← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وزوده بملكاتٍ متعددة، فله عينٌ ترى، وله أذنٌ تسمع، وله لسان يتكلم، وله فكرٌ يعقل، وله قلبٌ يعتقد، وله جوارح تعمل، فالمؤمن سخر جميع ملكاته في طاعة ربه، وضبط استعمالها فيما يحب ربه ويرضاه، فلا تنازع بينها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. والكافر سخر جميع ملكاته في طاعة هواه والشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء، فهو يحصد الذنوب بها في جميع أوقاته، ويعصي بها من خلقه ورباه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]. وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. والمؤمن عقد السلام مع ربه، ومع نفسه، ومع مجتمعه الذي يعيش فيه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ

стр. 3852

الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. والكافر عقد السلام مع نفسه، وفقد السلام مع ربه، ومع مجتمعه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وسيعلم يوم القيامة أن سلامه مع نفسه وهمٌ مؤقت، وسلام المؤمن حقيقي، فلا تناقض بين قوله وفعله، ولا بين ما رآه وما سمعه، ولا بين دنياه وآخرته، فالمؤمن أعلن إيمانه فسعد في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. والكافر أعلن كفره: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. أما المنافق فهو متناقض مضطرب، مريضٌ متنازع النفس الإنسانية، يرى الصلاح فسادًا، والسفاهة عقلًا، والشر خيرًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٣].

стр. 3853

فهم يظهرون الإيمان خوفًا، ويبطنون الكفر جبنًا، يستعملون ملكاتهم في الظاهر استعمال المؤمنين، ويستعملونها في الباطن استعمال الكافرين، فالمنافق أظهر الإسلام وأبطن الكفر: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]. فجزاء الاستهزاء بالله ورسوله والمؤمنين، الله يستهزأ بهم، يجري عليهم في الدنيا أحكام الإسلام من الزواج والإرث، ونحوها، احترامًا لإعلانهم الإيمان في الظاهر، ولكن يوم القيامة لا يكون المنافق في النار فحسب، بل في الدرك الأسفل من النار: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]. فالمنافق أشد عذابًا من الكافر؛ لأنه استغل في الدنيا بالإيمان واستفاد منه، وهو كاذب فيعوض عن ذلك يوم القيامة ذلة الكفر: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. والمؤمن أعقل الناس يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فالمؤمن يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة وهي الإيمان، وعلى ذاتيته الوكيلة وهي الخلافة في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]

стр. 3854

والدعوة إلى الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. أما الكافر فيريد أن يحافظ على ذاتيته الطارئة، وهي الكفر، فإن كان كفره بسبب الجهل، زال بالدعوة إلى الله، وإن كان كفره بسبب مصلحة والكبر زال ذلك بالجهاد الذي شرعه الله ليكون الدين كله لله، فالأولى حق، والثانية حمق، والحمق يزال أولًا باللين والدعوة، فإذا لم يستجب الإنسان أزيل ذلك بالشدة والقسوة، قطعًا لدابر الشر عن الناس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. فالإيمان والكفر كالنور والظلام، طرفان متقابلان، وأهل كل واحد يدع الآخر إلى صفه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣] الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وابتلاه بثلاثة أشياء: ١ - ابتلاه بالشهوات الحيوانية. ٢ - وبالأوامر الإلهية. ٣ - وبالمصائب القدرية. • والنفوس البشرية نوعان: الأول: نفوسٌ طيبةٌ طاهرةٌ مشرقة، خيرة علوية يصدر عنها أفعالٌ فاضلةٌ كريمة، فهذه نفوسٌ مشرقة بالإيمان، صافيةٌ يظهر فيها من القرآن نورٌ على

стр. 3855

نور، في أقوالها، وأفعالها، وأخلاقها: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. النوع الثاني: نفوسٌ كدرةٌ، نذلةٌ، خبيثةٌ، مظلومةٌ، مضلة، يصدر عنها أفعالٌ خسيسة فاسدة، فهذه نفوسٌ كدرةٌ مظلمة، يظهر فيها من القرآن ضلالٌ على ضلال في أقوالها وأفعالها وأخلاقها ونكالٌ على نكال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وشأن الإنسان أنه إذا فاز بمحبوبه ووصل إلى مطلوبة اغتر بنفسه وماله، وصار غافلًا عن عبادة ربه الذي أنعم عليه، فأقبل على معصيته، وأعرض عن طاعته، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨]. وكل ما زاد الله عليه نعمه اغتر بها، فنسي ذكر الله، وأعرض عن عبادة ربه، وإن مسه فقرٌ أو مرضٌ أو ابتلاء كان يؤوسًا شديد اليأس من رحمة الله، واستولى عليه الأسف والحزن على الدنيا، ولم يتفرغ لذكر الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢] فهذا شأن الإنسان الذي لم يؤمن بربه، محرومٌ أبدًا من ذكر الله، ومن ذكر رحمته، سواءٌ أعطي، أو منع: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا

стр. 3856

مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٣ - ٨٤] فليس العطاء، أو المنع المادي دليلٌ على رضا الله على العبد، بل رضاه سبحانه مقرونٌ بعبادته وحده لا شريك له وطاعته: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢٠]. ولا سعادة للإنسان أبدًا إلا بالإيمان بالله، ودوام ذكره، والعمل بشرعه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وهذه النفوس المؤمنة المطمئنة تعود إلى ربها يوم القيامة راضيةً مرضية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. والأصل في الإنسان الجهل، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].

стр. 3857

والأصل في الإنسان الضلال، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ». أخرجه مسلم (١). والإنسان ظلومٌ جهول، فلابد من الجود عليه، ليكون مؤمنًا بعد كفره، عالمًا بعد جهله، عادلًا بعد ظلمه، رحيمًا بعد قسوته: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. والله فطر الناس على التوحيد، ولكن الشياطين جاءتهم واجتالتهم عن دينهم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وقال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» أخرجه مسلم (٢). ولهذا بعث الله الأنبياء لسقي هذه الفطرة، وحمايتها من كل شيءٍ يفسدها: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وكمال الإنسان بأمرين:

стр. 3858

١ - أن يعرف الحق لذاته. ٢ - ويعرف الخير لأجل العمل به. واستكمال القوة النظرية بالعلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. والقوة النظرية أشرف من القوة العملية والقوة العملية ثمرة القوة العلمية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. واستكمال القوة النظرية بالمعارف الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. واستكمال القوة العملية بالأعمال الصالحة والطاعة الكاملة، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 3859

شرف الله الإنسان، وخصه بكرماتٍ دون غيره من المخلوقات: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. فالمخلوقات العظيمة في هذا الكون ستة أجناس، الجمادات، والنباتات، والحيوانات، والإنس، والجن، والملائكة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. والإنسان أشرف هذه المخلوقات، وقد خصه الله بكرمات، فخلقه سبحانه بيديه، وخلق جميع المخلوقات بأمره. الثالثة: أن الله نفخ فيه من روحه. والرابعة: أن الله علمه أسماء كل شيء. والخامسة: أن الله لا يرضى أن يسجد أحدٌ لغيره، وأسجد جميع الملائكة الذين هم أشرف المخلوقات للإنسان تشريفًا له. قال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. السادسة: أن الله خلق جميع المخلوقات قبل الإنسان، وسخرها لخدمة الإنسان، فكلها خادمةٌ للإنسان، والإنسان مخدوم.

стр. 3860

قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. السابعة: أن الله خلق الإنسان ليكون خليفةً في الأرض في الدنيا، وليكون جليسه في الجنة في الآخرة. قال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. الثامنة: أن في الجنة نعيمٌ أعظم من الجنة، وهو رؤية الله وسماع كلامه، والقرب منه ورضوانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله : ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. وقال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فمقصود خلق الإنسان أن يكون جليس ربه في الجنة، والوسيلة لذلك في الدنيا هي الإيمان بالله، وعبادته وحده لا شريك له، والخلافة في الأرض بما جاء عن الله ، وبسبب ذلك يدخل الإنسان الجنة، وينال رضوان الله ومحبته: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]

стр. 3861

والله هو الخلاق العليم خلق هذا الإنسان يركب طبقًا بعد طبق، كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩] وينتقل من محلٍ إلى محل، فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحمًا، ثم أنشأه الله خلقًا آخر، ثم أخرجه إلى الدنيا، ثم ينتقل إلى القبر، ثم إلى المحشر، ثم إلى دار القرار في الجنة أو النار: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. والله خلق آدم من تراب، ثم خلق منه زوجته حواء، ثم خلق الناس منهما بواسطة النطفة المجتمعة من ماء الذكر والأنثى في الرحم، كما

