٤ - الخزانة الرابعة
الإسلام هو الدين الحق، هو دين الله الذي أكرم الله به البشرية منذ عهد آدم ﷺ إلى بعثة نبينا محمد ﷺ : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
فله الحمد والشكر على عنايته بخلقه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقد أكرم الله هذه الأمة واصطفاها من بين الأمم، فأنزل عليها أحسن كتاب، وأرسل إليها أفضل رسول، وأرسله بأحسن شريعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
والقرآن العظيم أحسن الكتب التي أنزلها الله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
• والقرآن العظيم يهدي للتي هي أقوم في كل شيء ومن ذلك:
أولًا: توحيد الله في ربوبيته، وتوحيد الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الله في عبادته وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠].
стр. 72
ثانيًا: الطلاق، فقد جعل الله الطلاق بيد الرجل؛ لأن النساء مزارع وحقول، والرجل زارع والمرأة مزرعة تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض، وأقوم الطرق أن الرجل الذي معه آلة الزراعة لا يرغم على الزراعة في حقل لا يرغب فيه، فكانت الحكمة أن جعل الله بيده الطلاق: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].
ثالثًا: ومن هدي القرآن للتي هي أقوم تعدد الزوجات؛ لأن المرأة الواحدة تحيض وتمرض ويصيبها النفاس، ولو حبس الرجل عليها لتعطلت منافع قضاء الوطر، وتكثير الأمة، واعفاف النفس، ولبقي كثير من النساء بلا زوج.
رابعًا: ومن ذلك تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث؛ لأن الذكورة كمال والتزام بالنفقات، والأنوثة نقصِ ومتاع: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
خامسًا: ملك اليمين الذي سببه الكفر ومحاربة الله ورسوله، فالله خلق الخلق ليعبدوه فإذا تمرد الكفار وأعرضوا عن ربهم وطغوا، وحاربوا الرسل وأتباعهم، واستعملوا نعم الله في محاربة أوليائه؛ عاقبهم الله عقوبة تناسب جريمتهم بسلبهم التصرف في أنفسهم، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات التي تباع وتشترى، فأباح بيعهم وشراءهم ونحو ذلك من التصرفات المالية، فلما لم يعبدوا الله اختياراً عاقبهم الله بأن يكونوا عبيدًا للمخلوق اضطرارًا.
سادسًا: القصاص فإن الإنسان إذا تذكر أنه إذا اعتدى بقتل أو جرح لغيره عوقب بالقصاص امتنع من العدوان، فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله
стр. 73
من البشر: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
سابعًا: قطع يد السارق، فإن الله خلق اليد للبناء والعمل فيما يرضي الله والكسب الحلال، والجهاد في سبيل الله، فإذا خانت ومدت أصابعها إلى مال الغير لتأخذه بغير حق صارت يدًا نجسةً خبيثةً قذرة، يجب قطعها كالعضو الفاسد يبتر، لئلا يجر الداء إلى سائر البدن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
ثامنًا: رجم الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة وجلد البكر مائة؛ لأن من فعل ذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة الإنسانية، فعاقبه الله بشر عقوبة وقتله؛ لأن جريمته أفظع جريمة، وجريمة الزنا تفسد الأعراض، وجريمة القتل تفني الأنفس، ولزوال هذا الفساد العظيم شرع الله القصاص والحدود رحمة بالأمة: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
فالحمد لله رب العالمين على نعمة الإسلام: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله للبشرية، والذي لا تصلح حياة البشرية إلا به فقط، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على عبادة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فإذا قبل الناس الإسلام أسعدهم الله في الدنيا و الآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 74
وتحققت طمأنينتهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وتمت هدايتهم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
وإذا ترك الناس الإسلام وأعرضوا عنه شقوا وتعبوا في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
وتحقق عذابهم في الدنيا والآخرة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
ودين الله واحد هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
والشرائع مختلفة فلكل نبي شريعة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
• والمصالح الكبرى التي تدور عليها الشرائع السماوية ثلاث:
المصلحة الأولى: درء المفاسد، وتسمى بالضروريات.
المصلحة الثانية: جلب المصالح، وتسمى بالحاجيات.
المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق، وتسمى بالتحسينات.
فالضروريات هي درء المفاسد عن خمسة أشياء هي:
الدين .. والنفس .. والعقل .. والعرض .. والمال.
وجلب المصالح يكون بإباحة المصالح المشتركة بين الناس على الوجه المشروع؛ ليستجلب كل شخص حاجته ومصلحته من الأخر، كالبيوع والإيجارات والقروض ونحوها من سائر المعاملات.
