← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩]. والقرآن العظيم يحيي الله به القلوب، كما يحيي الأرض بالماء: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. فحياة القلوب تكون بذكر الله وتلاوة كتابه، كالأرض الميتة تكون حياتها بالماء: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. والقرآن ربيع المؤمن يثمر له أنواع الخيرات والبركات، كما أن الماء ربيع الأرض ينبت فيها أنواع النباتات، ولهذا نرى من زكاة القلوب ورقتها ولينها وأنسها في رمضان حين يتوالى عليها سماع القرآن وقراءته ويكثر القيام به في لياليه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. وتزكية الإنسان وإصلاح قلبه تكون بأمرين: الأول: التعلم والتعليم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. الثاني: العمل والسلوك، ومن أراد تغيير فكره وعمله وحياته وأخلاقه للأحسن فعليه بقراءة القرآن: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].

стр. 4097

وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. استحضار أهداف قراءة القرآن الكريم: قراءة القرآن بقصد العمل به، ينبغي لحملة القرآن الكريم العمل بموجبه بتصديق أخباره وتطبيق أحكامه، فالعالم حقًا من عمل بما علم ووافق علمه عمله وطابق علانيته سريرته، فأولى الناس بالقرآن من اتبعه وإن لم يكن قرأه. فقارئ القرآن يجب أن يكون أول من يعمل به فيسأل نفسه عند القراءة، متى أكون من المتقين، متى أكون من المحسنين، متى أكون من الصادقين، من الخاشعين، من الصابرين، متى أنهى نفسي عن الهوى، متى أزهد في الدنيا، متى أكون مستقيمًا، متى أكون داعيًا إلى الله، متى أكون معلمًا لشرع الله، ومن الناس من يقول قرأت القرآن كله فما أسقطُ منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى القرآن له في خُلقٍ ولا قولٍ ولا عمل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]. والرسول ﷺ كان خُلقه القرآن يتأدب بآدابه ويحل حلاله ويحرم حرامه ويصدق أخباره ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ويغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ولنا فيه أسوة في نيته وأقواله وأعماله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وإنما جمع القرآن حفظًا وتدبرًا من سمع له وأطاعه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 4098

فالقرآن كله تربية وإصلاح وتعليم وتوجيه وإرشاد، فنقرأ القرآن بنية هذه الأمور العظيمة، بنية العلم والعمل، بنية البحث عن العلوم والأعمال والصفات التي تزكو بها النفوس: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقال الله : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. فالقرآن الحكيم فيه تبيان كل شيء، وإسعاد البشرية في كل شيء، وحل جميع المشاكل على مستوى الأفراد والشعوب والأمم، ومن اهتدى بغير القرآن فلن يهتدي؛ لأن القرآن كتاب الهداية وحده، وتطبيقه في السنة النبوية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وقال الله : ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨]. ومن قرأ القرآن لطلب الأجر والثواب، وبحث عن أسباب السعادة في غيره وعطل القرآن عن العمل بما فيه من أخبارٍ وأحكامٍ وأخلاق، فقد عطل القرآن عن أعظم مقاصده وهو العمل به وضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانا مبينًا ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 4099

وقال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. وقال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. أما قراءة القرآن بقصد طلب الاستشفاء به، فالقرآن كله هدىً وشفا ورحمة وموعظة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. والقرآن العظيم شفاءُ للقلوب والأبدان من جميع الأمراض والأسقام والعلل والأدواء. • والشفاء بالقرآن أربعة أنواع: الأول: شفاء القلوب من أمراض الشبهات، وأمراض الشك والريب والنفاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. الثاني: شفاء القلوب من أمراض الشهوات الحيوانية التي تمنع من الاستجابة لامتثال الأوامر الإلهية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. والقرآن يبين للناس أن الدنيا دار تكميل الإيمان والأعمال الصالحة، مع الأخذ من الطيبات بقدر الحاجة وتكميل الشهوات يوم القيامة في الجنة: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ

стр. 4100

الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦]. الثالث: شفاء الصدور من الهم والحزن والضيق والقلق والخوف والرعب والوساوس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال الله : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤].

стр. 4101

الرابع: شفاء الأبدان من الأسقام والعلل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وكل إنسان يسعى لشفاء قلبه وبدنه، ولا يوجد ذلك إلا في القرآن الكريم، الذي بين الله الهدي من الضلالة والحق من الباطل، وبين فيه الحلال من الحرام والطيبات من الخبائث، والشفاء في هذا وهذا فقط. وإذا استحضر قارئ القرآن هذا الأمر حصل له الشفاءان العلمي القلبي والمادي البدني بإذن الله ، فهو الشافي الذي بيده الشفا وعنده خزائن الشفاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وقال الله : ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠]. وقال الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. • والاستشفاء بالقرآن يكون بأمرين: الأول: قراءة القرآن آناء الليل والنهار خاصة القيام به في جوف الليل الأخر وقت نزول الإله إلى السماء الدنيا، ولأن النفوس بعد القيام من النوم تكون صافية حاضرة فيحصل لها فهمٌ عميقٌ للقرآن وحسن التدبر لآياته وفقه لأخباره وأحكامه؛ ليمتلئ القلب بنور الإيمان ويطمئن بذكر الله ويرى ربه ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فيسلم قلبه وجوارحه وأوقاته لربه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١ - ٦]. وقال الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].

