← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨]. وهناك أربعة شروط لقبول هذه الحياة، وهذه الشروط الأربعة تسمى جهد الأنبياء وهي: الأول: التضحية بكل شيء، من اجل إعلاء كلمة الله. الثاني: الاستقامة على أوامر الله في كل حال. الثالث: السابقية إلى كل عمل صالح. الرابع: الدعاء والاستعانة بالله وحده لا شريك له. فمن أكمل هذه الشروط جاءت حياة النبي ﷺ في حياته، وهي مزاج جميع الأنبياء، وبها يحفظ الله الأمة. فالتضحية والمجاهدة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والاستقامة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. والسابقية والمسارعة إلى الخيرات، كما قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 4482

وقال تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والدعاء والاستغاثة والاستعانة بالله كما قال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وقال الله تعالى عن نوح ﷺ : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر: ٩ - ١٤]. فالله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: المحرمون من نظر الله إليهم يوم القيامة أصناف هم: الصنف الأول: من يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنًا قليلا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧]. الثاني: من حلف بالله كاذبا، ومن منع فضل ماء عن غيره. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ

стр. 4483

كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». متفق عليه (١). الثالث: الحاكم الذي يحتجب عن رعيته، ولا ينظر في حاجتهم وفقرهم. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَاحْتَجَبَ دُونَ خَلَّتِهِمْ، وَحَاجَتِهِمْ، وَفَقْرِهِمْ، وَفَاقَتِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُونَ خَلَّتِهِ، وَفَاقَتِهِ، وَحَاجَتِهِ، وَفَقْرِهِ». أخرجه أبو داود وأحمد والترمذي (٢). الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ». أخرجه مسلم (٣). الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى». أخرجه النسائي وأحمد (٤). السادس: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». أخرجه الترمذي والنسائي (٥).

стр. 4484

السابع: عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ». أخرجه مسلم (١). فهؤلاء جميعاً لا ينظر الله إليهم يوم القيامة. اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. حكم أفعال العباد: كل شيء في هذه الحياة واقع بمشيئة الله وقدره من الطاعات والمعاصي، ومن الحسنات والسيئات، وأفعال العباد كلها مخلوقة لله، واقعة بمشيئة الله؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. والعبد فاعلٌ لفعله حقيقة، يستوجب على فعله المدح أو الذم، والثواب والعقاب، ولكن كل أفعاله واقعة بمشيئة الله وإرادته: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ [يوسف: ١٠٤]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].

стр. 4485

فأفعال العباد كلها مخلوقة لله، وان كان لهم كسب، يحاسبون عليها لأنهم اختاروها، ولا ينسب الخلق لغير الله من أحد من الخلق فيكون شريكًا لله في الخلق، كما قال سبحانه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف: ١٩١]. وقال الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. أشرف الأعمال: أشرف وظيفة يعمل بها العبد، وأشرف مهنة يقوم المسلم هي الدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والإحسان إلى خلقه، وتفسير كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 4486

والصناعات تشرف بأحد ثلاثة أمور: الأول: شرف موضوعها: نحو أن يقال: الصياغة اشرف من الدباغة، فإن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهي أنفس المعادن، وهي أشرف من موضوع الدباغات التي موضوعها الجلود. الثاني: شرف صورها، نحو أن يقال طبع السيوف أشرف من طبع القيود. الثالث: شرف أغراضها، كصناعة الطب التي غرضها الصحة فإنها اشرف من صناعة الكُناسة التي غرضها النظافة. وبهذا نعلم أن تفسير القرآن العظيم، وتعليم الأحكام الشرعية، والدعوة إلى الله، أشرف الأعمال، وقد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث. فموضوع التفسير كلام الله الذي هو أحسن الكلام، وينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، وصورة فعله إظهار خفيات ما أودعه الله فيه من أسرار، وغرضه التمسك بالعروة الوثقى، والوصول للسعادة التي لا فناء لها: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].

стр. 4487

٤ - الخزانة الرابعة الأعمال بالخواتيم المؤمن ضربان: الأول: مؤمن يحبه الله ويواليه، وهو من علم الله أنه يوافي ربه مؤمنا. الثاني: مؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، وهو من علم الله أنه يموت كافرا، هذا يبغضه الله لا لأجل إيمانه؛ بل لأجل كفره الذي مات عليه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. والكافر ضربان: الأول: كافر يعاقب لا محالة، وهو من مات كافرا، فالله يبغضه ويسخط عليه لكفره الموافي به ربه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢]. الثاني: كافر لا يعاقب، وهو من عاش كافراً، ثم مات مؤمنًا بالله في آخر حياته، فالله يحبه ويرضى عنه، لا لكفره وإنما لإيمانه الموافي به ربه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].

