. فالأنبياء والرسل وأتباعهم عندهم الإصرارُ على الحق والعمل بالحق والدعوة إلى الحق، وإبليس وجنوده عندهم الإصرار على الباطل والعمل به والدعوة إليه، وقوة الأنبياء وأتباعهم في إيصالهم على الحق والدعوة إليه، وقوة إبليس وجنوده في إيصاله على الباطل والدعوة إليه، لهذا علينا معرفة سيرة الأنبياء والمرسلين لنقتدي بهم في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم، لهذا يقول الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم: ٥٦]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧].

стр. 3825

وكذا يجب علينا معرفة سيرة إبليس وجنوده لنحذرهم ونتقي شرّهم كما قال الله لآدم وزوجه في الجنة: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧]. وقال الله لبني آدم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. والمسلمُ له عدوان: الأول: عدوٌ ظاهر. الثاني: عدوٌ باطن. والمسلمُ مأمورٌ بمحاربتهما ثم الله ينصره عليهما، فإذا حارب عدوه الظاهر من البشر أمدّه الله بالملائكة: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٥ - ١٢٦]. وإذا حارب المسلم عدوه الباطن وهو الشيطان كان مدده الملك سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]. ومحاربة العدو الباطن يجب أن تسبق محاربة العدو الظاهر، لأنّ العدو الظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا، والعدو الباطن إن وجد فرصةً ففي الدين والإيمان واليقين. والعدو الظاهر إن غلبنا كنا مأجورين، والعدو الباطن إن غلبنا كنا مفتونين، وما قتله العدو الظاهر كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطن كان طريدًا:

стр. 3826

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٦]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦] ما يعتصم به العبد من الشيطان الشيطان ندر نفسه لإغواء بني آدم، كما قال الله عنه أنه قال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. يتحصن العبد من الشيطان ويحترز من شره بما ورد في القرآن الكريم، وثبت في السنة النبوية الصحيحة، من الأدعية والأذكار، وفيهما الشفاء والرحمة، والهدى والعصمة من جميع الشرور في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، ومن ذلك: الحرز الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يستعيذ بالله من الشيطان على وجه العموم، وعند قراءة القرآن، وعند الغضب، وعند الوسوسة، وعند الحُلْم المكروه على وجه الخصوص: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].

стр. 3827

وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩]. الحرز الثاني: التسمية. فالتسمية حرز من الشيطان، وعصمة من مخالطته للإنسان في طعامه وشرابه، وجماعه، ودخوله بيته ونحو ذلك مما ورد. عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ الله عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ. وَإذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشَاءَ». أخرجه مسلم (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتيَ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبدًا». متفق عليه (٢). الحرز الثالث: قراءة المعوذات. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ عند النوم، وأدبار الصلوات الخمس، وعند المرض.

стр. 3828

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : «قُلْ» قُلْتُ: وَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» فَقَرَأَهُنَّ رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «لَمْ يَتَعَوَّذِ النَّاسُ بِمِثْلِهِنَّ، أَوْ لَا يَتَعَوَّذُ النَّاسُ بِمِثْلِهِنَّ». أخرجه النسائي (١). الحرز الرابع: قراءة آية الكرسي. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتاني آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَصَّ الحَدِيثَ فَقَالَ: إذَا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَمْ يَزَلْ مَعَكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ». أخرجه البخاري معلقاً ووصله النسائي (٢). الحرز الخامس: قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة. عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَرَأَ هَاتَينِ الآيتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». متفق عليه (٣).

стр. 3829

وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦]. الحرز السادس: قراءة سورة البقرة. عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البقَرَةِ». أخرجه مسلم (١). الحرز السابع: كثرة ذكر الله تعالى بقراءة القرآن، والتسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل، ونحوها من الأعمال الصالحة، فمن ذَكَر الله ذَكَره وحفظه. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ». متفق عليه (٢).

стр. 3830

الحرز الثامن: الدعاء إذا نزل منزلاً. عن خولة بنت حكيم السلمية ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذَا نزلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلاً فَلْيقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ». أخرجه مسلم (١). الحرز التاسع: كظم التثاوب. ووضع اليد على الفم لئلا يدخل الشيطان. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَليُمْسِكْ بِيَدِهِ على فيهِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ». أخرجه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «التّثَاوُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ». متفق عليه (٣). الحرز العاشر: الأذان. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أَدْبَر الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إذَا ثُوِّبَ لِلصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ المرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُر حَتَّى يظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». متفق عليه (٤).

