وقال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ [الأنعام: ٥٧].
وهو الملك الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء ويفعل ما يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
الخامس: تكبير الله في أسمائه، وهو ألا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته العلى، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
السادس: إذا كبر العبد ربه وعظمه وقدسه ونزهه على معرفته وطاقته اعترف أن عقله وعلمه لا يفي بمعرفة جلال الله وعظمته، ولسانه لا يفي بشكره وجوارحه لا تفي بحق عبادته فكبر الله على أن يكون تكبيره، وافيًا بما يستحقه الرب من المجد والتعظيم والإجلال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١٠ - ١١١].
стр. 3992
٢ - الخزانة الثانية
• عظمة القرآن:
القرآن العظيم كله هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين، فهو شفاءٌ من الأمراض الروحية من الكفر والشرك والبدع والتكذيب للكتب والأنبياء، وشفاء من الأخلاق السيئة بالتحذير منها والترغيب في الأخلاق الحسنة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والقرآن شفاءٌ من الأمراض البدنية لما فيه من بيان الحلال والطيبات وإباحة أكلها، وما فيه من بيان الطيبات من الخبائث: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقراءة القرآن على المرضى تدفع بإذن الله أمراض الأجسام، لما في القرآن من البركة، ولاشتماله على ذكر جلال الله وتعلق القلوب به وما فيه من تحقير الشياطين والسحرة: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
стр. 3993
والقرآن كذلك رحمة للمؤمنين لما فيه من بيان الحق من الباطل وكشف الشبهات والترغيب في الحق والعمل به والأخلاق الحسنة وغيرها، مما يكون سببًا لوصول الإنسان إلى جوار رب العالمين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وكما أن القرآن شفاءٌ ورحمة للمؤمنين، فكذلك هو سبب للخسار والضلال في حق الظالمين؛ لأن سماع القرآن يزيدهم طغيانًا وكفرًا وتكذيبًا وحسدًا وعدوانًا وهذه الأخلاق الذميمة تزيدهم إصرارًا واستكبارًا عن الحق وتدعوهم إلى الأعمال الباطلة، والأعمال الباطلة تجرهم إلى الأعمال الفاسدة فتفسد نفوسهم ويفسدون غيرهم فلا أشد من خسارتهم،
كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
والقرآن العظيم فيه تبيان كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقد تحدى الله الإنس والجن بهذا القرآن العظيم على درجات فتحداهم أن يأتوا بمثله، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور منه، كما قال سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].
ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة، كما قال سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
стр. 3994
ثم تحداهم أن يأتوا بحديث من مثله، كما قال سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٤].
والقرآن العظيم كتاب الله، وكتاب الله كتاب عظيم وكريم وحكيم ومجيد بالغ في الكمال والصحة والحسن والنفع ما لم يبلغه كتاب سواه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
فالقرآن العظيم كتاب عظيم كامل في ذاته: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
وهو كتاب كريم مكمل لغيره مقيم له لأن القيّم هو القائم بمصالح غيره: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف: ٢ - ٣].
والقرآن العظيم سبب لهداية الخلق وإكمال أحوالهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
فهو الحق: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]
يهديهم إلى الحق والأجر والثواب الحسن، والقرآن العظيم مستقيم كله حق لا عوج فيه والعوج في المعاني كالعوج في الأشياء والله : نفى العوج عن كتابه، فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
стр. 3995
وذلك من وجوه:
أحدها: نفي التناقض عن القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
الثاني: أن كل ما ذكر الله في القرآن من التوحيد والأحكام والأخبار والتكاليف فكله حق وصدق لا خلل فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
الثالث: أنه يخرج الإنسان من معرفة الخلق إلى معرفة الخالق ومن معرفة الصور إلى معرفة المصور سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويخرج الإنسان من معرفة الدنيا إلى معرفة الآخرة ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب وهو أعظم سبب لهداية الخلق: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
• نعمة إنزال القرآن العظيم:
الله : هو العظيم وكتابه عظيم، وأعظم سور القرآن هي فاتحة الكتاب، وأعظم آيات القرآن هي: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 3996
والله أنزل الكتاب على الرسول ﷺ وتلك نعمة عليه ونعمة علينا، أما كونه نعمة عليه ﷺ ؛ فلأن الله أطلع نبيه ﷺ بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال والجمال والإكرام لله وأحوال الملائكة والأنبياء والرسل.