стр. 4488

فالأمور بالخواتيم، وبما كتبه الله في اللوح المحفوظ من الأقدار؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون وما سيكون: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. فالله سبحانه راضٍ عن عمر ﵁ في الوقت الذي كان يعبد الصنم، ومريد لثوابه ودخوله الجنة لا لعبادته للصنم، بل لإيمانه الموافي به ربه. والله ساخط على إبليس في حال عبادته، لكفره الموافي به ربه، فالله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس من الكفر بالله؛ ولهذا لعنه الله. والله عالم بما يوافي به عمر بن الخطاب ﵁، ولهذا ﵁: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]. والله سبحانه محب لمن علم أنه من أهل الجنة، وساخط على من علم أنه من أهل النار، والأعمال بالخواتيم، فنسأل الله أن يثبتنا على الحق وإياكم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. وعن عبد اللَّهِ قال حدثنا رسول اللَّهِ ﷺ وهو الصّادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ في ذلك عَلَقَةً مِثْلَ ذلك، ثُمَّ يَكُونُ في ذلك مُضْغَةً مِثْلَ ذلك، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ، فَوَا الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وان أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ

стр. 4489

بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا». متفق عليه (١). فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، واستعملنا في عبادتك، يا ذا الجلال والإكرام. مقصود الأعمال الصالحة: المقصود من كل عمل صالح، تحصيل الصفات التي يحبها الله، وعبادة الله بموجبها، فإذا لم تظهر تلك الصفات بعد العمل فلا زال القلب مريضا. وكل صفة من الصفات الطيبة تخرج مرضًا من أمراض القلب. فاليقين يخرج الشك، وهدي النبي ﷺ يخرج هوى النفس، والصلاة بخشوع وخضوع تخرج الغفلة، والنسيان، والعلم يخرج الجهل، والذكر يخرج النسيان، والإخلاص يخرج الرياء، وحسن الخلق يخرج سوء الخلق، وهكذا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 4490

والشيطان يجتهد على المسلم، لئلا يقوم بأي عمل صالح من دعوة، وعبادة، أو تعلم، أو تعليم، أو إحسان إلى الخلق، فإن قمنا بذلك تسلط علينا الشيطان بإضاعة الأوقات، فإن لم يقدر اجتهد علينا لتكون أعمالنا لغير الله. فإن لم يقدر اجتهد لإفساد أخلاقنا، لتحصل العداوة وسوء الظن بيننا؛ حتى لا نجتمع. فإن لم يقدر علينا كجماعة اجتهد على كل فرد بإشغاله بالمباحات، ثم ينقله إلى الصغائر، ثم ينقله إلى الكبائر، ثم ينقله إلى الردة، هذه خطوات الشيطان في إضلال بني أدم فاحذرها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]. سماحة الإسلام: ما أعظم سماحة الإسلام، فجميع الأوامر الشرعية في مقدور كل إنسان، بل نحن نقدر على أكثر مما أمرنا الله به، لكن الله رحيم بخلقه، لم يكلف نفسًا إلا وسعها كما قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فالصلوات الخمس هي الركن الثاني بعد الشهادتين تستغرق من المسلم ساعة تقريبًا من كل يوم، والوقت الباقي كله للعبد. والزكاة لا تجب على أي أحد، بل تجب على من عنده مال معين، وحال عليه الحول، ومقدار الواجب جزء من واحد من أربعين جزءا، وهو ربع العشر غالبًا، والمال الباقي كله للعبد. والصوم ثلاثون يومًا من ثلاثمائة وستين يوما، والباقي كله للعبد. والحج لا يجب على كل أحد، بل يجب على المستطيع في العمر مرة واحدة وباقي العمر كله لك.

