← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وقال الله : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال الله : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقال الله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وأولادنا وبناتنا أماناتٌ في أيدينا، فعلينا أن نرغبهم بقراءة القرآن، وتدبره وحفظه بأن نكون قدوة لهم في حسن تدبره والإكثار من تلاوته: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وإذا وصلت إلى تدبر القرآن الكريم، وتدبر السنة النبوية فهذا نورُ على نور، يجمع بين العلم والعمل، ويصلح به الظاهر والباطن، ويكون به جمال الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 4132

• لماذا نتدبر القرآن؟. القرآن العظيم كتاب كريم فيه تبيان كل شيء، وبه أخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد ومن الجهل إلى العلم ومن الضلالة إلى الهداية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. لهذا يجب على كل مسلم ومسلمة تدبر القرآن لما فيه من المصالح العظيمة والمنافع الجمة والأجور العظيمة. فأولًا: نتدبر القرآن الكريم لنعرف الرب المعبود بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأفعاله الجميلة، ونعرف عظمة خزائنه ونعرف عظمة ملكه وسلطانه ونعرف عظمة أمره وشرعه ونعرف عظمة وعده ووعيده وعظمة ثوابه وعقابه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 4133

وقال الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وبذلك نعبد الله حق عبادته إذا عرفناه بأسمائه وصفاته. ثانيًا: نتدبر القرآن لنعرف أصل هذا الإنسان، ونعرف الكرامات التي أكرمه الله بها، ونعرف الخصائص التي خصه الله بها، ونعرف الدين الحق الذي يجب أن يعمل به ليسعد في دنياه وأخراه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. نتدبر القرآن لنعرف ماذا يريد الله من هذا الإنسان؟ وماذا يعطيه ربه إذا آمن به؟ وماذا يريد هو من ربه؟ وما هي الأعمال والصفات التي يرضى الله بها عنه؟ وما هي الأعمال والصفات التي يسخط الله بها عليه؟.: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣]. وقال الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وقال الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. ثالثًا: ونتدبر القرآن لنعرف الحق من الباطل ونعرف التوحيد من الشرك، ونعرف الخير من الشر، ونعرف الفضائل من الرذائل، ونعرف أولياء الله من

стр. 4134

أولياء الشيطان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩]. رابعًا: نتدبر القرآن الكريم لنعرف ما هي الواجبات الكبرى التي يجب على كل مسلم ومسلمة القيام بها لنصرة الدين وأركانه وإبلاغ دينه وتعليم شرعه والإحسان إلى خلقه، ونعرف فضائل هذه الأعمال ليسهل علينا القيام بها، ونعرف الأجور العظيمة لمن قام بها، ونعرف الخسائر والعقوبات لمن تركها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] وقال الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال الله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].

стр. 4135

فتوعد الله لمن كتم هذا العلم العظيم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. خامسًا: نتدبر القرآن العظيم ليزيد إيماننا ويقوى توحيدنا وتحسن أقوالنا وأعمالنا وأخلاقنا، وذلك بالنظر والتفكر والتدبر للآيات الكونية والآيات الشرعية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وقال الله : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقال الله : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال الله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. ونتدبر القرآن لنعرف حياة الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله.

стр. 4136

سادسًا: ونتدبر القرآن لنعرف حياة الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله هداية إلى عباده إلى الصراط المستقيم، ونعرف طريقة حياتهم وصدق إيمانهم وجميل صفاتهم وإحسانهم إلى الخلق وكمال تقواهم وصبرهم في جميع الأحوال على من كذبهم وسبهم واستهزأ بهم من أقوامهم. وكيف جعل الله العاقبة لهم وذلك لنقتدي بهم في الإيمان والتوحيد وأقوالهم الحسنة وأعمالهم الصالحة وأخلاقهم الكريمة والدعوة إلى الله وتعليم شرع الله والإحسان إلى الخلق: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]. وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١]. وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤]. وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١]. وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم: ٥٦]. وقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧]. سابعًا: نتدبر القرآن لنعرف عدو الإنسان الذي لا يغفل عنه أبدا وهو الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والدنيا التي تشغل العبد عن الدين والهوى الذي يصد عن الهدى، وإذا عرفنا العدو اتقيناه وحاربناه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].