стр. 75
والجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات يزيد الحياة حسناً وطمأنينة ومحبة وآمنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وإذا أخذ المسلمون بعض أحكام الإسلام، وخالفوا البعض الأخر، فقد فتحوا على أنفسهم أبواب المشاكل والمصائب، وأبواب العذاب، وأبواب الاختلاف، وأبواب الاضطراب، وأبواب الخزي: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
وقد بين الله في القرآن الكريم أن الناس إذا خالفوا القرآن أصابتهم ثلاث مشاكل، وبين برحمته حلها في كتابه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وهذه المشاكل هي:
ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار .. تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والأذى .. اختلاف قلوب المؤمنين فيما بينهم.
الأولى: ضعف المسلمين عن مقامة الكفار في كل زمان ومكان.
وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها، فبين أن علاجها يكون بصدق التوجه إلى الله والاستعانة به، ودوام التوكل عليه؛ لأن الله قوي عزيز قاهر لما سواه، فمن كان من حزبه لا يمكن أن يغلبه الكفار: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
стр. 76
فحين ضرب الكفار الحصار العسكري على المسلمين في غزوة الأحزاب، كما قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١]
فكان علاج ذلك الحصار العظيم والشدة والكرب هو الإيمان الكامل، والتسليم لله، والتوكل عليه ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ١ - ٣].
وقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وكانت النتيجة: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧].
وهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه ولا يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
стр. 77
الثانية: تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والأذى، مع أن المؤمنين على الحق والكفار على الباطل كما هو الوقع الآن، فحين وقع ما وقع بالمسلمين في غزوة أحد من رفع النصرة، وشج وجرح رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته، وقتل عمه وابن عمته ومثل الكفار بهما، وقتل سبعون من الصحابة، قال الصحابة كيف ينال منا المشركون ونحن على الحق وهم على الباطل.
فأنزل الله فتوى لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة بقوله : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
فالبلايا والمصائب سببها المعاصي والسيئات، ومن عرف أصل الداء عرف الدواء: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣].
الثالثة: اختلاف القلوب الذي يسبب الفشل، وذهاب القوة والدولة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧].
стр. 78
فإذا دب الخلاف بين المسلمين وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وسفكت الدماء، فرفع الله عنهم النصرة، وتمكن عدوهم من رقابهم.
وسبب داء الخلاف الذي عمت به البلوى الآن، إنما هو ضعف العقل: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤].
وإذا ضعف العقل جاءت المصائب، فرؤى الخير شرًا، والشر خيراً.
وداء ضعف العقل يضعف عن إدراك الحق، وتمييز الحق من الباطل، والنافع من الضار، ولا دواء له إلا بإنارته بنور الوحي الذي يحيي به من كان ميتاً، ويضيء له الطريق المستقيم، فيرى الحق حقًا ويتبعه، ويرى الباطل باطلاً ويجتنبه، ويرى النافع نافعًا فيفعله، والضار ضاراً فيحذره: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فشتان بين هذا وهذا: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢].
الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى، أظهر دينه، وشرع شرعه على ألسنة أوليائه من الأنبياء والمرسلين: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
وللشيطان مذهب وشرع شرعه على ألسنة أوليائه من شياطين الانس والجن: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
стр. 79
فالناس اثنان:
إما عابد للرحمن بتحكيم شرعه، وعبادته وحده بما شرع.
وإما عابد للشيطان بإتباع ما شرعه الشيطان من النظم والقوانين المخالفة لشرع الله على ألسنة أوليائه من شياطين الأنس والجن كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
فعبادتهم للشيطان ليست أنهم سجدوا للشيطان، ولا ركعوا له، ولا صاموا له، ولا حجوا له، وإنما عبادتهم له إتباع ما شرعه لهم من النظم والقوانين التي زينها لهم فأطاعوه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
فهؤلاء أخسر الخلق في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١١٩ - ١٢١].
والله لا يقبل أن يعبد إلا بما شرع، ولا يرضى أن يطاع عدوه وهو الشيطان، ويعصى أمره لأن الخلق خلقه، والملك ملكه، والأمر أمره: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
стр. 80
وقال : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٥٩ - ٦٠].
ومن زعم أن تشريع الشيطان أحسن من شرع الرحمن فهو كافرًا بلا شك، وكفره من أشنع الكفر والطغيان والكذب على الله، والتمرد على أوامر خالق السماء وجبار السماوات والأرض، وعدم تقدير الله حق قدره حيث رأى أن تشريعه لا ينفع، وتشريع سفلة الخلق أحسن منه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
فاللهم اهد ذرية آدم الى الصراط المستقيم: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
الإسلام هو دين الله الذي جاءت به جميع الرسل، رسولاً بعد رسول، وقرناً بعد قرن، وأمة بعد أمه، وكل من دان بغير الإسلام فهو كافرًا مخلد في النار، سواء كان من اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم من الكفار والمشركين إذا مات على ذلك: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩].