стр. 4491

فلله الحمد على أن أمرنا بالقليل من العمل، وجزانا بالعظيم من الثواب، وأعطانا العمر كله للتقرب إليه بما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال والأخلاق، والفرائض والسنن: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله : ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. هذا كله للدين، أما جهد نشر الدين فله كل الأوقات ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. كيفية حياة المسلم حياة المسلم لابد أن تكون مطابقة لحياة النبي ﷺ ؛ ليسعد في الدنيا والآخرة، والمطلوب والواجب إتباع النبي ﷺ في خمسة أمور: ١ - إتباعه في نيته وفكره. ٢ - وفي توحيده وإيمانه. ٣ - وفي أقواله الحسنة. ٤ - وفي أعماله الصالحة. ٥ - وفي أخلاقه الكريمة. قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 4492

وهذا الفساد العظيم في العالم؛ سببه فساد اليقين، وفساد الأعمال، الذي سببه ترك الدعوة إلى الله، التي هي سبب لصلاح الأفراد والجماعات: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. وحتى يصلح اليقين، وتصلح الأعمال، لابد من أخذ العلاج من القرآن والسنة؛ حتى يزول الفساد في العالم، وذلك بالقيام بثمانية أعمال هي مجموع اعمال الرسول ﷺ التي قام بها بين أصحابه، وجعلها الله سببًا لإزالة الفساد، ونزول الهداية، في كل زمان ومكان وهذه الأعمال هي: أولًا: الدعوة إلى الله: وهي أول عمل، وأعظم عمل للمسلم في كل يوم، فأما أن نتكلم أو نسمع عن لله وأسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه وإحسانه، رجالًا ونساء وأطفالًا، ونتكلم عن الغيبيات وأركان الإيمان الستة، حتى يزيد الإيمان في قلوبنا، وتحصل الهداية لنا ولغيرنا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. ثانيًا: الجلسة الإيمانية: بتذكر سبعة أمور هي: الكلام عن الله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الآخر .. والقدر خيره وشره. والبعث بعد الموت؛ ليزيد في قلوبنا الإيمان بالغيب، وتأتي في قلوبنا الرغبة في الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)

стр. 4493

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ثالثًا: حلقة فضائل الأعمال: لتكون دافعًا للقيام بالأعمال الصالحة القولية، والعملية مع المؤمنين، مع الانقطاع عن أهل الغفلة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. رابعًا: ذكر الله وتلاوة القرآن في وقت معين كل يوم بالمحافظة على الأذكار والأدعية والتسبيحات المختلفة في أوقاتها ومقاديرها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. هذه الأعمال هي الأساسية في كل يوم، وإذا قمنا بها الله يرزقنا نور هذه الأعمال، وبعد القيام بهذه الأعمال، يأتي فينا حب الله، وحب العمل الصالح، ويزداد نور الإيمان في القلب، فنؤدي الصلاة بالخشوع والخضوع لله فرضًا أو نفلًا، ويستجاب دعاؤنا: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 4494

وقال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وهذه الصلاة تكون قوية، إذا أقيمت بعد القيام بتلك الأعمال الأربعة معاً انفرادية أو اجتماعية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣]. انفرادية: كالأذكار، والأدعية، وتلاوة القرآن، والنوافل. أو اجتماعية: كالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فإذا قيمت الصلاة بعد القيام بتلك الأعمال الأربعة التي تزيد الإيمان في القلب، فنؤديها قوية بنور تلك الأعمال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. خامسًا: كسب الحلال، واجتناب كسب الحرام: فلقمة من الحرام تضيع أجور الأعمال الصالحة، فلا نعمل ولا نكسب إلا بسنة؛ لنحصل على البركة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. سادسًا: الاقتداء بالرسول ﷺ في أخلاقه مع كافة الخلق: فالله فرق الأخلاق الحسنة في الأنبياء: ثم جمعها في سيد الأنبياء، ثم فرقها في امة سيد الأنبياء كما قال عن رسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 4495

وقال عن أمته: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. سابعًا: اجتناب العصبية لبلد، أو قوم، أو مذهب، أو غير ذلك من أعمال الجاهلية فالمسلم يفتخر بأنه من أمة الرسول ﷺ فقط: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فيفتخر المسلم بأنه من أمة الرسول صلى الله عليه وسلمفقط، وأن عليه مسئولية العالم، وبهذا تكون معنا نصرة الله وعملنا يؤثر في كل مكان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 4496