стр. 4137

وقال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١: ٦٠]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقال الله : ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. وقال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. ثامنًا: نتدبر القرآن الحكيم لنعرف قيمة الدنيا التي نحن فيها، ونعرف قيمة الآخرة التي سوف نصير إليها، ونعرف ماذا يجب علينا أن نعمله في هذه الحياة الدنيا؟ وماذا يجب علينا أن نتركه؟ وماذا أعد الله في الدنيا والآخرة من النعيم والأمن والسعادة لمن آمن به؟ وماذا أعد الله في الدنيا والآخرة من العذاب والضنك لمن كفر به وعصاه؟ ليكون ذلك محركًا للقلوب بأنواع العبادات والطاعات وزاجرًا عن المعاصي والسيئات: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقال الله : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ

стр. 4138

عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. فهذه المعارف الكبرى من أعظم أمارات تدبر القرآن والقرآن كله يقرر هذه المسائل العظيمة الكبرى. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم فقه هذه المعارف العظيمة والعمل بموجبها ومن تحصل على ذلك بفضل الله فقد دخل جنة المعرفة في الدنيا الموصلة إلى جنة الآخرة يوم القيامة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 4139

٥ - الخزانة الخامسة • مقاصد الإسلام الكبرى: من مقاصد الإسلام الكبرى هداية الناس إلى الحق فقد أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ومن آمن بذلك وجب عليه أن يهتدي بالقرآن ويحكم أوامره في حياته ويتأدب بآدابه ويصدق أخباره ويمتثل لأوامره: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. فمن آمن بالقرآن وصدق بأخباره وعمل بأحكامه، حصلت الهداية له والبركة في عمره وأعماله، وفي جميع أحواله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. ومن مقاصد القرآن تقرير التوحيد ونفي ضده وهو الشرك، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. والقرآن كله دعوة للتوحيد ونهي عن الشرك، فلابد لكل عبد من إخلاص العمل لله، ولابد له من أدائه على ما جاء به رسول الله ﷺ فلابد من هذين التوحيدين.

стр. 4140

توحيد القصد: وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك. وتوحيد الإتباع: للرسول ﷺ . إذا تحقق التوحيدان صحت الأعمال، وإذا اختل أحدهما فإنه يختل من عمل العبد بقدر ما اختل من توحيده: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فأصل الدين كله عبادة الله وحده لا شريك له الرب العظيم المتفرد بالخلق والأمر المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، المتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، المتفرد بصفات العظمة والمجد وصفات الجلال والجمال، المتفرد بالحكم والأمر القدري والشرعي والجزائي. فمن له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد هو أحق من أخلصت له الأعمال الظاهرة والباطنة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. فكل خير عاجل أو آجل فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل أو آجل فأنه من ثمرات ضده: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. ومن مقاصد الإسلام الكبرى تقرير نبوة محمد ﷺ فقد قرر الله نبوة محمد ﷺ بطرق كثيرة متنوعة يعرف بها كمال صدقه ﷺ : ﴿لَقَدْ

стр. 4141

جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فأخبر سبحانه أن رسوله صدق المرسلين ودعا إلى ما دعوا إليه وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء جمعها الله في محمد ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين وما نزهوا عنه من النواقص والعيوب فمحمد ﷺ أولاهم به. وبين الله أن كتابه وشريعته اجتمع فيها الكمال والحسن الذي في الكتب السابقة وفاق عليها وهيمن عليها بمحاسن لم توجد في غيره وبين الله أن رسوله ﷺ نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا جالس أحدًا من علماء الكتب السابقة وأنه جاء بكتاب عظيم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقص الله : في القرآن قصص الأنبياء قبله، وذكر أخبار خمسة وعشرين نبيًا ورسولًا كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم مما هو مذكور في القرآن، وتارة يقرر نبوة النبي ﷺ بنصره على أعدائه وغلبته في الأرض وذلك من آيات نبوته بما هو عليه من الأخلاق الجميلة التي قامت التي فاقت نعوت جميع الخلق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وتارة يقررها بما هو موجود في كتب الأولين من اسمه وصفاته وتارة يقررها بما أخبر به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وتارة يقررها بحفظه رسوله ﷺ وعصمته من الخلق مع تكالب الأعداء عليه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].

стр. 4142

وتارةً يقرر رسالته ﷺ بذكر أعظم ما جاء به، وهو القرآن العظيم الذي تحدى به الخلق أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة واحدة فعجزوا، وهذا أكبر الأدلة على صحة رسالته: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. وتارة يقرر نبوته بما يظهر على يديه من المعجزات التي تدل على أنه رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وتارة يقرر رسالته ﷺ بعظيم شفقته على الخلق ورأفته ورحمته بالمؤمنين، وأنه لم يوجد ولن يولد أحد أعظم رحمةً ورأفةً وبرًا وإحسانًا إلى الخلق منه، فصلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. • ومن أعظم المقاصد للقرآن الكريم: تقدير المعاد، فالله -ذكر في القرآن الأصول العظيمة وهي: ١ - أمر التوحيد. ٢ - وأمر الرسالة. ٣ - وأمر المعاد. وفصل ذلك أيما تفصيل وبينه أعظ بيان وقد ذكر الله أمر المعاد بطرق متنوعة فبين أن الذي خلق الكون قادر على إعادته: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨١ - ٨٢].

стр. 4143

وبين أن الذي خلق الإنسان قادر على إعادته إذا مات، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقسم على وقوع المعاد في ثلاثة مواضع، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣]. وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. وقوله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [التغابن: ٧ - ٩]. ومنها إحياؤه ﷻ الأرض بعد موتها فالذي أحياها سيحيي الموتى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧] وقرر ذلك بكمال علمه وحكمته وأنه لا يليق به أن يخلق الأرض سدًى مهملين يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥] وكذلك قرر البعث بمجازاة المحسنين ومعاقبة المسيئين من الأمم السابقة وكيف أنجا الله الأنبياء وأهلك المكذبين لهم فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا

стр. 4144

كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وكما أظهر الله قدرته في إحياء الأموات في الدنيا، كما أحيا الله الألوف من بني إسرائيل: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. فالله بين أحوال البعث وكررها في القرآن لقوة وكثرة المنازع والمكابر والمعاند والمنكر، فكل ما قوي الإنكار وكثر المعاند كرر الله إثبات المعاد رادعًا له. وكذا أكثر الله من ذكر اليوم الآخر لأهمية اليوم الآخر لأن من آمن باليوم الآخر آمن وعمل بالطاعات واجتنب المعاصي والسيئات، ومن لم يؤمن به فلم يعمل؛ فلهذين السببين أكثر الله من ذكر البعث في القرآن ليقبل الناس على عبادة الله وحده لا شريك له واجتناب عبادة من سوا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]. ومن مقاصد القرآن الكبرى ترغيب المؤمنين في كل عمل صالح وتحذيرهم من كل عمل سيء، فطريقة القرآن في أمر المؤمنين وخطابهم بالأحكام الشرعية أحسن طريقة فقد أمر الله المؤمنين بالدعوة إلى سبيله بالتي هي أحسن وأكثر ما يدعو الله المؤمنين إلى الخير وينهاهم عن الشر بالوصف الذي منّ به عليهم وهو الإيمان فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].

стр. 4145

وذلك ليحثهم على القيام بلوازم الإيمان ومكملاته وما يقتضيه الإيمان من وجوب امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه والتخلق بكل خلق حسن. فالأول: دعوة لهم ليكمله إيمانهم بشرائع الظاهرة والباطنة. والثاني: دعوة الله إلى شكر النعمة الإيمان بالانقياد التام لأمر الله ونهيه. وتارة يدعو المؤمنين إلى الخير وينهاهم عن الشر بذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وقال : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ ا [الانفطار: ١٣ - ١٤]. وتارةً يدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح بذكر نعمه المتنوعة، وأن النعمة تقتضي منهم شكر من أنعم بها وشكرها هو طاعة من أنعم بها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقال الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. وتارة يدعوهم إلى ذلك بالترغيب والترهيب وبذكر ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، وما أعد للكافرين والعصاة من العقاب، وكما قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 4146

خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨]. وتارةً يدعوهم إلى ذلك بذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما له من الحق العظيم على عباده الذين خلقهم ورزقهم وهداهم، وأن حقه أن يقوموا بعبادته وحده لا شريك له فالعبادة بأنواعها كلها مقصودها تعظيم الله وتكبيره وحبه وتوحيده وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] وتارةً يحثهم على ذلك ويرغبهم في الاقتداء بمن سبقهم من الأنبياء والرسل، ويحذرهم من التشبه بالكفار وأهل الغفلة والفسق لئلا يلحقهم من اللوم والعذاب ما لحق أولئك، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ١٨ - ٢٠]. ومن أعظم مقاصد القرآن أنه يقرر دعوة الكفار إلى الإسلام على اختلافهم بطرقٍ متنوعة، فيدعوهم إلى الإسلام بذكر محاسن الدين، وذكر محاسن النبي ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].

стр. 4147

وقال : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] ويدعوهم تارةً إلى الإسلام بذكر أسماء الله الحسنى وصفاته العلا وأفعاله الحميدة وذكر آلاءه ونعمه الظاهرة والباطنة، ويبين لهم إن الملك الحق الخالق لكل شيء هو الذي يجب على العباد طاعته وعبادته وحده لا شريك له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. وتارة يدعوهم بما يخوفهم به من عقوبات الدنيا وعقوبات الآخرة، ويذكر أخذه الأمم الكافرة بالعذاب المهلك: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. وتارةً يدعوهم إلى الإسلام ببيان ما في الأديان والمذاهب الباطلة من أنواع الشرور والعواقب الخبيثة ويحذرهم من طاعة رؤساء الشر والفساد ودعاة النار، ويبين ما في الأديان والمذاهب والمناهج الباطلة من القبح والسوء ليبين الحق من الباطل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].