وأحوال القضاء والقدر وأسرار تعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وذلك من أعظم النعم عليه ﷺ : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
أما كون هذا الكتاب نعمةً علينا، فلأن القرآن العظيم مشتمل على أحسن الأحكام والأوامر والأخبار والوعد والوعيد والثواب والعقاب، فلما كان كذلك وجب على كل واحد أن ينتفع به بمقدار طاقته، ووجب على الرسول ﷺ وأمته أن يحمدوا الله على ما خصهم به من هذا الكتاب الكريم، وقد علمهم الله ذلك بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
стр. 3997
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
والقرآن الكريم كله عظيم في سوره وآياته وأخباره وأحكامه.
وقد أنزل الله في القرآن الكريم سورة العصر، وهي إحدى ثلاث سور قصيرة في القرآن وهي الكوثر والنصر والعصر.
وسورة العصر سورة عظيمة شاملة لمعاني الكمال الإنساني العلمي والعملي في النفس وفي الغير ومؤسسة للعلاقة مع الله بين الإنسان وأخيه، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
ولم يذكر الله تعالى في هذه السورة سبب الخسارة، وذكر سبب الربح لأن طريق الربح واحد هو الإيمان بالله .
стр. 3998
لكن طرق الخسارة كثيرة متنوعة لا تنتهي، منها:
o ترك الأوامر
o وفعل النواهي.
وقد ذكر الله في هذه السورة أنواع الكمال الإنساني العلمي والعملي، الكمال اللازم والمتعدي.
فالكمال العلمي للإنسان، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ١ - ٣].
والكمال العلمي: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣].
والكمال اللازم من الإنسان يتم بأمرين:
o آمنوا .. وعملوا الصالحات.
فهذا جهد على النفس.
o والكمال المتعدي ما يفيض من الإنسان إلى غيره
كما قال سبحانه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣].
وهذا جهد على الغير.
• والنجاة من الخسار لا تحصل إلا بهذه الأربعة:
o الكمال العلمي .. والعملي
o والكمال اللازم .. والمتعدي.
والتواصي بالحق والصبر يشمل التواصي بهما والتواصي بالتواصي بهما فيوصي بعضنا بعضًا فتقول أوصيك أن توصي الناس بالحق والصبر.
والله هو الحق وعبادته هي الحق وهذا مقصود الله من خلقه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
стр. 3999
والصبر من الحق وهو رأس الفضائل فلا دين ولا دنيا إلا بالصبر والإيمان نصفه صبر ونصفه شكر فالإيمان والعمل الصالح يحتاجوا إلى صبر فالإنسان يستقيم لكن إذا لم يكن عنده صبر انقطع.
والتواصي بالحق يحتاج إلى صبر فمن لم يكن عنده صبر توقف، والإنسان قد يصبر سنة أو أكثر فإذا لم يكن عنده صبر على الصبر انقطع، والصبر يكون على فعل الطاعات والصبر عن المحرمات والصبر على الأقدار والصبر على التواصي بالحق، ولا يمكن أن توجد صحبة بين اثنين إلا بصبرٍ وتسامح: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٧ - ١٢٨].
стр. 4000
٣ - الخزانة الثالثة
• فضائل السور:
الله : هو الحق وكتبه حق ورسله حق ووعده حق ووعيده حق، والإيمان الحق هو الذي يزرع في قلب العبد هيبة الجبار ﷻ لما يراه من كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعظمة ملكه وسلطانه، ويملأ قلب العبد بحب الرحمن الرحيم لما يراه من إنعامه وإحسانه إلى عباده.
ويتواطأ على ذلك القلب واللسان والجوارح ويظهر ذلك على اللسان قولًا وذكرًا وعلى الجوارح عملًا وأخلاقًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالله عظيم وكتابه عظيم وسور القرآن عظيمة وآيات القرآن عظيمة.
• وكلمات الله نوعان:
١ - كلمات قدرية وهي:
الكلمات التي بها يخلق ويرزق ويرفع ويخسف ويعز ويذل ويحي ويميت: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
٢ - كلمات شرعية وهي:
ما أنزل الله على رسله من الكتب والأوامر والنواهي كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
стр. 4001
صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام والكلمات الشرعية كلها صدق في الأخبار وعدل في الأحكام، فهي خير محض: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
أما الكلمات القدرية فهي خير في ذاتها لأن الذي فعلها حكيم عليم خبير، والشرع معها يتعلق بالمخلوقات لا بها، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
فالشر ليس إلى الله ففعله ذاته كله خير ورحمة وحكمة وإحسان لا شر فيه أبدًا، وإنما الشر في المخلوقات التي خلقها سبحانه في غاية الحكمة
• وما خلق الله سبحانه قسمان:
١ - مخلوقات لا شر فيها كالملائكة والأنبياء والرسل والجنة.