стр. 4102

والمقصود من قراءة القرآن وسماعه توصيل القرآن إلى القلوب لتهتدي به وتستشفي به من جميع الأمراض البدنية والقلبية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]. وقال الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. الثاني: الرقية بالقرآن، فالقرآن العظيم شفاءٌ من كل داء بدني أو نفسي لما فيه من ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وتمجيد الملائكة الكرام المقربين وتحقير المردة والشياطين، والريق الناتج من تلاوة آيات القرآن الكريم له أثر عظيم في القوة والنشاط والطمأنينة والراحة والعافية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. فالمسلم يرقي نفسه، أو يرقيه غيره بالسور والآيات القرآنية والأدعية والأذكار القرآنية فيحصل الشفاء بيد الله، فمن قرأ القرآن أو سمعه بنية حصول الشفا والعافية وتقين على ذلك وتوكل على من بيده خزائن كل شيء، شفاه الله من علله وأسقامه البدنية والقلبية ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. اللهم رب الناس أذهب الباس أنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك، شفاءً لا يغادر سقمًا: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠]. والاستشفاء بالقرآن ميسر لكل أحد آمن بالله، وصدق بما في كتابه العظيم ولزم تدبره وتلاوة فأرقي نفسه بنفسه بكتاب ربه، وهذا يغنيه إذا نزل به

стр. 4103

مرض أو ضيق عن أن يجوب الآفاق ويطوف في البلاد ليبحث عن القراء والمعالجين، والأمر أيسر من ذلك ولله الحمد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧] فالله سبحانه حين يبتلي عباده بالمصائب والأمراض فإنما يريد منهم أن يتضرعوا إليه ويتذللوا بين يديه، ولا يذلوا نفسهم لأحد سواه، فما ابتلى سبحانه إلا ليعافي وما منع إلا ليعطي، وما قبض إلا ليبسط. وقد شرع لنا الدعاء والتوبة والاستغفار ليزول عنا البلاء ويحصل الشفاء، والقيام الطويل بالقرآن هو من أهم صور التذلل لله سبحانه والتضرع بين يديه، كما يحصل في قرآن الفجر وصلاة الكسوف، القيام بالقرآن قراءة وتدبرًا من أقوى أسباب العافية والشفاء: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦]. وقال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. استحضار أهداف قراءة القرآن الكريم: قراءة القرآن بقصد مناجاة الله السميع البصير، فالله يحب كلامه ويحب من ناجاه ويحب من وقف بين يديه تاليًا لكتابه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقال تعالى: وقال تعالى: وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]. ومن أراد الانتفاع بالقرآن فليجمع قلبه عند تلاوته أو سماعه ويلقي سمعه ليفهم خطاب ربه، ويحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 4104

وتذكر يا قارئ القرآن أنه يجتمع لك في المناجاة بالقرآن خمس معانٍ عظيمة وهي: ١ - أن الله يحبك حين تقرأ القرآن ٢ - وأنه يسمعك إذا قرأته ٣ - وأنه يراك حين تقرأ ٤ - وأنه يمدحك ويثني عليك في الملأ الأعلى ٥ - وأنه سيعطيك ما تسأل كما قال النبي ﷺ «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَجْهَرُ بِالقُرْآنِ» متفقٌ عَلَيْهِ (١). ومعنى أذن أي استمع، فعلينا حين نقوم بالقرآن نتلوه بين يدي الله في الصلاة وخارجها أن نستحضر هذه المعاني العظيمة، ونستحضر عظمة من تكلم به، وعظمة من أنزله ويسر لنا تلاوته، ومن رزقه الله هذا الفهم شعر بلذة قراءة القرآن، ولم يشبع من قراءته وتكراره وحلاوة ألفاظه ومعانيه، خاصةً إذا أيقن أن الله يراه ويستمع لقراءته ويمدحه ويثني عليه بحسن ترتيله وخشوع قلبه ويباهي به ملائكته المقربين؛ لأنه قائم يناجي ربه بكلامه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٦]. وبهذه المناجاة يرى العبد أن ربه يخاطبه مباشرة، وأنه يستمع له فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح ربه، وإذا مر بآية فيها سؤال سأل، وإذا مر بآية فيها وعيد

стр. 4105

استعاذ بالله، وإذا مر بآية فيها أمر أجاب، وإذا مر بآية فيها نهي اجتنب، وهكذا تكون المناجاة بالقرآن بقراءة حية يعي فيها القارئ لمن يقرأ، وماذا يقرأ، ولماذا يقرأ، ومن يخاطب بقراءته، وماذا يحتاج منه وما يجب له نحوه من التعظيم والتكبير والحمد والشكر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣]. وقال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. وأما قراءة القرآن بقصد الحصول على الثواب العظيم، فالقرآن متعبد بتلاوته، ومتعبد بتدبره، ومتعبد بالعمل به فقراءة الحرف الواحد بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وترتب الأجور العظيم على قراءة القرآن للترغيب في قراءته وتدبره، ثم العمل به وإبلاغه للناس: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال الله : ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». رواه الترمذي بسند صحيح (١). قال ﷺ : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ويُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ لَهُ أَجْرَانِ». متفق عليه (٢).

