← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. فقه العمل: الأعمال جمع عمل، والعمل هو ما يصدر عن الإنسان من خير كالطاعات، أو شر كالمعاصي، والعمل الذي يزينه الشيطان، ويُثاب الإنسان على تركه، ويُعاقب على فعله، أربعة أقسام: الأول: فعل الجوارح كالقتل، والزنا، والغصب، والسرقة ونحو ذلك. الثاني: القول؛ لأن القول فعل اللسان، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٧ - ١١٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. الثالث: العزم المصمم؛ لأن عزم الإنسان وتصميمه على الفعل بحيث لا يمنع منه إلا العجز عنه فعلٌ، كما قال النبي ﷺ : «إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ». قيل: هذا الْقَاتِلُ فما بَالُ الْمَقْتُولِ، قال: «إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ». متفقٌ عليه (١).

стр. 4552

أما الهم بالفعل، ثم يتركه خوفًا من الله، فهذه سيئةٌ تُكتب له حسنة. الرابع: الترك، فترك المأمور به أفعالٌ يزينها الشيطان، يدخل صاحبها بها النار، ويُثاب بفعلها، فيدخل الجنة، فترك الأمر بالمعروف فعل، كما قال سبحانه عن أهل الكتاب: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦١ - ٦٣]. وترك النهي عن المُنكر فعل يُذم فاعله، كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. فعلى الإنسان أن يتفقد نفسه، ويُسارع إلى امتثال أوامر ربه، واجتناب نواهيه؛ لئلا يكون من الغافلين، فيسرقه الشيطان، ويدخل في حصنه، ويتبع خطواته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]. فقه الغفلة: الغفلة هي الشرود عن الشيء، وخروجه عن الذهن للاشتغال بغيره، وإذا غفل الإنسان أسره الشيطان، وأدخله في حصنه، وإذا غفل الإنسان فاته مطلوبه، ووقع في الخطأ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]

стр. 4553

والله لا يغفل أبدًا، فعلمه محيطٌ بكل خلقه.: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. فالله لا يغفل عما يفعله الظلمة، ولكنه يُمهل ولا يُهمِل؛ ليزداد الظلمة إثمًا، ولعلهم يتوبون؛ ولتكون عقوبتهم أشد يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وكما قال سبحانه عن الكفار: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. فكل ما يعمله الكفار والظلمة، فالله مدخره لهم، ومجازيهم عليه، وليس الله بغافل عما يعمله المسلمون من الخير والحسنات، وهو مدخره لهم، ومجازيهم عليه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].

стр. 4554

وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فجميع الأعمال خيرها وشرها، تُحفظ عند الله، ويُجازي بها أهلها يوم القيامة: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢]. أعظم أنواع الغفلة: الغفلة عن الله، والغفلة عن أوامر الله، والغفلة عن اليوم الآخر: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٦ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٥ - ٢٠٦]. محبة العمل الصالح: من رحمة الله بعباده أنْ حبب إليهم الحق والخير والفضائل، وكره إليهم الباطل والشر والرذائل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].

стр. 4555

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. والله من رحمته بعباده أن خلق في نفوسهم محبوباتٍ مختلفة، كمحبة الإيمان والتوحيد، ومحبة الصدق والعدل والإحسان، ومحبة الرحمة والرأفة، ومحبة العفو عن أهل الجنايات، ومحبة العلم والمعرفة، ومحبة أداء الأمانة وصلة الرحم، فهذه الأعمال والحركات يتنعم بها الحي، ويسعد بها، ويلتذ بها، ويجد بها فرحًا وسرورًا، كما يلتذ بسماع الأصوات الجميلة، ورؤية الأشياء البهيجة، وشم الروائح الطيبة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وكما يلتذ الإنسان بأكل وشرب ونكاح، يلتذ بما تفعله نفسه من العلوم والمعارف، وما يتحلى به من مكارم الأخلاق، وما في قلبه من الإيمان والتقوى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وهذه الأمور التي تحبها النفوس والقلوب بفطرتها هي المعروف، والتي تبغضها هي المنكر: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].