٢ - ومخلوقات فيها شر وضرر كالهوام والسباع والجن والإنس والشياطين والنار والرياح وغيرها هذه المخلوقات التي فيها خير وشر نستعيذ بالله من شرها.
• أما فقه سورة الإخلاص:
فقد خاطب الله نبيه ﷺ بلفظ قل ثلاثمائة وعشرين مرة في القرآن الكريم، وفي هذا إشارة إلى أن العقيدة والأخبار والأحكام تتلقى من عند الله . ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
стр. 4002
فالأنبياء والرسل وأتباعهم يعرفون الناس بربهم وشرعه بواسطة الوحي المنزل من ربهم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
والإنسان بفطرته يحتاج إلى كل شيء يحتاج إلى الوالد وإلى الولد وإلى الشبيه وإلى الطعام وإلى الشراب وإلى الهواء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فالله هو الغني عن جميع الخلق كلهم وهو الواحد الأحد القادر على كل أحد الغني عن كل أحد السميع لكل أحد البصير بكل أحد العليم بكل أحد الذي يحتاج إليه كل أحد وهو الغني عن كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فقه المعوذتين:
في سورة الفلق استعاذةٌ بالرب من الشر الخارجي، وهو أربعة أنواع من الشرور، ولم يذكر الله من أسمائه إلا اسم الرب، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
وفي سورة الناس استعاذة بثلاث أسماء لله هي:
(الرب - الملك - الإله).
من شر واحد هو الشيطان الذي هو الشر الداخلي، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]
стр. 4003
وفي هذا بيان أن الشيطان أخطر عدو فمن آمن بالله فلا يخاف ما سواه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
فله رب بيده ملكوت كل شيء وله ملك يحميه من كل عدو وله إله يحبه ويسأله ما يريد وقد ذكر الله في سورة الناس من أسمائه ثلاثة الرب والملك والإله وكرر سبحانه كلمة الناس ثلاث مرات احتفاءً بالناس بذكرهم في آخر سورة في المصحف ويكرر ذكرهم في نهاية كل آية من هذه السورة خمس مرات، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
ويشرفهم بإعلامهم أنه ربهم وملكهم وإلههم فليعبدوه وحده لا شريك له وليفروا إليه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الله يشرف الناس بإعلامهم أنه ربهم وملكهم وإلههم ورب كل شيء وملك كل شيء وإله كل شيء فليطيعوه ويعبدوه؛ لأنهم هم المتعبدون بالأمر والنهي والطاعة الاختيارية وكل ما سواهم من المخلوقات عدا الجن فإنها مسخرة بأمر ربها.
وكم أشاد الله بالناس خلقًا وتكريمًا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
стр. 4004
ورفع شأنهم بأن خاطبهم ربهم خطابًا مباشرًا في نص قرآني يتلى إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وقال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
وغير ذلك من الآيات التي فيها تكريم وتشريف لهذا الإنسان.
• نزول القرآن:
القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]. هذا النزول الأول.
أما النزول الثاني: فهو نزول القرآن مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة حسب الحوادث، من القرآن الذي نزل إلى السماء الدنيا: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]
أما الكتب السابقة فنزلت جملةً واحدة كالتوراة والإنجيل، كما نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأول ما نزل من القرآن على رسولنا محمد ﷺ في ليلة القدر من شهر رمضان نزل به الروح الأمين جبريل ﷺ على محمد ﷺ وعمره أربعون سنة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١].
وقال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
стр. 4005
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
والقرآن الكريم كلام الله تعالى الذي أنزله على خاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس، وعدد سور القرآن الكريم مائة وأربعة عشر سورة، وقد تكفل الله :
بحفظ القرآن الكريم فسلم من التغيير والتبديل ومن الزيادة والنقصان: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
وما حاول أحد قديمًا وحديثًا الإساءة إلى القرآن إلا هتك الله تعالى ستره وفضح أمره تحقيقًا، لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وأول ما نزل من القرآن الآيات الخمس الأول من سورة العلق، كما قال سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
ثم فتر الوحي مدة ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥].