فاليهود كفار، لأنهم قتلوا الأنبياء، وقالوا عزير ابن الله، وكذبوا بعيسي ﷺ ، ومن أسلم منهم فله الأخر مرتين، لإيمانه بموسى ﷺ ، وإيمانه بمحمد ﷺ .
والنصارى كفار، لأنهم قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: المسيح ابن الله، وكذبوا محمداً ﷺ ، ومن أسلم منهم فله الأجر مرتين، لإيمانه بعيسي ﷺ ،
стр. 81
وإيمانه بمحمد ﷺ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].
وقال الله ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ» متفق عليه (١).
ثم ضاعف الله الأجر، وتكرم بالمغفرة والرحمة، لكل من دخل في الإسلام من هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]
وأهل الكتاب هم الذين آمنوا بموسى ﷺ ، وآمنوا بعيسي ﷺ ، واتبعوا التوراة والنجيل التي أنزلت عليهما، وعبدوا الله وحده لا شريك له.
والتوراة والإنجيل كتب إلهيه لكنها حرفت وبدلت وغيرت ثم نسخ الله العمل بهما بالقرآن، كما قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
стр. 82
ونحن نؤمن أن الله انزل التوراة على موسى ﷺ ، وأنزل الإنجيل على عيسي ﷺ ، وكل ما فيهما من أخبارٍ فهو صدق، وما فيهما من أحكامٍ فهو حق وعدل، لكن طرأ عليهما التحريف والتغير والتبديل ثم نسخا بالقرآن الذي تكفل الله بحفظه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
واليهود والنصارى بعد بعثة محمد ﷺ ، كلهم مغضوب عليهم؛ لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وباءوا بغضب على غضب.
وكل من لم يكفر اليهود والنصارى، وكل من عبد غير الله، فهو كافر، فيجب علينا أن نكفر كل من كفره الله في القرآن.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
ومن كفره الله فهو كافر، ومن لم بكفره فليس بكافر، ومن لم يكفر من كفر الله كهؤلاء استلزم ذلك أن يقبل الله دينه، وهذا يستلزم تكذيب قول الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قد أمر الله جميع الخلائق بعبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، وكفر الله في القرآن اليهود والنصارى وكل من عبد غير الله، وبرأ إبراهيم ﷺ من اليهودية والنصرانية؛ فدل على أنهما ديانتا كفر أحدثهما الكفار بعد موسى وعيسى -عَلَيْهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
стр. 83
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥].
فيجب علينا دعوة جميع الكفار إلى الإسلام من كانوا وحيث كانوا: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فدين الله واحد: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]
فلا شك في كفر اليهود والنصارى، وإن قالوا أمنا بالله، فيقال لهم كذبتم أنتم كافرون بالله العظيم وبرسله، ويجب أن نتبرأ منكم، ولا تجوز مداهنتهم ولا مصانعتهم، أو أن نقول أنتم إخواننا في الدين، أنتم على دين سماوي، ونحن على دين سماوي، فهذا عين الكفر ومن قال هذا فيجب عليه التوبة والرجوع إلى الدين، والإسلام منهم برئ ما داموا يقولون ذلك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
стр. 84
٥ - الخزانة الخامسة
• يجب على كل مسلم أن يؤمن بأركان الإسلام الخمسة وهي:
١ - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
٢ - وإقام الصلاة.
٣ - وإيتاء الزكاة.
٤ - وصوم رمضان.
٥ - وحج بيت الله الحرام.
وهذه الأركان منها ما تركه كفر قطعاً وهو الركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، وكذلك الركن الثاني الصلاة فمن تركها فهو كافر ولو تركها تهاوناً وكسلاً، كما قال النبي ﷺ : «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» أخرجه مسلم (١).
وأما بقية أركان الإسلام الزكاة، والصوم، والحج تركها من الكبائر العظيمة، ولكن تاركها لا يكفر، فيجب عليه أن يتوب إلى الله، ونؤمن بها ويؤديها.
والناس في فهم الإسلام ثلاثة أقسام:
الأول: من يرى أن كل تقدمٍ في أي ميدان من ميادين الحياة أنه كفر ومضادة للدين، وتشبه بالكافرين، وهذا فكر غير صواب، وجناية على الإسلام والمسلمين: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
стр. 85
الثاني: من يرى أن كل متمسك بالدين هو الذي أخر المسلمين عن التطور، وأنه ينبغي الأخذ بكل جديد في مجال الحياة ولو كان مخالفاً للشرع، وهؤلاء ثقفهم الكفار ثقافة مضادة للإسلام، وهؤلاء وأولئك كلاهما ضرر على الإسلام والمسلمين فهما طرفان: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧].