стр. 4106

وقال ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (١). وقال ﷺ : «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ». أخرجه مسلم (٢) وقال ﷺ : «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ». أخرجه الترمذي بسند صحيح (٣). وقال النبي ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ». متفق عليه (٤). وقال ﷺ : «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أخرجه مسلم (٥). فهنيئًا لمن تلا كتاب ربه بالنفع عظيم والعلم الكبير والأجر الكريم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وإذا امتلأ القلب بحب القرآن والعلم بما فيه، والعمل به وحسن مناجاة الله به، وطلب الثواب بتدبره وقراءته بكى القلب حبًا لله وتعظيمًا له وحمدًا لله وأكثر اللسان من ذكره وحمده وشكره والتوبة إليه واستغفاره، وإذا خلا

стр. 4107

القلب من المعاصي بكت العين إجلالًا وتعظيمًا وحبًا للملك الكريم الوهاب: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩] وقال الله : ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. المفتاح الثالث: أن يقرأ المسلم القرآن حفظًا من قلبه، فالقلب العامر بحفظ القرآن لا يقربه شيطان، كما قال سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت: ٤٩]. فالقلوب أوعية الإيمان والقرآن، وكما أن البيت الخرب مأوى الشياطين، فكذلك القلب الفارغ من القرآن مأوى الشياطين: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦]. وعن ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ». أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح (١). والمؤمن الحافظ لكتاب الله أو الحافظ لبعضه جنته وبستانه في صدره، أنى ذهب فهي معه يأخذ منه ما شاء متى شاء، ويزداد بها ثباتًا ويقينًا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وقال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].

стр. 4108

ومثل حافظ القرآن وغير الحافظ كاثنين في سفر، أحداهما زاده التمر، والثاني زاده الدقيق، فالأول يأكل متى يشاء وهو على راحلته، والثاني لابد له من النزول والعجن وإيقاد النار والخبز: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال الله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فحفظ القرآن الكريم أحد مفاتيح التدبر؛ لسهولة استحضاره بشكل سريع ومباشر، وتدبر معانيه في كل وقت، والعلاقة بين الحفظ والتدبر لآيات القرآن أن حفظ القرآن وتكرار قراءته وترديده وهو محفوظ أفضل من تكرار قراءة نظرًا؛ لأن التفكر في المحفوظ مستمر. أما غير المحفوظ فيقف التفكر فيه عند إغلاق المصحف، وحفظ القرآن الكريم وسيلة لا غاية، وسيلة لحفظ المعاني والانتفاع بها، والمقصود الأعظم من حفظ القرآن تدبر معانيه وحفظ ما تضمنه من العلوم والأخبار والأحكام، وأعظمها العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم العلم بدينه وشرعه والعلم باليوم الآخر، ثم التعبد لله بمقتضى ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وحفظ القرآن وتكرار قراءته أعظم وسيلة للثبات أمام الأزمات: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان: ٣٢].

стр. 4109

٢ - الخزانة الثانية • مفاتيح تدبر القرآن: المفتاح الرابع: الجهر بالقرآن والتغني بالقراءة. الجهر بالقراءة وتزيين الصوت بالقراءة أعون على الفهم والتدبر والانتباه وحضور القلب، والتغني وتزيين الصوت بالقراءة هو السنة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»، وَزَادَ غَيْرُهُ: «يَجْهَرُ بِهِ». رواه وأخرجه البخاري (١). عن أَبِي هُرَيْرَةَ أنه سمع النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَجهر بِالْقُرْآنِ». متفق عليه (٢). وعن أم هاني ﵂ قالت: «كُنْتُ أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي». أخرجه النسائي وابن ماجه بسند حسن (٣). • والجهر بالقراءة درجات: أدناها أن يسمع المرء نفسه وأعلاها أن يسمع من قرب منه وكلما كان الصوت مشدودًا حيًا كان أعمل على التدبر والفهم وطرد الوساوس والأفكار التي تصرف القلب عن التدبر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].

стр. 4110

وقال الله : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]. • والجهر بالقرآن له فوائد وثمراته: ١ - منها أنه يساعد على حضور القلب وتدبر المعاني وفهم الخطاب. ٢ - ومنها استماع الملائكة الموكلة بسماع الذكر وهروب الشياطين، وفرارهم من القارئ والمكان الذي يقرأ فيه القرآن. ٣ - ومنها أن الجهر بقراءة القرآن فيه تطهير للبيت و تعطيرٌ له بالذكر وحصول الخير والبركة فيه؛ لأن الملائكة فيه والشياطين خرجت منه، والنور يملأ أرجائه. أما كيفية التغني بقراءة القرآن فيكون بتشغيل جميع الجوارح الصوتية من اللسان والشفتين والحلق بالقراءة، وكلما كانت القراءة بتغن وحسن صوت كانت أقوى تأثيرًا، وأقوى توصيلاً لمعاني إلى القلب، وأعظم أثرًا في خشوع القلب ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣]. والتغني المطلوب شرعًا هو المرتبط بخشوع القلب وتدبر المعاني وفهم الآيات وحسن الصوت بالقرآن، أجمل صوت سمعه البشر وحسن الصوت له ارتباط قوي بخشوع القلب، فقوة التغني بالقراءة تؤدي إلى خشوع القلب، وخشوع القلب يؤدي إلى قوة التغني بقراءة القرآن، أما التغني المذموم فهو المنفك عن التدبر والتأمل والخشوع: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩]