٥ - الخزانة الخامسة فقه الإنفاق في سبيل الله الإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه ومنه ابتغاء وجه الله ومن أعظم وجوه الإنفاق: ١ - الدعوة إلى الله. ٢ - وتعليم شرع الله. ٣ - والإحسان إلى الخلق. قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١ - ٣]. فمن أعطاه الله مالًا فلينفق منه على المحتاجين، ومن أعطاه الله علمًا فلينفق منه على أهل الجهل، ومن أعطاه الله قدرة بدنية فلينفق من ذلك بمساعدة المحتاجين، وهكذا وجوه الإنفاق تتعدد: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. ومن الإنفاق المالي: ١ - الإنفاق على النفس والزوجة والأولاد والفقراء واليتامى والمساكين. ٢ - والإنفاق في الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله. فهذه الوجوه وأمثالها الإنفاق فيها عبادة يؤجر عليها العبد: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 4497

والشح بالمال سفه في العقل؛ لأن هذا المال إما أن يفنى في حياتك فتعدمه، وإما أن يبقى بعد موتك فيرثه صالح فيكون أسعد به منك، أو يرثه فاسد فتكون خلفت له ما يستعين به على الفساد. و أفضل أوقات الإنفاق عند شدة الحاجة إلى الدعوة، وإلى العلم، وإلى المال؛ ولهذا لا يستوي من أنفق من قبل الفتح، وهو صلح الحديبية في ذي القعدة في سنة ست من الهجرة بمن أنفق بعده: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ [الحديد: ١٠]. وذلك لأن الأوليين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا وكان الإسلام في حاجة إليهم ولإنفاقهم فأنفق مما أعطاك الله من العلمِ، والخلق، والمالِ، وغير ذلك مما وهبك الله ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. ومن الأعمال الصالحة التي يحبها الله. الشفاعة، وهي جلب الخير للغير، بالتوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة فشفاعة النبي ﷺ يوم القيامة لأهل الجنة أن يدخل الجنة من جلب المنفعة، وشفاعته ﷺ فيمن يستحق النار ألا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها من دفع المضرة: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٥ - ٨٦].

стр. 4498

والمؤمن عبد لله، وليس عند العبد عمل إلا امتثال أوامر سيده بفعل الأوامر، واجتناب النواهيِ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] ويجب على الإنسان أن يأكل من الطيبات، لأمر الله بذلك، ولحفظ حياته، وليحمد الله عليها، وليتعبد لله بذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. ومن امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم، لأنه ترك ما أباح الله له، والسبب الشرعي: إما أن يتعلق ببدنه كمن يمتنع من أكل اللحم، لأن بدنه لا يقبله. وإما أن يتعلق بدينه كمن يترك اللحم، لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه، ويكون ذلك أكبر همه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وإما أن يمتنع عنه مراعاة لغيره كما ترك عمر بن الخطاب ﵁ أكل الطيبات عام الرمادة، واكتفى بالخبز والزيت حتى اسود جلده، فالمؤمن إذا وجد أكل، وإذا لم يجد صبر: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ

стр. 4499

وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٢ - ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]. أما الخبيث فيحرم أكله، والخبيث نوعان: الأول: خبيث لذاته: كالميته، والخنزير، والدم المسفوح ونحو ذلك. والثاني: خبيث لكسبه، كالمأخوذ من طريق الغش، أو الربا، أو السرقة، أو الغصب. فالأول محرم على جميع الناس أكله، والثاني محرم على مكتسبه، وليس محرماً على غيره إذا اكتسبه بطريقٍ مباح كما كان النبي ﷺ يعامل اليهود، ويشتري منهم، فقد مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. فقه الأوامر الشرعية: الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى، وكل أمر لا يحصل إلا بوجود سببه، وانتفاء موانعه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨]. وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦].

стр. 4500

والإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة، بل لابد من عمل صالح يكون من علاماته، وثمراته، والعمل الصالح وحده لا يكفي لدخول الجنة بل لابد أن يكون صادرًا عن إيمان بالله فلابد من الأمرين معًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]. والدين ركنان: ١ - عبادة الحق. ٢ - والإحسان إلى الخلق. فلابد من هذا وهذا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقرابة الإنسان ومن يجتمعون معه إلى الأب الرابع فما دون. والإحسان إليهم يتفاوت بحسب القرب منه، فكل من كان أقرب فهو أولى بالإحسان: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. فيجب عليك أيها المسلم من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم وهكذا. والإحسان عام يشمل: الإحسان بالقولِ، والفعلِ، والمالِ، والجاه، ويشمل: الإحسان إلى القريبِ، والبعيدِ، والإنسان، والحيوان: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 4501