стр. 4148

ويدعوهم بالتي هي أحسن فإذا أصروا على العناد والمكابرة الظاهرة توعدهم بالعقوبات الصوارم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. وبين الله في القرآن أن الكفار لم يعرضوا عن الدين جهلًا وضلالًا وإنما ذلك جحودُ وعنادُ ومكابرة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. ويبين القرآن الأسباب التي منعت الكفار من إتباع الهدى وأنها دياثاتُ وشهواتُ وأغراضُ نفسية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. وبين أن الكفار لما آثروا الباطل على الحق طبع الله على قلوبهم وختم عليها وسد عليهم طرق الهدى عقوبة لهم على أعراضهم عن الدين، وتوليهم الشيطان وتخليهم عن ولاية الرحمن، فولاهم ما تولوا وطبع على قلوبهم فلا يدخل فيها خير ولا يخرج منها خير: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧]. وقال الله : ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾ [الأعراف: ١٠١].

стр. 4149

ومن مقاصد القرآن العظيم إن الله بين في القرآن أنواع الدلالات التي هي من أنفع أنواع العلم، وإن الدلالات ثلاث: ١ - دلالة مطابقة. ٢ - دلالة تضمن. ٣ - دلالة التزام. فدلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على جميع معناها. ودلالة التضمن: دلالة اللفظ على جزء من معناه. ودلالة الالتزام: دلالة اللفظ على لازم معناه. ومثال ذلك: إذا قلت هذه دار، أو قلت هذا جبل، أو هذا بحر، ونحو ذلك. فدلالة هذه الكلمة على ما في الدار من الغرف والأبواب والحمامات دلالة مطابقة، ودلالتها على كل غرفة بمفردها دلالة تضمن، ودلالتها على أن لهذه الدار بانيًا دلالة التزام. وهذه القاعدة العظيمة من انفع أبواب العلم، والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع إن يفهم المسلم ما دل عليه اللفظ من المعاني، ثم يفهم ما يترتب عليها وما يتفرع منها وما يجنى عليها وما يشترط لها وما يتوقف عليها، فأن القرآن حق ولازم الحقِ حق، وما يتوقف على الحقِ حق، وما يتفرع على الحقِ حق، ومن عرف هذا انفتحت له أبواب العلوم كلها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 4150

وقال ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» أخرجه البخاري (١). فمثلًا في أسماء الله الحسنى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. فاسم الله الرحمن الرحيم يدل بلفظه على وصف الله بالرحمة المطلقة، وسعة رحمته لجميع خلقه، وأن الرحمة صفةٌ ذاتية لا تنفك عنه وهذا الوصف يدل بلزومه على كمال حياة الله وقدرته وعلمه وإحاطته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته، ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نورُ رحمةُ وهدى ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. ولهذا يعلل الله كثيرًا من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. والأمر بالصلاة والزكاة والصوم مثلًا أمرُ بها، وأمرُ بما لا يتم الواجب إلا به، وكذا الأمر بالجهاد من لازمه الأمر بكل ما لا يتم الجهاد إلا به، وكذا الأمر بإعداد ما نستطيع من قوة فإنها تتناول كل قوة عقلية وبدنية وسياسية ومالية وأسلحة، وكل أمر ينفع الناس القرآن يأمر به ولا يمنعه بل يدل عليه لمن أحسن الاستدلال به. وهذا من آيات القرآن وأكبر براهينه ووسائل الأمر المشروع مشروعة، فالأقلامُ والأوراقُ للكتابة، والمسجل والكهرباء والهاتف وغيرها وسائل لغيرها.

стр. 4151

فالوسائل لها أحكام المقاصد، أما البدعة فهي مقصودة لذاتها كمن تعبد لله بصلاة أو صوم على خلاف أمر الشرع، والقرآن لا يمكن أن يعارض بعضه بعضًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. وقال الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 4152

٦ - الخزانة السادسة ومن مقاصد القرآن أنه يحاج أهل الأديان الباطلة بأحسن أساليب الإقناع، كمحاجة الرسل مع أممهم، وكيف دعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ لأنه المتفرد بالخلق والرزق والملك الذي وهب للخلق أصناف النعم، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. وأنه سبحانه المتفرد بدفع النقم، وأن أحدًا من الخلق ليس يقدر على نفعٍ ولا دفعٍ ولا ضرٍ، وأنه بمجرد معرفة العبد بذلك ينقاد للدين والإيمان وعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، وأنه الطريق الوحيد لشكر النعم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. فالله يبين عظمته وجلاله وجلالته، الله يبين عظمته وكبريائه وأنه الخالق لكل شيء فليعبدوه وحده لا شريك له: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ

стр. 4153

وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢]. وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. فمن هذا شأنه وهذا خلقه وهذا شرعه، هو الذي يجب أن يعبده الخلق حده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وهذا الأصل كبير وكثير في القرآن؛ لأن الله يقول للناس انه لا يليق بكم أن تجعلوا لمخلوق العبد الفقير العاجز المحتاج من كل وجه بعض حقوق الرب الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة، الخالق الغني القادر من كل وجه، ويتحداهم أن يأتوا بكتابٍ أو شريعة أهدى وأحسن من هذه الشريعة، أو يعادلوا القرآن فيأتوا بمثله إن كانوا صادقين: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧]. وقال الله : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

стр. 4154

(٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ [الأنعام: ٧١ - ٧٢]. ويأمر الله : نبيه بمباهلة أهل الكتاب ممن ظهرت مكابرته وعناده، فينكثون عنها لعلمهم أنهم لو باهلوه لهلكوا: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦٠ - ٦١]. وقال الله : ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣]. وقال الله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]. وقال الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٩] ومن مقاصد القرآن أن حذف المتعلق يفيد تعميم المعنى المناسب له، فكل فعلٍ متى قيد بشيء تقيد به، أما إذا أطلق فأنه يفيد عموم المعاني النافعة، ومن ذلك ورد في القرآن في عدة آيات: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وهكذا مما ورد مطلقًا. فيدل ذلك على أن المراد لعلكم تعقلون عن الله كل ما أرشدكم إليه، وكل ما علمكم إياه، وكل ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة. لعلكم تذكرون جميع مصالحكم الدينية والدنيوية، لعلكم تتقون ما يجب اتقاءه من الذنوب والمعاصي، فقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ

стр. 4155

عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. يفيد كل ما قيل في حكمة الصيام، لعلكم تتقون كل ما حرم الله، لعلكم تتقون ما حُرم على الصائمين من المفطرات، لعلكم تتصفون بصفة التقوى، لعلكم تتقون كل شيء من الكفر والفسوق والعصيان، لعلكم تتقون غضب الله وسخطه إذا عصيتموه، لعلكم تتقون عذاب جهنم وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي. وكذلك ما أطلقه الله كلفظ المؤمنين، الذين آمنوا، يدخل في جميع ما يجب الإيمان به من أركان الإيمان به وشعبه، وكذلك لفظ الإحسان، وأحسنوا والمحسنين: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. يدخل في ذلك كله الإحسان في عبادة الخالق، بأن يعبد الله كأنك تراه فأن لم تكن تراه فانه يراك، ويدخل فيه الإحسان للخلق بجميع وجوه الإحسان بالدعوة والتعليم والمال والجاه والأقوال والأعمال. وكذلك لفظ التكاثر والخُسر والدلال والهدى وغيرها، وكذلك لفظ الصدق والإخلاص والصبر، أطلقت كل هذه الألفاظ لتعم كل الأنواع المتصلة بها، وكذلك الحكم المعلق بوصف يدل عليه ذلك الوصف، ويدل على أنه يعم بعموم هذا الوصف، وأنه يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف كلما ضعف، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥]. وغيرها من الآيات. • ومن مقاصد القرآن: إنشاء اليقين على عظمة الله، وعظمة كتابه، وعظمة دينه وشرعه، وعظمة وعده ووعيده.

стр. 4156

فالقرآن العظيم كتابٌ كريم وكتابٌ مجيد وكتابٌ عزيز وكتابٌ حكيم وكتابٌ عظيم، يجب علينا أن نتلقاه بحسنِ القراءة والاستماع والتدبر والتفكر وكمال اليقين، وكتاب رب العالمين ليس كمثله شيء من الكتب، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقال الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]. وقال الله : ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾ [الأعراف: ٢٠٣]. وقال الله : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. فلا تعد مستمعًا حتى تطبق ما سمعت: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. والله : خلق الدنيا ونورها بالقرآن، فمن لم يكن من أهل القرآن فهو في الظلمات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. وقال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. وقال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. فعلى المسلم أن يجعل له قراءة تعبد لتحصيل الجر والثواب، فيقرأ كل يوم ثلاثة أجزاء مثلًا فكل حرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها، ويجعل له قراءة

стр. 4157

تفكر وتدبر، ولو يقرأ كل يوم آية واحدة ينتفع بها ويذكر الناس بها، ويعمل بها وتحمله على طاعة الأوامر واجتناب المناهي. فإن كنت خائفًا فأفزع إلى قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]. وإن كنت أيها المسلم مهمومًا فافزع إلى قوله سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وإن كنت راغبًا في الولد فأفزع إلى قوله سبحانه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]. إن كنت تخاف مكر أحدًا فأفزع إلى قوله سبحانه: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٦]. وإن كنت تخاف من البلاء فأفزع إلى قول سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].