стр. 4111

وقال : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]. المفتاح الخامس: ترتيل القرآن الكريم. ترتيل القرآن الكريم هو قراءة بترسل وتمهل مع تجويد اللفظ وحسن الصوت، كما قال سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤]. وقراءة القرآن على تمهل وتأني عون على فهم القرآن وتدبره. عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا». أخرجه مسلم (١). عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ. قَالَ: وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 4112

وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: «كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ١ - ٧]» أخرجه أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح (١). فترتيل القرآن والترسل في قراءته وحسن الصوت به والتغني به، زين القرآن وعونٍ على فهم آياته وأحكامه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤]. ومن رتل القرآن وتدبره، كمل انتفاعه بالقرآن وحقق المقاصد المطلوبة من قراءة القرآن، واتبع هدي النبي ﷺ وأصحابه في القراءة والترتيل والتدبر، ورابط الترتيل أن يتمكن القارئ من التدبر والتفكر والتأمل حين القراءة، وهذا يتطلب التمهل والترسل، بل يتطلب أحيانا التوقف، وذلك يتفاوت من قارئ إلى آخر: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. المفتاح السادس: التوقف والتكرار. التوقف حين قراءة القرآن أو تكرار الآية يزيد في فهم معنى الآيات، وعمق فهمها والتوقف والتكرار للآيات يحصل تعظيمًا لمن تكلم به سبحانه وإعجابًا بقوة معاني القرآن وحسن ألفاظه وحسن أحكامه وأخباره والتكرار لآيات القرآن إنما هو نتيجة وثمرة للفهم والتدبر ووسيلة للفهم التدبر إذا لم توجد.

стр. 4113

عن أبي زر ﵁: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا» ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].». أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني في سنن النسائي (١). وفي كل تكرار وفي كل تدبر فهم جديد وعلم جديد وتعبد جديد: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩] وقال الله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. المفتاح السابع: القيام بالقرآن الكريم في الصلاة فتلاوة القرآن في الصلاة وتدبره ينتج عنه حياة القلب وقوته وعافيته وطمأنينته وسكونه.

стр. 4114

فالإكثار من تلاوة القرآن في الصلاة من أهم مفاتيح تدبر القرآن وأعظمها شأنًا خاصة في الليل فالتهجد والقيام بالقرآن في الصلاة ليلًا طريق للوصول إلى المقامات العالية في الدنيا والآخر: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. والقيام بالقرآن هو السبيل لتحمل الأحمال الثقيلة التي تواجه الإنسان في الحياة سواء كانت دينية أو دنيوية: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١ - ٦]. ولهذا من آمن بالله آمن بكتابه ورجع إليه في حل مشاكله، ولما كان العلماء أعرف الناس بذلك قاموا به بين يدي ربهم ركعًا سجدًا فرفع درجاتهم وأعلى مكانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وأكثر الناس علمًا أكملهم إيمانًا وأصدقهم عبادة: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال الله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 4115

• والمنافسة والمسابقة مشروعة في أمرين: ١ - القيام بالقرآن تلاوة وتصديقًا وتطبيقًا. ٢ - وإنفاق المال في سبيل الله وهذان هما الطريق الأفضل لكل الفضائل ومنهما تتفرع الخيرات والبركات والسعادات في الدنيا والآخرة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ». متفق عليه (١). فمن تعلم القرآن وعلمه وعمل به كمثل جراب محشوة مسكًا يفوح ريحه من كل مكان ومن تعلم القرآن ولم يقم به ولم يعمل به بل ركض عنه، كمثل من اشترى طيبًا وتركه مقفلًا في قارورته فلم ينتفع به ولم نفع غيره به. الطريق إلى حفظ القرآن وتثبيت آياته في القلب وتذكر معانيه والتأثر بما فيه من المواعظ والأخبار والقيام بالقرآن، وعدم القيام به سبب لنسيانه والحرمان من نوره وبركات. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 4116

وحفظ معاني القرآن ورسوخها في القلب وكونها حاضرة في الذهن في كل وقت هذا المقصود من إنزال القرآن والقيام بالقرآن: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. فكل من قام بالقرآن يتلوه ويكرره في صلاته آناء الليل وآناء النهار ويتدبر معاني آياته تجده أنور الناس وجهًا وأحسنهم أدبًا وتجد إجاباته إذا سُئِل حاضرة وسريعة وقوية لأنه يجيب من كلام ربه الذي حفظه من كثرة تلاوته وتدبره. وتجده كذلك وقافًا عند حدود الله مسارعًا إلى امتثال أوامر الله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥]. ومن تربى على هذا المفتاح من صغره صار هذا المفتاح بيده في كل أوقاته وسهل عليه الانتفاع بكتاب ربه وصار أسعد الناس: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. فكثرة الصلاة وتكرار القرآن فيها وتدبر معاني الآيات تحصل بها الحياة للقلب والبدن ومواجهة الصعاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. فالقرآن مع الصلاة هما سبيل النجاة وفيهما المفزع إلى الله لدفع الضر وجلب النفع وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].