стр. 3862

قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] فخلق الناس كلهم بواسطة النطفة المجتمعة من ماء الذكر والأنثى في الرحم، ثم يكون علقة، ثم مضغة، ثم يكون طفلًا يخلقه الله في ظلماتٍ ثلاث، ظلمة البطن، وظلمة الرحم، ظلمة المشيمة، فيركب الله من تلك النطفة عظام الإنسان بعضها فوق بعض، ثم يكسوها لحمًا، وجعل في ذلك اللحم، والعروق، والأعصاب، وفتح مجال البول والغائط، وفتح العيون والآذان، والأفواه، والفم، وفرق الأصابع، وشد رؤوسها بالأظفار، وكل هذا في الظلمات الثلاث: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦].

стр. 3863

٣ - الخزانة الثالثة • عجائب خلق الإنسان: الإنسان مخلوقٌ عظيم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له ملائكته، فخلقه الله لمقصدٍ عظيم، هو أن يكون في الدنيا خليفةً يعبد ربه، ويدعو الناس إلى ربه، وفي الآخرة يكون في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وفي خلق هذا الإنسان عجائب تبهر العقول، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، ومن أعظم ذلك أن الله صب الإنسان صبةً واحدة، فجعل الرأس في الأعلى، والقدمين في الأسفل، واليدين في الوسط، وجعل الأنف هنا، والفم هنا، والعينين هنا، ولم يتفق منا اثنان ولو جاءت الملاين مضروبةً في الملايين لكل واحدٍ صورته، وهيأته مخالفة لصورة لآخر في الحجم، واللون، والطول، والصوت، وآثار الأقدام، وبصمات الأصابع، ورائحة الجلد، ونحو ذلك من الفوار: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وفي خلق كل عضو من العجائب والغرائب ما يبهر العقول، فالعينين خلقهما الله شحمةً لئلا يجففها الهواء، وجعل ماء العين ملحًا لئلا تنتن

стр. 3864

الشحمة، وأخرج منها النور الذي يشع فيبصر به الإنسان الألوان، والأحجام، والأجناس والأشخاص، وفتح له الفم، وجعل فيه عينًا عذبة من الريق تحت اللسان ليسهل بها أكل الطعام، فلو جف ريقه، لما قدر أن يبلع شيئًا، يجم ريقه عند الأكل، ويجف إذا فرغ لئلا يتعبه التفل. وخلق اللسان في الفم يتكلم به ويقلب به الطعام، ولو جعل الله العينين في القدمين ما رأى شيئًا، ولو جعل سبحانه الأنف في يده لتعب، ولو جعل الفم في رجله لشق عليه الأكل، ولو جعل سبحانه أصابع الإنسان ملتصقةٌ كالبعير لما استطاع أن يأخذ ويعطي، وخلق سبحانه الأنف، وجعله مجرى للنفس، وجعل فيه حاسة الشم، وخلق اللسان، وجعل فيه حاسة الذوق، وخلق العينين وجعل فيهما حاسة البصر، وخلق الأذنين، وجعل فيهما حاسة السمع: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. وخلق الأصابع، وجعل فيها حاسة اللمس، فسبحان الخلاق العليم الذي خلق القلب في محله، والكبد في محلها، والكلية في محلها، المعدة في محلها، والمخ في محله، وفتح الشرايين ليدور الدم، ومفتح مجال البول والغائط، وفتح منافذ السمع والبصر والأكل والكلام، والكل يقوم بوظيفته بتدبير الجسم، وكل واحدٍ منا دخل رحم أمه نطفة ليس فيه يدٌ ولا رجلٌ ولا رأسٌ ولا عين، ثم صوره الله إنسانًا وخلقه في ظلماتٍ ثلاث: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].

стр. 3865

وتجري في بدنه آلاف العمليات وأمه لاهية تفرح وتمرح لا تدري عما يفعل في بطنها ربها من عجائب صنع الله، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨]. فسبحان الخلاق العليم الذي خلق الإنسان في ظاهره وباطنه في أحسن قويم، في جسده وعقله، وشهوته وصورته وشكله، فليعبد ربه الذي خلقه فصوره، فرزقه وهداه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. فإن لم يستجب فسيرده الله إلى أسفل سافلين إذا غير فطرته، وكفر بربه، وأشرك به غيره، وعبد سواه وسفل في أخلاقه وشهواته، وأقواله وأعماله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وقال الله : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣]. فلا أسفه ممن أعرض عن عبادة الله، ولا أسفل ممن أشرك بالله، ولا أسفل ممن يعتقد ألوهية الأحجار والأشجار والحيوانات، وينكر وجود الخالق، وهو يشاهد مخلوقاته، ويتنعم بنعمه فهذا في أسفل سافلين اعتقادًا، وتعبدًا، ومصيرًا.