стр. 4158

فالقرآن العظيم ينشئ اليقين على ذات الله وعلى أسمائه وصفاته وأفعاله وعلى كتابه وعلى أوامره، ومن تدبر القرآن وجد هذه البركات وانتفع بها، فهو هدي وشفاء وسعادة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. ومن أراد طلب الدنيا ليعف نفسه فليفزع إلى قول سبحانه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤٠]. فلا تكون أيها المسلم مستمعًا للقرآن إلا إذا طبقت ما سمعت من أحكام، ورب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه، وكلما تذللت لله رفعك الله، وكلما تواضعت لله رفعك الله، ففي درس بدر افتقار إلى الله ونصر من الله، فإيمان كامل يثمر نصرُ كامل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وفي درس حنين أدب الله المؤمنين، كما قال سبحانه: لهم حين أعجبوا بالكثرة والقوة: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].

стр. 4159

فدرس بدرٍ أليم جدًا ودرس حنين خطير جدًا، فالمؤمن الصادق في قلبه تعظيم الله وتعظيم كتابه، وفي قلبه حب الله وحب كتابه، وفي قلبه خوف من الله، ففي الآيات الكونية يرى المؤمن عظمة الله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وبرؤية النعم يحصل في القلب حب الله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقال الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وبرؤية العقوبات والمصائب يخاف العبد من الله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال الله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. فالمؤمن الحق هو من يحب ربه ويحب من يحبه ويحبب الناس إلى ربه بذكره وذكر نعمه، ويحب العمل الذي يقربه إلى ربه، فلتكون محبوبًا عند الله ذكر الناس بآلاء الله ليعظموه وذكرهم بنعمه ليحبوه ويشكروه، وذكرهم ببلاء الله ليخافوه ويهابوه،: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].

стр. 4160

وكل عبادة وكل طاعة وكل عملًا صالح هو ذكر لله، ومن ذكر الله ذكره: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فذكر الله أكبر ما في الصلاة وذكر الله لك أعظم من ذكرك له، فإن ذكرته في نفسك ذكرك في نفسه وإن ذكرته في ملأ ذكرك في ملأِ خير منه، يذكرك سبحانه فيهبك كل خيرِ وسداد في القول والعمل، والمؤمن بحاجة عظيمة إلى إكثار الذكر وتكراره في الغدو والآصال قبل الذهاب إلى العمل وعند العودة من العمل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وإذا ذكرت الله فأعلم أن الملائكة لا يغفلون عن الذكر أبدًا، فكن ذاكرًا ولا غافلاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقال الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] القرآن العظيم كتابُ عظيم لا اختلاف فيه ولا تضاد، وهو في غاية البلاغة والفصاحة، فقد أخبر الله في القرآن الكريم أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وفي بعضها يذكر الأسباب الموجبة للهداية أو الضلال من جهة العبد، فإذا أخبر الله أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء أو يعز من يشاء ويذل من يشاء أو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ونحو ذلك.

стр. 4161

فهذا يدل على كمال توحيده، وأنه الملك المتفرد بخلق الأشياء وتدبير الأمور، وأن خزائن جميع الأشياء بيده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لأنه العليم الخبير، يهدي ويضل ويعطي ويمنع ويبسط ويقبض، فيقتضي ذلك من العباد أن يسألوه وحده طلب ما يحبون ودفع ما يكرهون، وأن يتوكلوا عليه وحده لا شريك له، ولا يسألوا أحدًا سواه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. وقال الله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. وأحيانا يذكر أسباب ذلك ليعرف عباده بالأسباب والطرق التي يحبها فيسلكون النافع ويدعون الضار، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٤ - ١٠]. وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]. وقوله سبحانه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦]. الله يهدي من كان قصده الخير واتبع رضوان الله ويضل من فسق عن طاعة الله، وهكذا يذكر أحيانًا أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، كما قال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ

стр. 4162

تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وأحيانًا يذكر الأسباب التي تنال بها المغفرة والرحمة، ويستحق بها العذاب، كقوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]. وكقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وكذا أخبر سبحانه: أنه يرزق من يشاء، وأحيانًا يذكر أسباب الرزق، وأنه بسبب لزوم طاعة الله ورسوله، والسعي الجميل مع لزوم التقوى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وانتظار الفرج والرزق كقوله سبحانه: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]. وكثرة الذكر والاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].