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْىِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ " بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجُثِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي.
стр. 4006
فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ»، متفق عليه (١).
والوحي: هو الإعلام بخفاء والوحي من الله يكون إلى الملائكة كما قال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].
ويكون الوحي للرسل، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
ويكون الوحي كذلك للناس، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
ويكون الوحي للجماد، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ١ - ٥].
فالموحى هو الله، والموحى إليه هو خلقه، وقد يكون الوحي من غير الله كما يوحي الشياطين إلى أوليائهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].
أحوال نزول القرآن:
وصف الله القرآن بالكريم في قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
стр. 4007
فهو كريم لحسنه وبهائه وجماله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
ولأنه كريم في ثوابه فالحرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وهو كريم في آثاره على القلوب وصلاحها، فهو ملينٌ للقلوب وسبب للخشوع والطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وهو كريم في آثاره بدعوة الناس إلى شريعة الله التي يسعد بها الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٩]
أما أحوال نزول القرآن فينقسم نزول القرآن إلى قسمين:
الأول: ابتدائي وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، وهو غالب آيات القرآن الكريم.
الثاني: سببي وهو ما تقدم نزوله سب يقتضيه.
• وهو على النحو التالي:
أولاً: إما سؤال يجيب الله عنه، وقد سأل الصحابة في القرآن أربعة عشر سؤالًا.
منها قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
стр. 4008
وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ [طه: ١٠٥].
وغير ذلك من الأسئلة الواردة في القرآن والتي أجاب الله عنها إجابةً شافية كافية.
ثانيًا: أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير مثل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
نزلت في رجل من المنافقين في غزوة تبوك.
ثالثًا: أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه مثل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١].
• والقرآن مكي ومدني:
فالقرآن المكي ما نزل على النبي ﷺ قبل هجرته إلى المدينة
والقرآن المدني ما نزل على النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة، وقد نزل القرآن على النبي ﷺ مفرقًا في خلال ثلاث وعشرين سنة، ثلاثة عشر سنة بمكة وعشر سنين بالمدينة: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]
стр. 4009
والفرق بين المكي والمدني:
أولًا: أن القرآن المكي يتميز عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع، فمن حيث الأسلوب الغالب في المكي: قوة الأسلوب وشدة الخطاب وقصر الآيات وقوة المحاجة، لأن المخاطبين معارضون مستكبرون معاندون، كما في سور المفصل كالطور والمدثر والقمر وغيرها من السور التي هي آخر القرآن.
ثانيًا: الغالب في المدني لين الأسلوب وسهولة الخطاب وطول الآيات وذكر الأحكام مرسلة بدون محاجة؛ لأن غالب المخاطبين مقبلون منقادون، كما في المائدة وآية الدين في البقرة.
ثالثًا: من حيث الموضوع الغالب في القرآن المكي تقرير التوحيد والإيمان والأخلاق وأحوال اليوم الآخر لأن غالب المخاطبين ينكرون ذلك.
رابعًا: الغالب في المدني تفصيل العبادات والمعاملات والأحكام لأن المخاطبين قد تقرر في نفوسهم الإيمان وهم بحاجة لتفصيل الأحكام ليعملون بها، وفي القسم المدني أفاض القرآن في ذكر أحكام الجهاد وأحكام المنافقين لاقتضاء الحال ذلك بخلاف المكي حيث لم يشرع الجهاد ولم يظهر النفاق في مكة.
• أما ترتيب القرآن، فترتيب القرآن ثلاثة أنواع:
الأول: ترتيب الكلمات بحيث تكون كل كلمة في موضعها في الآية، وهذا ثابتٌ بالنص والإجماع.
الثاني: ترتيب الآيات بحيث تكون كل آية في موضعها من السورة، وهو ثابت كذلك بالنص والإجماع.
стр. 4010
الثالث: ترتيب السور بحيث تكون كل سورة في موضعها في المصحف، وهذا ثابتٌ بالاجتهاد فلا يكون واجبًا لكن الصحابة اتفقوا في زمن عثمان على ترتيب سور المصحف فيكون مما سنّه الخلفاء الراشدون الذين لهم سنةٌ يجب إتباعها كما قال الرسول ﷺ «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١).