стр. 4556

٢ - الخزانة الثانية وجوه انتفاع المسلم بعمل غيره: الأصل أن الإنسان يعمل لنفسه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. والمسلم ينتفع بعمل نفسه وبعمل غيره من وجوه: الأول: أن المسلم ينتفع بدعاء غيره كما قال النبي ﷺ : «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (١). والنبي ﷺ يشفع في أهل الموقف في الحساب، ثم يشفع لأهل الجنة في دخولها، ولأهل الكبائر في الخروج من النار. الثاني: والملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. الثالث: والله يخرج من النار برحمته من لم يعمل خيرًا قط. الرابع: وأولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١].

стр. 4557

الخامس: وينتفع المسلم بصلاح أبيه، وهو ليس من سعيه. السادس: وينتفع الحي والميت بالصدقة عنه والدعاء له. السابع: ويسقط الحج عن الميت بحج وليه أو ولده عنه، وقضاء الدين عنه يسقطه، وصلاة الجنازة عليه، ومن عليه دين حلله صاحبه وانتفع به، وسقط عنه. الثامن: وأن جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم. التاسع: والجمعة والجماعة كثرة أجورها تحصل بكثرة العدد، وهو انتفاعٌ بعمل الغير. العاشر: والله يرفع العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاعٌ بعمل الغير ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة: ٢٥١]. وغير ذلك من وجده الانتفاع فما أعظم رحمة الله بعباده! قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. عظمة الإسلام: الإسلام نظم حياة الإنسان، وحياة المجتمع، وحياة الأمة، ودل الإنسان على كل عملٍ صالح، ورغبه فيه؛ لأنه يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً

стр. 4558

فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. والسياسة هي تدبير الأمور بأحسن التدابير؛ لتحقيق المصالح ودفع المضار. والسياسة الشرعية تنقسم إلى قسمين: الأول: سياسةٌ خارجية، ومدارها على أربعة أصولٍ هي: الأول: إعداد القوة اللازمة لقمع العدو، وحفظ البلاد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. الثاني: الوحدة الشاملة حول تلك القوة كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. الثالث: الحذر من العدو، والتحرز من مكائده كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ [النساء: ٧١]. الرابع: تجنب المواجهة، وإيثار الصلح عند المصلحة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١].

стр. 4559

الثاني: سياسةٌ داخلية: وبها يتحقق للأمة الأمن والطمأنينة، والسعادة في الدنيا والآخرة، وتقوم على ستة أصولٍ هي: ١ - حفظ الدين. ٢ - حفظ الأنفس. ٣ - حفظ الأعراض ٤ - حفظ العقول. ٥ - حفظ الأنساب. ٦ - حفظ الأموال. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فمصالح البشرية التي تحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة، تدور على ثلاث أصول هي: أولًا: درء المفاسد: وهو حفظ الضرورات الست السابقة. ثانيًا: جلب المصالح بالمعاملات الحسنة، وتحقيق المصالح العامة على وفق الشرع. الثالث: التحلي بمكارم الأخلاق، ويسمى بالتحسينات، برعاية خصال الفطرة، واجتناب الرذائل والمحرمات، والتحلي بأحسن الأخلاق الإسلامية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 4560

وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وكما أن الأرض قابلةٌ لما يغرس فيها من حلوٍ ومر، فكذا أرض الفطرة رحبةٌ قابلةٌ لما يغرس فيها، فمن غرس شجرة الإيمان والتقوى جنى حلاوة الأبد، ومن غرس شجرة الكفر، والجهل، والشرك، والكبر، والمعاصي، فكل الثمر مر، وسيجني شقاوة الأبد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].

стр. 4561

وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. مذمومًا: لا حامد لك، مخذولًا: لا ناصر لك ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فالمؤمن حقًا من حفظ وقته ونفسه وجوارحه فيما يرضي الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. ومن لم يكن مع الرحمن جره الشيطان إلى حصنه، واستعمله فيما يسخط ربه، وأضاع عمره وأوقاته فيما يضره ولا ينفعه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].