стр. 4163

٧ - الخزانة السابعة • من مقاصد القرآن الكبرى: بيان عظمة الله بذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وعظمة ملكه وسلطانه، وختم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم، وذلك يدل على أن الخلق والأمر والشرع كله صادر عن أسماء الله الحسنى وصفاته العلا وأفعاله الحميدة ومرتبط بها، وهذا بابُ عظيم من معرفة الله ومعرفة أحكامه القدرية والشرعية والجزائية وأنها موجب أسماء الله وصفاته. فنجد مثلًا آيات الرحمة مختومة بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقوة والقدرة والحكمة والعلم والقهر، وآيات الخلق والتدبير مختومة بأسماء العلم والقدرة والقوة، كقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]. وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وذلك يدل على إحاطة علم الله بالسموات والأرض وما فيهما من العوالم العظيمة، وأنه قادر على ذلك كله وأنه حكيم من حيث وضعها لعباده وأحكم صنعها وصنع ما فيهما من المخلوقات وأحسن خلقها على أكمل صورة ونظام: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨]

стр. 4164

وأن خلقه المخلوقات العظيمة من أكبر الأدلة على علمه الواسع، فكيف يخلقها وهولا يعلم؟ قال الله : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]. وكذا الملائكة لما راجعوا الله في جعل آدم خليفة في الأرض، فاظهر الله علم آدم لهم فقالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢]. فاعترفوا لله بسعة علمه وكمال حكمته وأنهم مخطئون، وكذا ختم الله بعض الآيات بالتواب الرحيم بعد ذكر رحمته ومغفرته وهدايته وتوفيقه وحلمه، ليدل على أنه لما كان هو التواب الرحيم أقبل بقلوب عباده التائبين إليه ووفقهم للأعمال الصالحة التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، كما غفر لهم ورحمهم فتاب عليهم بتوفيقهم للتوبة والأسباب، ثم تاب عليهم ثانية حين قبل متابهم وأجاب سؤالهم، وكذا لما ذكر الله النسخ في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]. فختمه للآية باسمه القدير ليدل على كمال قدرته وعلمه وحكمته وتصرفه الكامل في ملكه وعباده، وأنه يحكم بين عباده وفي ملكه بأحكام القدرية والشرعية والجزائية، فلا حجر عليه في شيء من ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وكذا قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥].

стр. 4165

ليدل على أنه واسع الفضل واسع الملك، فجميع العالم العلوي والسفلي داخل في ملكه وعلمه محيط بجميع ملكه الواسع ومحيط بجميع المكان والزمان والكل ملكه، يصرف عباده إلى أي جهة شاء لعظمة قدرته وسعة ملكه وكمال حكمته. وأحيانًا يذكر الله أسمائه الحسنى ولا يصرح بذكر أحكامها وجزائها، لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذلك الاسم العظيم عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام، كقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة: ٢٠٩]. لم يقل عقوبتكم كذا بل صرح باسمه العزيز الحكيم، ليدل على أن من عرف عزه الله وقهره وقوته وغلبته، وعرف حكمته في وضع الأشياء موضعها، أوجب له ذلك الخوف من البقاء على الذنوب والزلات لأن من حكمته إثابة من يستحق الثواب وعقوبة من يستحق العقاب المصر على ذنبه مع علمه، وأنه لا يخرج أحدُ عن حكمه وجزاءه لكمال عزته وقهره. وكذا قوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨]. ، أي عز وحكم فقطع يد السارق. وكذا حتى نهاية المواريث بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١]. ليدل على أنه العليم الحليم الذي يعلم ما لا يعلمه العباد، الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، ولو ترك الأمر للناس لدخل في القسمة الهوى والجهل والظلم والفوضى.

стр. 4166

ولهذا فكل من قدح في شيء من أحكام الله الشرعية، فهو قاده في علم الله وفي حكمته، ولهذا يذكر الله العلم والحكمة بعد ذكر الأحكام، وكذا يذكرهما الله في آيات الوعد والوعيد ليبين للعباد أن الشرع والثواب والعقاب مربوطُ بحكمة الله وعلمه، وكذا قوله سبحانه: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾ [الحج: ٥٩]. ختمها بالعلم والحلم يقتضي علمه بنياتهم الجميلة وأعمالهم الصالحة فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم سيئاتهم فكأنهم ما فعلوها. وختم الثانية بالعفو الغفور: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠]. فيدل على انه أباح العقوبة بالمثل وندب إلى مقام الفرد وهو العفو. وختم الآية الثالثة بالسميع البصير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ [الحج: ٦١]. فيدل على سعة سمعه لجميع الأصوات وبصره بجميع حركات المخلوقات على اختلاف الأوقات. وختم الآية الرابعة بالعلي الكبير ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]. ليدل على أن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده تضمحل معها المخلوقات كلها ويبطل معها كل ما عُبد من دون الله، وأنه لا يستحق العبادة وحده إلا العلي الكبير سبحانه.