стр. 4117

وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩]. وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. والقيام بالقرآن وتدبره أساس السعادات وأساس الأمن والهداية والطمأنينة: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٣]. فهنيئًا لمن وفقه الله بحفظ كتابه والقيام به وتدبر معانيه وتصديق أخباره وتطبيق أحكامه والتأدب بآدابه فهذا هو المقصود من إنزاله والقيام به: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. ولكن قد يوجد من يقوم بالتهجد ليلًا ويقوم في النهار بالغش والكذب والخداع والنفاق ويجزع ويتسخط ويحسد ويأكل الربا ويأكل حقوق الناس ويمشي بالغيبة والنميمة ويأكل الربا ويغشى المحرمات فهذا قيامه قيام ليل أجوف فهو يركع ويسجد بقالبه لا بقلبه وقيامه مجرد حركات لا يعقل منها شيئًا وقصده تكثير الركعات والتسليمات وليس القيام بالقرآن الذي هو أصل العلم والإيمان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].

стр. 4118

وبعض حفاظ القرآن جعلوا صلاتهم بالليل وسيلة لمراجعة حفظه دون أن يحضر معه قلبه ودون أن يعي من يقف بين يديه في صلاته ودون أن يعي عظيم قدر الصلاة وتطبيق أحكامها قلبًا وقالبًا ظاهرًا وباطنًا وكذلك من همه ختم القرآن كما في رمضان فليس هذا ولا ذاك من القائمين بالقرآن كما أمر الله به وكما فعله رسوله ﷺ : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقال الله : ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩] وإذا قام العبد يتلوا كتاب ربه في صلاته فإنه يناجي ربه ويزداد قربًا منه فليعبد ربه كأنه يراه وليتأدب بين يديه ويسلم له قلبه وجوارحه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ». أخرجه البخاري (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ، فَلا يَبْزُقَنَّ أَمَامَهُ، فَإِنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ رَبَّهُ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 4119

والمسلم في صلاته يتوجه بقلبه إلى ربه ويتوجه ببدنه إلى معظم بأمر الله وهو الكعبة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «والإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». متفق عليه (١). والمقصود من الصلاة القيام بين يدي الله تمجيدًا وتكبيرًا له وحمدًا وشكرًا له وسؤاله واستغفاره وتقديم التحيات المباركات للذي خلقنا وهدانا وأطعمنا وسقانا وبعض المسلمين يقوموا إلى الصلوات المفروضة ويصليها على أنها واجب يؤديه وبعضهم يستكثر من النوافل طمعًا في زيادة الثواب والأجر أو تكفير السيئات ومحو الذنوب أو رفعة الدرجات. وهذه بعض مقاصد الصلاة وروح الصلاة شيء آخر وأم المؤمنين عائشة ﵂ وهي ما زالت جارية حديثة السن في عهد الرسول ﷺ كانت تنظر إلى الصلاة بهذا الفهم ولهذا تعجبت من كثرة وطول صلاة النبي ﷺ فكانت تظن أن من غفرت ذنوبه لا يحتاج إلى كثرة الاجتهاد في الصلاة فبماذا أجابها زوجها العالم بربه وما يجب له من التحميد والتكبير والحمد والشكر والثناء على نعمه التي لا تعد ولا تحصى؟. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا». متفق عليه (٢).

стр. 4120

ولهذا شرع الله لنا أنواع الصلوات المفروضة والسنن المؤكدة والمستحبة لما فيها من عظيم المنافع: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. المفتاح الثامن: أن تكون قراءة القرآن الكريم في الليل فأفضل الأوقات للتفكر والتدبر للقرآن هو الليل خاصة وقت السحر، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١ - ٦]. وسبب بركة هذا الوقت أن الإنسان إذا قام للتهجد في الليل يكون بدنه مستريحًا وذهنه صافيًا مستعدًا لفهم المعاني، وفقه الأسرار: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. ووقت السحر مبارك؛ لأنه وقت نزول الإله إلى السماء الدنيا حبًا لعباده ليعطيهم ما سألوه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». متفق عليه (١).