ما يجب على المسلم: الواجب على المسلم: القول الحسن، والعمل الحسن. والقول الحسن مركب من أمرين: قول حسن في هيئته بأن يكون بلطف، ولين، وعدم شدةٍ، أو غلظة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. الثاني: قولٌ حسن في معناه بأن يكون خيرًا، لأن كل قول حسن فهو خير: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. ومن ذلك الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم شرع الله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وكل نعمة، وكل خير من الله وحده لا شريك له، وكل شر فمن النفس، ومن الشيطان: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. وما يحصل للإنسان بسببٍ معلوم له صور: الأولى: أن يضيفه العبد إلى الله وحده فيقول: هذا من الله، هذا من فضل ربي، لكمال يقينه على أن كل شيء من الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 4502

الثانية: أن يضيفه إلى الله مقرونًا بسببه المعلوم كأن يقول: لولا أنّ الله أنْجاني بِفلانٍ لغرِقْتُ. الثالثة: أن يضيفه للسبب المعلوم وحده، مع اعتقاد أن الله هو المسبب كقول النبي ﷺ لعمه أبي طالب: «لَوْلا أنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّار». متفق عليه (١). الرابعة: أن يضيفه إلى الله مقرونًا بالسبب المعلوم ب (ثُمَّ) كأن يقول: لولا الله ثُمَّ فلان لهلكت. و هذه الأربع كلها جائزة. الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم ب (الواو) فهذا شرك كقوله: لولا الله وفلان لغرقت والصحيح أن يقول: لولا الله ثُم فلان لغرقت؛ لأن فلاناً سبب، والله بيده جميع الأسباب: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 4503

٦ - الخزانة السادسة فقه الأعمال الصالحة: الحق هو الشيء الثابت، والحق هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ من ربه إلى البشرية كافة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩]. والحق إن وُصف به الحكم الشرعي فهو العدل، وإن وُصف به الخبر فالمراد به الصدق، وكل دين الإسلام على هذا، فأخباره صدق، وأحكامه عدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. والعمل الذي يصدر من الإنسان نوعان: الأول: عمل القلب، لأن القلوب لها أعمال كالجوارح مثل: المحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل على الله ، ونحو ذلك مما لا يُدرك بالرؤية: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. الثاني: عمل بدني يُدرك، وهو نوعان: الأول: قولي وهو ما يصدر من اللسانِ من الكلام: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. والثاني: فعلي وهو ما يصدر من البدن: كالصلاةِ، والجهاد، والأكلِ، والشرب، ونحوهما، والمؤمن يتعبد لله بكل ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 4504

ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. والذنوبُ نوعان: الأول: إذا كان الذنب في حق الله كترك واجب، أو فعل محرم، فإن الله لا يجمع للعبد فيه بين عقوبتين في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. الثاني: إذا كان الذنب في حق العباد إما اعتداء عليهم، أو منع لحقهم، فإن الله قد يجمع لفاعله بين العقوبتين: عقوبة في الدنيا، ليشفي قلب المظلوم المعتدى عليه. وعقوبة في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. فإن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق الخلق مبنية على المشاحة. والله سبحانه له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، ويحب من عباده أن يتصف بصفاته على شاكلة العبودية،

стр. 4505

كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فالله كريم يحب من يكرم الناس، وهو عفو يحب العافين عن الناس، وهو رحمن يحب من يرحم الناس، وهو محسنٌ يحب المحسنين. فقه القرض الحسن: والقرض الحسن هو ما وافق الشرع بالأمور الآتية: الأول: أن يكون القرض قرضاً خالصًا لله ، لا رياء فيه، ولا سمعة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقال النبي ﷺ أن الله قال: «أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ». أخرجه مسلم (١). الثاني: أن يكون من مالٍ حلال، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]. الثالث: أن تكون نفسه طيبة به، بحيث يفرح بالأجر أعظم مما يفرح المعطي بالعطاء، كما كان ﷺ ، فالله أعطاك لتعطي، والله جعلك اليد العليا، وجعل غيرك اليد السفلى، فلتطب نفسًا بما تقدمه لإخوانك المسلمين: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].