стр. 4562

الأشياء الضائعة في حياة الإنسان: هناك عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها: ١ - علمٌ لا يعمل به. ٢ - وعملٌ لا إخلاص فيه .. ٣ - ومالٌ لا ينفق منه في وجوه البر. ٤ - وقلبٌ فارغٌ من الإيمان. ٥ - وبدنٌ معطلٌ عن طاعة الله. ٦ - ووقتٌ معطلٌ عن اغتنام برٍ وإحسان. ٧ - وفكرٍ يجول فيما لا ينفع ٨ - وخدمة من لا تقربك إلى الله خدمته. ٩ - وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]

стр. 4563

٣ - الخزانة الثالثة أقسام الناس في العمل: لكل عمل هيئة، ومقصد، وثمرة، وثواب، أو عقاب. فالصلاة عمل، ومقصدها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتذكر العبد بربه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. والصوم عمل، ومقصده التقوى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. والزكاة عمل، ومقصدها تطهير الإنسان من الشح والبخل، ومواساة الفقير، والحج عمل والمقصد التقوى .. وهكذا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والناس في العمل والمقصد أربعة أقسام: الأول: من الناس من يهتم بصورة العمل، والمقصد من العمل، وهؤلاء بأرفع المنازل، فيؤدون العمل على وفق السُنة، خالصًا لوجه الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].

стр. 4564

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. الثاني: من الناس من يهتم بالعمل، دون المقصد من العمل، فيطبق السُنة في العمل، ويغفل عن المقصود من العمل. الثالث: من الناس من يهتم بالمقصد، دون العمل، فلا يقيم السُنة كما جاءت عن النبي ﷺ في العمل. الرابع: من الناس من لا يهتم بالعمل، ولا بالمقصد، وهؤلاء أدنى الأقسام. وأفضل هؤلاء هم القسم الأول، الذي يهتم بالعمل والمقصد من العمل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. فالعمل الصالح هو الموافق لسُنة النبي ﷺ ، والإخلاص لله بأن لا يشرك بعبادة ربه أحدًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 4565

والله نوّع العبادات رحمةٌ منه بعباده، لئلا يملوا ويسأموا، فجعل حياة المسلم كلها طاعاتٌ وعباداتٌ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. والله سبحانه أمرنا بالإكثار من ذكره، وعلمنا الله ورسوله كيفية الذكر، وأنواعه، ومقاديره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. أنواع الذكر: الذكر أوسع أبواب العبادات، فهو مسنونٌ كل وقت. وأنواع الذكر ثلاثة: أولًا: ذكر الله، ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله، ومعرفة معانيها، والثناء على الله بها، والتعبد لله بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ثانيًا: ذكر آلاء الله ونعمه وإحسانه إلى عباده: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦]. ثالثًا: ذكر الأمر والنهي، والحلال والحرام، والمبادرة إلى امتثال الأمر، واجتناب النهي ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 4566

والدروس والمحاضرات، والتأليف، والنشر إنما هو لتزيين شجرة الدين، وهي بمنزلة الأغصان، والأوراق، والثمار، ولكن ذلك لا ينفع إلا إذا صحت الجذور، وسقيت بماء الإيمان والتقوى، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. ويتم ذلك بما يلي: نفخ روح الإيمان في قلوب الناس، وأن يكون بالعمل لا بالدعاية، وأن يكون ميدان الداعي نفسه أولًا، ثم الناس ثانيًا ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 4567

أقسام الظلم: على المسلم أن يجتنب الظلم لنفسه أو لغيره، فإن للظلم عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين: الأول: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا وهو الشرك بالله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦]. الثاني: ديوانٌ لا يترك الله منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم لبعض: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٢]. الثالث: ديوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد لنفسه فيما بينه وبين ربه، وهذا أخف الدواوين، وأسرعها محوًا، فإنه يمحى بالتوبة والاستغفار من الرحمن الرحيم ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. وديوان الشرك لا يمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم يستوفى ولا يمحى إلا بالخروج من تلك المظالم، أو استحلال أهلها. قال النبي ﷺ : «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أخرجه مسلم (١).

стр. 4568

٤ - الخزانة الرابعة فقه قبول العمل الصالح: الأعمال الصالحة تتفاضل بحسب ما في القلوب من الإيمان، والتوحيد، ومحبة الله، وتعظيمه، وإخلاص العمل له، وتتفاضل بتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ، فأفضلها ما كان الإخلاص والإتباع فيه أكمل، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وتتفاضل كذلك إذا كان أحد العملين أحب إلى الله في نفسه، كالجهاد، وبذل النفس لله، والصلاة، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك. والعمل الأحسن هو الموافق لمرضاة الله ومحبته، وهذا يحبه الله دون الأكثر الخالي من ذلك، فالفضل يكون بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]. فالفضل يكون بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل، وقبوله له، وفرحه به، ومحبته له، كما يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح التائب. عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِنْ

стр. 4569

شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ.». متفقٌ عليه (١). وعن أنسٍ بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». متفقٌ عليه (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قالَ: الصَّلاةُ على وقتِها، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: برُّ الوالدينِ، قال: ثمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ، قالَ: حدَّثَني بهنَّ رسول الله ﷺ ، ولوِ استزدتُهُ لزادَني». متفقٌ عليه (٣). وعن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ سُئل: أيُّ العملِ أفضَلُ؟ قال: إيمانٌ باللهِ ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهادٌ في سبيلِ اللهِ، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌ مبرورٌ». متفقٌ عليه (٤). وقبول العمل الصالح يختلف بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل، والقبول ثلاثة أنواع: الأول: قبولٌ يوجب رضا الله سبحانه بالعمل، ومحبته له، ومباهاة الملائكة به، وثناءٌ على العامل في الملأ الأعلى، كموقف الحجاج في عرفة، وقيام الليل، وصدفة السر ونحو ذلك. الثاني: قبولٌ يترتب عليه كثرة الثواب والجزاء فقط، لكنه دون الأول، كمن يتصدق بمائة ألف ريال من ماله الكثير، إما ليتخلص من حفظه، وإما ليجازى

стр. 4570

عليه بمثله أو غير ذلك، وآخر تصدق برغيفٍ هو قوته لا يملك غيره، آثر به غيره محبةً لله، وطلبًا لمرضاته، والله قبل هذه وهذه، ولكلٍ نيته وأجره. عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفقٌ عليه (١). لكن قبول الأولى قبول جزاءٍ وثواب، والثانية قبول رضا ومحبةٍ ومباهاةٍ، وبينهما من الفضل، والقبول، ومحبة الله، ما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله، فقبول العطاء والثواب حاصلٌ لأكثر الأعمال، أما قبول الرضا والمحبة، فهذا شيءٌ آخر خاص بأهل المعرفة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. الثالث: قبول إسقاط العقاب فقط، وإن لم يترتب عليه ثواب، كقبول صلاة من لم يحضر قلبه في شيء منها، فهي تسقط عنه الفرض، لكنه لا يثاب عليها، وكذلك من أتى عرافًا، صلاته لا تقبل إذا صدقه، لكن لا يؤمر بالإعادة. وكل الناس يبدأ يومه من الغداة بالعمل. فالمسلم أول ما يغدو يذكر الله، ويتوضأ، ويصلي، فيبدأ يومه بعبادة الله، وتوحيده، وطاعته تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ

стр. 4571

وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. فهذا باع نفسه بيعًا أعتقها فيه من النار. قال النبي ﷺ : «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها، أوْ مُوبِقُها». أخرجه مسلم (١). أما الكافر فيغدو إلى العمل بما فيه هلاكه؛ لأنه يبدأ يومه بمعصية الله، حتى ولو بدأ بالأكل والشرب، فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة، فكل لقمة، وكل شربة، وكل لباس، وكل مركوب، وكل نعمة، فسوف يحاسبه الله عليها ويعاقبه؛ لأنها لا تحل له، وإنما تحل لمن آمن بالله وأطاعه، فالله رزقنا الطيبات، لنستعين بها على طاعته: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. وقال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. وقال النبي ﷺ «لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن: عَنْ عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ به». أخرجه الترمذي (٢).

стр. 4572

فقه المجاهدة: المجاهدة هي بذل الجهد في سبيل الله، ابتغاء مرضات الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والمجاهدة تنقسم إلى قسمين: الأول: مجاهدة الإنسان نفسه. الثاني: مجاهدة الإنسان غيره. ولا تتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولًا، أما مجاهدة النفس فتكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين: الأول: على فعل الطاعات. الثاني: وعلى ترك المعاصي. وذلك لا يتم إلا بالعلم بالله، والعلم بأوامره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. فيجاهد الإنسان نفسه على الإخلاص لله في العمل، ويجاهد نفسه على فعل الطاعات الشاقة كالصلاة والزكاة، والصيام والحج، والجهاد في سبيل الله، ويجاهد نفسه على ترك المعاصي والمحرمات التي يشق على الإنسان تركها ابتغاء مرضات الله. وفعل الطاعات، وترك المحرمات، كل ذلك ثقيل على النفوس؛ لأن النفوس لها حظوظٌ وشهوات بهيمية: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].

