يهتدي إلى الطريق الذي سلكه أول مرة ولو سلكه مرارًا، ولا ينتفع بتجربة ولا يعرف من عامله من الخلق.
ومن أعجب النعم عليه نعمة النسيان، فلولا النسيان لما سلا أبدًا، ولا انقضت له حسرة، ولا تعزى عن مصيبة، ولا ارتفع عنه حزن، ولا بطل له حقد، ولا استمتع بشيءٍ من الدنيا مع تذكر الآفات، ولا نام من تذكر المصائب والبليات، فما أعظم نعمة الله على العبد في الحفظ والنسيان مع ترددهما: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الله هو الخلاق العليم، وهو على كل شيءٍ قدير، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، خلق آدم بلا أبٍ ولا أم، وخلق زوجه من أبٍ بلا أم، وخلق عيسى من أمٍ بلا أب، وخلقنا من أبٍ وأم؛ خلق آدم من تراب، وخلق زوجه من أحد أضلاعه، وخلق عيسى من نفخة جبريل في درع مريم، وخلق البشر من اجتماع ماء الرجل والمرأة.
فسبحان من خلق من هذا الماء بشرًا سويًا يقوم ويقعد ويأكل ويشرب، ويفرح ويغضب، ويصلي ويتعبد، ويعدل ويظلم، ويتكلم ويسكت، ويرحم ويبطش، سبحان من جعل من نسله الذكر والأنثى، والأسود والأبيض، والطويل والقصير، والمؤمن والكافر، والعاقل والمجنون، والعرب والعجم.
стр. 3957
وسبحان من هيأ هذا الإنسان للإيمان والكفر، وللطاعة والمعاصي، والخير والشر، والإحسان والإساءة، والهدى والضلالة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
وسبحان من ملأ الأرض من نسل هذا الآدمي، فهذا يولد وهذا يموت، حتى يأكلوا أرزاقهم ويستكملوا آجالهم، والله يوالي عليهم نعمه، ويرسل إليهم رسله، وهم يعملون بما يسر الله لهم، ويغدون ويروحون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما أعظم خلق هذه النفوس، وما أعجب ما فيها من الآيات والعبر، والشواهد والحِكم، وما دل على قدرة باريها وفاطرها ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢].
وقال الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وهذا الإنسان الذي خلقه الله وركبه من ستة أشياء وهي:
١ - بدنه الجثماني.
٢ - ونفسه الشهوانية.
٣ - ونفسه الغضبية.
٤ - ونفسه الشيطانية.
٥ - وروحه الملكية.
٦ - وجوهره العقلي.
стр. 3958
والذي يملك السمع والأبصار هو الله، فهو خالقها وحده، وهو الذي يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها ويعافيها، أو يبلغها ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره.
وفي تركيب العين وأعصابها وكيفية إدراكها للمرئيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: ٨].
وفي تركيب الأذن وأجزائها وطريقة إدراكها للذبذبات، في ذلك كله عجائب تذهل العقول وتدير الرؤوس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
إن كثيرًا من الناس يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم كأنهم لا يبصرون ولا يدركون: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢].
فنعوذ بالله من الجهل والغفلة وقلة المعرفة.
والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي هو الله وحده، ألا ما أعظم الرب الخالق سبحانه وما أعظم قدرته وما أتقن صنعه، وإن وقفةً واحدة أمام هذه الحبة والنواة تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة، يخرج منهما الفرخ والإنسان، إن ذلك لكافٍ لاستغراق حياة الإنسان في التأمل والارتعاش إجلالًا لعظمة الله الخلاق العليم، وكمال قدرته وسعة علمه، وجميل صنعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فسبحان العليم القدير، أين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان
стр. 3959
يكمن العود؟ وأين كانت تلك البذور والساق والأوراق والثمار؟ وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء والساق والعراجين؟.
وأين كان يكمن الطعم والنكهة واللون والرائحة والحجم؟ وأين كان يكمن البلح والتمر والرطب والبسر؟ وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين تكمن تلك العظام واللحوم والزغب والريش؟ وأين كان يكمن في البويضة ذلك الكائن البشري العجيب؟ وأين كان يكمن لحمه وعظامه، وعروقه وأعصابه وسمعه وبصره ورأسه وأطرافه وأفكاره وأعماله وكلامه وحركاته؟.
قال الله تَعَالىَ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دمٍ حيٍ في الجسم الحي، وتحول هذا الدم إلى فضلاتٍ ميتة بالاحتراق لأعجوبةٌ يتسع العجب منها كلما ازداد العلم بها وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار، إن هذه الكائنات الحية لا تكون إلا من إلهٍ حي، يهب الحياة لكل حي.
قال الله تَعَالىَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
стр. 3960
١٠ - الخزانة العاشرة
• فقه خلق الروح:
الله هو الذي سوى النفس كما سوى البدن، وأخبر أنه سوى البدن بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وأخبر سبحانه أنه سوى النفس بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٧ - ٨].