стр. 4506

الرابع: أن يكون الفرض في مرضات الله كأن يتصدق به على فقير، أو مسكين، أو مصالح عامة، ونحوها، لا فيما يغضب الله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. الخامس: أن لا يتبع ما أنفق مَنَّا ولا أذى، فإن أتبعه مناً أو أذى بطل ثوابه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وقال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. فقه تفاضل الأعمال الصالحة: تفاضل الأعمال الصالحة يكون بعدة أمور: ١ - بحسب العمل: جنسه أو نوعه. ٢ - وبحسب العامل. ٣ - وبحسب الزمان. ٤ - وبحسب المكان. ٥ - وبحسب الكيفية، والمتابعة. ٦ - وبحسب الإخلاص لله. ٧ - وبحسب الحال. فمثال العمل الصالح بحسب العمل جنسه ونوعه: كالصلاة أفضل من الزكاة، والزكاة أفضل من الصيام، هذا باعتبار الجنس.

стр. 4507

ومثاله باعتبار النوع: الفريضة من كل نوع أفضل من النافلة كما قال الله في حديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا». أخرجه البخاري (١). ومثال بحسب العامل: قول النبي ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،». متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ». متفق عليه (٣). ومثال العمل الصالح بحسب الزمان: كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ [القدر: ١ - ٣]. وقول ﷺ في عشر ذي الحجة: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ». أخرجه البخاري (٤). وقال النبي ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه (٥).

стр. 4508

ومثاله بحسب المكان: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة، والصلاة في سائر المساجد جماعة بسبعٍ وعشرين صلاة. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ». متفق عليه (١). وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ». أخرجه أحمد وابن ماجة بسندٍ صحيح (٢). ومثال العمل الصالح بحسب الكيفية: كالخشوع في الصلاة كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. ومثال العمل الصالح بحسب المتابعة: أنه كلما كان الإنسان أتبع للرسول ﷺ كان عمله أفضل وأزكى كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].

стр. 4509

وقال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. ومثال العمل الصالح بحسب الإخلاص: أنه كلما كان المسلم أشد إخلاصًا لله كان أكمل ممن خالط عمله شيء من الشركِ أو الرياء: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. ومثال العمل الصالح بحسب الحال: العبادة بين أهل الغفلة، والإعراض أفضل من العبادة بين أهل الطاعة والإقبال، ولهذا كان للعامل في أيام الصبر أجر خمسين من الصحابة، والعفة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ «ومَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». متفق عليه (١). وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. اللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداة مهتدين، يا رب العالمين.

стр. 4510

٧ - الخزانة السابعة فقه الأعمال الصالحة: الواجب على المسلم عندما يأمره الله بالعمل أن ينظر إلى ثلاثة أمور: ١ - مقام الربوبية. ٢ - ومقام الألوهية. ٣ - وذلة العبودية. فبنظر العبد إلى مقام الألوهية يفعل هذا العمل الصالح تعبدًا لله ، لأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٥٤ - ٦٦]. وبنظرة إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلقُ، والملك، والتدبير، والتصريف فيجب على العبد أن يخافه فيتخذ التقوى عبادة لله ربه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وقال الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وبنظره إلى ذلة العبودية يعلم أن الله غني عن كل ما سواه، وقادر على كل شيء، وعليم بكل شيء، ومحيط بكل شيء، والعبدٌ محتاج إلى ربه في

стр. 4511

كل حال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. أحكام الطاعات والمعاصي: والعبدُ مأمور بطاعة ربه في كل حال فإن الله خلق كل شيء يسبح بحمده، وخلق الإنس والجن لعبادته وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. والمؤمن مأمور بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي. ومن هَمَّ بالشيء المحرم من المعاصي والسيئات، ثم تركه، فله أربع حالات: الأولى: أن يترك المحرم لله، فيُثاب على هذا الترك، وتُكتب له حسنة كما قال النبي ﷺ : قال الله : «إذا تَحَدَّثَ عَبْدِي بأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فأنا أكْتُبُها له حَسَنَةً ما لَمْ يَعْمَلْ، فإذا عَمِلَها، فأنا أكْتُبُها بعَشْرِ أمْثالِها، وإذا تَحَدَّثَ بأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فأنا أغْفِرُها له ما لَمْ يَعْمَلْها، فإذا عَمِلَها، فأنا أكْتُبُها له بمِثْلِها. وَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : قالتِ الملائِكَةُ: رَبِّ، ذاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، وهو أبْصَرُ به، فقالَ: ارْقُبُوهُ فإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها له بمِثْلِها، وإنْ تَرَكَها فاكْتُبُوها له حَسَنَةً، إنَّما تَرَكَها مِنْ جَرَّايَ. وَقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إذا أحْسَنَ أحَدُكُمْ إسْلامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُها تُكْتَبُ بعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُها تُكْتَبُ بمِثْلِها حتَّى يَلْقَى اللَّهَ.». متفق عليه (١).