الثالث: من يرى التمسك الكامل بالدين، والآخذ بجميع أسباب الحياة التي تصلح بها حياة الناس، وطرح ما يخالف الدين منها، وأن نأخذ كل نافع ولو صنعه الكفار، وهؤلاء هم الوسط، ونحن أمة الوسط، وهذا الذي ورد به الشرع في كل حال، ففي الجهاد نعد العدة المطلوبة مع العمل الصالح، ونثبت أمام العدو ونذكر الله كثيراً: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وقال : ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١].
فلابد للإنسان أن يكدح لدنياه فيما ينفعه، ويجتنب ما يضره، ويكدح لأخرته فيما ينفعه، ويجتنب ما يضره، يعمل في دنياه وهو مرضٍ لربه، فليس في الدين نومٍ وكسل، ومن نام وتكاسل داسته نعال الأراذل، وكان حماراً يركبه من شاء، وحيواناً يقوده الجزار إلى هلاكه كما هو حاصل في العالم اليوم.
وقد وقع المسلمون في الفخ الأول والثاني، فصاروا لقمة سائغة يبتلعها الأعداء بسهوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦].
стр. 86
ولو كان الإنسان مخلوقاً من عنصر واحد لأمكن أن يمشي في اتجاه واحد.
ولكنه مخلوق من عنصرين:
١ - مادة وروح
٢ - وجسدُ وقلب.
ولكل عنصر اتجاه، فلابد من المجاهدة والكدح لتلبية حاجات كل عنصر، العنصر البدني، والعنصر الروحي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
والمؤسف حقاً أن العالم الإسلامي أخذ من الكفار السم الفتاك، والضرر المحض، وهو ما أنتجوه من الانحطاط الخلقي، والمخالفة لأوامر الله، في الوقت الذي لم يحصلوا فيه على شيء من علومهم النافعة إلا النذر اليسير:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨].
الإسلام شريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان، مصلحة لكل زمان ومكان، شافية لكل زمان ومكان، أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث، ودعت إلى الحلال، وحذرت من الحرام، ورغبت في الفضائل، وحذرت من الرذائل، وأمرت بالحق، ونهت عن الباطل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
стр. 87
ففي الإسلام الجلال كله، والجمال كله، والعدل كله، والإحسان كله، والرحمة كلها، والعزة كلها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ونصوص القرآن والسنة محيطة بجميع أحكام العباد، فقد بين الله في كتابه العظيم وسنة رسوله الكريم جميع ما أمر الله به، وجمع ما نهى الله عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وبهذا أكمل الله الدين مفصلاً بإنزال الكتاب والميزان.
والكتاب هو الوحي من قرآن أو سنة، والميزان هو العدل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
ولكن قد يقصر فهم كثير من الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص الشرعية، لأنهم متفاوتون في الأفهام والعقول، فالدين كامل، والنبي ﷺ ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا تجوز الزيادة في الدين، كما لا يجوز النقص منه، ولله سبحانه حكمة ورحمة في كل ما خلق وأمر: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
لا يجوز إكراه الإنسان على الإسلام مطلقًا، ولا يجوز إكراه الإنسان على الكفر مطلقاً: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
стр. 88
والإكراه على الكفر له حالتان:
الأولى: إذا أكره المسلم على كلمة الكفر بأمر يتعلق به نفسه.
كأن يقال له أسجد لهذا الصنم وإلا قتلناك، فهذا إن شاء قال كلمة الكفر بلسانه، أو سجد للصنم، دفعاً للإكراه، إذا، كان قلبه مطمئنا بالإيمان، وإن شاء أصر وأبى وإن قتل، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١٠٨].
الثانية: إذا كان الأمر يتعلق بالدين
فلو كفر ولو ظاهراً أمام الناس لكفر الناس، فهذا لا يجوز له أن يقول كلمة الكفر، بل يجب عليه أن يصبر ولو قتل خاصة في زمن الفتنة والعاقبة له، كما في قصة الملك مع الراهب والغلام، وهي مفصلة في صحيح مسلم برقم (٣٠٠٥).
وكما حصل للإمام أحمد ﵀ حين أصر على القول بأن القرآن منزل غير مخلوق؛ لأن الناس وراءه يكتبون ما يقول، ولكن الله نصره على من عاداه، وثبت ﵀، فاللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨].
стр. 89
والإسلام هو:
الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، ويطلق الإسلام على السلامة يعني أن يسلم الناس من شر الإنسان، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
والسلامة من الإنسان تكون بأمرين:
الأول: سلامة الناس من لسانه.