стр. 4121

فلا يثبت القرآن في الصدر ولا يسهل حفظه ولا يتيسر فهمه إلا القيام به في الليل، فأي أمر تريد تثبيته في الذاكرة وحفظه فليكن في هذا الوقت: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ٦]. وقيام الليل سنة الأنبياء والمرسلين، ودأب الأتقياء والصالحين، وبه يجتمع لهم خير الدنيا والآخرة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقال الله : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣] إن قراءة القرآن في صلاة الليل في التهجد يحصل معها الصفاء والهدوء حسن الفهم وقوة التدبر، حيث لا أصوات تشغل الأذن ولا صور تشغل العين فيحصل للقارئ والمصلي صفاء التركيز الذي يؤدي إلى وصول معاني القرآن في القلب. ولهذا كانت مدارسة جبريل للنبي ﷺ للقرآن في كل ليلة من رمضان؛ لأن الليل فيه السكون والهدوء، أما النهار فهو مظنة الشواغل والملهيات والحاجات والأصوات فلا يصفوا الذهن لتدبر القرآن وفهم معانيه التي هي المقصودة من القيام به. ولهذا كانت صلاة الليل والوتر من السنن المؤكدة، لما في ذلك الوقت من الهدوء والنزول الإلهي، وفتح أبواب السماء والبعد عن الرياء وفراغ الذهن من الشواغل، وكان النبي ﷺ يقوم الليل بثلاثة عشر ركعة أو إحدى عشرة ركعة، وهي الأكثر من فعله ﷺ .

стр. 4122

وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». أخرجه مسلم (١). لهذا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن ينتفع بهذا المفتاح العظيم، وأن يقوم بتلاوة وتدبر كتاب ربه في هذا الوقت، وما حرم أحد من القيام في هذا الوقت إلا بذنب أحدثه، فليتب العبد إلى ربه ويكثر الاستغفار في كل وقت: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. والإسراء بالنبي ﷺ كان ليلًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. والقراءة للقرآن في الليل أنفع للقلب، كما أن السقي للبنات في النهار أنفع للنمو والثمرة.

стр. 4123

٣ - الخزانة الثالثة • مفاتيح تدبر القرآن: المفتاح التاسع: التحزيب للقرآن الكريم. قراءة القرآن غذاء ودواءٌ للقلوب كالغذاء والعلاج للأبدان، فلابد أن تكون بقدر معين لا نزيد عليه ولا ننقص منه حتى يحدث الأثر في القلب من تعظيم الله ومحبته وحمده وشكره وامتثال أمره واجتناب نهيه، والله سبحانه أنزل القرآن لنعمل به ووسيلة العمل به العلم به وذلك يحصل بتكرار قراءته وتدبر معانيه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. وكلما تقاربت أوقات القراءة وكثرت تكرار القراءة، كان ذلك أقوى لحفظ القرآن في القلب وفهم معانيه وأسراره، فما تكرر تقرر، ولهذا عظمت أجور قارئ القرآن وشرعت أنواع الصلوات من أجل ذلك، والمدة التي أقرها النبي ﷺ لأمته بقراءة القرآن لمن رغب في الخير والعلم هي سبعة أيام إلى شهر، ونهى عن قراءته في أقل من ثلاث. لهذا ورد عن أصحاب النبي ﷺ أقوالٌ وأفعالٌ تؤكد على أهمية تحزيب القرآن، وأن يكون له أوقات معلومة ليسهل حفظه وتدبره وفهم معانيه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].

стр. 4124

ولا يمكن للمسلم من إتباع ما جاء في كتاب الله إلا بالمداومة على قراءته بوقت معين بقدر معين: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥]. وحياة القرن الأول أفضل حياة بسبب ملازمة تلاوة كتاب الله وتدبر معانيه والعمل بأحكامه، وما يوجد في حياتنا اليوم من نقص الإيمان والأعمال واضطراب الأحوال إنما هو بسبب هجر القرآن تدبرًا وعملًا وتخلقًا، وقال الرسول: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠]. إن أول مرحلة وأول خطوة في ميدان طلب العلم هي القيام بقراءة القرآن حفظًا وتدبرًا وتلاوةً في كل سبعة أيام وأي استعجال في هذا الأمر حصدٌ للنتائج قبل نضجها وإتيانٌ للبيوت من ظهورها: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤]. وقال الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. فحافظ أخي المسلم على قراءة حزبك من القرآن، فإنه من أعظم العبادات إن تدبرت آياته وفهمت معانيه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢] ومن اشتغل بفروع العلم الشرعي بجل أوقاته وقصر في القيام بالقرآن وتدبره، فقد هجر أعظم مصادر الإيمان والعلم والفقه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وقال الله : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].