стр. 4167

وختم الآية الخامسة باللطيف الخبير، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ [الحج: ٦٣]. ليدل على سعة علمه وخبرته بالظواهر والبواطن، وبما تحتوي عليه الأرض من أنواع البذور وأصناف النبات، وأنه سبحانه: لطيف بعباده حيث اخرج لهم أصناف الرزق والنبات والثمار بما أنزله من المساء من الماء. وختم الآية السادسة بالغني الحميد ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ [الحج: ٦٤]. ليدل على أن خلقه للسموات والأرض وما بينهم من المخلوقات ليس لحاجة منه لها ولا ليتكمل بها فأنه الغني المطلق الحميد الكامل، وليعلم خلقه على أنه الغني عن ما سواه وهم جميعًا فقراء إليه من كل وجه، وأنه الحميد في أقداره وشرعه وجزائه، المحمود على جميع أسمائه وصفاته وأفعاله، فله الحمد المطلق: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. وختم الآية السابعة بالرؤوف الرحيم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. ليدل على أن من رأفته ورحمته تسخير المخلوقات لبني آدم، وحفظ السماوات والأرض وإبقاءها لألا تزول فتختل مصالحهم، وسخر لهم البحار والأنهار لتجري في مصالحهم ومنافعهم، فرحمهم حيث خلق لهم السكن وأودع فيه كل ما يحتاجونه.

стр. 4168

وفي سورة الشعراء ختم الله قصة كل نبي من الأنبياء بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٩]. ليدل على أن نجاة كل نبي وإتباعه برحمة الله ولطفه، وإهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته، وأنجى كل رسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين لهم بكمال عزته وحكمته وقوته. وفي سورة المائدة قال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]. ليدل على كمال عزته وحكمته، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، وإنما هو مقام غضبٍ وانتقام ممن اتخذوا إلهًا مع الله، ومن اللطف مقامات الرجاء أن يذكر الله أسباب الرحمة وأسباب العقوبة ثم يختمها بما يدل على الرحمة. في قوله سبحانه: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٣]. ليدل على أن رحمته سبقت غضبه، وصار لها الظهور على الغضب، ولهذا يخرج الرحمن من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فهؤلاء يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بكمال رحمته: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. القرآن كله محكمُ باعتبار وكله متشابهُ باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث، وقد وصف الله القرآن الكريم بكل واحدة من هذه الأوصاف، فوصفه بأنه محكم بآيات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].

стр. 4169

وقوله سبحانه: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١ - ٢]. فالقرآن في غاية الإحكام والإتقان، فأخباره كلها حق وصدقُ لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأوامره كلها خيرُ وبركة وعدل وصلاح، ونواهيه زاجرة عن الشرور والأضرار والأعمال السيئة والخلاق الرديئة، فهذا إحكامه وإتقانه فأخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام. ثانيًا: وصفه الله بأنه متشابه في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]. فالقرآن كله متشابهُ في الحسن والصدق والحق، وألفاظه أحسن الألفاظ ومعانيه أحسن المعاني التي تزكي العقول وتطهر القلوب وتزين الجوارح بأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق. ثالثًا: وصف الله القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه، في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. فبعض القرآن محكم وبعضه متشابه، والراسخون بالعلم يردون المتشابه إلى المحكم فيصير كله محكمًا، ويقولون كلُ من عند ربنا وما كان من عند الله فلا تناقض فيه، فما اشتبه في موضع فسره الوضع الأخر المحكم. فحصل العلم وزال الإشكال ولذلك أمثلة، مثل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، تعز من تشاء وتذل من تشاء، فهدايته وإضلاله وعزته وإذلاله ليس جزافًا من غير سبب كما يظنه البعض، فإذا رددنا المتشابه إلى المحكم الذي

стр. 4170

يدل على عن الهداية لها أسباب من العبد يتصل بها، كما في قوله سبحانه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]. وإن إضلاله لعبده لها أسباب من العبد وهو توليه الشيطان، كما قال سبحانه: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٣٠]. وقوله : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. فالآيات والنصوص الشرعية كلها حق ويجب على المسلم تصديقها والإيمان بها كلها، فهي متكاملة لا متعارضة، وما أجمل في موضع فسرته آياتٌ أخرى في موضع أخر، والقرآن كله محكم أقواله كلها صدق وأحكامه كلها عدل، ليس فيها كذب ولا ظلم كلها يسر ليس فيها مشقة، وهو كتابُ متشابه يشبه بعضه بعضًا في الحسن والكمال والجودة في الأسلوب فجمع بين الأمرين الحكام والتشابه، والخير في الأخبار يكون بمخالفة الصدق والخير في الأحكام يكون بمخالفة العدل، وكتاب الله كله صدق وعدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. والحكمة في وجود المحكم والمتشابه في القرآن الابتلاء والاختبار، ليحي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، فمن دعا ميتًا أو صنمًا وطلب منه شفاء مريض أو تحصيل رزق ثم حصل له ما طلب. القرآن الكريم يجرى في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة إلى العرف والعادة، فالله مثلًا أمر عباده بالمعروف، وهو المعروف حسنه شرعًا وعقلًا وعرفًا، ونهاهم عن المنكر وهو المعروف قبحه شرعًا وعقلًا، وأمرهم كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووصفهم بذلك، فقال
следующие страницы →