• كتابة القرآن وجمعه:
لكتابة القرآن وجمعه ثلاث مراحل:
الأولى: في عهد النبي ﷺ وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثر من الكتابة لقوة الذاكرة وقلة الكتّاب، ولذلك لم يجمع في مصحف واحد بل من سمع آية حفظها أو كتبها في ما يتيسر له من عسب النخل ورقاع الجلود، وكان القراء عددًا كبيرًا.
فعن أنس أن النبي ﷺ : «أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لِحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ أَنَسٌ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ، يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ»، متفق عليه (٢).
المرحلة الثانية: في عهد أبي بكر الصديق ﵁ في السنة الثانية عشر من الهجرة لما قتل في وقعة اليمامة عدد كبير من القراء، فأمر أبو بكر ﵁ بجمع القرآن لئلا يضيع بمشورة من عمر ﵁، فقام بجمعه زيد بن ثابت من
стр. 4011
العسب واللخاف وصدور الرجال، وكانت الصحف عند أبي بكر ﵁ حتى مات ثم عن عمر ﵁ حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر ﵂.
الثالثة: في عهد عثمان ﵁ في السنة الخامسة والعشرين، وسببه اختلاف الناس في القراءة بحسب اختلاف الصحف التي مع الصحابة، فخاف عثمان الفتنة فأمر أن تجمع الصحف في مصحف واحد لئلا يختلف الناس في كتاب الله فأرسل عثمان ﵁ إلى حفصة ﵂ فأرسلت إليه الصحف فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في مصحف واحد وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوه وأمر بكل نسخة مما سواها أن تحرق وذلك بمشورة الصحابة.
عن أنس بن مالك ﵁ أن حذيفة بن اليمان حدثه أنه «قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَىْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ
стр. 4012
بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَق». أخرجه البخاري (١).
والفرق بين جمع أبي بكر الصديق ﵁ وجمع عثمان ﵁ أن الغرض من جمعه في عهد أبي بكر تقييد القرآن كله مجموعًا في مصحف واحد حتى لا يضيع منه شيء دون حمل الناس على مصحف واحد وأما في عهد عثمان ﵁ فجمعه في مصحف واحد وحمل الناس عليه لظهور الأثر المخيف في اختلاف القراءات وهو الباقي بين أيدينا حتى الآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
والقرآن العظيم متعبد بتلاوته ومتعبد بفهمه وتدبره ومتعبد بجهده والعمل به والتعبد لله بجهد الدعوة أعظم العبادات فالتعبد بتلاوة القرآن أجوره محدودة تنتهي بمجرد القراءة وقراءة الحرف من بعشر حسنات والحسنة بعشر أمثالها فالتعبد بتلاوته أجوره محدودة وأهم منها التعبد بفهمه وتدبره لأنه يزيد الإيمان والعمل لمن قرأه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وأهم منه التعبد بجهده والعمل به، كما قال سبحانه: ﴿﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
стр. 4013
وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ومن رزقه الله هذه الجهود كلها فقد نال خيرًا كثيرًا وطابقت حياته حياة نبيه ﷺ على قدر علمه وفقهه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 4014
٤ - الخزانة الرابعة
• تلاوة القرآن:
القرآن مكتوب في ثلاثة مواضع في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي المصاحف التي بأيدي الناس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
والقرآن الكريم مشتمل على ثلاثة أصول هي:
١ - التوحيد.
٢ - الإيمان.
٣ - الأحكام والقصص.
• وقصص القرآن تتميز بأمور:
أولًا: تتميز قصص القرآن بأنها أحسن القصص، كما قال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣].
ثانيًا: أنها أصدق القصص، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
ثالثًا: أنها أنفع القصص؛ لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١].
стр. 4015
• وقصص القرآن ثلاثة أقسام:
الأول: قسم على الأنبياء والرسل، وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكفار
الثاني: قسم عن أفراد وطوائف، جرى لهم ما فيه عبرة، كقصة مريم ولقمان والذي مر على قرية خاوية على عروشها، وذو القرنين وقارون وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل والأخدود وغيرهم.
الثالث: قسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي ﷺ كقصة بدر وأحد والأحزاب وقريظة والنضير وغيرها.
• وقد قسم الله الناس في سورة البقرة إلى ثلاثة أقسام:
١ - المؤمنون الخلص.
٢ - ثم الكافرون الخلص.
٣ - ثم المؤمنون بألسنتهم دون قلوبهم وهم المنافقون.
فبدأ سبحانه بذكر الطيب ثم الخبيث ثم الأخبث.