فالله هو الذي خلق النفس وسواها وألهمها فجورها وتقواها، والإنسان مجموع الروح والبدن كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١ - ٧٢].
وباجتماع الروح مع البدن تصير النفس فاجرةً أو تقية، وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها. وقد أفلح من زكى نفسه بحملها على طاعة الله، وخاب من أهلكها وحملها على معصية الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
والعبد إنما يزكي نفسه بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، ويدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه حينما أعرض عن ربه.
стр. 3961
والله هيأ الإنسان لقبول الكمال فيما أعطاه الله من الأهلية والاستعداد التي جعلها كامنةً فيه كمون النار في الزناد.
فألهمه ربه ومكنه وعرفه وأرشده وأرسل إليه رسله وأنزل عليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل، فالنفس قابلةٌ للتقوى وقابلةٌ للفجور لحكمة الابتلاء: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
ثم خص الله بالفلاح من زكاها ونماها وعلاها بطاعة الله، فذلك المتقي، ثم حكم بالشقاء على من دساها، فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور، فذلك الشقي، فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
والمعصية تذل النفس وتصغرها وتحقرها، فما أصغر النفس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله، والبدن كالقالب بالنسبة للنفس، وهي تأخذ من بدنها صورةً تتميز بها عن غيرها ويكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها، وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه، ولهذا يقال لها عند مفارقة البدن: «أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ أيتها النفس». أخرجه أحمد وأبو
стр. 3962
داود بسندٍ صحيح (١).
والأرواح جنودٌ مجندة وأنواعٌ مختلفة كما قال النبي ﷺ : «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ». متفقٌ عليه (٢).
وتميز الروح عن الروح بصفاتها أعظم من تميز البدن عن البدن بصفاته، فالمؤمن والكافر قد يتشابهان كثيرًا وبين روحيهما أعظم التباين، وقل أن ترى بدنًا قبيحًا إلا وجدته مركبًا على نفسٍ تشاكله، وقل أن ترى آفةً في بدن إلا وفي روح صاحبه آفة تناسبها، وقل أن ترى شكلًا جميلًا وصورة حسنة إلا وجدت الروح المتعلق به مناسبةٌ له حسنةٌ مثله. وإذا كانت الأرواح العلوية وهم الملائكة متميزٌ بعضهم عن بعض من غير أجسامٍ تحملهم، وكذلك الجن، فتميز الأرواح البشرية أولى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
وأرواح الموتى تتلاقى وتتزاور، وأرواح الأحياء والأموات تتلاقى في النوم ويكلم بعضها بعضًا كما تلتقي أرواح الأحياء وكما تلتقي أرواح الموتى، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢].
стр. 3963
فالروح جسمٌ قائمٌ بنفسه، مخالفٌ جوهره جوهر البدن، وهي مخلوقةٌ مدبرة، وأرواح الأحياء والأموات تتلاقى في البرزخ فتجتمع وتتحدث، ويرسل الله أرواح الأحياء لتستكمل أرزاقها وآجالها، ويمسك أرواح الأموات، وموت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدمًا محضًا فهي لا تموت بهذا الاعتبار: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فالأرواح باقيةٌ بعد خلقها، مفارقةٌ أجسادها في نعيمٍ أو عذاب حتى يردها الله إلى أجسادها عند البعث، وموت الأنبياء أنهم غُيّبوا عنا حيث لا ندركهم، فهم أحياء في قبورهم يصلون كالملائكة أحياء موجودون ولا نراهم.
وإذا تقرر أنهم أحياء وكذلك الشهداء، فحياتهم تختلف عن حياتهم في الدنيا، وواهب الحياة وحده أعلم بكيفية تلك الحياة، فإذا نُفخ في الصور نفخة الصعق صعِق الأنبياء، فالأظهر أنه غشيه، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حَيَا، ومن غُشي عليه أفاق.
ولذلك قال ﷺ : «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ
стр. 3964
صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ». متفقٌ عليه (١).
وقد وصف الله النفس بالدخول والخروج والقبض والتوفي والرجوع والصعود إلى السماء، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
الروح تعاد إلى الميت في قبره وقت سؤال الملكين له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟
والروح تتعلق بالبدن وإن بلي وتمزق ولكنها لا تستقر فيه، وسر ذلك أن الروح لها مع البدن خمسة أحوال:
أحدها: تعلقها بالجنين في بطن أمه.
والثاني: تعلقها بالبدن بعد خروجه للأرض.
والثالث: تعلقها بالبدن في حال النوم، فلها به تعلقٌ من وجهه، ومفارقةٌ من وجه.
الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنه وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها التفاتٌ إليه البتة، فترد إليه عند السؤال في القبر، ووقت سلام المسلمين عليه، وهذا الرد لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.
الخامس: تعلقها بالبدن يوم القيامة وهو أكمل أنواع تعلقها، ولا نسبةً لما قبله من أنواع التعلق إليه.