فلا يسبهم ولا يلعنهم، ولا يغتابهم ولا يسعى بينهم بأي شر، وكف اللسان
من أشد ما يكون على الإنسان، واللسان من أشد الجوارح خطراً على الإنسان؛ لأن الجوارح كلها تكفر اللسان، فاللسان فيه شهوة الكلام، والفرج فيه شهوة النكاح، والبطن فيه شهوة الطعام.
الثاني: سلامة الناس من يده
بأن لا يعتدي عليهم بالضرب أو الجرح أو أخذ أموالهم، ويكف يده عما لا يستحقه.
فإذا اجتمع للإنسان تسليمه قلبه لربه، وسلامة الناس من لسانه ويده فهذا هو المسلم، ومن لم يسلم الناس من لسانه ويده فليس بمسلم، كما قال النبي ﷺ : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» متفق عليه (١).
واللسان له عبوديتان:
العبودية الأولى: أن تتكلم مع الله، فالكلام مع الله كأن تقول ربي أغفر لي وارحمني وأهدني ونحو ذلك كما قال آدم وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
стр. 90
والعبودية الثانية: أن تتكلم عن الله بين خلقه بالدعوة إلى الله.
فالعبودية الأولى أن تتكلم مع الله فيما بينك وبين الله، والعبودية الثانية أن تتكلم عن الله فيما بينك وبين الناس، فتقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فالدين ركنان:
الأول: عبادة الحق.
الثاني: والإحسان إلى الخلق، ولابد منهما جميعاً.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
هذه عبادة الحق، والإحسان إلى الخلق.
وهذه عبادة الحق: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
стр. 91
وهذه محاسنة الخلق: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وأعظم الإحسان إلى الخلق الدعوة إلى الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
الإسلام زينة كل مسلم، وأفضل لباسٍ يلبسه الإنسان في الدنيا، ويلقى الله به في الآخرة، وكل لباسٍ غيره قبيح وغير ساتر، وكل لباسٍ معه يشينه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
فلا نغتر ولا نلبس إلا لباس النبي ﷺ في جميع أحواله، في سيرته وسريرته، في أقواله وأعماله وأخلاقه، مع ربه، ومع أهله، ومع الناس.
وذلك هو لباس الإيمان والتقوى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
فنترك زي العرب، ونترك زي العجم، ونترك زي العشيرة، ونترك زي القبيلة، ولا نظهر في جميع أحوالنا إلا الزي الذي يحبه الله ورسوله وذلك هو لباس الإيمان والتقوى، ولا نظهر في جميع أحوالنا إلا بزي واحد: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨].
وكل من لبس غير زي الإسلام خسر دنياه وأخراه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
فالإسلام زينة كل إنسان في كل زمان ومكان.
والكفار وقت بعثة النبي ﷺ قسمان:
الأول: أهل الكتاب، كفرق اليهود والنصارى فهؤلاء كفار لأحداثهم في دين الله ما كفروا به، كقول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
стр. 92
أو قولهم المسيح هو الله، وتحريفهم كتب الله وشرائعه، وتبديلهم لها وكتمانهم لما فيها من الحق.
الثاني: المشركون الذين يعبدون الأوثان والأصنام من دون الله.
والكفر ملة واحدة، وأهله هم شر البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].
ولا ينتقل شر القرون إلى خير القرون، ولا يتحول شر البرية إلى خير البرية إلا بالإسلام فقط: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ١ - ٣].
فعبدة الأوثان مشركون، واليهود مشبهون يشبهون الله بخلقه، والنصارى مثلثون، والمؤمنون موحدون، فهم أهل النجاة فقط: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧ - ٨].
стр. 93
٢ - خزائن الإيمان
وتشمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
стр. 94
٢ - خزائن الإيمان
١ - الخزانة الأولى
• الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، وتعمل بمقتضى ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالإيمان قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل القلب واللسان.
وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ويكمل إيمان العبد بمعرفة أركان الإيمان الستة، وفي النظر في الآيات الكونية و التدبر للآيات القرآنية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وكلما ازدادت تلك المعارف قوي الإيمان بالله، وزاد تعظيم العبد لربه، وزاد حبه له، وخفت عليه الطاعات، وثقلت عليه المعاصي، والمحبة التامة لله ورسوله تستلزم وجود محبوباته ومحبتها والعمل بها وحبها ونشرها وهي الدين الحق.
فإذا كان حب المسلم لله، وبغضه لله، وهما عمل قلبه، وعطاؤه لله، ومنعه لله، وهما عمل بدنه، دل ذلك على كمال الإيمان وكمال المحبة لله .
стр. 95
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
• والإيمان له ثلاث درجات:
له طعم .. وله حلاوة .. وله حقيقة.
أما طعم الإيمان فقد بينه النَبِيُ ﷺ بقوله: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا». أخرجه مسلم (١).
وأما حلاوة الإيمان فبينها النَبِيُ ﷺ بقوله: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». متفق عليه (٢).