١ - فالطيب هم المتقون المؤمنون ولهم ست صفات، كما قال سبحانه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١ - ٥].
٢ - والخبيث هم الكفار، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧].
стр. 4016
٣ - والأخبث هم المنافقون فقلوبهم مختومٌ عليها لا يصدر منها خير ولا يصل إليها خير، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٨ - ١٠].
إلى آخر الآيات.
والذين يتلون كتاب الله حق تلاوته هم الذين يؤمنون به وهو شامل لكل ما أتاهم الله الكتاب فيشمل القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وغيرها من كتب الله.
• والتلاوة نوعان:
الأول: تلاوة حق وهي أن يكون الإنسان تاليًا للفظه، ومعناه عاملًا بأحكامه مصدقًا لأخباره.
الثانية: تلاوة ناقصة وضد ذلك، فمن استكبر أو جحد فإنه لم يتله حق تلاوته ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١].
• والتلاوة تشمل ثلاثة أمور الأول:
الأولى: التلاوة اللفظية وهي قراءة الكتاب باللفظ الذي جاء به وتجويده.
الثانية: التلاوة المعنوية بأن يفسره على ما أراد الله
الثالثة: تلاوة حكمية وهي تصديق أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهي: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١].
стр. 4017
• عظمة القرآن:
القرآن العظيم شفاء من جميع الأمراض البدنية والروحية، كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
فهو شفاء من الأمراض الروحية؛ لأن الأمراض الروحية نوعان:
١ - الاعتقادات الباطلة.
٢ - الأخلاق السيئة.
الاعتقادات الباطلة أشدها فسادًا الاعتقادات الفاسدة في الربوبية والألوهية والنبوة والمعاد والقضاء والقدر وغير ذلك مما لا يعلم إلا بالوحي، والقرآن مشتمل على بيان المذهب الحق وإبطال ما سواه. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
وأما الأخلاق السيئة من الظلم والكذب والفجور فالقرآن كشف ما فيها من المفاسد وأرشد إلى الأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فثبت بذلك أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحية، وأما كون القرآن شفاءً من الأمراض البدنية فسماعه تدفع كثيرًا من الأمراض الجسمية بما فيه من ذكر جلال الرب وكبرياءه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة والشياطين.
وأما كون القرآن رحمة للمؤمنين، فالنفوس البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة، والقرآن يخلصها من شبهات الضالين وشهوات
стр. 4018
المبتلين وهذا هو الشفاء ويرغبها في اكتساب العلوم العالية والأخلاق الفاضلة التي يصل بها الإنسان إلى جوار رب العالمين والملائكة المقربين وهذا هو الرحمة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧]
ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في موجبات الصحة بدأ في الآية بذكر الشفاء قبل الرحمة فقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
فالقرآن شفاءٌ ورحمة للمؤمنين وسبب للخسارة والضلال في حق الظالمين وهم المشركون لأن سماع القرآن يزيدهم غيظًا وغضبًا وحسدًا وذلك يدعوهم إلى الأعمال الباطلة والاستكثار منها والدعوة إليها.
وبهذا يكون القرآن سببًا لتزايد هؤلاء المشركين في درجات الخزي والضلال وذلك لشدة تعلقهم بحب الدنيا وشهواتها، كما قال سبحانه.
• فصاحة القرآن:
القرآن الكريم كتاب الدعوة وكتاب الهداية وكتاب الشريعة وكتاب الفضائل وكتاب التوحيد وكتاب الإيمان وكتاب العلم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال في الأخلاق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٦].
وقال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
و قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فالقرآن فيه تبيان كل شيء من أمور التوحيد والإيمان، وأمور الدنيا والآخرة، وسمي القرآن قرآنًا لأنه يقرأ ليكون محفوظ في الصدور.
وسمي كتابًا لأنه يكتب في الصدور والسطور.
وسمي فرقانًا لأنه حكم يفرق بين الحق والباطل.
وسمي عزيزًا لأنه أحسن الكلام فلا شيء مثله.
وسمي حكيمًا لأنه يحكم بالحق والعدل.
وسمي كريمًا لأنه كثير الخيرات والبركات.
وسمي حكما لأنه محكم الأخبار والأحكام.
وسمي عظيمًا لأنه أعظم الكتب السماوية وأفضلها وأحسنها
стр. 4021
• وقد تحدي الله العرب بالقرآن من وجوه:
أحدها: كما قال سبحانه: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٩]. فلم يستطيعوا.
