حقيقة الرسالة:
أرسل الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ رحمة بالعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فمحمدٌ ﷺ رحمة للعالمين كلهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فمن آمن به نال هذا الخير، ومن لم يؤمن به فهو الذي حرم نفسه، وضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى المبسوطة لكل أحد، ولو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء سهلة التناول، فمن سقى نفسه ومواشيه وزرعه بمائها صلحت حاله وتتابعت عليه النعم، ومن فرط وكسل عن العمل ضيع نصيبه من تلك العين، فقد حرم نفسه من منافع تلك العين، فساءت حاله؛ لأنه حرمها مما ينفعها، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
وقال : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].
وأفضل الخلق على الإطلاق هو سيد الخلق سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، وقد ذكر الله من أسماء النبي ﷺ في القرآن اسمين هما محمد وأحمد، والفرق بينهما في الصيغة أن اسم محمد اسم مفعول يعني محمود، وأحمد تفضيل، والفرق بينهما في المعنى في محمد الفعل واقعًا من الناس، أي الناس يحمدونه لكمال صفاته وأخلاقه.
وفي أحمد يكون الفعل واقعًا منه ﷺ فهو ﷺ أحمد الناس لله -تَعَالَى-، وهو أحق الناس أن يحمد ولعل هذا هو السر في أن الله ألهم عيسى أن يقول أحمد لبني إسرائيل لأنه أحمد الناس لله - تعالى-، وهو أحق الناس
стр. 4447
بالحمد، كما قال : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
فصلوات الله وسلامه عليه، وأفضل صيغة للصلاة على النبي ﷺ هي ما علمه أصحابه في الصلاة عليه والسلام عليه، وهي: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». متفق عليه (١).
أما السلام فيقول كما جاء عن النبي ﷺ في تشهد الصلاة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأما الصلاة فيصل عليه وعلى آله وأزواجه و ذريته وأتباعه إلى يوم القيامة، فإن الآل تطلق على الأتباع.
ورسول الله ﷺ أرسله ربه رحمة للعالمين، لقد كان ﷺ أرحم الخلق بالخلق، وأشفق الخلق على الخلق وأرحمهم لهم، فقد كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله لئلا يعمل به الناس فيفرغ عليهم فيشق عليهم، ومن ذلك ترك قيام رمضان جماعة في المسجد لئلا يفرض على الأمة، وترك تأخير صلاة العشاء لوقتها الأفضل، والوصال لئلا يشق على الأمة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا». متفق عليه (٢).
стр. 4448
فسبحان من خص رسوله ﷺ بالأقوال الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الكريمة، وقد خص الله رسوله محمد ﷺ بأشياء ففرض عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرّم عليه أشياء لم تحرّم على الأمة، وأُحِل له أشياء لم تحل للأمة، فأما ما فُرِضَ عليه فالتهجد بالليل والوتر، والسواك وقضاء دين من مات معسرًا وإذا عمل عملاً أثبته، وإنكار المنكر إذا رآه، وتخيير النساء.
وأما ما حُرِمَ عليه فمن ذلك تحريم الزكاة عليه وعلى آله، وتحريم صدقة التطوع عليه، وخائنة الأعين وهي أن يُظْهِر خلاف ما يبطن، وحرام عليه إذا لبس لأمة الحرب أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وأكل الأطعمة الكريه الرائحة، التبدل بأزواجه، وقول الشعر وتعليمه، وأن يمُد عينه إلى ما متّع به الناس من الأزواج والأولاد: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١].
وأما ما أحُل له خُمس الخُمس، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، والنكاح بلفظ الهبة، والنكاح بغير ولي، والنكاح بغير صداق، وسقوط القسم بين الأزواج عليه، ولكنه ﷺ كان أحسن الناس عدلًا وقسمًا، ومما أُحل له القتال في مكة، وأنه لا يُرَث وبقاء زوجيته بعد وفاته، ولا تنكح أزواجه من بعده فهذا من خصائصه ﷺ .