стр. 4125

وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ». أخرجه مسلم (١). عن أوس بن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَلَيْنَا اللَّيْلَةَ قَالَ إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآنِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أُتِمَّهُ، قَالَ أَوْسٌ بن حذيفة فَسَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ قَالُوا ثَلَاثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ». أخرجه أحمد ورواه ابن داود بسند صحيح (٢). والختم في سبع هو فعل أكثر السلف وهو أوسط الأمور وأحسنها وهو فعل أكثر الصحابة، والتحزيب قراءة القرآن كل أسبوع من أجل أن يتقارب وقت القراءة التي هي سببٌ لقوة الحفظ وفهم معانيه هي الأحسن كلما تقاربت أوقات القراءة كل ما قوي الحفظ والضبط. وكان أكثر السلف يختمون كل سبعة أيام وأحيانًا كل ثلاثة أيام لعلمهم أن أكثر من هذه المدة يؤدي إلى نسيان الألفاظ والمعاني، ومن ثم ينقص الإيمان والعمل الصالح ويذهب الأنس بالله وتحصل وحشة لفراق القرآن وحفظ الألفاظ، قد يكفيه شهر أو أقل لكن فهم المعاني لابد له من التقارب ليحصل الفهم والتأثر، والناس يختلفون في التحزيب حسب قوة الإيمان والأبدان والأفهام لكن فعل الصحابة والسلف أحسن منفعة، كما قال

стр. 4126

السلف «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». متفق عليه (١). والأولى والأحسن هو السنة في تحزيب القرآن وتقسيمه على السور بأن تقرأ السورة في الليلة الواحدة كاملة وهذا هو السنة وعليه عمل الصحابة والتابعين أن يكون التقسيم موافقًا أو متوافقًا مع نهايات السور. وعلينا أن ننوي القيام بالقرآن كاملًا في كل أسبوع حفظًا، وفي ليل مع الجهر والترتيل والترسل والتدبر ليكتب الله لنا أجر النية، ثم نبدأ الحفظ والتدبر بالتدريج والأسهل والأيسر أن نبدأ بجزء عم ونقسمه إلى سبعة أقسام كل ليلة نقرأ بجزء، أو تكون البداية بالمفصل نحزبه سبعة أحزاب لكل يوم من أيام الأسبوع حزب كما سبق، ثم نزيد على هذا المقدار بالتدريج بنفس الطريقة والمقدار بحيث نختم المقدار الجديد كل أسبوع حتى يثبت ويرسخ في الذهن. • وكم نعطي من الوقت لقراءة القرآن وتدبره كل يوم؟. نعطيه ما يستحقه من الوقت كما ورد في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١ - ٦]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١ - ٢]. أي كثيرًا. وما هو حد الكثير؟ قال الله : ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٣ - ٤].

стр. 4127

والليل غالبًا اثنتا عشر عشرة ساعة نصفه ست ساعات وثلثه أربع ساعات. وأما خطوات تحزيب وتدبر القرآن فتكون بتحديد مقدار الوقت اليومي وتحديد ما يمكن قراءته مع التدبر من السور أو الأوجه حفظًا أو قراءة في الصلاة أو غيرها مع القراءة والترتيل وتحديد الختمة كل أسبوع أو أسبوعين أو شهر حسب الرغبة والقدرة وفسحة الوقت، وبذلك يهون على الإنسان ما كان صعب ويتيسر ما كان عسيرًا ويمتلئ القلب بالقرآن وتدبر معانيه وفقه أحكامه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧] وقال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] المفتاح العاشر: الربط والذكر والربط والذكر معناه أن يربط القاري أثناء قراءته وتدبره بين اللفظ والمعني، وبين ما يجد في كتاب ربه، وبين ما يعيش في حياته من مختلف الأحوال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]. والربط أو التذكر أو التداعي الهاماتُ وفتوحاتُ يفتحها الله تعالى على من يشاء من عباده، ويحصل عفوًا وأحيانًا يكون قصدًا، بأن يربط القاري المعنى باللفظ ثم التكرار حتى يرسخ في الذهن، ويثبت اللفظ مع المعنى في القلب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].

стр. 4128

والربط ينقسم إلى قسمين: الأول: ربط المعنى باللفظ، بأن يحفظ الآية ومعناها. الثاني: ربط العلم بالعمل، بأن يفهم معنى الآيات ويطبق ما فهمه منها على واقع حياته، بحيث يبقى القرآن حيًا في القلب تؤخذ منه الأحكام والتوجيهات والآداب في كل صغيرة وكبيرة: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وقال الله : ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]. • والتكرار الذي يتحقق به الربط، ويحصل به النفع، نوعان: ١ - التكرار اليومي. ٢ - والتكرار الأسبوعي. وفي كل تكرار يحصل فهمٌ جديد وعلمٌ جديد وإيمانٌ جديد وتطبيقٌ جديد وعملٌ جديد، والناس يختلفون في الحفظ وفهم المعاني وحسن التدبر، كالأرض تختلف في الإنبات إذا نزل عليها ماء السماء: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. هذه هي أهم مفاتيح تدبر القرآن لمن أراد أن ينتفع بهدي القرآن الكريم، ويسعد بنور القرآن، ويخشع لربه عند تلاوة كتابه أو سماعه. وهذه المفاتيح هي حب القرآن الكريم واستحضار الأهداف من قراءة القرآن، وقراءة القرآن حفظًا من قلبه، والجهر بالقرآن والتغني بالقراءة،