ثانيًا: ثم تحدي الإنس والجن معًا أن يأتوا بمثله فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
ثالثًا: ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]. ولم يستطيعوا.
رابعًا: ثم تحداهم أن يأتون بسورة من مثله كما قال سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. فلم يستطيعوا.
خامسًا: عندما تحداهم أن يأتوا بحديث مثله، كما قال سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٤]. فلم يستطيعوا.
فالله هو الحق وكتابه هو الحق ودينه هو الحق.
• وقد بين الله في سورة الفاتحة الناس ثلاث طوائف:
الأولى: المؤمنون الخلص المنعم عليهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به وعملوا بموجب تلك المعرفة، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
стр. 4022
والثانية: الذين أخلوا بالأعمال الصالحة وهم الفسقة الذين خرجوا من الأعمال الصالحة إلى الأعمال الفاسدة فغضب الله عليهم، وفي مقدمتهم اليهود ومن سار على طريقهم، فقال سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
الثالثة: الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة وهم أهل الكفر والبدع وفي مقدمتهم النصارى ومن تابعهم وإليهم إشارة بقوله سبحانه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
وأهم المهمات لكل عبد أن يستنير قلبه بمعرفة عزة الربوبية، ثم بمعرفة واجب وذلة العبودية؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته ورعاية هذا العهد، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 4023
٥ - الخزانة الخامسة
• القرآن محكم ومتشابه:
فالقرآن العظيم محكم ومتشابه فقد دل القرآن أنه كله محكم ودل على أنه كله متشابه، ودل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فالقرآن كله محكم الألفاظ والمعاني والفصاحة والأحكام والأخبار: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١].
فالقرآن الكريم أفضل الكلام وأحسنه فلا يمكن لأحد الإتيان بمثله أو بسورة من مثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
ثانيًا: والقرآن كله متشابه يشبه بعضه بعضًا في الحسن والكمال والأحكام والأخبار يصدق بعضه بعضًا ويفسر بعضه بعضا، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
стр. 4024
ثالثًا: والقرآن بعضه محكم وبعضه متشابه، فالحكيم هو الذي يمنع عما لا ينبغي، والمتشابه أن يكون أحد الشيئين مشابهًا للأخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما، فكل ما يهتدي الإنسان إلى معرفته فهو محكم وكل مالا يهتدي إليه الإنسان فهو مشكل ومتشابه.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
وكل ما أمكن تحصيل العلم به كالتوحيد والإيمان وطاعة الله ورسوله ونحو ذلك فهو من المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فهو من المتشابه كأعداد الصلوات ومعرفة الروح والعلم بوقت قيام الساعة والألفاظ المحتملة لأكثر من وجه كلفظ القرء والعلم بمقادير الثواب والعقاب، ونحو ذلك فأهل الزيغ يتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ويحتجون لباطلهم بهذا المتشابه وكل ما فيه لبس واشتباه، وذلك لما في قلوبهم من الزيغ عن الحق وطلب تقرير الباطل وأما أهل الحق فهم الراسخون في العلم الذين يعملون بمحكم القرآن ويؤمنون بمتشابهة ويردون المتشابه إلى المحكم والكل من عند الله.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
стр. 4025
وتفسير القرآن على أربعة أوجه:
o تفسير لا يعلمه إلا الله
o وتفسير لا يسع أحدًا جهله
o وتفسير تعرفه العرب بألسنتها
o وتفسير يعلمه العلماء
وأهل الزيغ هم الذين يتبعون متشابه القرآن لتقرير مذهبهم الباطل وصرف الناس عن الحق بنقضه وتشكيك الناس به وقصدهم من ذلك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل القرآن فالفتنة أنهم يثيرون المتشابهات في الدين ليسير الناس بعضهم مخالف لبعض وذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والتناحر وذلك أعظم فتنة.
والتمسك بالمتشابه والإعراض عن المحكم يزرع الباطل مكان الحق والبدعة مكان السنة فيصير الإنسان مفتونًا بذلك الباطل والفتنة في الدين هي الضلال عن الهدى ولا فتنة أعظم من الفتنة في الدين: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وأما غرضهم الثاني: فهو تأويل القرآن حسب هوائهم مما ليس في القرآن والسنة دليل عليه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
أما الراسخون في العلم فهم الذين يعملون بمحكم القرآن ويؤمنون بمتشابهة ويردون المتشابه إلى المحكم ويقولون: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]
стр. 4026
• السبع المثاني:
القرآن العظيم نور أضاء الله به كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥]
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وكل من لا يعلم أن القرآن نور وأنه حق فإن ذلك إنما جاءه من قبل عماه لأن لأنه خفاش أعمى والأعمى لا يرى الشمس لعماه، كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
والكفار جاهدون لإطفاء هذا النور العظيم بأفواههم بتكذيبهم وقولهم إنه شعر أو سحر أو كهانة أو أساطير الأولين: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة: ٣٢].