стр. 4512

وقال رسول الله ﷺ : «قالَ اللَّهُ : إذا تَحَدَّثَ عَبْدِي بأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فأنا أكْتُبُها له حَسَنَةً ما لَمْ يَعْمَلْ، فإذا عَمِلَها، فأنا أكْتُبُها بعَشْرِ أمْثالِها، وإذا تَحَدَّثَ بأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فأنا أغْفِرُها له ما لَمْ يَعْمَلْها، فإذا عَمِلَها، فأنا أكْتُبُها له بمِثْلِها. وَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : قالتِ الملائِكَةُ: رَبِّ، ذاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، وهو أبْصَرُ به، فقالَ: ارْقُبُوهُ فإنْ عَمِلَها فاكْتُبُوها له بمِثْلِها، وإنْ تَرَكَها فاكْتُبُوها له حَسَنَةً، إنَّما تَرَكَها مِنْ جَرَّايَ. وَقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إذا أحْسَنَ أحَدُكُمْ إسْلامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُها تُكْتَبُ بعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُها تُكْتَبُ بمِثْلِها حتَّى يَلْقَى اللَّهَ». متفق عليه (١). الثانية: إذا هَمَّ العبد بفعل السيئة، ثم تركها عزوفًا عنها، فهذا لا له ولا عليه، لعدم نيته كما قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (٢). الثالثة: أن يتمنى فعل المحرم، ويحرص عليه، ولا يعمل الأسباب التي يُحصله بها، فهذا يُعاقب على نيته السيئة، دون عقاب من فعلها، فمن نوى خيرًا أو شرًا فكأنما فعله لكن يُعاقب على النية لا على الفعل كما قال النبي ﷺ : «فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ». أخرجه أحمد وابن ماجة (٣). الرابع: أن يعزم على فعل المعصية، ويفعل الأسباب، ولكن يعجز عنها، فعليه إثم فاعلها كمل قال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ قال: «إِنّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ. ثُمّ بَيّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا

стр. 4513

كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمّ بِسَيّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا الله سَيّئَةً وَاحِدَةً». متفق عليه (١). ومن عزم على فعل المعصية، وفعل الأسباب، لكنه عجز عن فعل المعصية فعليه إثم فاعلها. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ الثَّقَفِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولُ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». متفق عليه (٢). حكم النسيان والجهل النسيان ذهول القلب عن معلوم، والجهل ارتكاب المخالفة بغير قصد المخالفة، ويسمى الخطأ، وقد رفع الله المؤاخذة بالنسيان، والخطأ كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. «قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ». أخرجه مسلم (٣). ولا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب بأداء العمل، فمن ترك الواجب نسيانًا أو جهلًا وجب عليه قضاؤه لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا». أخرجه مسلم (٤).

стр. 4514

وقول النبي ﷺ للمسيء بصلاته: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». متفق عليه (١). ومن فعل منهيات جاهلًا أو ناسيًا فلا إثم عليه ولا كفارة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». متفق عليه (٢). ولو أكل المسلم وهو صائم جاهلًا بالحكمِ أو الوقت فصومه صحيح. عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ قَالَتْ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالقَضَاءِ؟ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا». أخرجه البخاري (٣). ومن فعل المحرم عالمًا بالتحريم جاهلًا بما يترتب عليه من الحكم لم يسقط عنه الإثم، ولا ما يترتب عليه. عن أبي هريرة ﵁ قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: مَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي، وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ

стр. 4515

بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». متفق عليه (١). والطاعات محبوبات رب العالمين، والمعاصي يبغضها الرب سبحانه. أسباب المعاصي: المعاصي سببها أمران: الأول: إتباع هوى النفس، والنفس أمارة بالسوء، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. والثاني: الشيطان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]. وقال : ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. فإذا اجتمعت النفسُ، والشيطان، على الإنسان انحرف إلى معصية الله بأنواع المعاصي، والفواحش، والكبائر: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. والمعاصي نوعان: ١ - معصية يوحي بها الشيطان. ٢ - ومعصية تصُر عليها النفس. فمن حدثته نفسه بمعصية، ولم تتراجع عنها، بل أصرت عليها نفسها، فهذه معصية من النفس، كمن يصر على شرب الخمر، أو الزنا، أو غيرهما؛