стр. 3866

وآثار الطاعات والمعاصي ظاهرةٌ على كل إنسان، فللحسنة نورٌ في القلب وضياءٌ في الوجه، وسعةٌ في الرزق، وقوةٌ في البدن، ومحبةٌ في قلوب الخلق، والسيئة سوادٌ في الوجه، وظلمةٌ في القلب، ووهنٌ في البدن، ونقصٌ في الرزق، وبغضٌ في قلوب الخلق، وتبقى هذه الآثار مع الإنسان في حياته وبعد مماته ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧]. • حقيقة الإنسان: خلق الله الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له ملائكته، فهو مركب من عنصرين مختلفين، وهما الجسد والروح، وجعل لكل منهما غذاءً لا تستقيم حياته إلا به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢].، غذاء الجسد. وقال الله : ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].، غذاء الروح. وقال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].، غذاء الروح.

стр. 3867

فللجسد متطلبات لا تقوم بها طلبات الروح، وللروح متطلبات لا تغني عنها طلبات الجسد، وهذا الإنسان لابد أن يسعى سعيًا مزدوجًا لتحقيق متطلبات الروح، ومتطلبات الجسد، وإهمال متطلبات الجسد فسادٌ لأجساد البشر وهلاكهم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. وإهمال متطلبات الروح أعظم وأخطر فهو الولاية الكبرى على العالم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].، هذه متطلبات الروح. وقال الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].، هذه متطلبات الجسد والروح معًا. وقد حصل في عصرنا هذا أمرًا عظيمًا، فقد خدم الإنسان من حيث أنه جسد بخدماتٍ هائلة، في مطعمه ومشربه وملبسه، ومركبه، ومسكنه، ولكنه زاد شقاؤه وخوفه؛ لأنه لم يخدم من الجهة الثانية فأفلس كل الإفلاس من الناحية الروحية؛ لأنه حُرم التربية الروحية السماوية، فانحطت أخلاقه في أغلب دول العالم، وتمرد على أوامر الله؛ لأن تلك الأرواح غير متربية على ضوء الوحي الإلهي، وإهمال هذه التربية الروحية يهدد العالم كله بخطرٍ دامي: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي

стр. 3868

هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. وقال الله : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وبسبب العناية بالجسد فقط، وإهمال الروح حصل الرعب في العالم وصاروا يتفكرون، ويعقدون الاجتماعات للتخلص من القوة التي صنعوا ويدمروها ولكنهم عجزوا، وما ذلك إلا أنها تدبرها أرواحٌ خبيثةٌ ليست مرباةٌ على ضوء القرآن والسنة: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. فأعظم المعارف أن يعرف العبد ربه، وما يجب له، فيقر بالجهل في العلم، والتقصير في العمل، والعيوب في النفس، التفريط في حق الله، والظلم في معاملته، فهذا العارف حقًا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].

стр. 3869

هذا العارف حقًا إن عمل حسنة رآها منةً عليه من الله، فإن قبلها فمنةٌ ثانية، فإن ضعافها فكرمٌ منه، وإن ردها فلكون مثلها لا يصح أن يواجه به الله ، وإن عمل هذا العبد سيئةً رآها من تخلي ربه عنه، إمساك عصمته عنه، إن آخذه بذنوبه رأى عجزه، وإن لم يؤاخذ به رأى فضله، وإن غفرها فمن محض إحسانه وكرمه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. وهذا الإنسان مخلوقٌ عجيب، إذا غلب صبره بعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وإذا غلب الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وإن غلب باعث طبعه من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ

стр. 3870

لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. • آباء البشر: أكرم الله جميع بني آدم، فخلق أباهم آدم ﷺ بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعل الأنبياء والرسل من ذريته. • وآباء البشر ثلاثة: الأول: آدم ﷺ . الثاني: نوحٌ ﷺ . الثالث: إبراهيم ﷺ . آدم ﷺ أبو الآباء وعمود العالم، والبشر كلهم ذريته، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ونوح ﷺ الأب الثاني للناس، وأهل الأرض كلهم من بعده من ذريته، كما قال : ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى

стр. 3871

نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾ [الصافات: ٧٥ - ٨٢]. • وكان لنوح ﷺ زوجة وأربعة أولاد هم: سام .. وحام .. ويافث .. وكنعان. فأغرق الله زوجة نوح وابنه كنعان لكفرهما مع من أهلك من كفار قوم نوح، وأنجى الله نوحًا وأبناءه الثلاثة المؤمنين: سام وحام ويافث. فجميع من في الدنيا بعد نوح من نسله، فهو أبو البشرية الثاني بعد آدم، فابنه سام من نسله العرب والفرس والروم، وحام من نسله القبط والسودان والبربر، ويافث من نسله الصقالبة والترك ويأجوج ومأجوج، فجميع أهل الدنيا بعد نوح من نسله. هؤلاء الثلاثة، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]. وإبراهيم ﷺ الأب الثالث، وهو إمام الحنفاء، وأبو الأنبياء من بعده، الذي اتخذه الله خليلًا، وجعل في ذريته النبوة والكتاب: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١] وقال الله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥]. وقال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٦].

стр. 3872

وإبراهيم بالسريانية معناه: أبٌ رحيم، وخير بنيه سيد ولد آدم محمدٌ ﷺ ، وقد أمر الله رسوله محمدًا ﷺ وأمته بإتباع ملة إبراهيم وهي التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]. • الأحوال التي يمر بها الإنسان: الإنسان من جهة مادة خلقه أربعة أنواع: ١ - فقد خلق الله آدم ﷺ من غير أبٍ ولا أم، خلقه من تراب. ٢ - وخلق حواء من أبٍ بلا أم من أحد أضلاع آدم. ٣ - وخلق عيسى ﷺ من أمٍ بلا أب. ٤ - وخلق الله سائر البشر من أمٍ وأب. وذلك إظهارًا لقدرته ﷻ في خلق آدم كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٦ - ٩]. والإنسان من جهة جنس الخلق أربعة أنواع: ١ - فمن الناس من يرزقه الله الإناث. ٢ - ومنهم من يرزقه الذكور.

стр. 3873

٣ - ومنهم من يرزقه الذكور والإناث. ٤ - ومنهم من يجعله عقيمًا لا يُولدُ له. قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. فالله سبحانه هو الوهاب الذي يهب من خلقه ما يشاء من الأولاد والبنات، ومن الذكور والإناث: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. • والإنسان من جهة الدور التي يمر بها له أربع دور: الأولى: بطن أمه. • والحكمة من بقائه في بطن أمه أمران: ١ - تكميل الأعضاء الداخلية. ٢ - وتكميل الجوارح الخارجية. والثانية: دار الدنيا، والحكمة من بقائه فيها عبادة الله ، وتكميل الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة. الثالثة: دار البرزخ في القبر، والحكمة من بقائه فيها استكمال بقية الخلق من أهل الجنة والنار.

стр. 3874

والرابعة: دار القرار في الجنة أو النار، فيبعث الناس من قبورهم وينصرفون إلى دار مقرهم في دار القرار في الجنة أو النار كلٌ حسب عمله. وخلق الله الإنسان وجعله يتحول من حالٍ إلى حال، سواءً كان في الزمان أو المكان أو الأبدان أو القلوب، ويركب طبقًا بعد طبق كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩] وقال : ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤]. فأولًا: أحوال الزمان تتقلب على الإنسان من أمنٍ إلى خوف، ومن سلمٍ إلى حرب، ومن مطرٍ إلى قحط، ومن جدبٍ إلى خصب، ومن فرحٍ إلى حزن، ومن عافيةٍ إلى مرض، ونحو ذلك من التقلبات. ثانيًا: أحوال المكان، ينتقل الإنسان كل يوم من منزلٍ إلى منزل، ومن مكانٍ إلى مكان، ومن بطن الأم إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبر، ومن القبر إلى أن تنتهي به المنازل في دار القرار، في الجنة والنار، حسب عمله. ثالثًا: أحوال الأبدان، يركب الإنسان منها طبقًا عن طبق، فيكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم طفلًا، ثم شابًا، ثم هرمًا، ثم ينقص شيئًا فشيئًا حتى يموت. رابعًا: أحوال القلوب، أحوال القلوب عجيبة، فتارة يتعلق القلب بالدنيا، وتارةً يتعلق بالنساء، وتارةً يتعلق بالأموال، وتارةً يتعلق بالقصور

