وعن خيثمة قال: كُنَّا جُلُوسًا مع عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، إذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ له، فَدَخَلَ، فَقالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قالَ: لَا، قالَ: فَانْطَلِقْ فأعْطِهِمْ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : كَفَى بالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ.». أخرجه مسلم (١).
والإنفاق ابتغاء وجه الله زكاةً أو صدقةً أو هدية، ليزيد مال المنفق بركةً، وكميةً، وكيفية، في الدنيا والآخرة، فيبارك الله في مال المنفق، ويخلف عليه أكثر منه في الدنيا، ويعطيه الله الأجر في الآخرة، ويضاعفه له؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وأحسنهم خلقًا، وأجزلهم عطاءً: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩].
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ا نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِنْ مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ.». أخرجه مسلم (٢).
стр. 4587
وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. وَعَنْ عبدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وفَاطِمَةُ ﵄، عَنِ النبيِّ ﷺ : أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُهُ القُرْآنَ.». متفقٌ عليه (١).
والعمل الصالح بأنواعه هو كل ما أمر الله ورسوله به، فتسبيحةً واحدة في صحيفة الإنسان من هذا العمل خيرٌ من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا وما فيها تذهب وتزول، والتسبيح والعمل الصالح يبقى، ويضاعف ثوابه: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦].
والشريعة أوامر ونواهي، وحرامٌ وحلال، وعلى الإنسان امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وأخذ المباح، وترك الحرام.
والله أحاط الشريعة بسياجٍ محكم، فحمى الناس من كل محرم يضرهم في دينهم ودنياهم، وإذا كان الشيء مما تدعوا إليه النفوس شدد السياج حوله كالزنا، والربا.
стр. 4588
فالزنا سببه قوة الشهوة، والنفس تدعو إليه؛ لأنه جبِّلةٌ وطبيعة، فجعل الخالق سبحانه حوله سياجًا يبعد الناس عنه، من نظرٍ، أو لمسٍ، أو محادثةٍ، أو خلوةٍ فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
والربا تطلبه النفوس، لما فيه من الفائدة، وحرم كل ذريعةٍ إليه من حيلٍ ونحوها، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فجعل سبحانه للمحارم حِمىً تمنع الناس من الوقوع فيها
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ.». متفقٌ عليه (١).
стр. 4589
٧ - الخزانة السابعة
فقه الإصلاح بين الناس:
الصلح بين الناس من أعظم الأعمال الصالحة، لما يتحقق به من الخير، ويندفع به من الشر، وكلما كان المتخاصمان أقرب صلةً بعضهما من بعض كان الصلح بينهما أوكد وأكثر أجرًا، كصلح بين الأب وأولاده هو أفضل من الصلح بين الرجل وصاحبه، وكلما كانت القطيعة أعظم كان الصلح بين المباعدين والمتقاطعين أكمل وأفضل وأكبر، والصلح كله خير ومن ابتغى به وجه الله فله ثوابٌ عظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
فإذا لم يتبين وجه الصواب مع أحد الطرفين، فلا سبيل للإنسان إلا الإصلاح، فيصلح بينهما بقدر ما يستطيع من العدل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
стр. 4590
والكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين:
١ - كلمةٌ طيبة بذاتها.
٢ - وكلمةٌ طيبةٌ بغايتها.
فالكلمة الطيبة بذاتها: هي ذكر لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حولا ولا قوة إلا بالله، ونحو ذلك من الكلم الطيب.
والكلمة الطيبة بغايتها: هي الكلام مع الناس بقصد إيناسهم، وإدخال السرور عليهم؛ لأن إدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، ويُعِينُ الرَّجُلَ علَى دابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عليها، أوْ يَرْفَعُ عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، ويُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه (١).