стр. 4573

ثانيًا: أما مجاهدة الإنسان غيره فهي قسمان: الأول: مجاهدة بالعلم والبيان. الثاني: مجاهدة بالسلاح والسنان. الأول: فأما المجاهدة بالعلم والبيان فتكون بالدعوة إلى الله لجميع البشر والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وتكون بتعليم شرع الله لمن آمن ببيان أحكام الدين، وتكون ببيان الشبه التي يثيرها المرتابون، وكشف بطلان البدع التي يحدثها المبتدعة، فهؤلاء نجاهدهم ببيان الحق؛ لأنهم مسلمون يظهرون الإسلام، وإن كانوا مبتدعة أو منافقين، وتكون بالحكمة والموعظة الحسنة للمسلم الفاسق ليكون صالحًا، وللغافل ليكون ذاكرًا، وللصالح ليكون مصلحًا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. الثاني: أما الجهاد بالسيف والسلاح فيكون لأعداء الدين من الكفار واليهود والنصارى الذين يظهرون عداوة الدين والمسلمين ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].

стр. 4574

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩]. وثمرة هذه المجاهدة الهداية لنا، والهداية لغيرنا، وزوال فتنة الكفر: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. وعلى المسلم ان يجتهد على نفسه وعلى غيره، ويصبر على الطاعات، ويصبر عن المعاصي، ويصبر على أقدار الله المؤلمة؛ فالصبر عبادة من أعظم العبادات: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. ومعية الله مع الصابرين: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وأذى الناس للإنسان له أسباب متعددة: فإن كان السبب طاعة الله، والجهاد في سبيله، والدعوة إليه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فالإنسان يثاب على ذلك من وجهين: الأول: يثاب على الأذى الذي يحصل له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. الثاني: ثبات على صبره على الطاعة التي أوذي في الله من أجلها: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٣٧ - ٤٣]. فعلى الإنسان أن يصبر، ويعفو ويغفر، لمن أساء إليه إن كان في ذلك إصلاح؛ لأن الأجر من الله خيرٌ من أخذك معاوضة من أعمال من آذاك: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]

стр. 4575

والله سبحانه غنيٌ كريم، لا يقبل من العمل، ولا ينصر صاحبه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط: ١ - أن يقوم بالعمل لله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. ٢ - وأن يقوم به مستعيناً بالله. ٣ - وأن يقوم به في الله على سنة رسول الله. فيقوم به لله مخلصًا له العبادة، ويقوم به بالله مستعينًا بالله ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. ويقوم به في الله متبعًا لشرعه كما قال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فإياك نعبد قيامٌ لله، وإياك نستعين قيامٌ بالله، واهدنا الصراط المستقيم قيامٌ في الله أي في شرعه الموصل إليه ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 4576

٥ - الخزانة الخامسة أقسام الأعمال: الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ ينفع الإنسان. وقسمٌ يضره. وقسمٌ لا ينفع ولا يضر. فالعاقل هو الذي يفعل ما ينفع، ويجتنب ما يضر، ويزهد فيمالا ينفع ولا يضر ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وإذا تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى قدمنا العليا، فإذا اجتمع صلة عمٍ وأخ، ولا يمكن أن نصلهما معًا، قدمنا صلة الأخ؛ لأنه أقرب وأنفع وأفضل. وإذا اجتمع محرمان أحدهما أشد من الآخر، قدم الأخف منهما، فالأوامر يقدم فيها الأعلى والمناهي يقدم فيها الأخف ضررًا: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].

стр. 4577

أعظم سؤال في القرآن: الهداية أعظم شيءٍ في خزائن الله، والهداية أعظم سؤالٍ يسأله العبد ربه كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]. والهادي هو الله ، وطلب الهداية من الله يشمل الهداية إلى الصراط المستقيم، و الهداية للطريق الحسن الحسي. فالهداية إلى الدين هي الهداية للصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله والجنة كما قال سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]. وقال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. و الهداية إلى الطريق الحسي كأن يضل الإنسان في أرضٍ، ولا يعرف الطريق، فيطلب من الله أن يهديه كما قال موسى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ [القصص: ٢٢]. ونحن محتاجون إلى الهداية في الطريقين: هداية الطريق المعنوي: وهو سلوك الصراط المستقيم، والهداية إلى الطريق الحسي. قال الله في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ». أخرجه مسلم (١).