стр. 3875

والمنازل، وتارةً بالمراكب، وأعظم تعلقات القلب أن يكون متعلقًا بالله فيستخدم الدنيا من أجل تحقيق العبودية لله : ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. وهذه أعظم الأحوال الأربع، فعلى الإنسان أن يتفقد قلبه ليحفظه من التعلق بغير الله، ويشغله بذكر الله وطاعته وعبادته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 3876

٤ - الخزانة الرابعة خلق الله الإنسان وأكرمه بكراماتٍ كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. والمؤمن يمر في أطوارٍ ثلاثة: الأول: طورٌ يؤدبه ربه فيه على تقصيره وبعض أخطائه كما ربى الله آدم في الجنة، ثم تاب عليه وهداه، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. والطور الثاني: طورٌ يبتلي فيه الله العبد، ويمتحنه بالسراء والضراء، والأمن والخوف، ليعلم الصادق من الكاذب، فإن صبر وتوكل على الله كفاه من كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. الثالث: إذا نجح في هذين الطورين بلغ طور التكريم الخاص، وأصبحت حياته سلسلةٌ من الإكرامات في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ

стр. 3877

عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. والله امتن على كل إنسان بقوت الأبدان من الطعام بأنواعه والشراب بأنواعه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وامتن على الإنسان خاصة بقوت القلوب وهو معرفة علام الغيوب، والإيمان به، والعمل بشرعه، وهذا القوت يملأ القلب بالإيمان، ويملأ النفس بالسكينة والطمأنينة، ويشغل الجوارح بطاعة من خلقها وسواها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 3878

وإشباع الجسد لا يغني الروح شيءً فالروح لها قوتٌ خاص بها هو الإيمان والتقوى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. وكلما كبر الإنسان كانت حاجته إلى قوت القلوب أشد، فعندما يزيد إيمانه لا يرى سعادةً إلا في مناجاة ربه، وحينما يفتقر القلب إلى القوت يتضجر لأن الطمأنينة منعدمة، فلا طمأنينة له إلا بذكر الله كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. والله سبحانه هو المقيت الحفيظ لجميع الأقوال والأعمال، فمن دل غيره على خيرٍ فله منه نصيب، ومن دله على شر فله منه كفل، والله حافظٌ ورقيب، وشاهدٌ وشهيد على كل ذلك: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]. والناس في القوت مختلفون حسب الإيمان والكفر، فمنهم من جعل الله قوته في المطعومات فقط، فهذا يعيش ليأكل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. ومنهم من جعل الله قوته في طاعة الله، فهذا يأكل ليعيش لله، وقوته أحسن الأقوات وأكملها: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ

стр. 3879

حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال النبي ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أخرجه مسلم (١). فالمشغول بعبادة الله وذكره يطمئن قلبه بذكر ربه، وينسى غذاءه ويغنيه ذلك عن الإطعام المادي. كما قال النبي ﷺ : «أَيُّكُمْ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». متفقٌ عليه (٢). وقال الله عن إبراهيم ﷺ : ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾ [الشعراء: ٧٩]. الله خلق الإنسان وخلق فيه مخلوقاتٍ عظيمة وآياتٍ عجيبة، فليس الإنسان جسدًا وحده، وليس عقلًا وحده، وليس قلبًا وحده، فالإنسان مجموعة طاقاتٍ وملكاتٍ، فالجسد غذاؤه الطعام والشراب، والعقل غذاؤه العلم والمعرفة، والقلب غذاؤه الذكر والإيمان والحب: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. وقد شرف الله الإنسان بالإيمان بالله وطاعته وعبادته وحده لا شريك له، فالله هو المجيد العظيم العلي، ومن آمن به رفعه عاليًا، وعظمه في قلوب

стр. 3880

الناس: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقال الله : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وقال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وقد يرتفع الإنسان في الدنيا بالباطل والقهر والقوة والاستعلاء والمال والجاه، ولكن رفعة الدنيا آيلةٌ إلى زوال، ورفعة الدين باقيةٌ إلى استمرار: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. فالقوي من الناس بلا إيمان مرهوب الجانب مادام حيًا، فإذا مات جاءته اللعنات من كل جانب لأنه كان يؤذي الناس ويعذبهم ويظلمهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٨].