والمؤمن عبدٌ يأخذ من مولاه ما ينفعه، ويجتنب ما يضره، فالحلال يأخذه، والحرام يجتنبه، والمشتبه يتورع عنه، وكل ما نشك فيه نجتنبه، ولا نأخذ إلا بما تيقنّا حِلّه، وهذا أصل الورع أن نترك الشك إلى اليقين، فمن شارك أحدًا، ووجد في نصيبه زيادة، وشك فيها فليدعها، وإذا شك فيها صاحبك وتركها فتصدق بها تخلصًا منها، أو تجعلها صدقةً معلقة فتقول: اللهم إن
стр. 4591
كانت لي فهي صدقة أتقرب بها إليك، وإن لم تكن لي فهي مالٌ أتخلص بالصدقة به من عذابه.
قال النبي ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». أخرجه أحمد والترمذي (١).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ:: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ، فقالَ: «لَوْلا أنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتُها.». متفقٌ عليه (٢).
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ.». متفقٌ عليه (٣).
أفضل الناس:
أفضل الناس مؤمنٌ يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، وينفع الناس، ويصبر على أذاهم، فالمؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أحب إلى الله من المسلم الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 4592
وإذا فسدت أحوال الناس، فالعزلة أفضل، العزلة زمن الفتن والشر والخوف من المعاصي، خيرٌ من الخلطة.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُوشِكُ أنْ يَكونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بهَا شَعَفَ الجِبَالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ». أخرجه البخاري (١).
فمخالطة الناس، ودعوتهم إلى الله، ونصحهم، ونفعهم، هو الأصل والأفضل، فإذا فسد حال الناس، وتضرر الإنسان، من مخالطتهم في دينه، فالتفرغ للعبادة، والبعد عن الناس، والعزلة عنهم، أفضل له، وكل حالةٍ لها حكمٌ وفضل: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقد أمر الله ورسوله بكل خير، وبكل حق، ونهى الله ورسوله عن كل شر، وعن كل باطل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
فيجب على المسلم امتثال الأوامر، واجتناب المناهي، والحذر من ارتكاب ما نهى الله ورسوله عنه، وألا يغلبه الأمن من مكر الله، والتهاون بمعصية الله ورسوله، والشيطان يغري بعض الناس ويقول له: افعل المعصية واستغفر الله فالله غفور رحيم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
стр. 4593
وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
ويقول كذلك: افعل المعصية، ورحمة الله سبقت غضبه، ويقول: افعل المعصية، وربك واسع المغفرة، وغير ذلك من الآمال الكاذبة التي يغر الشيطان بها بني آدم: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢٠ - ١٢١].
فلا يجوز للإنسان أن يغتر بإمهال الله تعالى له، ويرتكب المعاصي والمحرمات، بناءً على أن الله لم يعاجله بالعقوبة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
والله سبحانه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
فإن الله يغار على دينه وعباده وخلقه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
أما ما يقول ويفعل من ارتكب منهياً عنه «كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ». أخرجه الترمذي وأحمد (١).
стр. 4594
فمن نزغه الشيطان وأزه لمعصية الله، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ليحميه من عدوه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
وإذا وقع في الذنب، فعليه بالتوبة والاستغفار، والندم على ما حصل منه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦].
وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
والقول لا بد أن يصدقه الفعل، و إلا كان فتنةً ولغوًا، فالكلام على العفو سهل، ولكن العفو أصعب شيء، والكلام عن الإحسان أسهل شيء، ولكن الإحسان أصعب شيء، والكلام عن الرحمة أسهل شيء ولكن الرحمة أصعب شيء، والكلام عن العدل أسهل شيء، ولكن العدل أصعب شيء، والكلام عن الحب في الله أسهل شيء، ولكن الحب في الله
стр. 4595
أصعب شيء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
ومقصود الأعمال الصالحة، وجميع العبادات والأوامر، أن يأتي اليقين على الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يأتي اليقين على قوله، وقول رسوله ﷺ ، ثم يأتي اليقين على وعده ووعيده، فإذا جاء اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته، فعبد المسلم ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، جاء اليقين على قوله، ثم جاء اليقين على وعده ووعيده، فإذا جاء اليقين على الوعد والوعيد، أقبلت النفس على الطاعات، والأعمال الصالحة، ونفرت من المعاصي والسيئات، وسارعت إلى فعل الخيرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ولا يمكن الحصول على هذا اليقين إلا بالتضحية بكل شيء من أجل الله، وترك كل شيء من أجل الله، وبحسب كثرة التضحيات مع الإيمان والتقوى يكون كمال اليقين، والناس متفاوتون في اليقين بحسب تضحياتهم من أجل الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
стр. 4596
٨ - الخزانة الثامنة
حقيقة المجاهدة:
رأس مال الإنسان ثلاثة أشياء:
الإيمان .. والفكر .. والوقت:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
فمن حفظها حفظه الله، ومن أضاع واحدة أضاع البقية، فقوة امتثال أوامر الله مبنيٌ على قوة الإيمان، وقوة الإيمان مبنية على المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وكلما قويت المجاهدة قوي اليقين، وكلما قوي اليقين قويت الأعمال القلبية، وكلما قويت الأعمال القلبية قويت الأعمال البدنية، وكلما قويت الأعمال الانفرادية قويت الأعمال الاجتماعية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والحب الفطري، والخوف الفطري، في المجاهدة يتحول إلى حب تعبدي، وخوف تعبدي، فنترك المحبوب الأدنى وهو الشهوات، من أجل
стр. 4597
المحبوب الأعلى وهو امتثال أوامر الله ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
ونرقي الخوف الفطري إلى الخوف التعبدي، بالخوف من الله، ومن عذاب الله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، والله غني عنه وعن عمله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وأصل المجاهدة من أجل حفظ الإيمان، وحفظ الإيمان بحفظ الجوارح، وحفظ الجوارح بحفظ الوقت بالطاعات، والأعمال الصالحة، وحفظ الوقت يملئه بأنواع الأعمال الصالحة، وحفظ الأعمال يكون بالبحث عن بيئة الأعمال ولزومها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
ومن ضحى بشهواته من أجل الله، أعطاه الله اليقين، وحسن العبادة، ولحصول ذلك لابد من ترك بيئة المألوفات، و المحبوبات، والشهوات، والغفلات، ولزوم بيئة الإيمان، والذكر، والطاعات، والأعمال الصالحة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
стр. 4598
آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وبسبب العكوف في بيئة المحبوبات، والشهوات، والمألوفات، قلت المجاهدة من أجل الحصول على الهداية، ولمّا قلّت المجاهدة، نقص منسوب الإيمان، ثمّ قلّت الشهية للأعمال الصالحة، وزادت الرغبة في الشهوات، وزاد التعلق بالدنيا، فبدأ ينقص الدين في حياتنا، ثمّ زالت هيبتنا، وصرفنا طاقتنا في تكميل شهواتنا، فاختفت العبادات القلبية، وظهرت الشهوات الحيوانية، فنزلت العقوبات الإلهية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
فالهدى هو التجرد من الهوى، والعزيمة على الاستقامة على القرآن والسنة، والهوى هو التحرر من قيود الشريعة لفساد القلب، وترك الهدى،
كما قال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣ - ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣].
стр. 4599
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
فالمجاهدة التي يريدها الله هي ترويض النفس وتذليلها، لتعيش تحت قيود الشريعة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
ومن جاءت الصفات التي في سورة العصر في حياته أكرمه الله بثلاث جوائز: يقينٌ وإيمان في قلبه، والاهتمام بأعمال الدين في حياته، والإحساس بالمسئولية: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
والأصل في الإنسان أن الله هيأه، وهيأ له، وأعد له، وقسم له، فمن هيأ نفسه لله، وعبده كما أمر، متّعه بما هيأ له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
فمن هيأ نفسه لعبادة الله وحده لا شريك له، متعه الله بما هيأ له، وسهل له ما هيأ له، وأوصله إلى ما أعد له، وأشغله بعبادته عما قسمه له، ورزقه الهداية والرضا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 4600
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
ومن لم يهيئ نفسه لله، لم يمتعه بما هيأ له، وعسّر عليه ما هيأه له، وتباعد عنه ما أعدّه له، وأشغله بما قسم له، ونزع منه الرضا والهدى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
стр. 4601
٩ - الخزانة التاسعة
فقه محاسبة النفس:
لابد لمن أراد الترقي في دينه ودنياه من المحاسبة، فيحاسب الإنسان نفسه، هل هو يربح أو يخسر؟، يحاسب التاجر عماله؟، فإن لم يحاسبهم سرقوه، وخسر أمواله، وهل يحاسب المؤمن نفسه، فإن لم يحاسبها سرقها الشيطان، وبماذا يحاسب الإنسان نفسه؟.