стр. 4578

وفي الهداية إلى الصراط المستقيم غذاءٌ للقلب بالعلم والإيمان، وغذاءٌ للجوارح بالأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والمسلم يستطعم ربه بالقول أو الفعل، فالقول أن نسأل الله أن يطعمنا ويرزقنا، فهو سبحانه الذي يُطْعِمُ ولا يَطْعَم. أما الفعل فله جهتان: الأولى: الإيمان والعمل الصالح كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. الثانية: الأسباب الحسية بحرث الأرض وزعها وسقيها، مع الاعتماد على الله وحده في حصول الرزق كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٧]. وقال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ». أخرجه مسلم (١).

стр. 4579

فإذا ملك الإنسان شيئًا من غرسٍ أو زرعٍ أو نحوهما، فإذا انتفع الناس به، فلصاحبه أجرٌ، سواء نوى أو لم ينوِ، فإذا أكل منه طيرٌ أو حيوانٌ أو إنسان كان له صدقة، ولو سرق منه سارق فهو له صدقة، فجميع المصالح والمنافع، انتفع الناس بها كانت خيرًا لصاحبها وأجرًا وإن لم ينوِ. فإن نوى زاد خيرًا على خير، وأتاه الله من فضله أجرًا عظيمًا: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيْرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». أخرجه مسلم (١). وينبغي للمسلم أن يكون مقتصدًا في جميع أموره الدينية والدنيوية؛ لأنه إن قصر فاته خيرٌ كثير، وأن شدد فسوف يكل ويعجز، ويتعب ويقعد: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩]. وعن عائشة ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هذِه؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: مَهْ، علَيْكُم بما تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حتَّى تَمَلُّوا وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيْهِ مَادَامَ عليه صَاحِبُهُ.». متفقٌ عليه (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ

стр. 4580

نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». متفقٌ عليه (٢). والأصل في العبادات المنع إلا ما أمر به الشرع، والأصل في المعاملات والعادات الحِل إلا ما حرمه الشرع: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٧ - ١١٦]. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١] وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].

стр. 4581

وكل مسلم يكتب له أجر الطاعات، ويكتب عليه أجر المعاصي: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. أما من كان دون البلوغ من صبيٍ ومميز وغيرهما، فهذا يكتب له الأجر على الطاعة، ولا يكتب عليه الوزر إذا تركها، فمن فعل طاعةً من الصبيان فله أجرها، ولا يكتب عليه وزرها إذا تركها؛ لأنه قد رفع عنه القلم، فليس كالمكلف، لكن يضمن ما أتلفه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أنِ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟». قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ».، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». أخرجه مسلم (١).

стр. 4582

٦ - الخزانة السادسة أقسام الناس في الهدى والعلم: الناس بالنسبة لما بعث الله به رسوله محمداً ﷺ من الهدى والعلم ثلاثة أقسام: الأول: من فَقُهَ في دين الله، فعَلِمَ، وعمل، وعَلَّم غيره. فهذا مثل الأرض الطيبة، التي قبلت الماء، وأنبتت العشب الكثير والزرع، فانتفع الناس بها. الثاني: من حمل العلم والهدى للناس، ولكن لم يفقه ما فيه من الهدى، فهؤلاء رواة العلم الذين حفظوه وبلغوه الناس. فهؤلاء كالأرض القيعان التي أمسكت الماء، فاستقى الناس منه، لكن الأرض نفسها لم تنبت. الثالث: من لم يرفع بالهدى والعلم رأسًا، وأعرض عنه. فهذا لم ينتفع ولم ينفع غيره، فهو كالأرض السبخة التي ابتلعت الماء، ولم تنبت الكلأ. وخير الأقسام الأول؛ لأنه فَقُهَ وعلم؛ لينتفع، وينفع غيره، ويليه الثاني وهو من علم وحفظ، والثالث لا خير فيه فهو شر الأقسام؛ لأنه علم ولم يعمل ولم يعلّم ما علم للناس. عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ به من الهُدَى والعِلْمِ، كمَثَلِ الغيثِ الكثيرِ أصاب أرضًا، فكان منها نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الماءَ، فأَنْبَتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكثيرَ، وكانت منها أجادِبُ، أَمْسَكَتِ الماءَ، فنفع اللهُ بها الناسَ، فشَرِبُوا وسَقَوْا وزرعوا، وأصابت منها طائفةً أخرى، إنما