стр. 3831

الحرز الحادي عشر: دعاء دخول المسجد. عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه كَانَ إذَا دَخَلَ المسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِالله العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» قَالَ: أقَطُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ اليَومِ. أخرجه أبو داود (١). الحرز الثاني عشر: الوضوء والصلاة. ولا سيما عند الغضب والشهوة، فما أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. الحرز الثالث عشر: طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، واجتناب المعاصي، وتجنب فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول المخالطة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. الحرز الرابع عشر: تطهير البيت من الصور، والتماثيل، والكلاب، والأجراس، لتدخل الملائكة، وتخرج الشياطين.

стр. 3832

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ». أخرجه مسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيْها كَلْبٌ وَلا جَرَسٌ». أخرجه مسلم (٢). الحرز الخامس عشر: اجتناب مساكن الجن والشياطين كالأماكن الخربة، والأماكن النجسة كالحشوش، والمزابل، والأماكن الخالية من الإنس كالصحاري، وشواطئ البحار البعيدة، ومرابض الإبل ونحوها. والله اختص المخلوقات المكلفة وهي الإنس والجن بثلاث نعم أساسية وهي: o نعمة العقل o ونعمة الدين o ونعمة حرية الاختيار. قال الله تَعَالىَ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وإبليس أول من أساء استخدام هذه النعم بتمرده على أمر ربه، بل أصرّ على العصيان وطلب الإمهال إلى يوم البعث لاستغلال هذه النعم أسوء استغلال بإغواء بني آدم وتزيين المعاصي لهم ليتبعوه إلى النار.

стр. 3833

قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وعن جابر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً». أخرجه مسلم (١).

стр. 3834

٢٦ - خزائن خلق الإنسان وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 3835

٢٦ - خزائن خلق الإنسان ١ - الخزانة الأولى خلق الله أدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله في الدنيا خليفة ويوم القيامة إن كان مؤمنًا جليس. • والأطوار التي يمر بها الإنسان تسعة: الأول: سلالة الطين وهي الخلاصة لأنها نسل من بين الكدر. الثاني: نطفة التي تقذف من أصلاب الرجال في أرحام النساء. الثالث: تحول النطفة إلى علقة وهي الدم الجامد الذي يعلق بالرحم. الرابع: تحول العلقة إلى مضغة وهي قطعة اللحم. الخامس: تحول المضغة إلى عظام. السادس: كسوة العظام باللحم. السابع: إنشاء خلق آخر مباين للخلق الأول، حيث جعله الله حي سميعًا بصيرًا ناطقًا، وأودع فيه الروح. الثامنة: الموت وهو مفارقة الحياة. التاسعة: البعث بعد الموت. وهو إعادة الحياة لمن مات وقد قال الله في هذه الأطوار: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤].

стр. 3836

وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦]. وقد أمر الله كل إنسان أن ينظر في أطوار خلقه ليعلم كمال قدرة الله بنقله من طور إلى طور حتى صار بشرًا سويًا، فقال سبحانه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق: ٥ - ١٠]. وقد خلق الله أدم من تراب ثم جعل نسله من ماء مهين، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٦ - ٩]. ومن عجائب خلق الله للإنسان أن نقله من نطفة إلى علقة إلى مضغة ثم خلق المضغة عظام، ثم كسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلق أخر فتبارك الله أحسن الخالقين. • وخلق الله الإنسان وجعله يمر بأطوار في بطن أمه في ظلمات ثلاث: ١ - ظلمة بطن الأم.

стр. 3837

٢ - وظلمة الرحم. ٣ - وظلمة المشيمة المحيطة بالجنين. قال الله تَعَالىَ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦]. وقد خلق الله هذا الإنسان في أحسن تقويم، وجعله يمر بطور بعد طور، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. ثم أنشأه خلقًا أخر فجعله حيًا وكان ميتًا، وحيوانًا بعد أن كان جماد، وناطقًا وكان أبكم، وسميعًا وكان أصم، وبصيرًا وكان أكمه فتبارك الله أحسن الخالقين، ونقله سبحانه من طور إلى طور نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة ثم جنينًا ثم وليدًا ثم طفلًا ثم محتلمًا ثم شابًا ثم كهلًا ثم شيخًا ثم هرمًا ليدل على كمال قدرته سبحانه وعظيم صنعه وانفراده بالربوبية، وانفراده بالألوهية ووجوب الإيمان به واستحقاقا للعبادة وحده لا شريك له: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا

стр. 3838

يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. وخلق الله جميع بني أدم ذكورًا وإناثًا من نسله، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] وجميع الناس يبعثون يوم القيامة للحساب والجزاء على ما عملوا في هذه الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦]. خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وجعله خليفةً في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وسخر للإنسان ما في السموات وما في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وخرج الله الجوارح والأعضاء في الإنسان بشكل عجيب، فخلق سبحانه في كل إنسان عضوًا واحدًا كالرأس واللسان والفرج والفم لعدم الحاجة إلى غيره، وخلق في كل إنسان عضوين للحاجة إليهما كالعينين والأذنين واليدين والرجلين ونحوهما.