стр. 3881

فهذه رفعة، وتلك رفعة، ولكن الأنبياء وأهل الإيمان ملكوا قلوب الناس، وعبدوا من يستحق العبادة، والأقوياء ملكوا رقاب الناس، وأعرضوا عن الله، وملك الرقاب يزول، وملك القلوب لا يزول ولو بعد الموت وكلٌ راجعٌ إلى ربه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣] وقال الله : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. فمن أحبه الله من الناس نشر محبته في أهل السماء والأرض، وسخّر عدوه لخدمته، ومن أبغضه الله نشر بغضه في أهل السماء والأرض، وجعل أقرب الناس إليه يتنكر له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٣]. فما أعظم عناية الرب بخلقه، وما أعظم رحمته لهم وإحسانه إليهم، وأفعاله معهم في منتهى الحكمة والرحمة والعدل والإحسان، آياته كونية تذكر الإنسان بعظمة ربه فيكبره ويعظمه ويطيعه. ونعمه الظاهرة والباطنة توجب له محبته وحمده وشكره، والمصائب والآلام والأمراض، والقهر والزلازل والبراكين توجب له الخوف منه، فيقبُل على طاعته ويجتنب معصيته، فالآيات الكونية من أجل أن تعظمه،

стр. 3882

والنعم من أجل أن تحبه، والمصائب من أجل أن تخافه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ [الأعراف: ١٦٨]. وجسد هذا الإنسان مملوءٌ بالأجهزة المعقدة، ولهذا لا يستغني عن خالقه طرفة عين، فأي جهازٍ يتعطل، أو أي نسبةٍ تتغير تصبح حياة الإنسان لا تطاق، فهو شديد الحاجة لربه كل حين، في بطن أمه، وفي بطن الدنيا، وفي القبر وفي دار القرار: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. لو قصّرت الكلية في عملها لزادت نسبة الحموضة في الدم، فحصل التوتر العصبي العنيف، وإذا زاد الملح أثر في الدم فزاد الضغط، وإذا أصبح الدم لزجًا يتجمد فورًا، والتجمد يعني الشلل أو فقد البصر أو فقد الذاكرة أو الموت: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]

стр. 3883

٥ - الخزانة الخامسة • كرامات الرب للإنسان: الله سبحانه خلق كل شيءٍ بأمره، وخلق آدم ﷺ بيده تكريمًا وتشريفًا له، وصوره فأحسن صورته، ثم نفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، ثم أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا له إلا إبليس امتنع عن السجود له، فطرد الله إبليس ولعنه، وأسكن آدم جنته، وأتم عليه نعمته: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. ثم أنزل الله آدم من السماء إلى الأرض بحكمته، ليكون في الأرض خليفة، وهيأ له السكن قبل أن ينزل: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ٢٤ - ٢٥]. وجعل الله الأرض وما عليها كلها له: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وأمره أن ينتفع بخيرات الأرض ويستعين بنعم الله على طاعته: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].

стр. 3884

وفضل الله الإنسان بالعقل والنطق على ما سواه من الجماد والنبات والحيوان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقال الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. خلق الله الإنسان وجعله مركبًا من بدنٍ وروح، وفطره وهداه إلى الإيمان، وحب الخير وبغض الشر: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فجعله سبحانه خليفةً في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] وسخر الله للإنسان ما في السماوات وما في الأرض، ليكون في مصلحته وخدمته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].

стр. 3885

فهذا العالم كله بأسره كقريةٍ صغيرة، فيها جميع المخلوقات المختلفة، والمنافع العظيمة، والإنسان فيها هو الرئيس، وسائر الجمادات والنباتات والحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد له، والخدم له، وهم جميعًا مطيعون له وفي خدمته، فكم نعم الله على هذا الإنسان؟ وكم أنواع تكريمه له سبحانه؟. وقال الله تَعَالىَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. والإنسان أشرف المخلوقات في العالم السفلي، والعالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الإنسان من جنس العالم العلوي، وليس في مخلوقات العالم السفلي منه شيء -من العالم العلوي- إلا الإنسان، لهذا فهو أشرف وأكمل، لهذا فلا يليق بالإنسان الذي كرمه الله وجعله في الدنيا خليفة، ويوم القيامة -إن كان مؤمنًا- جليسه، لا يليق بهذا الإنسان في هذه الدنيا أن يسكن في ملك الله ويأكل من رزق الله، أن يعبد غير الله مما هو دونه من صنمٍ أو حجرٍ أو شجر، ويعصي أمر من خلقه وأنعم عليه وهداه بلا حياء: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].