стр. 4449
١٠ - الخزانة العاشرة
فضل هذه الأمة:
هذه الأمة خير أمةٍ أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمن بالله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فهذه الأمة أفضل الأمم، كما أن النبي ﷺ أفضل الأنبياء والرسل، فهذه الأمة أفضل من بني إسرائيل، فقد ابتلى الله أصحاب النبي ﷺ بالخوف، وابتلاهم بطمع، وابتلى بني إسرائيل بخوف وابتلاهم بطمع، فاستجاب أصحاب النبي ﷺ له ﷺ ولم يستجب بنو إسرائيل لأنبيائهم ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
والابتلاء الذي يظهر به الفضل وعدمه إنما يكون بخوف أو طمع، فابتلي الصحابة في بدر بخوف من عدوهم فصبروا وثبتوا؛ فنصروا: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦].
وابتلي بنو إسرائيل بخوف من الجبارين فجبنوا وخافوا وعوقبوا بالتيه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٥].
والصحابة ﵃ صدقوا الرسل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
وبنو إسرائيل عادوا الرسل وكذبوهم وقتلوهم: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة: ٧٠].
ولهذا الله رضي عن هذه الأمة، وعن القرن الأول خاصة، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
مشاورة النبي ﷺ لأصحابه:
أرسل الله رسوله محمد ﷺ رحمة للعالمين وأمره بمشاورة أصحابه؛ لأنهم سيرثون العمل بالدين والدعوة إليه وتعليم شرعه من بعده فقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فالدين عظيم والدعوة إلى الله عظيمة ونشر الدين في العالم يحتاج إلى بذل الأوقات والأنفس والأموال وترك الشهوات، والأوطان والأهل من أجل
стр. 4452
إبلاغ دين الله كما أمرا الله بقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والأمة سترث هذا العمل العظيم بعد النبي ﷺ وإبلاغه للناس كافة إلى يوم القيامة لهذا أمر الله نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه في أمر الدين وكيفية انتشاره، ورغبهم في بذل الأوقات والأنفس والأموال في سبيل إعلاء كلمة الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
فبالمشاورة يعلم الإنسان خير الأمور وشرها وأفضلها وأحسنها وقد أمر الله رسوله ﷺ بمشورة أصحابه لأمور:
الأول: إن مشورة النبي ﷺ لأصحابه توجب علو شأنه ورفع مقامهم وذلك يوجب شديد محبتهم له ولزوم طاعته وشعورهم بمسئوليتهم عن هذا الدين من بعده.
الثاني: إن النبي ﷺ وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية فلا يبعد أن يختار ببال أحدهم من وجوه المصالح مالا يختار بباله خاصة في أمور الدنيا فقد قال ﷺ : «: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ.» (١).
الثالث: أن الله أمر رسوله ﷺ بمشاورة أصحابه ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنةً في أمته، ويتعبد لله بالشورى في سبيل إعلاء كلمة الله.
стр. 4453
الرابع: أنه ﷺ شاورهم في الخروج إلى أحد فأشاروا عليه بالخروج فحصل ما حصل من رفع النصرة عن الصحابة فأمره الله بمشاورتهم بعد ذلك ليدل على أن قلبه لم يبق به أثر من تلك الغزوة.
الخامس: وشاورهم في الأمر لا لتستفيد منهم رأيًا وعلمًا، لكن لتعلم مقدار عقولهم و أفهامهم، ومقدار حبهم لك، وطاعتهم لك ليتميز عندك الفاضل من المفضول، فتستعمل طاقتهم في خدمة الدين كلٌ بحسبه.
السادس: وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم ولكن ليجتهد كل واحد منهم إلى استخراج الرأي الشديد لمصلحة الدين؛ لأنهم سيحملون أمر الرسالة والدعوة بعدك.
السابع: أن الله أمره بمشاورتهم ليعلمهم أن لهم عند الله قدرًا وقيمة فهذا يفيد أن لهم قدرٌ عند الله وعند الرسول وعند الخلق: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٨].
الثامن: أن الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين منه فالصحابة ﵃ أنصح الخلق للرسول ﷺ ولهذا الدين وهذا الدين لهم فشاورهم فما يتعلق بنشره والدفاع عنه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فإذا حصل الأمر المتأكد فلا تعتمد عليه بلا اعتمد على الله وحد، والمشاورة لا تكون فيما نزله من الوحي بالإخبار والأحكام، بل تكون فيما تتطلب الاجتهاد في حسن الاختيار وقد شاور الرسول ﷺ أصحابه في عدة مناسبات في غزوة بدر وغيرها من المناسبات.