стр. 3839

وخلق في كل إنسان أربعة أعضاء كالكعبين وأشفار العينين للحاجة إلى ذلك، وخلق الله سبحانه في الإنسان ثلاثمائة وستون عظمة فلو زادت واحدًا لكان ضارًا ولو نقصت واحدًا كان النقص يحتاج إلى جبر، وخلق الله الرأس وركبه على البدن وجعل في الرأس الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وخلق الله الإنسان وزوده بملكات وطاقات وأكرمه بالعقل، والعقل كافي لمعرفة من يستحق العبادة وحده، لكنه غير قادر على معرفة ما يريد، لهذا لابد من بلاغ عنه بكتبه ورسله لمعرفة أمره ونهيه. والله سبحانه خلق آدم وخلق من أحد أضلاعه المرأة فخلق الله المرأة من ضلع الرجل، فهي تابعة له وهي كذلك جزء منه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] ومن لوازم كون وجود المرأة تابع لوجود الرجل، أن جعل الله الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة، ونسبة الأولاد إلى الرجل لا إلى المرأة وتفضيل الرجل على المرأة في الميراث، فللذكر مثل حظ الأنثيين، والرجل يجمع بين امرأتين إلى ثلاث إلى أربع وليس للمرأة ذلك، وشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد إلى غير ذلك من الفوارق الشرعية المستندة إلى الفوارق القدرية التي جبل الله عليها الجميع: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ

стр. 3840

مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. • والجسم ينقسم إلى قسمين: فالجسم إما نامي .. أو غير نامي. فغير النامي كالحجر مثلًا. • والنامي إما حساس وغير حساس: ١ - وغير الحساس كالنبات مثلًا. ٢ - والحساس إما ناطق أو غير ناطق. فغير الناطق هو الحيوان والناطق هو الإنسان، فأصح المخلوقات مزاجًا هم بني آدم، وأصح بني أدم مزاجًا هم المؤمنون، وأصح المؤمنون مزاجًا هم الأنبياء والرسل، وأصح الأنبياء والرسل مزاجًا هم أولي العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام وأصحهم مزاجًا الخليلان إبراهيم ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- وأفضلهما سيد الأولين والآخرين خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. الذي أثنى عليه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 3841

ومما أكرم به الإنسان اللسان والسمع والبصر، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. واللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهولة، ويبرهن عن محصوله، يظهر به حسن البيان، ظاهُر يخبر عن الباطن، وشاهد ينبئ عن الغائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف يعرف به المجهول، ومؤنس تذهب به الوحشة، وملهم يأسر الأسماع، وواعظ ينتهي عن القبيح، وحاصُد يستأصل الضغينة: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. والبيان ثلاثة أقسام: ١ - البيان النطقي: باللسان. ٢ - والبيان الإشاري: بحركة الرأس أو اليد أو الجسم. ٣ - والبيان الرسمي: بالكتابة: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١]. فسبحان من خلق الإنسان وجعل فيه هذه العجائب: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٧ - ١١٦]. خلق الله أدم من تراب وخلق نسله من نطفه من ماء مهين، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥].

стр. 3842

وأصل النطفة أن النطفة جسم يتولد من فضله الهضم الرابع، فالغذاء يمر في جسم الإنسان بأربع مراحل فيحصل له في المعدة هضم أول ثم يحصل له في الكبد هضم ثاني، ثم يحصل له في العروق هضم ثالث، ثم يحصل له في جواهر الأعضاء هضم رابع، وفي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم ثم عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء وذلك هو النطفة فتبارك الله أحسن الخالقين: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٢]. وخلق الله الإنسان في أحسن تقويم فخلق الله في ظاهره وباطنه مخلوقات عظيمة وعجيبة، فخلق الله في الإنسان ملكات عجيبة ففي دماغ الإنسان ملكات كثيرة، ملكة العقل، وملكة التصور، وملكة التخيل وملكة الحفظ وملكة التفكر وملكة التذكر، وملكة الذكاء. وفي قلب الإنسان ملكات كثيرة ملكة الحب والبغض، وملكة الرحمة والقسوة، ملكة العفو والانتقام، ملكة الغضب والرضا، ملكة اللين والشدة، ملكة الولاء والبراء، ملكة الأمن والخوف، ملكة الإيمان والكفر.