ويجب أن يحاسب الإنسان نفسه على خمسة أشياء:
١ - ما مدى استعدادي العمل بالدين؟.
٢ - هل شكرت ربي على فعلى الطاعات، وترك المعاصي؟
٣ - وما مدى استعدادي لجهد الدين؟.
٤ - هل استغفرت ربي من الذنوب والمعاصي؟.
٥ - وما مدى كمال الصفات لدي؟.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
والصفات الحسنة هي وسيلة التقوى، فلا تقوى إلا بالصفات، والمتقي هو الذي يرى المعصية في ترك أمر الله، أما غير المتقي فيرى المعصية بارتكاب المنهي عنه، وثمرة التقوى الاعتصام بحبل الله، وائتلاف القلوب، والشعور بالإخوة الإيمانية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ
стр. 4602
مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].
ومن ترك جُهد الهداية أُصيب بثلاث آفات:
الأولى: يتسرب إلى قلبه اليقين الفاسد، فيشرك بالله.
الثانية: ويتحول جهده للدنيا لا للدين.
الثالثة: ويتسلط عليه الباطل وأهله، حتى يدخل في عُقر داره، وقوة البلاد في حفظ حدودها، فإذا تجاوز العدو الحدود تحكّم في البلد وسيطر على خيراتها ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
وكل من عاش في الغفلة فهو مهزوم قطعًا، مهزوم أمام شهواته، ومهزوم أمام زوجته، وأولاده، وجيرانه، وأصدقائه وأعدائه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فالمؤمن حقًا جميع أوقاته لله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
стр. 4603
حفظ الأوقات في حياة المسلم:
ينبغي على العاقل أن يقسم أوقاته إلى أربعة أقسام:
١ - وقتٌ يناجي فيه ربه بصلاةٍ أو دعاء أو ذكر.
٢ - ووقت يحاسب فيه نفسه فيحمده على الطاعة، ويستغفره من المعصية.
٣ - ووقت يتعلم دينه ويعلمه.
٤ - ووقت يخلي فيه بين نفسه ولذاتها فيما يحل، وكل ذلك طاعة، وعبادة، وسنة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
ويقدم في كل عمل صالح الواجب على المستحب، والأحسن على الحسن، وما نفعه متعدد على ما نفعه قاصر.: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 4604
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
والوقت كالإناء من وضع فيه خيرًا وجده، ومن وضع فيه شراً وجده، ومن تركه فارغًا ندم على فواته ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
اللهم أحفظ أوقاتنا في طاعتك، وعبادتك، والدعوة إليك، وتعليم شرعك، والإحسان إلى خلقك في كل حال.
•أبواب النجاة وأبواب الهلال:
الطاعات أبواب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
والفراغ باب من أبواب المعاصي، والمعاصي أبواب الشقاء والهلاك: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
стр. 4605
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وأربع فيها النجاة:
طاعة الله عز ول .. وطاعة الوالدين .. والصحبة الطيبة .. وحفظ الوقت.
ففي طاعة الله سبع كرامات:
١ - نور في الوجه.
٢ - ونورٌ في القلب.
٣ - ونورٌ في القبر.
٤ - وزيادةٌ في الرزق.
٥ - وقوةٌ في الذهن، وصفاءٌ في العقل.
٦ - وقوة في البدن.
٧ - ومحبة في قلوب الخلق.
وفي معصية الله عكسها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: -٧١].
وطاعة الوالدين:
أمر الله بها بعد عبادة الله ، فطاعة الوالدين أمر الله بالإحسان إليهما قولًا وعملًا بعد الأمر بالتوحيد مباشرةً فقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
فالدين ركنان:
стр. 4606
عبادة الحق .. والإحسان إلى الخلق.