стр. 3965
والنبي ﷺ رأى الأنبياء في السماوات، ورأى موسى ﷺ يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة، ورأى إبراهيم ﷺ في السماء السابعة مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وقبورهم وأبدانهم في الأرض، ولا تنافي في ذلك، فإن الروح كانت هناك في السماء ولها اتصالٌ بالبدن في القبر وإشرافٌ عليه وتعلقٌ به، بحيث يصلي في قبره ويرد السلام وهي في الرفيق الأعلى، فلا تنافي بين الأمرين.
إن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، فصعودها ونزولها وحركتها أخف من حركة البدن وأسرع، والنعيم والعذاب في القبر على البدن والروح معًا، تنعم الروح وتعذب مفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلةٌ بالبدن.
وعذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحقٌ للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رمادًا، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب أو النعيم ما يصل إلى المقبور، فإن قيل، وقد قيل، وما قيل إلا بسبب الجهل بالله ودينه وشرعه، عذاب القبر ونعيمه، سعته وضيقه، كونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، قد كشفنا القبر وما رأينا ذلك، ولا رأينا الملائكة التي تعذب الكفار، ووجدنا القبر كما حفرناه وقبرناه لم يزد ولم ينقص.
وكيف يسع القبر الميت مع من يعذبه أو يجلسه أو يسأله؟ ونرى المصلوب على خشبة لا يتحرك ولا يُسأل ولا يجيب، وكذلك من أكلته السباع ومن احترق ومن تفرقت أجزاؤه، وكيف يسأل من تفرقت أجزاؤه في الرياح
стр. 3966
والبحار والثرى؟.
فيقال لهؤلاء وأمثالهم: كتاب الله تنزيلٌ من حكيمٍ عليم، ورسل لم تأتِ بما تحيله العقول وتقطع باستحالته.
• بل ما جاء من الرسل قسمان:
أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر.
والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كأمور الغيب التي أخبروا بها عن البرزخ واليوم الآخر كالصراط والميزان والجنة والنار ونحو ذلك.
ولا يكون خبر الرسل محالًا في العقول أصلًا، وكل خبر يُظن أن العاقل يحيله فلا يخلو من أمرين:
الأول: إما أن يكون الخبر كذب عليه، ويكون ذلك العقل فاسدًا يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، كما قال سبحانه: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ [سبأ: ٦].
الثاني: أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده بغير غلوٍ ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده مما قصده من الهدى والبيان، وقد حصل بسببهما إهمال ذلك كل بدعةٍ وضلالةٍ ومعصيةٍ مع حسن القصد أو سوء القصد، وما ذلك إلا بسبب سوء الفهم عن الله ورسوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
стр. 3967
(٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
والله سبحانه خلق هذا الكون العظيم وخلق البشر وشرع لعباده الدين الحق وجعل الدور ثلاثًا:
دار الدنيا .. ودار البرزخ .. ودار الآخرة.
وجعل سبحانه لكل دارٍ أحكامٍ تخصها وتناسب أحوالها، وركب هذا الإنسان من بدن وروح، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعٌ له، ولهذا جعلت أحكام الشريعة مرتبةٌ على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت النفوس خلافها.
وجعلت أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعٌ لها، فالأبدان في الدنيا ظاهرة والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها.
والأرواح هناك في القبور ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيمًا أو عذابًا كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان وتسري إلى الأرواح عذابًا ونعيمًا.
وذلك واقعٌ في الدنيا في النوم، فإنما يجري الإنسان في نومه من عذابٍ أو نعيم يجري على روحه أصلًا، والبدن تابعٌ له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن، فيرى في نومه أنه قد ضُرب فيقوم وأثر الضرب في جسمه، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت لاستيقظ وأحس.
فإذا كان يوم حشر الأجساد وقام الناس من قبورهم لرب العالمين صار
стр. 3968
الحكم والنعيم والعذاب على الأجساد والأرواح معًا ظاهرًا باديًا في كلٍ منهما.
والله جعل أمر الآخرة وما كان متصلًا به في البرزخ غيبًا وحجب ذلك عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته ورحمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فالملائكة تنزل على المحتضر، وتجلس قريبًا منه فيشاهدهم عيانًا وقد يسلمون على المحتضر، وقد يرد عليهم بإشارةٍ أو نحوه.
وكذلك النار التي في القبر ليست من نار الدنيا، والخضرة التي فيه ليست من زرع الدنيا، إنما ذلك من نار الآخرة وخضرتها، فلا يحس بها الأحياء في هذه الدار لأنهم محجوبون عنها، ولو أطلعنا الله على ذلك لزالت حكمة التكليف ولما تدافن الناس كما قال النبي ﷺ : «فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ». أخرجه مسلم (١).
ورؤية هذه النار أو الخضرة في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يريه ذلك كما حصل لبعض الناس.