стр. 3843

وفي بدن الإنسان طاقات كثيرة الطاقة البدنية، الطاقة السمعية، الطاقة البصرية، الطاقة الحسية، الطاقة الذوقية، الطاقة الجنسية وغير ذلك من الطاقات: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. وقيمة هذا الإنسان بصفاته لا بذاته ولا بأمواله، فلا قيمة للإنسان إلا بالإيمان والأعمال الصالحة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وتكمل حياة الإنسان بأمرين: ١ - معرفة عزة الربوبية. ٢ - ومعرفة ذله العبودية. فمن شاهد عزة الربوبية وشاهد ذلة العبودية فقد وصل إلى معراج الأرواح القدسية، ومعرفة الله من لوازمها التضرع والانكسار بين يديه والخوف منه والرجاء له: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. والإنسان مركب من بدنٍ وروح، فالبدن هو الحامل للروح، والأرواح البشرية نورانية إلا أنها محبوسةٌ في قعر ظلمات الأبدان البشرية، فلا تستطيع النظر إلى عالم الأنوار الإلهية، فإذا مات الإنسان انقشع السحاب وزال الحجاب وعند ذلك يحصل للروح الإبصار التام: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢].

стр. 3844

والله هو الخلاق العليم الذي خلق هذا الإنسان في ظلمات ثلاث، وخلقه في أحسن تقويم، والإنسان في بطن أمه يخرج إلى الدنيا صارخًا لا ضاحكًا مع أنه خرج من الظلمات إلى النور ومن بحر السوائل إلى بحر الهواء الطلق، ومن ضيق الأرحام إلى رحابة الكون والسبب أن الشيطان يمسه فيصرخ. وكل إنسان يولد صارخًا إلا مريم وابنها كما قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ" ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [آل عمران: ٣٦].» (١) متفق عليه. خلق الله جميع المخلوقات بأمره وخلق الإنسان بيده، وكرمه بالعقل الذي يعرف به ربه، ويعرف به مصالحة ويميز به بين البدائل، وخلق سبحانه في الإنسان قوًى كثيرة ومراتب القوى في الإنسان خمس: الأولى: القوة الحساسة: وهي التي تتلقى ما تريده الحواس الخمس العين والأذن والشم والذوق واللمس وكلها تصب في القلب معلومات.

стр. 3845

الثاني: القوة الخيالية: وهي التي تستثبت ما أوردته الحواس الخمس وتحفظه لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه. الثالثة: القوة العقلية: المدركة للحقائق الكلية للكون والشرع. الرابعة: القوة الفكرية: التي تأخذ المعارف العقلية وتألفها ثم تستنتج من تأليفها علمًا بمجهول كمختلف الصناعات والاختراعات والاكتشافات. خامسًا: القوة الروحية القدسية: التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت والأنبياء والأولياء أخص بها، فسبحان من خلق هذه الطاقات وحركها لمنافع الإنسان: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. ومتى يكون الإنسان ملكًا في الدنيا والآخرة يكونه ملكًا بأمرين: الأول: إذا انقطعت حاجة الإنسان عن غير الله، كان ملكًا مطلقًا حيث ملك نفسه وملك شهواته وملك جوارحه وجعل الكل مسخر في طاعة مولاه الذي خلقه ورزقه وهداه، فمن كان لله كان الله له: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان: ٢٢ - ٢٤]

стр. 3846

وفي أعلى هذا المقام محمد ﷺ الذي كان أحسن الخلق خلقًا وخُلقًا وكان خلقه القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. الثاني: أن القلب شبه المملكة وسلطانه هو الروح، وخصم هذا السلطان النفس والحرب قائمة بينهما والملائكة مع الروح والشياطين مع النفس. قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣]. فإذا أشرقت في القلب شمس الهداية استولى سلطان الروح على سلطان النفس وقهره وأباد جمعه وفرق شمله وخلصت له هذه المملكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وإن جاءت ظلمات الخذلان من مغرب القهر والكبرياء استولى سلطان النفس على الروح وقهره وأخرجه من المملكة وامتلأت المملكة من رايات الشياطين وأعلام المبطلين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].