стр. 4454
حكم الصلاة على النبي ﷺ وغيرها:
الصلاة على النبي ﷺ مشروع بالقرآن والسنة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا». أخرجه مسلم (١).
وإما الصلاة على غير النبي ﷺ فلها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إما أن تكون على أهله وأزوجه وذريته فهذى مشروعة مع الصلاة عليه وجائزة مفروضة.
الحالة الثانية: أما أن تكون الصلاة على الملائكة أو الأنبياء وأهل الطاعة عمومًا فهذى جائزة فتقول اللهم صلى على ملائكتك المقربين، وأهل طاعتك أجمعين.
الحالة الثلاثة: أما أن تكون الصلاة على شخص معين أو طائف معين فهذه تجوز لكن بشرط ألا تتخذ شعار يداوم عليه.
أما ثمرات الصلاة على النبي ﷺ
فالنبي ﷺ أفضل بني آدم وخاتم الأنبياء والرسل وأعرف الخلق بربه وأعظمهم عبادة لله وأكملهم أخلاقًا وأعظمهم جهاد في سبيل الله وأعظمهم دعوة إلى الله وتعليمًا لشرعة وإحسان إلى خلقه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
стр. 4455
لهذا استحق ﷺ أن يُحمد في السماء والأرض فهو أحمد الخلق لربه وهو محمودٌ في السماء والأرض والله وملائكته يصلون عليه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقد أمرنا الله بالإكثار من الصلاة عليه لما خاص الله به من هذا الجهاد العظيم في إبلاغ دين الله واتصافه بأحسن الأخلاق حتى أثنى عليه ربه بقوله وإنك لعلى خلق عظيم وفوائد الصلاة عليه ﷺ كثيرة منها امتثال أمر الله سبحانه بالصلاة عليه وموافقة الله بالصلاة عليه وموافقة الملائكة بالصلاة عليه وحصول عشرة صلوات لمن صل عليه مرة وأن يرفع للمصلى عليه عشرة درجات ويكتب له عشرة حسنات ويمح عنه عشرة سيئات وأنه يرجى إجابة دعائه إذا قدمها بين دعائه هي سبب لغفران الذنوب وسبب لقرب العبد منه وسبب لشفاعته له ﷺ وسبب لصلاة الله وملائكته عليه وسبب لرد النبي عليه وسبب لطيب المجلس، وسبب لنفى البخل عن ما صل عليه، وسبب لخروج العبد عن الجفاء، وسبب لنيل رحمة الله وسبب لدوام محبته ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد
стр. 4456
٢٩ - خزائن الأعمال الصالحة
القسم الأول
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 4457
٢٩ - خزائن الأعمال الصالحة
القسم الأول
١ - الخزانة الأولى
فقه الأعمال الصالحة:
الأعمال الصالحة هي كل ما أمر الله ورسوله به سواءً كان امتثالًا للأوامر كالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام وغيرها من أنواع العبادات والطاعات، أو كان اجتنابًا للنواهي كالأمر باجتناب الكفر والشرك، والكبائر والفواحش، والمعاصي والبدع.
وسواءً كانت أقوالاً كالأدعية والأذكار، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
أو كانت أفعالًا كالوضوء والصلاة والحج والجهاد، وسواء كانت أعمالًا قلبية كالإيمان والتوحيد، والخوف والرجاء، والحب لله، والتعظيم له، والذل له والتوكل عليه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
стр. 4458
أو كانت أعمالًا تخص اللسان كالأدعية والأذكار، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والنصح لكل مسلم، أو كانت أعمالًا تخص الأبدان كالصوم والصلاة والجهاد والحج ونحو ذلك من الأعمال الصالحة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
وقال الله : ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
وقال الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٧ - ١٧٩].
ونية المؤمن خير من عمله عند العذر، والنية لا تنفك عن الفعل، ومقصود جميع الأعمال الصالحة تنوير القلب بمعرفة الله، ومعرفة عظمته وقدرته، وتطهيره مما سوى الله، والقصد من تكرار الأعمال الصالحة؛ أن يذكر القلب ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يحبه ويكبره ويعظمه ويطيعه.
والقلب أشرف من الجسد، وفعله أشرف من فعل الجسد، والجسد يأتمر بأمر القلب، فكانت النية أفضل من العمل.