الله هو الخلاق العليم بكل شيء، قد خلق الروح وأخفى علمنا بها، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
والله قد أحدث في هذه الدار ما هو أعجب من أحوال تلك
стр. 3969
الروح، فجبريل ﷺ كان ينزل على النبي ﷺ في صورة رجل، ويكلمه بكلامٍ يسمعه ومن إلى جانب النبي ﷺ لا يراه ولا يسمعه، والجن يتحدثون بيننا بالأصوات المرتفعة ونحن لا نسمعهم ولا نراهم، وقد نسمع كلامهم ولا نراهم، كما إذا دخلوا في بعض الإنس وتكلموا، الله رءوفٌ بالعباد يخلق حوادث ومخلوقات يصرف عنها أبصار الناس حكمةً منه ورحمةً بهم، فإنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والعبد أضعف بصرًا وسمعًا وتحملًا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر، وإذا كان العبد يستطيع أن يوسع القبر ويستره على الناس فلا يعلمون منه إلا ما شاء، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه على من يشاء ويضيقه على من يشاء ويستر ذلك عمن يشاء ويظهره لمن يشاء؟.
والسر في ذلك كله أن النار والخضرة والضيق والسعة في القبر ليس من المعهود بهذا العالم، فلا يمكننا إدراكه، والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما أمر الآخرة فقد أسدل عليه الغطاء ليكون الإيمان به والإقرار سببًا لنجاتهم وسعادتهم.
ولا يمتنع على من هو على كل شيءٍ قدير أن يرد الروح إلى المصلوب والغريق والحريق ونحن لا نشعر به، وكذلك من تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على الذي لا يعجزه شيء أن يجعل للروح اتصالًا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقرب، فإنه سبحانه جعل للجمادات شعورًا، فهي تسبح بحمد
стр. 3970
ربها، وتسقط الحجارة من خشية الله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
وعذاب القبر ونعيمه اسمٌ لعذاب البرزخ ونعيمه، فهما بين الدنيا والآخرة، وهذا البرزخ يشرف أهله على الدنيا والآخرة، وسمي عذاب القبر ونعيمه وأنه روضة أو حفرة باعتبار غالب الخلق، وإلا فإن للغريق والحريق والمصلوب ومن أكلته السباع والطيور من عذاب القبر ونعيمه ما للمقبور، ولو عُلّق الميت على رؤوس الأشجار في مهب الرياح لأصاب جسده نصيبه من عذاب القبر ونعيمه بقدرة العزيز العليم الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
الله ﵎ جعل لابن آدم معادين وبعثين: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١].
فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأولى في القبر، وهو الحشر الأول.
والبعث الثاني: يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى مستقرها في الجنة أو في النار، وهو الحشر الثاني.
فالأول برزخٌ بين الدنيا والآخرة، يتنعم فيه المطيعون، ويعذب العاصون، من حين موتهم إلى يوم يبعثون، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون: ١٠٠].
стр. 3971
والثاني مكان كمال النعيم وكمال العذاب في الجنة أو النار، فجعلهما الله دار الجزاء للمحسن والمسيء، ولكن توفية الجزاء ما يكون يوم المعاد الثاني في دار القرار، في الجنة أو النار كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وقال سبحانه عن الكفار: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦].
وقد اقتضت حكمة الله وعدله، وأوجبت أسماؤه الحسنى وكماله تنعيم أبدان أوليائه وأرواحهم وتعذيب أبدان أعدائه وأرواحهم، ولما كانت هذه الدار دار تكليفٍ وامتحان لا دار جزاء، لم يظهر فيها ذلك جليًا.
وأما البرزخ فأول دار جزاء، وأول منازل الآخرة فظهر فيه من ذلك ما يليق بتلك الدار وتقتضي الحكمة إظهاره. فإذا كان يوم القيامة الكبرى، وفّى الله أهل الطاعة وأهل المعصية ما يستحقون من نعيم الأرواح والأبدان وعذابهما، فعذاب البرزخ ونعيمه أول عذاب الآخرة، ونعيمها وهو مشتقٌ منه، وواصلٌ إلى أهل البرزخ هناك كما قال النبي ﷺ في المؤمن إذا مات وقُبر: «فينادي منادِ من السماء: أنْ قد صَدَقَ عبدي، فأفرشُوه من الجنة، وافتَحُوا له باباً إلى الجنّة، وألبسُوه من الجنة" قال: "فيأتيه من رَوحِها وطيبها قال: "ويُفتح له فيها مدَّ بصرِه» أخرجه أبو داود (١).
стр. 3972
وقال في الكافر إذا مات وقُبر: «وإن الكافر فذكر موته قال: وتُعادُ روحُه في جَسده، ويأتيه مَلَكانِ، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كَذَبَ، فافرشوه من النار، وألبسُوه من النار، وافتحُوا له باباً إلى النار، قال: "فيأتِيه من حَرِّها وسَمُومِها قال: ويُضيّقُ عليه قَبرُهُ حتى تختلفَ فيه أضلاعُه». أخرجه أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح (١).