والصحبة الطيبة أن الصاحب ساحب، إما أن يأخذ بيدك إلى الجنة، وإما أن يجرك إلى النار: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وحفظ الوقت بالأعمال الصالحة من أهم المهمات، أما الفراغ فهو باب المعاصي، ومن لم يشتغل بالطاعة، شغلته نفسه والشيطان بالمعصية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
قال : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
стр. 4607
١٠ - الخزانة العاشرة
فقه الأعمال الصالحة:
الإسلام كله أخبار وأوامر، وخيرات وبركات، وعلى قدر الهدف يكون الانطلاق، والمشي، والمسارعة.
ففي طلب العلم نطلب الزيادة من ربنا دائمًا، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
وفي طلب الرزق نمشي في الأرض، وننتشر لطلب الرزق ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠].
وفي طلب الصلاة، والمسارعة إليها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].
وفي جهد الهداية، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله جعله الله مطلقًا في الزمان، والمكان، والحال، فله كل الأوقات كما قال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 4608
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وفي طلب الجنة نسارع إلى كل عمل صالح، ونسابق للوصول إلى رضوان الله والفوز بالجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وأما إليه سبحانه، فنفرُّ ونعجل إلى كل عمل يرضيه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال موسى ﷺ : ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه: ٨٤].
والموت ميقات العباد، فليبادر كل إنسان إلى التوبة إلى الله، وأداء الأعمال الصالحة ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨].
стр. 4609
• فقه الدعوة إلى الله:
الهداية أعظم شيء في خزائن الله، وهي أول وأعظم سؤال في القرآن، كما جاء في فاتحة الكتاب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ١ - ٧]
وبسبب فكر الهداية يظهر الله الحق، ويبطل الباطل، وينصر أولياءه، ويخذل أعداءه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
وبسبب فكر الهداية القاتل والمقتول في الجنة، وبسبب فكر الهداية يبذل الإنسان نفسه ليقتل في سبيل الله، ويحيا الدين، فجهد الهداية له كل الأوقات: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
والقتال في سبيل الله له بعض الوقت، فبفكر الهداية ينتشر الدين، وبفكر الشهادة لا ينتشر الدين، وحب الشهادة من ثمرات الهداية.
فأول عمل، وأفضل عمل، فكر الهداية قبل فكر الشهادة، وبفكر الهداية من قاتلك قاتل معك، فأبو سفيان، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص، هؤلاء كفار قاتلوا المسلمين، ثم قاتلوا معهم، بسبب فكر الهداية، لما هداهم الله.
стр. 4610
والله تعبدنا بالمشي في الشوارع للدعوة إلى الله قبل المشي إلى الصلاة في المساجد والجوامع فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣].
والدعوة إلى الله من أول يوم، أما الصلاة ففرضت في السنة العاشرة قبل الهجرة، والصوم في السنة الثانية من الهجرة، والزكاة في السنة الثانية، والحج في السنة العاشرة، والجهاد في السنة الثانية.
فبسبب فكر الهداية، الله يعطيك الشهادة، فالله تعبدنا بجهد الدعوة أولًا، لأنه أقوى عبودية، وأكبر عبودية، وأوسع عبودية: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فالعابد فقط أخذ عناوين قليلة من الإسلام، منها الوضوء والصلاة والصيام، والزكاة والعمرة والحج وغيرها، لكن الداعي أخذ هذه العناوين وأخذ أكبر العناوين، في الدين، فأخذ حياة النبي ﷺ ، وجهد النبي ﷺ ، وفكر النبي ﷺ ، يوم كيومه، وأقوال وأعمال وأخلاق كأقواله وأعماله وأخلاقه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فليس من يصرف أوقاته وأمواله في سبيل نشر الهداية، كمن يصلي وينام، ويصوم وينام، ويتصدق وينام: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
والله سبحانه جعل فواصل كبيرة بين الصلوات الخمس، ليقوم المسلم فيها بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله، ومن كانوا قبلنا كانوا يصلون خمسين صلاة في اليوم والليلة؛ لأن هذه الأمة مكلفة بالدعوة والعبادة كالأنبياء، فتعليق الآمال بالأموال والمناصب غرور، وتعليق الآمال على الكبير المتعال عزة وفلاح ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
والله سبحانه أعطى أولياءه الأعمال الصالحة التي ينصرهم ويسعدهم بها ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وهناك أربع مهلكات للعبد: أنا، ولي، وعندي، وبيدي، وهذه كلها لله لا للعبد.