وأما حقيقة الإيمان فتحصل لمن كان عنده كمال اليقين، وحقيقة الدين، وقام بجهد الدين عبادة ودعوة، هجرة ونصرة، جهادًا وإنفاقًا، وصدقًا وصبرًا، وبذلًا وتركًا.
ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالإيمان هو تكذيب المشاهدات وتصديق الغيبيات؛ لأن الإيمان عملٌ قلبي: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢].
стр. 96
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
فهذه درجات الإيمان، له طعم، وله حلاوة، وله حقيقة، وأعلى درجات الإيمان هو اليقين؛ لأنه إيمان لاشك معه ولا تردد، بأن تتيقن ما غاب عنك كما تشاهد ما حضر بين يديك على حد سواء، فتعبد الله كأنك تراه وهذا هو مقام الإحسان، فإذا صار ما أخبر الله به من الغيب فيما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و القدر بمنزلة المشاهد فهذا هو كمال اليقين، وحق اليقين، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
والإيمان له شعب، وشعب الإيمان كثيرة، تشمل الأقوال الحسنة، وأعمال الجوارح، وأعمال القلوب عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» متفق عليه (١).
والله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى، والإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله بالنسبة لأركان الإيمان بمنزلة القلب من البدن: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ
стр. 97
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
• فالإيمان بالله يقوم على ثلاثة أصول هي:
الأول: تنزيه خالق السماوات والأرض عن مشابهة شيء من خلقه الذين هم أثر من أثار قدرته وإرادته، وهذا الأصل هو أساس التوحيد، وهو الحجر الأساس لمعرفة الله على الوجه الصحيح.
الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ إيمانًا مبنيًا على أساس ذلك التنزيه.
الثالث: أن نعلم أن العقول مخلوقة واقفة عند حدها لا يمكن أن تحيط علما بخالقها، ولا كيفية ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهي عاجزة عن إدراك كيفية ذات الله وكيفية أسمائه، وكيفية صفاته وكيفية أفعاله، فنقطع الطمع تمامًا عن إدراك كيفية ذلك، فالله لا يشبهه شيء من خلقه في صفاتهم أو ذواتهم أو أفعالهم، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وأسماء الله وصفاته وأفعاله كلها حق، وصفات المخلوق كلها حق، فنثبت لله السمع والبصر على ما يليق بجلاله و كماله، ونثبت للمخلوق السمع والبصر على ما يليق بعجزه ونقصه وفنائه، وبين سمع الخالق وبصره وسمع المخلوق وبصره من المنافاة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق، على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
стр. 98
فهو السميع الذي ليس كمثله أحد في السمع، القوي الذي ليس كمثله أحد في القوة وهكذا، فنقطع الطمع تمامًا عن إدراك كيفية أسماء الله وصفاته وأفعاله، فكما لا نعلم كيفية ذاته لا نعلم كيفية صفاته، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
فالله محيط بكل محيط ولا يحيط به محيط، والله عظيم لا يمدح نفسه إلا باسم كريم، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، ولا يصف نفسه إلا بوصف كريم في غاية الجلال والجمال والكمال وصفا لائقًا بجلال الله وعظمته؛ فهو الموصوف بالكرم والرحمة والعفو والقوة والقدرة.
قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]
وباب الإيمان، وباب التوبة، كلاهما مفتوح في الدنيا إلى يوم القيامة، فإذا عاين الإنسان الموت أو مات كافرًا أو ظهرت علامات الساعة الكبرى، هنالك لا ينفع نفس إيمانها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
وقال : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
стр. 99
فإذا جاءت الملائكة لقبض الروح، أو جاء الله لفصل القضاء، أو ظهرت بعض الآيات التي منها طلوع الشمس من مغربها لا ينفع إيمان ولا عمل، فلا يقبل من كافر إيمان، ولا يقبل من عاص توبة، بل يغلق باب التوبة بمصراعيه كأنه لم يكن بينهما فتحٌ قط، وتختم الأعمال على ما كان، وتضع الحفظة أقلامها ولا تكتب شيئًا.
اللهم ثبتنا على الإيمان والقول الثابت حتى نلقاك مؤمنين موحدين.
الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فالإيمان هو التصديق المستلزم لقبول الأخبار، و الانقياد للأحكام، بتصديق جميع ما جاء في الكتاب والسنة تصديقاً يستلزم القول والعمل، والإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعمل بالجوارح، والدليل على قول اللسان: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦].
والدليل على اعتقاد القلب: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
والدليل على أن الإيمان قول وعمل، قول الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
الإيمان هو التصديق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]
والمعنى وما أنت بمصدق لنا.
стр. 100
• أما الإيمان في الشرع فهو التصديق من جهاته الثلاث:
الأولى: تصديق القلب بالرب والإله.