فإذا كان يوم القيامة دخل كل إنسان في دار مقامه الأبدي في الجنة أو النار، فسبحان من له الخلق والأمر وحكمته منتظمةٌ أكثر انتظام في الدور الثلاث: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٤ - ١٨].
الأسباب التي يعذب بها أهل القبور:
أهل القبور يعذبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعصيته، فلا يعذب الله روحًا عرفته وأحبته وأطاعته، ولا بدنًا كانت فيه
стр. 3973
أبدًا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ ا [الانفطار: ١٣ - ١٤].
فإنّ عذاب الدنيا وعذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على من عصاه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
ومن أغضب الله وأسخطه في الدنيا ومات ولم يتب كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه فمستقلٌ ومستكثرٌ ومصدقٌ ومكذبٌ ومطيعٌ وعاص وشقيٌ وسعيد، وسؤال الملكين الميت في قبره عامٌ لكل الناس المسلم والكافر والمنافق، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء، كما قال سبحانه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧]
وهو كذلك عامٌ في هذه الأمة وما قبلها من الأمم، وسؤال الملكين لا يشمل الأطفال الذين لا تمييز لهم، فإنه لا يُسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به وهذا بخلاف امتحانهم في الآخرة، ولكن قد يراد بعذاب القبر الأثر الذي يسري أثره على الطفل فيتألم به ولهذا شُرع للمصلي أن يسأل الله أن يقيه ذلك العذاب.
стр. 3974
• وعذاب القبر نوعان:
دائمٌ .. ومنقطع.
فالدائم هو عذاب الكفار والمنافقين.
والمنقطع هو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه، كما يعذب بالنار مدةً ثم يزول العذاب عنه وقد ينقطع عنه العذاب بدعاءٍ أو صدقة أو استغفار أو ثواب حجٍ أو نحو ذلك، ومستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة في السماء، فروح السعداء عن يمين آدم في السماء الأولى وأرواح الأشقياء عن يساره، فلا تزال الأرواح هناك حتى تكتمل عدد الأرواح كلها ثم يعيدها الله إلى الأجساد ثانية كما قال النبي ﷺ في قصة الإسراء والمعراج: «فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى». متفقٌ عليه (١).
والأرواحُ البشرية متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فأرواح الأنبياء في أعلى عليين، وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواح حواصل
стр. 3975
طير خضر تسرح حيث تشاء وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش وهي أرواح بعض الشهداء، ومنهم أرواح نسمة طائر يعلق في أشجار الجنة، ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة، ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، ومنهم من يكون محبوسًا في الأرض لأن روحه سفلية أو أرضية، ومنها أرواحٌ تكون في تنور الزناة والزواني، ومنها أرواحٌ تسبح في نهرٍ من الدم، فمقر الأرواح مختلف، فأرواحٌ أعلى في أعلى عليين وأرواحٌ في أسفل سافلين، كلٌ بحسب عمله، والأرواح مع كونها في السماء تتصل بفناء القبر وبالبدن منه وهي أسرع شيء حركةً وانتقالًا وصعودًا وهبوطًا بعضها مرسل وبعضها محبوس.
والروحُ في جسد الإنسان بدار غربة ولها وطنٌ غيره، فلا تستقر إلا في وطنها، وقد أمرت بمساكنة هذا الوطن الكثيف وهي تحن إلى وطنها في المحل الأعلى حنين الطيور إلى أوكارها، وأعظم عذاب الروح انغماسها وتدسيتها في أعماق البدن واشتغالها بملاذه وانقطاعها عن ملاحظة ما خلقت له وما هيئت له وعن وطنها ومحلها ومنزل كرامتها، ولكنّ سكر الشهوات يحجبها عن مطالعة هذا الألم وهذا العذاب، فإذا صحت من سكرها تحصلت على ما فاتها من كرامة الله.
فالمؤمن في هذه الدار سبيٌ من دار الجنة والنعيم إلى دار التعب والعناء ثم ضرب عليه الرق فيها فكيف يلام على حنينه إلى دارٍ سبي منها وفرّق بينه وبين ما يحب وجمع بينه وبين عدوه، فروحه دائمًا معلقة بذلك الوطن،
стр. 3976
وبدنه في الدنيا ولهذا كان المؤمن غريبًا في هذه الدار، أينما حل منها فهو في دار غربة إلى أن تنقضي ويصير إلى وطنه ومنزله.
والروح نؤمن بوجودها في البدن ولا نعلم كيفيتيها ولا اختصاص للروح بشيء معين في الجسد، بل هي ساريةٌ في الجسد كله والحياة مشروطةٌ بالروح فما دامت فيه دامت فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
• وأرواح الموتى قسمان:
أرواحٌ معذبة .. وأرواحٌ منعمة.