والنجاة أن ننتقل من أنا لهو، وهو الله الذي بيده ملكوت كل شيء: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
стр. 4613
وأنتقل من لي إلى له: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
ومن عندي إلى وعنده: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وننتقل من بيدي إلى الله الذي بيده الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فالداعي غير المقاتل، فالمقاتل يحتاج إلى سلاح يدفع به الشر عن نفسه، ويدافع عن نفسه فقوته في سلاحه، أما الداعي لا يحتاج إلى أسباب مادية فإن معه قوة الله التي لا يقف لها شيء: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فالدعوة قوة من غير سلاح، وغنى من غير مال، وعز من غير جاه ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
فاملأ قلبك الصغير، ولسانك الصغير، وعمرك القصير، بما يحبه الله ويرضاه، يملأ لك حياتك في الدنيا أمنًا وطمأنينة وسعادة، ويملأ لك الجنة بكل ما تحبه وترضاه من ألوان النعيم، ورضوان رب العالمين: ﴿الَّذِينَ
стр. 4614
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
في مكة قبل الهجرة الصحابة يبيتون، ليلاً ليهجدون، ويمشون في الدعوة إلى الله، فالليل دعاء بالهداية، وبالنهار جهد الهداية على الكفار، ليس فيه صلاة ولا صوم ولا حج: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
وجهد الدعوة إلى الله أعظم مقوم للعبودية، وامتثال أوامر الله في كل حال، والمطلوب إيجاد حضارة الأعمال والأخلاق في البشرية، لا حضارة الأموال، والأشياء، والشهوات: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
وبهذه الأعمال والأخلاق تكون السعادة في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
стр. 4615
والدعوة إلى الله لها بذل وتضحية فمن أذل نفسه في سبيل الله، ذلل الله له يوم القيامة فواكه الجنة، ومن سقى وأطعم وأكرم من أجل هداية الناس، سقاه الله من الرحيق المختوم، وأطعمه الفواكه، وأنواع الطعام، وأكرمه برؤيته، وأنواع النعيم: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
فقه فعل الأسباب:
الأول: الدنيا لها أسباب، والآخرة لها أسباب، ودخول الجنة له أسباب من الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
ودخول النار له أسباب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
والأسباب كلها عبادة إذا كانت مشروعة، وامتثلنا أمر الله فيها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فالدنيا دار الأسباب، وفي الآخرة تنتهي الأسباب، ونرى قدرة الله تفعيل مباشرة، ونحن في الدنيا نفعل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على الله بقلوبنا، لأن الأمر كله لله، والله قدّر الثواب والعقاب مربوطًا بأسبابه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 4616
فالأخذ بالأسباب إسلام، والتوكل على الله إيمان، وترك الأسباب رهبانية، والاعتماد على الأسباب يهودية، وإنكار الأسباب إلحاد.
والله سبحانه شرع الأسباب لحكمٍ عظيمة منها:
أولاً: إن الله سبحانه يريد بكثرة الأسباب تنويع العبودية لله في كل حال من حياة الإنسان، كالأكل، والشرب، والصوم، والصلاة، وغير ذلك من الأسباب، وكالبيع، والشراء، والزراعة، والصناعة، حتى في الذنوب فإذا ضعف الإيمان، ثم وقع الإنسان في المعصية، شرع له الاستغفار والتوبة، وهي من الأسباب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
و قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ». أخرجهُ مُسْلِمٌ (١).