لأنه نور عظيم لا يطفئه نفخ مخلوق ضعيف، كما قال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
стр. 4027
الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
فهم جاهدون لإطفاء نور القرآن والله متم نوره: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥].
ولا يعرض عن النور إلى الظلام وعن الحق إلى الباطل إلا من أعمى الله بصره وبصيرته ومن أعمى الله بصيرته فلا حيلة له: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠].
والسبع المثاني والقرآن العظيم هي فاتحة الكتاب، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وليس المقصود بها السبع الطوال لأن السبع الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة وآية الحجر التي نصت عليها مكية وهو قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
والنبي ﷺ نص على ذلك عن أَبي سَعِيدٍ رَافِعِ بن المُعَلَى ﵁ قال: «قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّكَ قُلتَ: أَلا أُعَلِمُكَ أعظَمَ سُورَةٍ في القُرْآن قَالَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، هِيَ السّبعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَذِي أُوتِيتُه». أخرجه البخاري (١).
والقرآن العظيم أعظم النبأ فالنبأ هو الخبر الذي له خطب وشأن فالنبأ أخص من مطلق الخبر فكل نبأ خبر وليس كل خبر نبأ وأعظم النبأ هو القرآن العظيم الذي نبأ به محمد ﷺ هذه الأمة بما أنزل عليه من ربه : ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨].
стр. 4028
والقرآن العظيم بين الله فيه أخبار الأمم الماضية والأخبار الحاضرة والأخبار المستقبلية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والله عالم الغيب والشهادة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وعلم الغيب مختص بالله وحده، يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من وحيه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وقال الله : ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
وقال الله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
وقال الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
• أنواع الوحي وحي الله إلى خلقه أنواع:
الأول: وحي الرسالة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
الثاني: وحي إلهام بأن يلقي الله الأمر في روع الإنسان، كما قال سبحانه عن أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي
стр. 4029
الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
الثالث: وحي الغريزة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨].
الرابع: وحي أمر كما قال سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ١ - ٥].
وقد امتن الله على هذه الأمة بأن أرسل إليها أفضل رسول وأنزل عليها أحسن كتاب: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وقال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
والقرآن العظيم كله محكمٌ في غاية الإحكام والإتقان في ألفاظه ومعانيه أخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل، كما قال سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
والقرآن كله متشابه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق والإعجاز، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
стр. 4030
ومعنى كونه بعضه محكمًا وبعضه متشابهًا، أن المحكم منه ما هو واضح المعنى لكل الناس، كقوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
والمتشابه ما خفي ددعلمه على غير الراسخين في العلم أو هو ما استأثر الله بعلمه كالحروف المقطعة في أوائل السور (الم - الر- الم ص - كهيعص) ونحوها.
فمحكم القرآن هو النص الواضح الصريح الذي لا تختلف فيه الأفهام والمتشابه هو النص المحتمل الذي تختلف فيه الأفهام، فالمتشابه يرد إلى المحكم والمحكم يرد في الأوامر التكليفية كقطع يد السارق ووجوب الصلاة والزكاة وتحريم الربا والزنا، ونحو ذلك مما هو مطلوب من الخلق الفعل والترك الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب.
والمتشابه ما اشتبه على الإنسان فلم يعرفه والعقل كالبصر يرى أشياء ولا يرى أشياء، وكالسمع يسمع أشياء ولا يسمع أشياء، وكذلك العقل يدرك أشياء وهي المحكم ولا يدرك أشياء وهي المتشابه؛ ليعلم عجزه وضعفه عن إدراك كل شيء وليلزم الإنسان الأدب مع ربه ويحرك عقله فيما يفهم ويرد كل متشابه إلى المحكم مثل الحروف المقطعة في أوائل السور، ومثل استواء الله على العرش ونزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، فالمحكم نعمل به والمتشابه نؤمن به ونرده إلى المحكم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