فالأرواح المعذبة في شغل بما هي فيه عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة الموصلة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون منها للدنيا، والأرواح مخلوقة مع الأجساد، والملك الموكل بنفخ الروح في الجسد ينفخ فيه الروح إذا مضى عن نطفة أربعة أشهر، وذلك أول حدوث الروح فيه كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ». متفقٌ عليه (١).
стр. 3977
والمؤمنون تفتّح لأرواحهم عند الموت أبواب السماء، وتفتح لأجسادهم أبواب الجنة، وأما الكفار فلا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، ولا تفتح لأجسادهم أبواب الجنة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ [الأعراف: ٤٠].
وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحةً لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه فُتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه وقامت بين يديه فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين كما قال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وأهل الكفر لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أغلقت عنها.
• الفرق بين النفس والروح:
الفرق بين النفس والروح فرقٌ بالصفات لا بالذات، ولكثرة خروجها ودخولها في البدن سميت نفسًا، فإن العبد كلما نام خرجت منه، فإذا استيقظ رجعت إليه، فإذا مات خرجت خروجًا كليًا، فإذا دُفن عادت إليه، فإذا سُئل خرجت، فإذا بُعث رجعت إليه، ولها اتصالٌ في البدن في القبر.
• فالنفس واحدة ولها ثلاثة أحوال:
فتكون أمارةً بالسوء تارة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
стр. 3978
وتكون لوامةً تارة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ٢].
وتكونُ مطمئنة، تارة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
وأغلب الناس الغالب عليهم الأمارة، واللوامة أقل منها، وأما المطمئنة فهي أقل النفوس البشرية عددًا وأعظمها عند الله قدرًا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
والله ﵎ اقتضت حكمته أنه لابد أن يمتحن النفوس ويبتليها ويطهر بالامتحان والابتلاء طيبها من خبيثها وما يصلح لموالاته وكراماته ومن لا يصلح، وليمحص النفوس التي تصلح له ويخلصها بكير الامتحان والابتلاء.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
إذ النفس في الأصل جاهلةٌ ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم، فإذا هذّب العبد ونقّي أذن له بدخول الجنة طيبًا طاهرًا.
стр. 3979
والنفوس البشرية علويةٌ سفلية، ومرسلةٌ ومحبوسة ولها بعد المفارقة صحة ومرض ولذة ونعيم وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهناك الحبس والألم والعذاب والعقاب والمرض والحسرة لبعضها، وهناك اللذة والراحة والنعيم والطمأنينة والسعادة والسرور للبعض الآخر. وما أشبه حالها في هذا البدن بحال البدن في بطن الأم، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من هذا البطن إلى هذه الدار.
• ولكل نفسٍ أربع دور كل دارٍ أعظم من التي قبلها:
الأولى: في بطن الأم حيث الحسر والضيق والظلمات الثلاث.
الثانية: دار الدنيا وهي التي ينشأ فيها الإنسان ويكتسب فيها الخير والشر وأسباب السعادة والشقاوة.
الثالثة: هي دار البرزخ وهي أوسع من هذه الدار وأعظم بل نسبتها إليها كنسبة تلك الدار إلى الأولى.
الرابعة: دار القرار وهي الجنة أو النار فلا دار بعدها.
والله جلّ وعلا ينقلها في هذه الدور طبقًا بعد طبقًا حتى يبلغها التي لا يصلح لها غيرها ولا يليق لها سواها وهي التي خلقت لها وهيئت للعمل الموصل لها إليها: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
стр. 3980
ولها في كل دار من هذه الدور حكم وشأن غير شأن الدور الأخرى، وقد ذكر الله أحكام الأرواح عند الموت: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٦].
فالناس عند القيامة الصغرى وهي الموت، وعند القيامة الكبرى بعد البعث ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مقربٌ له الروح والريحان وجنة النعيم.
القسم الثاني: مقتصد من أصحاب اليمين، حكم الله له بالإسلام والسلامة من العذاب فهو في الجنة.
القسم الثالث: ظالم بتكذيبه وضلاله، فمعذب بنزل من حميم وتصلية جحيم.
وأما ما يؤيد الله به أوليائه من الروح فهو روح أخرى غير هذه الروح، كما قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢].
стр. 3981
وكذلك الروح التي يلقيها الله على من يشاء من عباده هي غير الروح التي في البدن كما قال سبحانه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر: ١٥].
فالوحي للقلوب بمنزلة الروح للجسد فكما أن الجسد بدون الروح لا يحيا ولا يعيش فكذلك القلب بدون روحٍ ولا وحي لا يصلح ولا يفلح.
والقوى التي في البدن تسمى أرواحًا فيقال: الروح الباصر، الروح السامع، الروح الشامّ، فهذه الأرواح قوى مودعة في الأبدان تموت بموت الأبدان وهي غير الروح التي لا تموت بموت الأبدان، ويطلق الروح على أخص من هذا كله وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذه إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن فإذا فقدت الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢].