стр. 4459
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
وعن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (٢).
أنواع الأعمال التي يباشرها الإنسان:
الأعمال ثلاثة أنواع:
١ - طاعات.
٢ - ومعاصي.
٣ - ومباحات.
فالطاعات مرتبطة بالنية في الأصل وفي الفضيلة، فالأصل أن ينوي بها المسلم عبادة الله وحده لا شريك له، فإن نوى بها الرياء صارت معصية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وأما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنات في كل عملٍ صالح، فمن نوى إذا دخل المسجد بالصلاة ركعتين، ركعتي الوضوء وتحية المسجد والسنة الراتبة، كتب الله له أجر تلك النيات: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
стр. 4460
وكذا المباحات وكل شيء مباح، إذا نوى به العبد التقرب إلى الله صار طاعةً يؤجر عليها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فالنية تجارة العلماء يربحون على الله فيها ما لا يربحه غيرهم.
أما المعاصي فلا تتغير بالنية؛ فالمعاصي لا تنقلب طاعات بالنية، فالذي يسرق ويتصدق فعله كله معصية، لأن طيب لا يقبل إلا طيباً.
أقسام المؤمنين في النيات:
نيات الناس في الطاعات أقسام:
منهم من يعبد الله خوفًا منه، ومن عذابه، ومنهم من يعبد الله طمعًا في ثوابه وهو الرغبة في الجنة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومنهم من يعبد الله؛ لأنه العظيم الذي يستحق أن يعبد لذاته وجماله وجلاله، وإنعامه وإحسانه؛ راجيًا لثوابه، خائفًا من عقابه.
وهؤلاء هم أولو الألباب المقربون ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وثواب الناس بقدر نياتهم، فأعبد الله، لأنه أهل أن يُعبد، وأهل أن يذكر، وأهل أن يوحد، واهل أن يُشكر، لتتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم ويفوز بالجنة والرضوان: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
стр. 4461
وقال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
ونسبة اللذة بنعيم الجنة إلى لذة النظر إلى وجهه الكريم، كنسبة نعيم الجنة إلى وجه الله الكريم.
ثواب الأعمال الصالحة:
الأعمال الصالحة: هي كل قول أو فعلٍ أمر الله ورسوله به، وأداه العبد؛ ابتغاء مرضات الله ، وامتثالًا لأمره: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 4462
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وغير ذلك من الآيات الواردة في كتاب ربنا .
فقه العمل الصالح:
العمل الصالح يشمل كل قول وفعل.
العمل أعم الأحداث، وهو تعلق الجارحة بما نيطت به؛ فالقلب جارحة عملها النية، واللسان جارحة عملها القول، والعين جارحة عملها الرؤية.
أما الفعل: فهو تعلق فعل غير اللسان بما نيط به، أما تعلق اللسان فهو قول؛ فالقول والفعل يسمى عملًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
وقال الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وأعظم صفقة رابحة هي الإيمان، والأعمال الصالحة؛ فالدنيا وقتها محدود، ودنيا كل احد بقدر عمره، وعمره فيها مظنون لا يدري متى يموت؟ ورزق الإنسان في هذه الدنيا بقدر ما قسم الله له؛ فالأرزاق مقدرة مكانًا وزمانًا وكميةً ونوعية: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي
стр. 4463
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
أما الآخرة فعمرها مطلق، وعمر الإنسان فيها مطلق، والنعيم فيها على قدر عطاء الخالق: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
والرابح حقًا من استعمل الدنيا وما وهبه الله في سبيل الوصول إلى رضوان الله والفوز بالجنة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فحياة الإنسان في هذه الحياة الدنيا إيمان وعمل وعبادة لله وحده لا شريك له، قيامٌ بالعمل، ودعوة إلى الأعمال الصالحة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
والعمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون خالصًا لله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
стр. 4464
وقال الله في الحديث القدسي: «أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَه». أخرجه مسلم (١).