стр. 3847

٢ - الخزانة الثانية خلق الله آدم ثم خلق من أحد أضلاعه زوجه حواء، ثم أسكن الله آدم وزوجة جنة في السماء ليربيه على امتثال الأمر واجتناب النهي، وإذا أخطأ قوم خطأه، فأخطأ وزوجة وأكلا من الشجرة التي نهاه الله عنها فتاب إلى ربه فتاب الله عليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. ولما أخرجه الله من الجنة وأسكنه الأرض حاسبه وعاقبه وذريته على مخالفة أمره، ففي الجنة أسكنه ليقومه وفي الأرض أسكنه ليثيبه على فعل الأمر ويعاقبه في فعل النهي: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. ففي الجنة يصوب المخطئ ولا يؤدب، وفي الأرض بعد التربية والتدريب يؤدب ولا يصوب، فآدم في الجنة غير معصوم ولما أسكنه الله الأرض كان معصومًا لأنه رسول من ربه إلى ذريته: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].

стр. 3848

وقد خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، والخليفة من يخلف غيره وآدم وذريته خلفوا الجن في عمارة الأرض، وذريته يخلف بعضهم بعض والله أستخلف آدم وذريته لإبلاغ دينه والعمل به: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] والخليفة له ثلاثة مهام: الأول: خليفة يخلف الله بإبلاغ شريعته لعباده، كما من على آدم وذريته فجعل منهم خلفاء الأرض يحكمون بين الناس بالحق والعدل كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. الثاني: خليفة يخلف من سبقه، لأن الأرض كانت معمورة قبل آدم بالجن كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. الثالث: خليفة يخلف من سبقه بعضهم يخلف بعض، فإذا مات هذا خلفه هذا كل هذا محتمل وكل هذا واقع. والله خلق الإنسان مركب من بدن وروح ونفس، والروح مخلوق يسكنه الله في الأجساد فتنبعث بالحياة والنفس إذا اتصلت الروح بالجسد ظهرت النفس الشهوانية والروح قبل أن تتصل بالجسد خيرة طيبة والأجساد قبل أن

стр. 3849

تتصل بها الروح خيرة طيبة، فإذا اتصلت الروح بالجسد تحركت النفس بالشهوات، فإذا خرجت الروح مات الإنسان وذهبت الروح إلى عالمها، وذهبت النفس إلى عالمها. والنفس تنفذ ما يريد الإنسان وإن كانت كاره، لأنها مسخرة طائعة لإرادة الإنسان: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. فأرواحنا وأنفسنا وجوارحنا مسخرة لنا قابلة للطاعة وللمعصية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. فالروح لذتها بالإيمان والطاعة لله، والنفس لذتها بالشهوات شهوة البطن والفرج وشهوة المراكب والمساكن والملابس ونحو ذلك من الشهوات: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. والروح لها معنيان: الأول: أن الروح ما به حركة الحياة. الثاني: ما به ضبط حركة الحياة بمنهج الله في الدنيا. فالأولى الحيوان والمسلم والكافر فيها سواء وبها يتميز الحي من الميت. والثانية خاصة بالإنسان يهتدي بها لأحسن السبل في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ

стр. 3850

كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ولهذا سمى الله القرآن روح بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]. فهذه الروح تجعل حركة الإنسان في الحياة مجزية ونافعة ومفيدة، فمن لم يرزق هذه الحياة صارت حياته كالبهائم بل أضل: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والروح الأولى تتحرك بها المادة الساكنة والروح الثانية تجعل حركة الإنسان نافعة ومفيدة، وهذه هي الحياة المطلوبة التي جاء بها الرسل، وهي حياة وهي حياة القيم والأخلاق. فلابد لكل إنسان ليسعد في الدنيا والآخرة من نفختين، نفخة الرسول الملكي بالحياة حينما كان في بطن أمه فينفخ فيه الروح، والثاني نفخة الرسول البشري وذلك بالدعوة إلى الله فإذا اهتدى صار حيًا بعد موته: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].