ثانيًا: أن الله سبحانه أحوج الخلق كلهم إليه، في خلقهم وأرزاقهم، وشرع لهم أسبابا لرضاه، ليفتقر كل أحد إليه، سواء كان غنيا أو فقيرا، قادرًا أو عاجزًا، ولو كان فينا من يرزق بغير الأسباب، لتعلق الناس به، وعبدوه من دون الله، وصار فتنة للناس، كما فُتن الناس بعيسى بن مريم ﷺ ، لمّا جاءهم ببعض الآيات; كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص.
ثالثًا: أن الله جعل الأسباب الدنيوية في مقابل الأوامر الشرعية، فابتلى الله الناس بالأسباب، لكي ينظر من يقدم الأسباب الدنيوية على أوامر الله الشرعية، أو يقدم أوامر الله على الأسباب، فطلب الرزق مشروع، ولكن إذا جاء وقت الصلاة، هل نتركه ونصلي؟ وهذا هو محل الابتلاء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
стр. 4617
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
رابعًا: إذا تعارضت الأسباب مع أمر الله، هل يلغي الإنسان السبب؟ أم يترك أمر الله، كما يدفع الإنسان الرشوة لإنجاز عمل أو حاجة له، فهذا سبب حرام، فإذا دفعها فقد عصى الله، ومن تركها فقد نجح في الاختبار: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
خامسًا: أن الله خلق الأسباب فتنة، لينظر سبحانه من يتعلق به، ممن يتعلق بغيره، ومن يتوجه إليه، ممن يتوجه إلى غيره: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 4618
٣٠ - خزائن الأحكام العامة
القسم الأول
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 4619
٣٠ - خزائن الأحكام العامة
القسم الأول
١ - الخزانة الأولى
في هذه الخزائن الكبرى بَيَّنا بفضل الله وحده الأحكام، والأصول، والعلم النفيس المتين من أحكام التوحيد، والإيمان، والعباداتِ، والمعاملات، وفقه القلوب، وفقه الجوارح، وجعلناها منوعة من جميع أبواب الشريعة، لئلا تمل النفوس من نوعٍ واحد، فهي أغذية طيبة للقلب والعقل، يستنير بها المسلم، ويتعبد لله بموجبها.
فهي بستان القلوب، و العقول، يقطف منها طالب العلم ما لذَّ وطاب من ثمرات العلمِ، والهدى، ويتعبد لله به، ويتزين به، ويُزين الناس به: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 4620
فقه إحسان العمل:
والمؤمن بعد إيمانه يجب أن يعبد الله بصفة الإحسان، فإحسان العمل هو الذي خلق الله الخلائق من أجل الاختبار فيه كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
والطريق التي يصُح بها الإحسان، ويكمن، هو الواعظ الأكبر في القرآن الكريم، وهو مراقبة الله ، وعلم العبد أنه كأنه يرى وينظر إلى ربه جل وعلا حين يقف بين يديه في جميع أحواله، وأنه إن لم يكن يراه فالله بلا شك يراه في جميع أحواله فإذا علم العبد أنه بين يدي جبار السموات والأرض، وأنه بين يدي الرحمن الرحيم، وأنه يراه، أحبه وخافه، ورجاه، وأحسن عمله لربه كالآنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فإن من كان أمام ملكٍ جبار من ملوك الدنيا، لابد أن يُحسن عمله أمامه، ويطيعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ ولهذا أرسل الله سبحانه جبريل إلى محمد ﷺ ليُبين للمسلمين الطريقة التي يصِحُ بها الإحسان حين سأله
стр. 4621
عن الإيمان، والإسلام، ثم سأله عن الإحسان فقال: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». متفق عليه (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٤ - ١٢٦].
وامتثال أوامر الله ورسوله في كل حال، وطاعة الله ورسوله في كل أمر، وحسُن الأدبِ مع الله ورسوله، بكمال الإيمان، والتقوى، كل ذلك سببٌ لرحمة الله، ومغفرته، وتحقيقٌ لصفة الإحسان، والله يحب المحسنين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والدنيا دار الإيمان والعمل، والآخرة دار الثوابِ والعقاب، والآخرة لا تصلح للمفاليس، لا تصلح للفقراء؛ لأنه ليس فيها عارية، ولا صدقةٌ، ولا خُلةٌ ليس فيها للإنسان إلا ما قَدَّم من عمله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١].