стр. 4583

هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ، ونفعه ما بعثني اللهُ به فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ من لم يَرْفَعْ بذلك رأسًا، ولم يَقْبَلْ هُدَي اللهِ الذي أُرْسِلْتُ به». متفقٌ عليه (١). وإذا كَثُر الخبث في الأمة هلك الصالحون والفاسدون، وبُعِثَ كلٌ على نيته. والخبث يطلق على شيئين: الأول: الأعمال الخبيثة: وهي ضد الأعمال الصالحة. الثاني: البشر الخبيث: وهو ضد البشر الصالح. فإذا كثرت الأعمال الخبيثة السيئة من زنا، وربا، وفواحش بين المسلمين، فقد عرضوا أنفسهم للهلاك، وإذا كَثُر الكفار بين المسلمين فقد عرضوا أنفسهم للهلاك والانحراف، ولهذا حذر النبي ﷺ من بقاء اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب، حذرًا من ذلك الخبث والهلاك. عن زينب بنت جحش أن رسول الله ﷺ «دخل عليها يومًا فزعًا يقول: لا إلهَ إلا اللهُ، وَيلٌ للعرَبِ من شرٍّ قدِ اقترَب، فُتِح اليومَ من رَدمِ يَأجوجَ ومَأجوجَ مِثلُ هذه، وحلَّق بإصبَعَيه الإبهامِ والتي تليها: قالتْ زَينَبُ بنتُ جَحشٍ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أفنَهلِك وفينا الصالحونَ؟ قال: نعمْ، إذا كثُر الخبَثُ». متفقٌ عليه (٢).

стр. 4584

وعن عمر بن الخطاب، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأُخرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارى مِنْ جزيرةِ العربِ حتَّى لا أدعُ إلَّا مسلمًا». أخرجه مسلم (١). ولزوال الخبث، وأهل الخبث، أوجب الله الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وتغيير المنكر يكون من كل ذي سلطةٍ قادرة، كالأمير على رعيته، والرجل في أهل بيته، والمعلم مع طلابه، والمرأة في بيتها كما قال النبي ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ». أخرجه مسلم (٢). فهذا له السلطة أن يغير بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. أما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهو واجبٌ بكل حال؛ لأنه ليس فيه تغيير، بل فيه أمرٌ بالخير، ونهيٌ عن الشر، وهو سببٌ عظيم لزوال الباطل من العالم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ولهذا جعله الله وظيفة كل الأمة كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].

стр. 4585

أفضل الإنفاق: الإنفاق على الأهل أفضل من الإنفاق على غيرهم، فهو أفضل من الإنفاق في سبيل الله، وفي الرقاب، وعلى المساكين؛ وذلك لأن الأهل أوجب الله عليك نفقتهم، فالإنفاق عليهم فرضٌ عين، والإنفاق على ما سواهم فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية. والإنفاق عليهم صدقةٌ، وصلة، وعفافٌ، وكفاف، وقد يكون الإنفاق على من سواهم على وجه التطوع، والفرض أفضل من التطوع، لكن الشيطان يخدع المسلم ويرغبه في التطوع، ليشغله عن الواجب، فتجده يحرص على الصدقة على الناس، ويدع الواجب، وهذا سفهٌ في العقل، وضلالٌ في الشرع، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دينارٌ أنفقتَه في سبيلِ اللهِ، ودينارٌ أنفقته في رقبةٍ، ودينارٌ تصدقت به على مسكين، ودينارٌ أنفقتَه على أهلِك؛ أعظمهما أجرًا الذي أنفقتَه على أهلِك». أخرجه مسلم (١). وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضلُ دِينارٍ يُنْفِقُهُ الرجلُ؛ دِينارٌ ينفقَهُ على عِيالِه، و دِينارٌ ينفقَهُ الرجل على دَابَّتِه في سبيلِ اللهِ، و دِينارٌ ينفقَهُ على أصحابِهِ في سبيلِ اللهِ، قال أبو قلابةَ: وبدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأي رجلٍ أعظمُ أجرًا من رجلٍ ينفقُ على عيالٍ صغارٍ يُعفُّهم، أو ينفعُهم اللهُ به، ويغنيهم». أخرجه مسلم (٢).