الثاني: أن يكون مطابقًا لما جاء به النبي ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الثالث: أن يكون ذلك العمل مبنيًا على أساس الإيمان؛ لان العمل كالسقف لابد له من أساس يثبت عليه وإلا انهار كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فهذا العمل الصالح هو الذي يقبله الله، وينفع صاحبه يوم القيامة ويدخل العبد بسببه الجنة، فإذا اختل أحدٌ من هذه الأمور لم يكن عملًا صالحًا كالذي يعمله الكفار يريدون به وجه الله: كبر الوالدين، ومواساة الفقراء، وإعانة المظلوم، لا تنفعهم تلك الأعمال يوم القيامة، لفقدها شرط الإيمان كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].
стр. 4465
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨].
لكن هذه الأعمال إن وقعت صالحةً خالصةً تنفعهم في الدنيا، وأثابهم الله عليها في الدنيا مالاً أو ولدا أو صحة ونحو ذلك؛ لأن الله لا يضيع عنده شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا». أخرجه مسلم (١).
والعمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا تقبله الله منه، ولا يعمل المؤمن عملًا صالحًا إلا إذا وفقه الله إليه وأعانه عليه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
والعمل الصالح إنما صار سببًا لدخول الجنة؛ لأن الله تقبله، ووفق صاحبه إليه، وأعانه عليه؛ ولهذا صار دخول الجنة بفضل الله ورحمته، وصار العمل الصالح سببًا لدخول الجنة كما قال سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣]
стр. 4466
أما التوفيق والعمل الصالح فهو فضلٌ من الله على من شاء من عباده كما قال النبي ﷺ : «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا». متفق عليه (١).
والقرآن الكريم بحر العلوم، بين الله فيه كل شيء، وهو بحر لا ساحل له، جمع الله فيه علوم الأولين، وعلوم الآخرين، وعلوم الدنيا، وعلوم الآخرة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والسنة النبوية قطرةٌ من بحره؛ لأن جميع ما جاء به الرسول ﷺ يدخل في قوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وأبواب السماء تفتح لأعمال المسلمين، ودعائهم، وأرواحهم، كما قال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
أما الكفار، والمكذبون لله ورسله، والمستكبرون عن عبادته سبحانه، فلا تفتح لهم أبواب السماء؛ لا تفتح لأحدهم أبواب السماء، لأن أعمالهم مردودة غير مقبولة، ولا تفتح لدعواتهم أبواب السماء، لأنها غير مستجابة للشرك المانع من قبول الدعاء، ولا تفتح لهم أبواب السماء بالبركات لكفرهم ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
ولا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار إذا ماتوا لأنهم كفار، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ
стр. 4467
الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ [الأعراف: ٤٠ - ٤٢].
حكم أفعال العباد.
انقسم الناس في كسب العبد إلى ثلاث أقسام:
الأول: قومٌ قالوا: إن العبد يخلق أعمال نفسه بلا تأثيرٍ لقدرة الله فيها، وهذا مذهب باطل؛ لأن الله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وهذه الطائفة غلت في التفريط، حتى سلبوا الله قدرته، وأوقعوا في ملكه ما لا يريد، ومحالٌ أن يقع في ملك الله شيء إلا بمشيئته.
وهذا مذهبٌ باطل لأن الله خالق كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثاني: قوم قالوا: إن الفعل فعل الله، والعبد مجبور على أفعاله، فلا خيار له، ولا يعذب بفعل الله.
وهذا مذهب باطل؛ لأن الله خلق الإنسان مخيرًا ليؤمن أو يكفر، أو يطيع أو يعصي، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
стр. 4468
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
الثالث: وهم أهل الحق الذين قالوا: إن الله خلق للعبد قدرة، فهو القادر الذي أقدر كل قادر من إنسان وحيوان، ونبات وجماد.
فالله خلق للعبد قدرة وإرادة ومشيئة، ولكنها لا تنفذ إلا بمشيئة الله، ويصرفها الله إلى ما سبق به العلم الإلهي، فيأتيه العبد طائعًا مختاراً.
وهذا هو المذهب الحق، فإن الله خلق العباد، وخلق أفعالهم، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
ولا يقع في ملكه سبحانه إلا ما يشاء، وقد مكن الكل من أسباب الهداية، وتفضل بها على من شاء، ومنعها من شاء وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
هدى سبحانه من شاء بفضله، وأضل من شاء بعدله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال الله : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
فالله خلق الخلق وأمرهم، وسيوفق كله منهم إلى ما سبق له علمه الأزلي.