فقه الأحكام الشرعية
الحكم الشرعي: هو ما دَلَّ عليه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المُكلفين من طلبٍ، أو تخييرٍ، أو وضع.
فالطلب نوعان:
فعلٌ .. وتركٌ.
فطلب الفعل: هو الواجب والمُستحب، وطلب الترك: هو المُحرم والمكروه، والتخيير: هو المُباح الذي يستوي فعله وتركه.
والوضع ما وضعه الشارع سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا له.
أقسام الأحكام الشرعية:
الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:
الأول: أحكامٌ تكليفية
الثاني: أحكام وضعية
والأحكام التكليفية خمسة أنواع:
١ - الواجب.
٢ - والمندوب.
٣ - والمُحرم.
٤ - والمكروه.
٥ - والمُباح.
والأحكام الوضعية سبعة:
١ - السببُ.
٢ - والشرطُ.
٣ - والمانعُ.
стр. 4624
٤ - والصحةُ.
٥ - والفسادُ.
٦ - والرخصةُ.
٧ - والعزيمة.
وهذا بيانٌ للأحكام التكليفية:
١ - الأول: الواجب، والواجب: هو ما يُثاب فاعله امتثالًا، ويستحق العقاب تاركه، مثاله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣].
وأقسام الواجب ثلاثة:
القسم الأول: باعتبار الوقت، وهو قسمان:
الأول: واجب موسع: وهو ما كان وقته متسعاً له ولغيره من جنسه.
مثاله: أوقات الصلاة، فإن أوقاتها مُتسعة للفرائض، والنوافل.
الثاني: واجبٌ مُضيق: وهو ما كان وقته لا يتسع لغيره من جنسه.
مثاله: صوم رمضان فهو شهر واحد لصيام رمضان، لا يتسع لصيام آخر معه.
القسم الثاني: باعتبار المُكلف، وهو قسمان:
الأول: واجب عيني: وهو ما طلب الشارع من كل واحدٍ من المُكلفين فعله بعينه، مثل: الصلوات الخمس، والصيام، والحج، والدعوة إلى الله، ونحو ذلك فهذا يجب على كل فردٍ مُكلف أن يأتي به: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثاني: واجبٌ كفائي: وهو ما طلب الشارع من المُكلفين فعله، وإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقيين، وإذا لم يقم به أحدٌ أثموا جميعًا.
стр. 4625
مثاله: الجهاد في سبيل الله، وتعليم الناس أمور دينهم، وإفتاء الناس فيما يُشكِل عليهم، والأذان، والقضاء بين الناس، ونحو ذلك، فإذا قام بذلك من يكفي سقط الإثم عن الباقيين.
القسم الثالث: باعتبار المُكلف به، وهو قسمان:
الأول: واجبٌ معين: وهو ما طلب الشارع من المُكلف فعله بعينه، مثل: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ونحوها، فهذه عبادات أمر الله المُكلف أن يأتي بها بعينها، ولا يجوز أن يأتي ببدل عنها.
الثاني: واجب مُخيَّر: وهو ما طلب الشارع من المُكلف أن يأتي بأمر واحد من أمور معينة.
مثاله: كفارة اليمين، وفدية الأذى، ونحوهما، فالواجب على المُكلف أن يأتي بواحدٍ من كفارة اليمين، أو فِدية الأذى، وتبرأ ذمته.
٢ - الثاني: المندوب: وهو ما يُثاب فاعله امتثالًا، ولا يُعاقب تاركه.
مثاله: كتابة الدين، فإن الله أمر به ثم قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فدلَّ على أن الأمر بالكتابةِ للندب لا للوجوب.
٣ - الثالث: المُحرم: وهو ما يُثاب تاركه امتثالًا، ويستحق العقاب فاعله، مثاله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
٤ - الرابع: المكروه: وهو ما يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله.
مثاله: كراهة الشرب قائمة.
٥ - الخامس: المُباح: وهو ما خيّر الشارع بين فعله وتركه، مثل: إباحة الطيبات كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].