الثانية: تصديق اللسان بالإقرار والشهادة بذلك.
الثالثة: تصديق الجوارح بالعمل.
فالإيمان قول وعمل واعتقاد، أن تصدق بالله بقلبك، وتشهد بذلك بلسانك، وتعمل بذلك بجوارحك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
• والإيمان له شعب كثيرة:
فقد أخبر النبي ﷺ أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ويبطل بارتكاب ناقض من نواقضه.
فمن أسباب زيادة الإيمان:
تلاوة القرآن، وسماعه، والتفكر في آيات الله الكونية، وتدبر آياته الشرعية، وزيادة العلم، وكثرة الذكر، وكثرة العمل، والدعوة إلى الله، وتعليم الخلق شرع الله، ورؤية النعم، صحبة الأخيار، والجلوس في مجالس الذكر ونحو ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 101
ومن أسباب نقص الإيمان:
الإعراض عن التعلم والذكر وتلاوة القرآن، والجرأة على المعاصي، وارتكاب الكبائر، والتسويف في التوبة، وترك الواجبات، وإتباع الشهوات، وعدم توقي الشبهات، ومخالطة الفساق، وهجران مجالس الذكر ونحو ذلك: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
ومن نواقض الإيمان:
دعاء غير الله، والاستهزاء بالله ورسوله ﷺ وآياته، والحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير شرع الله، وجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الزنا والربا ونحو ذلك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وليس من نواقض الإيمان: الاستفادة من صناعات الكفار وخبراتهم، لأن الإسلام دينٌ كامل فيه مصالح الدنيا والآخرة، فلا مانع في الإسلام من أخذ الحاجات الدنيوية المحضة من كل بر وفاجر حتى لو كان من الكفار، ومما يدل على ذلك:
أولاً: استعانته ﷺ في وقت الهجرة بخبرة خبير كافر؛ يدله على الطريق الآمن حتى يصل إلى المدينة بسلام، ولم يمنعه ذلك كونه كافرا، وهو عبد الله بن أريقط الديلي.
стр. 102
ثانيًا: لما حاصرت الأحزاب المدينة استشار النبي ﷺ الصحابة، فأشار سلمان ﵁ بخطة عسكرية ابتكرتها أذهان الفرس، وهي حفر الخندق فأخذ بها، فهي خطة عسكرية فارسية أصلها من الكفار، وانتفع بها النبي ﷺ وهو مرض ربه.
ثالثًا: كذلك وطء المرأة المرضع، كان العرب يعتقدون أنه يضعف عظم الولد، فأخبرته فارس والروم أنهم يفعلون ذلك ولا يضر به فأخذ به.
فنراه ﷺ أخذ بخبرة خبير كافر واستعمله، وأخذ بخطة عسكرية فارسية، وأخذ بخطة طبية فارسية ولم يمنعه أنها من كفار: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
• الإيمان أعظم نعمةٍ أنعم الله بها على عباده
والإيمان قوة في القلب واللسان والجوارح، وصاحب اللسان القوي مؤثر في الناس بلا ريب، يجتمع الناس حوله، وينبسطون لحديثه، إن خطب وتحدث أو دعا إلى الله رأيت الإيمان يبرق من عينيه، والإخلاص يشرق من وجهه والصدق يتدفق من خلال صوته، وصدق لهجته، ودمع عينه، وإشارة يده، واضطراب بدنه، كلامه يسري في القلوب سريان الماء العذب في النفوس العطشى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
أولئك الذين هداهم الله، بدعوتهم يهتدي الخلق، وبموعظتهم تخفق القلوب، وتذرف العيون، وبتذكيرهم يتوب العاصي، ويتعلم الجاهل، ويهتدي الضال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
٢ - الخزانة الثانية
• صرف الإنسان عن الإيمان:
من سبق في علم الله أنه لا يؤمن صرفهم الله عن الإيمان صرفًا عظيمًا مانعًا من وصول الإيمان إليه، بأن يطبع الله على قلوبهم وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، ومن جعل الله على بصره غشاوة لا حيلة له في التصرف، ولا في طلب نفع، ولا في دفع ضر، ولا يمكن أن يصل إليه خير.
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].
• وصرف الإنسان عن الإيمان له أسباب:
فمن أعرض عن دين الله بعد أن بلغه، وصد عن سبيل الله، وحارب أولياءه ولم يشكر نعمة الله عليه وكذب بالحق لما جاءه؛ فإن الله يعاقبه بالمثل جزاءًا على إعراضه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
وجميع الموانع المانعة من الإيمان من الطبع والختم على القلوب، والأغلال في الأعناق، وجعل السد من بين أيديهم ومن خلفهم، وطمس
стр. 105
البصائر، والغشاوة على الأبصار، والرين كل ذلك، بسبب مسارعة الكفار إلى الكفر، وإعراضهم عن الدين، وتكذيب الرسل، والتمادي في الكفر، فعاقبهم الله بذلك الختم والطبع والغشاوة؛ لأن من عقوبة السيئات نسيان صاحبها ليتمادى في الشر والحيلولة بينه وبين الخير جزاءًا على كفره جزاءًا وفاقًا.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦ - ٧].
وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨]. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ [النحل: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧].
стр. 106
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت يا ذا الجلال والإكرام.
• الأجواء الإيمانية منجية للعبد؛ لأنها تعنى بمعرفة الله، وطاعة الله ورسوله، ومعرفة الأعمال الصالحة، والدار الآخرة، والأجواء الغافلة مهلكة؛ لأنها تعنى بالتعلق بالمخلوق والدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].
وإذا عاش الإنسان في الجو الغافل لا يبالي الشيطان بصلاته ولا صومه ولا عبادته؛ لأنه لا روح فيها، ولا ثمرة لها، بل تزيد صاحبها غرورًا ونفورًا وبعدًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
وإذا اقترن الشيطان بالإنسان ضل وأضل: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
والله هو الرحمن الرحيم الذي يربي عباده بالجو الإيماني، والشيطان يربي أتباعه بالجو الغافل.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
لهذا وجب علينا لزوم الجو الإيماني الذاكر والبعد عن الجو الغافل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ
стр. 107
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
والأجواء العالمية الآن في العالم كله غافلة جاهلة يربي فيها الشيطان أتباعه على الظلم والفساد والرذيلة والشهوات: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].
فلابد من صناعة الأجواء الإيمانية، باختراق الأجواء الغافلة بالدعوة إلى الله؛ لتصبح الأجواء كلها مؤمنة ذاكرةٌ مطمئنةٌ، لا كافرة غافلة مضطربة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وأكثر الناس استولى عليهم الشيطان، فأسر قلوبهم، وتحكم في حياتهم: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
ففي الجو الإيماني، جو الذكر والمواعظ، نتعلم التوحيد والإيمان، ونعرف قيمة الأعمال الصالحة و عمارة الدار الآخرة، وحسن الأخلاق وهذا الجو مرتع خصب للملائكة، وبه تحيى القلوب، وتغفر الذنوب، كَمَا قال ﷺ : «لَا
стр. 108
يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أخرجه مسلم (١).
ففي الجو الإيماني تحضر الملائكة، وتنفر الشياطين التي تسعى لتعطيل الأسماع والأبصار والأفئدة عن العبودية لله لتكون غافلة ضالة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وكما نضطر في حياتنا إلى مخالطة الناس في الأمور الكسبية، كذلك يجب علينا أن نخالطهم لننقلهم من الجو الغافل إلى الجو الذاكر بإذن الله، وننقلهم من الجو الكافر إلى الجو الإيماني، ومن جو الضلالة إلى جو الهداية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
стр. 109
٣ - الخزانة الثالثة
• كل الناس في الدنيا جنود وهؤلاء الجنود قسمان:
أحدهما: جنود الرحمن.
الثاني: وجنود الشيطان.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وكل الناس جنودٌ للشيطان إلا جنود الرحمن: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
فجنود الرحمن صفاتهم أربع كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
وجنود الشيطان صفاتهم أربع كما قال الله : ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨].
فمجالس الإيمان يحبها الله، وتحضرها الملائكة، ويربح فيها العبد، ومجالس الغفلة يُبغضها الله، ويخسر فيها الإنسان، وتحضرُ فيها الشياطين، وجميع أهل الغفلة أسرى للشياطين، يتحكمون في أفكارهم وأوقاتهم وأموالهم وأعمالهم؛ لأنهم سلموا أنفسهم لهم فأوقعوهم في
стр. 110
الخسران: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
وقد كتب الله الذلة والصغار والهوان على كل مَنْ خرج من جند الرحمن إلى جند الشيطان: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧].
وكل مَنْ بخلَ بوقته ومالهِ ونفسهِ عن نصرة الحق أنفقَ أضعافهُ في الباطل، ودفعته الشياطين إلى كل شر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
فالمؤمن حقًا مَنْ فعل الخير، واجتنب الشر، ولزم أهل الذكر، وابتعد عن أهل الغفلة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
فالإيمان يزيد مع أهل الإيمان؛ لأنها سوق الطاعات سوقُ الأرباح، وينقص الإيمان في جو الغفلة؛ لأنها سوقُ المعاصي وسوقُ الخسران، وكل شيء في سوقه سهلٌ جدًا، وكل شيءٍ في غير سوقه صعبٌ جدًا، فالطاعات سهلةٌ