قال النبي ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً قَالَ: فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ
стр. 4469
الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠].». متفقٌ عليه (١).
والطبع والختم على قلوب الكفار ما كان إلا بسبب ذنوبهم، فإن الله يسبب للإنسان الضلالة بسبب ارتكاب الذنوب، كما يسبب له الهدى بسبب الطاعات، فالعبد إذا سار على الكفر، وتكذيب الرسل، عاقبه الله بأن زاده الله ضلالاً على ضلاله، وجاءه الطبع والختم بسبب كفره وبغيه كما قال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٥ - ١٥٦].
وقاله سبحانه عن الكفار: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
وقال سبحانه عن المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
والحسنات والطاعات سببٌ لزيادة الهدى كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا برحمتك شر ما قضيت.
стр. 4470
٢ - الخزانة الثانية
شروط العمل الصالح:
لابد لكل عملٍ صالح من ثلاثة أمور:
١ - أن يكون خالصًا لله .
٢ - ومشروعًا في الدين.
٣ - مؤدى على سنة رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فإذا لم يكن العمل خالصًا لله لم يقبل؛ لأنه شرك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
وإذا لم يكن العمل على ما شرع الله لم يُقبل؛ لأنه بدعة في أصله كما قال النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
وإذا لم يكن على سنة رسول الله ﷺ لم يقبل؛ لأنه بدعة في كيفيته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فنصلي لله وحده؛ لان الله شرع الصلاة وإتباعًا لسنة النبي ﷺ في تلك الصلاة، حيث قال ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». متفق عليه (٢).
стр. 4471
أثر الحلال على العمل:
الأكل من الحلال له أثر في العمل الصالح، وإجابة الدعاء؛ لهذا أمر الله الرسل بالأكل من الطيبات والعمل الصالح: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
ومن أكل الحرام فإن دعاءه لا ينفعه؛ لأنه لا يأكل الحلال، ولم يشرب منه، ولم يركبه، ولم يلبسه، فأنى يستجاب لمثل هذا؟
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقد نهى الله ورسوله عن المعاصي وهي كبائر، وصغائر.
والكبائر كل ذنبٍ توعد الله عليه بنارٍ أو بغضبٍ أو عذابٍ أو حد.
والكبيرة أعظم من مطلق المعصية، ويدل عليها تغليظ التحريم وتوكيده.
والكبائر غير محصورة، والصغائر غير محصورة كذلك.
والمعاصي كبائر وصغائر، غير أنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وكبائر الإثم ليست محدودة في عدد معين، ومنها السبع الموبقات وهي:
الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، واكل الربا، واكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
ومن الكبائر قتل الولد، والزنا بحليلة الجار، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، واستحلال حرمة البيت الحرام، والرجوع إلى البادية بعد الهجرة، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، ومنع فضل الماء،
стр. 4472
ومنع فضل الكلام، وتسبب الرجل في سب و الديه، والوقوع في عرض المسلم، والجمع بين صلاتين من غير عذر، والأضرار في الوصية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، وسوء الظن بالله، والغلو، والذين اشتروا بعهد الله وإيمانهم ثمنًا قليلا.
فليجتنب العبد هذه الأعمال المهلكة، ويحذر منها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
اقسام الطاعات:
الطاعات أقسام.
فالطاعة: هي كل ما يحبه الله ويرضاه.
والطاعات أقسام:
قوليه، وفعلية، ظاهرةٌ وخفية، لازمة ومتعدية.
فالطاعات القولبة: كتلاوة القرآن، والأذكار، والأدعية والدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
فاللازمة: ما كان قاصرًا على الإنسان وحده، سواء كان فيما بنيه وبين الله كالتقصير في العبادات، أو التقصير فيما بينه وبين الناس كالنظرة المحرمة، والمتعدية وهي أعظم: كالقتل والزنا والرشوة ونحو ذلك.
والذنوب قسمان كذلك:
١ - ظاهرة.
٢ - وباطنة.
فالظاهرة: كترك الصلاة، وشرب الخمر ونحوهما.
والباطنة: كالشرك والحسد والنفاق ونحو ذلك.
والذنوب قسمان كذلك:
١ - قوليه.
٢ - وفعلية.
فالقولية كالكذب والغيبة والنميمة، والفعلية كالقتل والزنا والسرقة ونحو ذلك ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
أصل العمل.