وهذه الروح التي يؤيد الله بها أهل طاعته وأهل ولايته، ولهذا يقال فلانٌ فيه روح وفلانٌ ليس فيه روح، فللعلم روح وللإحسان روح وللإخلاص روح وهكذا، والناس متفاوتون في هذه الأرواح، فمنهم من تغلب عليه فيصير روحانيًا ومنهم من يفقدها أو يفقد أكثرها فيصير أرضيًا بهيميًا أو إبليسيًا، فهذه هي الروح وهذه هي أنواع الأرواح وهذا ثوابها أو عقابها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
стр. 3982
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
الجزء الخامس
ويشتمل على المباحث التالية:
٢٧ - خزائن القرآن الكريم
٢٨ - خزائن السنة النبوية
٢٩ - خزائن الأعمال الصالحة
٣٠ - خزائن الأحكام العامة
стр. 3983
قال النبي ﷺ : "الذي يَقرَأُ القُرآنَ وهو ماهِرٌ به مع السَّفَرةِ الكِرامِ البَرَرةِ، والذي يَقرَؤُه وهو يَشتَدُّ عليه فله أجْرانِ"
متفق عليه
стр. 3984
٢٧ - خزائن القرآن الكريم
القسم الأول:
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 3985
٢٧ - خزائن القرآن الكريم
القسم الأول
١ - الخزانة الأولى
• حكمة إنزال القرآن الكريم:
أنزل الله القرآن الكريم لحكم عظيمة كثيرة ومن تلك الحكم:
أولًا: من حكم إنزال القرآن أن يتدبر الناس آياته ليفهموا ما فيها من أنواع الهدى، وأن يتذكر به أولوا الألباب، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
ثانيًا: الإنذار والتبشير كما قال سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ١ - ٤].
стр. 3986
ثالثًا: بيان النبي ﷺ لما فيه ليزول الخلاف، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤].
رابعًا: تثبيت قلوب المؤمنين وهدايتهم وبشارتهم بكل خير، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
خامسًا: الحكم به بين الناس، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
سادسًا: إخراج الناس من الظلمات إلى النور، كما قال سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
стр. 3987
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
سابعًا: التذكرة لمن يخشى، كما قال سبحانه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [طه: ١ - ٣].
ثامنًا: الذكرى وحصول التقوى، كما قال سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [طه: ١١٣].
والقرآن العظيم نور يهدي به الله من اتبع رضوانه، يهدي الله به من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤].
والقرآن العظيم إنما يلاءم البصائر النيرة والأرواح الكريمة كنور الشمس إنما ينتفع به أصحاب البصر والذي يذهب عنه للقرآن إلى ظلام الجهل فهؤلاء الخفاش لا ينتفع بنور الشمس لأنه لا يلائمه إلا الظلام فيطير ويفرح بالظلمات ونور الشمس يعميه.
стр. 3988
وهكذا أصحاب الأرواح الخسيسة والقلوب البهيمية الخنزيرية هم خفافيش البصائر لا يلائمهم إلا الظلام والنتن كما أن الجعل لا يلائمهم إلا النتن وكما أن الخفاش لا يلائمه إلا الظلام: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
عظمة القرآن:
الله : هو العظيم، وكتابه عظيم ورسوله كريم، وثوابه عظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال سبحانه: عن القرآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وقال سبحانه: عن ثوابه العظيم فإن الله عظيم وكتابه عظيم والعظيم لا يعطي إلا العظيم: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
والقرآن الكريم كلام الله منزلٌ غير مخلوق وكلام الله صفة من صفاته، وصفات الكامل كاملة ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
стр. 3989
والاختلاف ثلاثة أنواع:
١ - اختلاف تناقض.
٢ - اختلاف تفاوت.
٣ - اختلاف تلاوة.
فالأول: ممنوع لأنه من التناقض ولأن التناقض لا يوجد في أحكام الحكيم ﷻ : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
وقد وصف الله القرآن الكريم بصفات كثيرة، وصف الله القرآن بالحكيم؛ لأنه حاكم في الاعتقادات يميز حقها من باطلها، وحاكم في الأفعال يميز صوابها من خطأها، وحاكم في الأخلاق يميز حسنها من سيئها، وحاكم في المعاملات يبين حلالها من حرامها، وحاكم على أن محمدًا صادق في دعوى النبوة: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
ومن أعظم ما بين الله في القرآن العظيم بيان أسماء الله وصفاته، فقد بين الله في القرآن الكريم أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الجميلة والمثل الأعلى، والله سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة والمثل الأعلى المنزه عن المثيل وعن صفات النقص وعن صفات البشر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه محتاج إليه ولهذا استحق الحمد كله والتكبير كله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]
стр. 3990
لهذا كان الله : هو العظيم المستحق لأعظم أنواع الحمد، والحمد يجب أن يكون مقرونًا بالإجلال والتكبير لعظيم نعمه وإحسانه ولجلاله وجماله.
• وتكبير الله أنواع:
الأول: تكبير الله في ذاته فهو الكبير وحده الغني عن كل ما سواه وحده: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
الثاني: تكبير الله في صفاته، وذلك من ثلاثة أوجه.