стр. 4129

وترتيل القرآن الكريم والتوقف والتكرار أثناء القراءة، والقيام بالقرآن في الصلاة، وأن تكون القراءة في صلاة الليل، وأن يحزب القرآن ويقسمه ليسهل حفظه وفهمه وتدبره، والربط بين ألفاظ القرآن ومعانيه، وبين العلم والعمل به في كل حال. فمن فتح القرآن العظيم بهذه المفاتيح العشرة، فتح الله له أبواب الفهم والعلم والتدبر، ووجد طعم الإيمان وحلاوة القرآن، وحسن التعبد لربه بقلبه وقالبه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ومن استعمل هذه المفاتيح العشرة كان كمن استعمل منظار التقريب وتكبير الصور والأشياء، فرأى الحق حقًا ثم اتبعه، ورأى الباطل باطلًا ثم اجتنبه، ووصل من المخلوق إلى الخالق، وتجاوز الصور إلى المصور، وتجاوز الدنيا إلى الآخرة. ومن أراد أن يتدبر القرآن ويتأثر به وينتفع به، فعليه أن يهيئ الأسباب التي تعينه على فهمه وتدبره، ولا يقتصر فقط على حسن نطق الألفاظ وما يحصل له من أجور القراءة من حسنات.

стр. 4130

٤ - الخزانة الرابعة إن من حافظ على قراءة القرآن وواظب على ذلك كما تم بيانه، فإنه بإذن الله سوف يحيي قلبه وتقوى ذاكرته ويزيد إيمانه وعلمه وعمله وتحسن أخلاقه ويرى نور القرآن في قلبه وعلى لسانه وجوارحه، ويصبح من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. وأعظم هدية يقدمها والد إلى ولده، مدرسُ إلى طلابه، وأعظم إحسانٍ من إنسانٍ إلى أخيه، أن يربيه على مفاتيح تدبر القرآن خاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن، وانتشر فيه الفساد والقلق والملل والانحراف والشهوات: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقال الله : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وقال الله : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣]. وبإذن الله سوف تنبت الأرض، وتورق الأشجار، وتنضج الثمار: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. والقرآن العظيم هدى ورحمة، وذكرى وموعظة، وبيانُ وشفاءُ للقلوب والأبدان: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].

стр. 4131

وقال الله : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال الله : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقال الله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وأولادنا وبناتنا أماناتٌ في أيدينا، فعلينا أن نرغبهم بقراءة القرآن، وتدبره وحفظه بأن نكون قدوة لهم في حسن تدبره والإكثار من تلاوته: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وإذا وصلت إلى تدبر القرآن الكريم، وتدبر السنة النبوية فهذا نورُ على نور، يجمع بين العلم والعمل، ويصلح به الظاهر والباطن، ويكون به جمال الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 4132

• لماذا نتدبر القرآن؟. القرآن العظيم كتاب كريم فيه تبيان كل شيء، وبه أخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد ومن الجهل إلى العلم ومن الضلالة إلى الهداية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. لهذا يجب على كل مسلم ومسلمة تدبر القرآن لما فيه من المصالح العظيمة والمنافع الجمة والأجور العظيمة. فأولًا: نتدبر القرآن الكريم لنعرف الرب المعبود بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأفعاله الجميلة، ونعرف عظمة خزائنه ونعرف عظمة ملكه وسلطانه ونعرف عظمة أمره وشرعه ونعرف عظمة وعده ووعيده وعظمة ثوابه وعقابه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 4133

وقال الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وبذلك نعبد الله حق عبادته إذا عرفناه بأسمائه وصفاته. ثانيًا: نتدبر القرآن لنعرف أصل هذا الإنسان، ونعرف الكرامات التي أكرمه الله بها، ونعرف الخصائص التي خصه الله بها، ونعرف الدين الحق الذي يجب أن يعمل به ليسعد في دنياه وأخراه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. نتدبر القرآن لنعرف ماذا يريد الله من هذا الإنسان؟ وماذا يعطيه ربه إذا آمن به؟ وماذا يريد هو من ربه؟ وما هي الأعمال والصفات التي يرضى الله بها عنه؟ وما هي الأعمال والصفات التي يسخط الله بها عليه؟.: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣]. وقال الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وقال الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. ثالثًا: ونتدبر القرآن لنعرف الحق من الباطل ونعرف التوحيد من الشرك، ونعرف الخير من الشر، ونعرف الفضائل من الرذائل، ونعرف أولياء الله من

стр. 4134

أولياء الشيطان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩]. رابعًا: نتدبر القرآن الكريم لنعرف ما هي الواجبات الكبرى التي يجب على كل مسلم ومسلمة القيام بها لنصرة الدين وأركانه وإبلاغ دينه وتعليم شرعه والإحسان إلى خلقه، ونعرف فضائل هذه الأعمال ليسهل علينا القيام بها، ونعرف الأجور العظيمة لمن قام بها، ونعرف الخسائر والعقوبات لمن تركها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] وقال الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال الله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].

стр. 4135

فتوعد الله لمن كتم هذا العلم العظيم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. خامسًا: نتدبر القرآن العظيم ليزيد إيماننا ويقوى توحيدنا وتحسن أقوالنا وأعمالنا وأخلاقنا، وذلك بالنظر والتفكر والتدبر للآيات الكونية والآيات الشرعية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وقال الله : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقال الله : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. ونتدبر القرآن لنعرف حياة الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله.
следующие страницы →