سر الحياة ليس بمعرفة الزمان والمكان والمخلوق، وإنما سرها الوحيد معرفة خالق الكون، وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقد جعل الله معرفة المخلوقات سبيلًا وطريقًا إلى معرفته وعبادته، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
стр. 4475
وإذا عرفتم ذلك كبرتم الله وعظمتموه وحمدتموه وشكرتموه وأحببتموه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والزمان والمكان والمخلوق وسيلة لمعرفته، وموسم ومكان للقرب منه وعبادته وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
الزمان موسم، والمكان موطن، للقرب منه ﷻ بأي عمل صالح، وليس القصد في الشعيرة من صلاة وزكاة وصيام وحج ونحوه، بل المقصود الأكبر تعظيم الشعيرة، لأن الله أمر بها: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وليس القصد العمل، إنما المقصود قبول العمل؛ فالمنافقون كانوا يصلون مع النبي ﷺ ، وهم في الدرك الأسفل من النار، وابني آدم كلاهما قاما بالعمل، وقربا قربانًا، فقبل الله من قدم العمل لله بالتواضع والانكسار، ورد من قدم العمل بالاستعلاء والاستكبار: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣٠].
стр. 4476
وكل عمل تتقدم به إلى الله، وتعمله لله، إن نسبته إلى نفسك وقوتك وعقلك وجهدك لم يقبل، لأن جميع النعم من الله، ومنها الهداية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فكل شيء بأمر ربي وحده، وكل شيء بفضل ربي وحده، صاحب الفضل والإحسان في كل عباده؛ ولهذا حسن الاستغفار بعد كل عبادة من العبادات الكبار: كالصلاة والصيام والحج؛ لإزالة أوساخ الالتفات إلى غير الله وقت العمل: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وكلما زاد الإيمان جاء التواضع، كالسنبلة كلما امتلأت بالحب تواضعت ومالت إلى الأسفل، وكلما كانت فارغة زادت استعلاء وشموخا.
وإذا نسبت العطاء لواهبك زادك منه، وإذا نسبته إلى نفسك حرمك منه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
والذي يقول: لا أملك شيئًا، يملكه الله ما يشاء، والذي يقول: أنا املك وعندي كذا، الله لا يعطيه؛ ولهذا قال سبحانه لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والله حكيم عليم شاء إن يذكر ويشكر، فخلقنا لنذكره ونشكره ولابد مع هذا من الصبر، فإذا ذكرناه سبحانه ذكرنا، وإذا شكرناه زادنا، وإذا صبرنا على ما يحبه ويرضاه أحبنا، وكان معنا، فالذكر والشكر والصبر أعظم
стр. 4477
الصفات التي يحبها الله كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
والشكر وحده لا يكفي، بل لابد معه من الصبر؛ لأننا في دار الامتحان والابتلاء ونبتلى بالخير والشر: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
ففي حال الخير نحتاج إلى الشكر، وفي حال الشر نحتاج إلى الصبر، فالمؤمن الحق إن أصابه خير حمد ربه وشكره، وان أصابه شرٌ حمد ربه وصبر، كما في حديث صهيب أن النبي ﷺ قال: «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ». أخرجه مسلم (١).
стр. 4478
ولكي تأتي فينا هذه الصفات نحتاج إلى ثلاثة أمور:
تخليه ..
ثم التزكية ..
ثم تحليه.
فالنفس كالإناء لا بد أن تفرغ من الشر، ليمكن ملؤها بالخير، والنفس بطبيعتها إمارة بالسوء: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
فجاهد نفسك على فعل الخير، واجتناب الشر، تعطى الهدية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 4479
٣ - الخزانة الثالثة
فقه الأعمال الصالحة:
الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو الكبير قبل أن نكبره، وواحد قبل أن نوحده، ومحمود قبل أن نحمده، لا يزداد بتكبيرنا كبرياء، ولا بتعظيمنا له عظمة؛ لأنه كامل الذات والأسماء والصفات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو الغني سبحانه عن كل ما سواه، لا ينفعه إيمان المؤمنين به، ولا يضره كفر الكافرين به سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]
وإنما نفع الإيمان والطاعات والأعمال الصالحة يعود على المؤمنين، وضرر الكفر والمعاصي يعود على الكافرين: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (٧)﴾ [الإسراء: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
ومن عمل صالحًا أو سيئًا، قطف ثمرته، أو نال عقوبته: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣١].