стр. 4516

لأن النفس تريد المعصية من هذا اللون فقط، لأنه يحقق لها الشهوة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. أما الشيطان فهو يريد الإنسان عاصيًا لربه بأي شكل، فإن عز عليه في باب من أبوب المعصية طرق عليه بابًا آخر فيصيده به: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]. فالشيطان يجر الإنسان من المُباحات، إلى الصغائر، إلى الكبائر، حتى يرتد عن دين الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وأفضل أحوال العبد أن يكون عابدًا لربه، ممتثلًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]. وحسن الأدب وكماله أن تُسمي الله على كل عملٍ صالحٍ، وتستغفر الله عن تركها فيما مضى، وتستغفر الله عن كل عبدٍ نسيها إذا عمل.

стр. 4517

وكذلك تحمد الله على كل نعمةٍ أنعم الله بها عليك وعلى غيرك، وتستغفر الله عن تركها على ما مضى من النعم، وتستغفر الله عن كل عبدٍ ترك ذكرها. وبذلك تحصل لك بركة هذا وهذا، فكل فعل يفعله العبد، أو يفعله الله، له مكان، وزمان، وفاعل، ومفعول، وسبب، وقدرة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فهذه ستة أمور لا يملكها إلا الله وحده، فحين أريد فعل شيء أستعين بالله، وأعلقه بمشيئة الله، وأقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فتُسمي التسمية عند الأكل، وعند الجماع، وكذا عند تلاوة القرآن. وحين أرى فعل الله، ونعمه، وإحسانه أقول: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله، فنسمي الله على ما نريد أن نفعل مستعينين بالله القادر على كل شيء، ونحمد لله على ما فعل الله لنا: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية/ ٢٦ - ٣٧].

стр. 4518

٨ - الخزانة الثامنة فقه الفساد في الأرض: الله ﷻ جَمَّل الكون بآياته الكونية، وجَمَّل الإنسان بأحكامه الشرعية: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: ٥]. وجَمَّل الإنسان بأحكامه الشرعية: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. وصلاح الإنسان بفعل ما أمره الله به، واجتناب ما نهاه الله عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. والفساد في الأرض يكون بتغيير ما خلق الله. وفساد الحياة البشرية يكون بنقل مجال الأمر، وجعله في مجال النهي، بنقل مجال افعل في لا تفعل، ومجال لا تفعل في افعل، أما المباح فلا يترتب عليه فساد ولا صلاح. فقمة الفساد في الأرض أن تترك الواجبات، وترتكب المنهيات، أن تخرج بـ افعل، ولا تفعل، عما شرع الله، فتعوق شرع الله أن يحكم الناس، فيحصل الفساد، لأن هذا يفعل كذا، وذاك يفعل كذا، فيحصل التصادم والفساد في الأرض: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].

стр. 4519

فالصلاح بإتباع الهدى، والفساد باتباع الهوى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. فمن نقض العهد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، فقد أفسد في الأرض، وخسر دنياه، وآخرته، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. فمن أفسد الحياة والدين فقد خان الأمانة، وعطل القلوب والألسن عن الحمد، والثناء على الرب العظيم الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات، والأرض، وله خزائن السماوات، والأرض، وله كل شيء، ذو الفضلِ، والأنعامِ، والإحسان، الذي أحسن خلق كل شيء

стр. 4520

وأنزل أحسن الهدى والدين: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]. وكل جميل يُنسب إلى الله، ويُحمد عليه الرب، من الأقوالِ، والأعمالِ، والأخلاقِ، والأسماءِ، والصفاتِ، وكل قبيح يُنسب إلى العبد، ويذم عليه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]. وأصلُ كل فساد في الكون إخراج الشيء عن حده إلى ضده، وأول اعتدالٍ في الكون هو التوحيد، والعبادة لله وحده لا شريك له: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. فأول اعتدال في الكون هو توحيد الله بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وتوحيده بعبادته وحده لا شريك له، فمن صرف ذلك لغير الله، فقد فسد وأفسد؛ لأن كل إنسان سوف يمشي على هواه، والأهواء مختلفة، فيحصل الفساد منك، ومن غيرك، ثم يكون الفساد العام، وأول ظاهرة من ظواهر الفساد أن الأمر صادر عن هوى الإنسان: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
следующие страницы →