فجميع صفات الله صفات جلال وجمال وكمال، فهو منزه عن صفات النقص وصفات الخلق، وكما لا نهاية لذاته فكذلك لا نهاية لصفاته، وكما ينزه العبد ربه في ذاته عن الحدوث والتغير والزوال فكذلك ينزه في صفاته، فصفاته سبحانه ذاتية أزلية منزهة عن التغير والحدوث.
الثالث: تكبير الله في أفعاله، فنحمد الله ونكبره على أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يجري في ملكه إلا ما يشاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الرابع: تكبير الله في أحكامه، بأن يعتقد المسلم بأن الله وحده هو الملك الحق الذي له الملك والخلق والأمر وله الحكم كله يأمر بما يشاء وينهى عما يشاء: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 3991
وقال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ [الأنعام: ٥٧].
وهو الملك الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء ويفعل ما يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
الخامس: تكبير الله في أسمائه، وهو ألا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته العلى، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
السادس: إذا كبر العبد ربه وعظمه وقدسه ونزهه على معرفته وطاقته اعترف أن عقله وعلمه لا يفي بمعرفة جلال الله وعظمته، ولسانه لا يفي بشكره وجوارحه لا تفي بحق عبادته فكبر الله على أن يكون تكبيره، وافيًا بما يستحقه الرب من المجد والتعظيم والإجلال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١٠ - ١١١].
стр. 3992
٢ - الخزانة الثانية
• عظمة القرآن:
القرآن العظيم كله هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين، فهو شفاءٌ من الأمراض الروحية من الكفر والشرك والبدع والتكذيب للكتب والأنبياء، وشفاء من الأخلاق السيئة بالتحذير منها والترغيب في الأخلاق الحسنة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والقرآن شفاءٌ من الأمراض البدنية لما فيه من بيان الحلال والطيبات وإباحة أكلها، وما فيه من بيان الطيبات من الخبائث: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقراءة القرآن على المرضى تدفع بإذن الله أمراض الأجسام، لما في القرآن من البركة، ولاشتماله على ذكر جلال الله وتعلق القلوب به وما فيه من تحقير الشياطين والسحرة: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
стр. 3993
والقرآن كذلك رحمة للمؤمنين لما فيه من بيان الحق من الباطل وكشف الشبهات والترغيب في الحق والعمل به والأخلاق الحسنة وغيرها، مما يكون سببًا لوصول الإنسان إلى جوار رب العالمين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وكما أن القرآن شفاءٌ ورحمة للمؤمنين، فكذلك هو سبب للخسار والضلال في حق الظالمين؛ لأن سماع القرآن يزيدهم طغيانًا وكفرًا وتكذيبًا وحسدًا وعدوانًا وهذه الأخلاق الذميمة تزيدهم إصرارًا واستكبارًا عن الحق وتدعوهم إلى الأعمال الباطلة، والأعمال الباطلة تجرهم إلى الأعمال الفاسدة فتفسد نفوسهم ويفسدون غيرهم فلا أشد من خسارتهم،
كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
والقرآن العظيم فيه تبيان كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقد تحدى الله الإنس والجن بهذا القرآن العظيم على درجات فتحداهم أن يأتوا بمثله، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور منه، كما قال سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].
ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة، كما قال سبحانه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
стр. 3994
ثم تحداهم أن يأتوا بحديث من مثله، كما قال سبحانه: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٤].
والقرآن العظيم كتاب الله، وكتاب الله كتاب عظيم وكريم وحكيم ومجيد بالغ في الكمال والصحة والحسن والنفع ما لم يبلغه كتاب سواه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
فالقرآن العظيم كتاب عظيم كامل في ذاته: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
وهو كتاب كريم مكمل لغيره مقيم له لأن القيّم هو القائم بمصالح غيره: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف: ٢ - ٣].
والقرآن العظيم سبب لهداية الخلق وإكمال أحوالهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
فهو الحق: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]
يهديهم إلى الحق والأجر والثواب الحسن، والقرآن العظيم مستقيم كله حق لا عوج فيه والعوج في المعاني كالعوج في الأشياء والله : نفى العوج عن كتابه، فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
стр. 3995
وذلك من وجوه:
أحدها: نفي التناقض عن القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
الثاني: أن كل ما ذكر الله في القرآن من التوحيد والأحكام والأخبار والتكاليف فكله حق وصدق لا خلل فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
الثالث: أنه يخرج الإنسان من معرفة الخلق إلى معرفة الخالق ومن معرفة الصور إلى معرفة المصور سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويخرج الإنسان من معرفة الدنيا إلى معرفة الآخرة ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب وهو أعظم سبب لهداية الخلق: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
• نعمة إنزال القرآن العظيم:
الله : هو العظيم وكتابه عظيم، وأعظم سور القرآن هي فاتحة الكتاب، وأعظم آيات القرآن هي: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].