стр. 4480
فاجتهد أن تكون صالحًا ومصلحا، وذاكرًا ومذكرا، وعالمًا ومعلما، تفوز بأعلى الدرجات عند ربك الكريم: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
واجتهد على نفسك بكمال الإيمان والتقوى، واجتهد على غيرك بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان لخلق الل، يهديك الهادي إلى سبل رضاه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
أفضل حياة:
أفضل حياة في العالم هي حياة الأنبياء والرسل، وأفضل حياة الأنبياء والرسل هي حياة النبي ﷺ ، ومدتها ثلاث وعشرون سنة، وكلها تشريع، ولهذا هي الحياة المحفوظة بالكامل من بين سائر الأنبياء، لأنها أفضل حياة، وأجمل حياة، وأطهر حياة أمر الله البشر بالاقتداء بها كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وحياة النبي ﷺ هي الدين، وهي المقبولة عند الله، ولا سعادة للإنسان إلا بالاقتداء بها؛ لأنها أسهل حياة، وأطهر حياة، ومراد الله أن نمشي على هذه الحياة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ
стр. 4481
وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
وهناك أربعة شروط لقبول هذه الحياة، وهذه الشروط الأربعة تسمى جهد الأنبياء وهي:
الأول: التضحية بكل شيء، من اجل إعلاء كلمة الله.
الثاني: الاستقامة على أوامر الله في كل حال.
الثالث: السابقية إلى كل عمل صالح.
الرابع: الدعاء والاستعانة بالله وحده لا شريك له.
فمن أكمل هذه الشروط جاءت حياة النبي ﷺ في حياته، وهي مزاج جميع الأنبياء، وبها يحفظ الله الأمة.
فالتضحية والمجاهدة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والاستقامة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والسابقية والمسارعة إلى الخيرات، كما قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 4482
وقال تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والدعاء والاستغاثة والاستعانة بالله كما قال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وقال الله تعالى عن نوح ﷺ : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ [القمر: ٩ - ١٤].
فالله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة:
المحرمون من نظر الله إليهم يوم القيامة أصناف هم:
الصنف الأول: من يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنًا قليلا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧].
الثاني: من حلف بالله كاذبا، ومن منع فضل ماء عن غيره.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ
стр. 4483
كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». متفق عليه (١).
الثالث: الحاكم الذي يحتجب عن رعيته، ولا ينظر في حاجتهم وفقرهم.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَاحْتَجَبَ دُونَ خَلَّتِهِمْ، وَحَاجَتِهِمْ، وَفَقْرِهِمْ، وَفَاقَتِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُونَ خَلَّتِهِ، وَفَاقَتِهِ، وَحَاجَتِهِ، وَفَقْرِهِ». أخرجه أبو داود وأحمد والترمذي (٢).
الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ». أخرجه مسلم (٣).
الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى». أخرجه النسائي وأحمد (٤).
السادس: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». أخرجه الترمذي والنسائي (٥).
стр. 4484
السابع: عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ». أخرجه مسلم (١).
فهؤلاء جميعاً لا ينظر الله إليهم يوم القيامة.
اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
حكم أفعال العباد:
كل شيء في هذه الحياة واقع بمشيئة الله وقدره من الطاعات والمعاصي، ومن الحسنات والسيئات، وأفعال العباد كلها مخلوقة لله، واقعة بمشيئة الله؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
والعبد فاعلٌ لفعله حقيقة، يستوجب على فعله المدح أو الذم، والثواب والعقاب، ولكن كل أفعاله واقعة بمشيئة الله وإرادته: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ [يوسف: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
стр. 4485
فأفعال العباد كلها مخلوقة لله، وان كان لهم كسب، يحاسبون عليها لأنهم اختاروها، ولا ينسب الخلق لغير الله من أحد من الخلق فيكون شريكًا لله في الخلق، كما قال سبحانه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف: ١٩١].
وقال الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
أشرف الأعمال:
أشرف وظيفة يعمل بها العبد، وأشرف مهنة يقوم المسلم هي الدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والإحسان إلى خلقه، وتفسير كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].