стр. 3851

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بملكاتٍ متعددة، فله عينٌ ترى، وله أذنٌ تسمع، وله لسان يتكلم، وله فكرٌ يعقل، وله قلبٌ يعتقد، وله جوارح تعمل، فالمؤمن سخر جميع ملكاته في طاعة ربه، وضبط استعمالها فيما يحب ربه ويرضاه، فلا تنازع بينها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. والكافر سخر جميع ملكاته في طاعة هواه والشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء، فهو يحصد الذنوب بها في جميع أوقاته، ويعصي بها من خلقه ورباه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]. وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. والمؤمن عقد السلام مع ربه، ومع نفسه، ومع مجتمعه الذي يعيش فيه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ

стр. 3852

الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. والكافر عقد السلام مع نفسه، وفقد السلام مع ربه، ومع مجتمعه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وسيعلم يوم القيامة أن سلامه مع نفسه وهمٌ مؤقت، وسلام المؤمن حقيقي، فلا تناقض بين قوله وفعله، ولا بين ما رآه وما سمعه، ولا بين دنياه وآخرته، فالمؤمن أعلن إيمانه فسعد في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. والكافر أعلن كفره: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. أما المنافق فهو متناقض مضطرب، مريضٌ متنازع النفس الإنسانية، يرى الصلاح فسادًا، والسفاهة عقلًا، والشر خيرًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣].

стр. 3853

فهم يظهرون الإيمان خوفًا، ويبطنون الكفر جبنًا، يستعملون ملكاتهم في الظاهر استعمال المؤمنين، ويستعملونها في الباطن استعمال الكافرين، فالمنافق أظهر الإسلام وأبطن الكفر: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]. فجزاء الاستهزاء بالله ورسوله والمؤمنين، الله يستهزأ بهم، يجري عليهم في الدنيا أحكام الإسلام من الزواج والإرث، ونحوها، احترامًا لإعلانهم الإيمان في الظاهر، ولكن يوم القيامة لا يكون المنافق في النار فحسب، بل في الدرك الأسفل من النار: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]. فالمنافق أشد عذابًا من الكافر؛ لأنه استغل في الدنيا بالإيمان واستفاد منه، وهو كاذب فيعوض عن ذلك يوم القيامة ذلة الكفر: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. والمؤمن أعقل الناس يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فالمؤمن يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة وهي الإيمان، وعلى ذاتيته الوكيلة وهي الخلافة في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]

стр. 3854

والدعوة إلى الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. أما الكافر فيريد أن يحافظ على ذاتيته الطارئة، وهي الكفر، فإن كان كفره بسبب الجهل، زال بالدعوة إلى الله، وإن كان كفره بسبب مصلحة والكبر زال ذلك بالجهاد الذي شرعه الله ليكون الدين كله لله، فالأولى حق، والثانية حمق، والحمق يزال أولًا باللين والدعوة، فإذا لم يستجب الإنسان أزيل ذلك بالشدة والقسوة، قطعًا لدابر الشر عن الناس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. فالإيمان والكفر كالنور والظلام، طرفان متقابلان، وأهل كل واحد يدع الآخر إلى صفه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣] الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وابتلاه بثلاثة أشياء: ١ - ابتلاه بالشهوات الحيوانية. ٢ - وبالأوامر الإلهية. ٣ - وبالمصائب القدرية. • والنفوس البشرية نوعان: الأول: نفوسٌ طيبةٌ طاهرةٌ مشرقة، خيرة علوية يصدر عنها أفعالٌ فاضلةٌ كريمة، فهذه نفوسٌ مشرقة بالإيمان، صافيةٌ يظهر فيها من القرآن نورٌ على

стр. 3855

نور، في أقوالها، وأفعالها، وأخلاقها: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. النوع الثاني: نفوسٌ كدرةٌ، نذلةٌ، خبيثةٌ، مظلومةٌ، مضلة، يصدر عنها أفعالٌ خسيسة فاسدة، فهذه نفوسٌ كدرةٌ مظلمة، يظهر فيها من القرآن ضلالٌ على ضلال في أقوالها وأفعالها وأخلاقها ونكالٌ على نكال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وشأن الإنسان أنه إذا فاز بمحبوبه ووصل إلى مطلوبة اغتر بنفسه وماله، وصار غافلًا عن عبادة ربه الذي أنعم عليه، فأقبل على معصيته، وأعرض عن طاعته، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨]. وكل ما زاد الله عليه نعمه اغتر بها، فنسي ذكر الله، وأعرض عن عبادة ربه، وإن مسه فقرٌ أو مرضٌ أو ابتلاء كان يؤوسًا شديد اليأس من رحمة الله، واستولى عليه الأسف والحزن على الدنيا، ولم يتفرغ لذكر الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢] فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محرومٌ أبدًا من ذكر الله، ومن ذكر رحمته، سواءٌ أعطي، أو منع: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا
следующие страницы →