стр. 4586

وعن خيثمة قال: كُنَّا جُلُوسًا مع عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، إذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ له، فَدَخَلَ، فَقالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قالَ: لَا، قالَ: فَانْطَلِقْ فأعْطِهِمْ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : كَفَى بالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ.». أخرجه مسلم (١). والإنفاق ابتغاء وجه الله زكاةً أو صدقةً أو هدية، ليزيد مال المنفق بركةً، وكميةً، وكيفية، في الدنيا والآخرة، فيبارك الله في مال المنفق، ويخلف عليه أكثر منه في الدنيا، ويعطيه الله الأجر في الآخرة، ويضاعفه له؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وأحسنهم خلقًا، وأجزلهم عطاءً: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩]. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ا نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِنْ مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ.». أخرجه مسلم (٢).

стр. 4587

وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. وَعَنْ عبدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وفَاطِمَةُ ﵄، عَنِ النبيِّ ﷺ : أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُهُ القُرْآنَ.». متفقٌ عليه (١). والعمل الصالح بأنواعه هو كل ما أمر الله ورسوله به، فتسبيحةً واحدة في صحيفة الإنسان من هذا العمل خيرٌ من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا وما فيها تذهب وتزول، والتسبيح والعمل الصالح يبقى، ويضاعف ثوابه: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦]. والشريعة أوامر ونواهي، وحرامٌ وحلال، وعلى الإنسان امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وأخذ المباح، وترك الحرام. والله أحاط الشريعة بسياجٍ محكم، فحمى الناس من كل محرم يضرهم في دينهم ودنياهم، وإذا كان الشيء مما تدعوا إليه النفوس شدد السياج حوله كالزنا، والربا.

стр. 4588

فالزنا سببه قوة الشهوة، والنفس تدعو إليه؛ لأنه جبِّلةٌ وطبيعة، فجعل الخالق سبحانه حوله سياجًا يبعد الناس عنه، من نظرٍ، أو لمسٍ، أو محادثةٍ، أو خلوةٍ فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. والربا تطلبه النفوس، لما فيه من الفائدة، وحرم كل ذريعةٍ إليه من حيلٍ ونحوها، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فجعل سبحانه للمحارم حِمىً تمنع الناس من الوقوع فيها وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ.». متفقٌ عليه (١).

стр. 4589

٧ - الخزانة السابعة فقه الإصلاح بين الناس: الصلح بين الناس من أعظم الأعمال الصالحة، لما يتحقق به من الخير، ويندفع به من الشر، وكلما كان المتخاصمان أقرب صلةً بعضهما من بعض كان الصلح بينهما أوكد وأكثر أجرًا، كصلح بين الأب وأولاده هو أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه، وكلما كانت القطيعة أعظم كان الصلح بين المباعدين والمتقاطعين أكمل وأفضل وأكبر، والصلح كله خير ومن ابتغى به وجه الله فله ثوابٌ عظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. فإذا لم يتبين وجه الصواب مع أحد الطرفين، فلا سبيل للإنسان إلا الإصلاح، فيصلح بينهما بقدر ما يستطيع من العدل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].

стр. 4590

والكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين: ١ - كلمةٌ طيبة بذاتها. ٢ - وكلمةٌ طيبةٌ بغايتها. فالكلمة الطيبة بذاتها: هي ذكر لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حولا ولا قوة إلا بالله، ونحو ذلك من الكلم الطيب. والكلمة الطيبة بغايتها: هي الكلام مع الناس بقصد إيناسهم، وإدخال السرور عليهم؛ لأن إدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، ويُعِينُ الرَّجُلَ علَى دابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عليها، أوْ يَرْفَعُ عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، ويُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه (١). والمؤمن عبدٌ يأخذ من مولاه ما ينفعه، ويجتنب ما يضره، فالحلال يأخذه، والحرام يجتنبه، والمشتبه يتورع عنه، وكل ما نشك فيه نجتنبه، ولا نأخذ إلا بما تيقنّا حِلّه، وهذا أصل الورع أن نترك الشك إلى اليقين، فمن شارك أحدًا، ووجد في نصيبه زيادة، وشك فيها فليدعها، وإذا شك فيها صاحبك وتركها فتصدق بها تخلصًا منها، أو تجعلها صدقةً معلقة فتقول: اللهم إن
следующие страницы →