стр. 3886

وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]. فسبحان الله ما أجهل العبد بربه، وما أجهله بملكه وسلطانه، وما أجهله بدينه وشرعه وثوابه وعقابه. • فالناس أربعة: ١ - رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالمٌ فخذوا عنه. ٢ - ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك ناسٍ فذكروه. ٣ - ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك طالب علمٍ فعلموه. ٤ - ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك أحمق فارفضوه. فالناس مختلفون في العقول والأفهام، والإقبال والإدبار، والله سبحانه يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. • فضل الله آدم على غيره من الملائكة وغيرهم في أمور: فالله سبحانه خلق آدم بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله خليفةً في الأرض، وقد بلغ آدم ﷺ في

стр. 3887

منصب الخلافة أعلى الدرجات. فالدنيا خلقها الله متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، والملائكة في طاعته، وإعانته؛ فبعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه، وبعضهم مستغفرين لزلاته، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبر عليه. ومع هذه الكرامات والمناصب العالية يقول الله له: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. فهو في الدنيا خليفة، ويوم القيامة إذا آمن جليسه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. فكم من الكرامات أعطاها الله لهذا الإنسان خلقه الله في أحسن تقويم، وأنعم عليه بنعمٍ لا تعد، ولا تحصى، وميزه على عقله، على غيره بالعقل والنطق والعلم. وكل من عرف شيئًا؛ فإما أن يكون قادرًا على تعريف غيره به، أو يكون عاجزًا عن تعريف غيره به. فالأول: هو الإنسان فإنه يعلم بالأشياء ويمكنه تعريف غيره بكل ما عرفه. والثاني: هو الحيوان فأنه إذا حصل له ألم أو لذة يعجز عن تعريف غيره به. والناس يوم القيامة يصدرون للمحاسبة، ورؤية الأعمال ثم الجزاء عليها، ويصدرون أشتاتًا: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].

стр. 3888

فبعضهم يذهب إلى الموقف راكبًا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه وهم المؤمنون وهم درجات. قال الله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]. ومنهم من يَذهب من يُذهب بهم حفاةً، عراةً، سود الوجوه، مقيدين في السلاسل والأغلال وهم الكفار، وهم درجات: فيذهب اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، كل فريقٍ مع شكله. وحسنات الكافر محبِطةٌ، محبَطةٌ بكفره، وسيئات المؤمن مغفورةٌ إما ابتداءً، وإما بسبب اجتناب الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. وليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وهذا هو الحق والعدل والكرم: فإن المعصية وإن قلت وصغرت ففيها استخفاف بالملك العظيم الجبار الذي له ملك السماوات والأرض وله من في السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، والكريم القادر على كل شيء الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى لا يحتمل ذلك.

стр. 3889

وفي الطاعة تعظيمٌ للملك، فهذا التعظيم وإن قل فالكريم لا يضيعه، بل يضاعف أجره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. فكل ذنب مهما كان فهو عظيم؛ لأنه وقع في حق العظيم سبحانه الذي له الخلق والأمر وبيده مقاليد الأمور. قال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ولأنه وقع في مقابلة نعم ربه العظيمة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. فقه الأرواح: الأجساد مساكن الأرواح وفي كل جسدٍ روحان: إحداهما: روح اليقظة: وهذه الروح هي التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظًا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات بعد مفارقة الجسد، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. الثانية: روح الحياة:

стр. 3890

وهي الروح التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حيًا فإذا فارقته مات الجسد، فإذا رجعت إليه حيي الجسد عند البعث، كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٦]. وهاتان الروحان في باطن الإنسان ولا يُعرف أين مقرهما، فهما كجنينٍ في بطن امرأةٍ واحدة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وكذا في باطن الإنسان روحان أخريان: ١ - روحٌ ملكية: تأمر الإنسان بالخير، وتنهاه عن الشر. ٢ - وروحٌ شيطانية: تأمر الإنسان بالشر وتنهاه عن الخير. قال الله تَعَالىَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦] وفي الحديث «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ
следующие страницы →