← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

حكم من قال لزوجته: أنت علي حرام: إذا قال الزوج لزوجته أنت علي حرام فله ثلاث حالات: الأولى: إن نوى به الطلاق فهو طلاق. الثانية: إن نوى به الظهار فهو ظهار. الثالثة: إن نوى به اليمين فهو يمين. فإن نوى به اليمين، فهو لم ينوِالتحريم، لكن نوى الامتناع، فهذه يمين يكفرها بكفارة يمين، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ٢]. وإن نوى به الظهار، فهو ظهار، لأن معنى قوله: أنت علي كظهر أمي، أنت حرام، لا لأن أشد ما يكون عليه حرام ظهر أمه، فعليه كفارة ظهار. وإن نوى به الطلاق فهو طلاق، لأنه صالح للفراق فتطلق واحدة، فعلى هذا يحكم عليه بحسب نيته. عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١). حكم الشك في الطلاق: الأصل بقاء ما كان على ما كان، واليقين لا يزول إلا بيقين، فالأصل بقاء النكاح فلا يزول إلا بيقين الطلاق، فمن شك بطلاق أو شرطه لم يلزمه، وإن شك في عدده فطلقة واحدة، فالأصل بقاء النكاح فلا يزول إلا بيقين.

стр. 4902

ومن أوقع الطلاق مع الشك، فقد ارتكب محظورين: الأول: التفريق بين الزوجين. الثاني: إحلال هذه المرأة لغير الزوج، وهي في عصمته، وحرمانها من النفقة والميراث إذا مات، وهذا كله محرم. فالشك في الطلاق لا عبرة به، لأن الأصل بقاء النكاح. عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١). حكم تعليق الطلاق بالشرط: تعليق الطلاق بالشرط ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون شرطًا محضًا، فيقع به الطلاق. مثاله: أن يقول لزوجته: إذا غربت الشمس فأنت طالق. الثاني: أن يكون يمينًا محضًا، فلا يقع به الطلاق، لكن فيه كفارة يمين، مثاله: أن يقول قاصدًا الامتناع لا الطلاق: إن أكلت هذا اللحم فأنت طالق. الثالث: أن يكون محتملًا للشرط المحض واليمين المحض، فهذا يُرجع فيه إلى نية المطلق. مثاله: أن يقول لزوجته: إن خرجتِ من الدار فأنت طالق، فإن قصد به الطلاق وقع، لأنه شرط محض، وإن أراد به منعها من الخروج بما يشبه القسم، ولم يقصد الطلاق، فلا يقع الطلاق وفيه كفارة يمين إن خرجت.

стр. 4903

وإذا علق الطلاق بشرط فله أن يسقطه قبل وقوعه، لأنه حقه فله أن يسقطه، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١). حكم الشرع في الإطعام: الشرع من حيث التقدير في الإطعام الواجب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما قدر فيه المدفوع، والمدفوع إليه مثل فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فهنا قدر المدفوع بنصف صاع، والمدفوع إليه ستة مساكين. الثاني: ما قدر فيه المدفوع فقط، دون المدفوع إليه، مثل صدقة الفطر، فهي صاع من طعام من أرز أو بر ونحوهما، يجوز أن تعطى لواحد أو عشرة. الثالث: ما قدر فيه المدفوع إليه، دون المدفوع، مثل كفارة اليمين، كفارة الظهار، كفارة الجماع في نهار رمضان. أقسام الوطء: وطء النساء على أربعة أوجه: ١ - في النكاح. ٢ - وفي الشبهة. ٣ - وفي ملك اليمين. ٤ - وفي الزنا.

стр. 4904

فالنكاح الشرعي تجب فيه العدة، ونكاح الشبهة يجب فيه الاستبراء بحيضة لا العدة، وملك اليمين يجب فيه الاستبراء لا العدة، فلو جامع الرجل أمته فلا يجوز أن يبيعها أو يزوجها حتى يستبرئها بحيضة. والزنا، الزانية ليس عليها عدة ولا استبراء، لكن إن حملت حرم على زوجها أن يجامعها حتى تضع الحمل، لئلا يسقي ماءه زرع غيره، وإن لم تكن متزوجة لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل.

стр. 4905

٥ - الخزانة الخامسة مدة الحمل: أقل مدة الحمل ستة أشهر، وغالبه تسعة أشهر، ولا حد لأكثره، فالله يقول عن الإنسان: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. ويقول في آية أخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. فإذا أخذنا عامين للفصال بقي ستة أشهر للحمل، فهذا أقل مدة حمل، فالله بين أقله وغالبه وهي تسعة أشهر، وأكثره غير معلوم، فقد يكون أربع سنين أو أكثر أو أقل، وأقل زمن يتبين فيه خلق الإنسان واحد وثمانون يومًا وهو بدء المضغة المخلقة، وغالب زمن يتبين فيه خلق الإنسان تسعون يومًا وتنفخ فيه الروح إذا تم له مائة وعشرون يومًا، وهي أربعة أشهر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أحدَكُم يُجمَعُ خلقُهُ في بطنِ أمِّهِ أربعينَ يومًا ثمَّ يَكونُ عَلقةً مثلَ ذلِكَ، ثمَّ يَكونُ مضغةً مثلَ ذلِكَ، ثمَّ يرسلُ الملَكُ فينفخُ فيهِ الرُّوحَ ويؤمرُ بأربعٍ، كلِماتٍ ويقال له: اكتب رزقِهُ وأجلِهُ وعملِهُ وشقيٌّ أو سعيدٌ، فوالَّذي لا إلَهَ غيرُهُ إنَّ أحدَكُم ليَعملُ بعملِ أَهْلِ الجنَّةِ حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذِراعٌ فيسبقُ عليهِ

стр. 4906

الكتابُ فيعمل بعملِ أَهْلِ النَّارِ، ويعملِ حتَّى ما يَكونَ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ ثمَّ يسبِقُ عليهِ الكتابُ فيعمَل بعملِ أَهْلِ الجنَّةِ». متفق عليه (١). حكم إلقاء الحمل: للحمل في بطن الأم أربع حالات: الأولى: أن يكون قبل أربعين يومًا حال النطفة، فهذا مكروه إلقاؤه أو محرم، ولا يباح إلا إن كانت الأم مريضة يخشى عليها؛ لأنه معصوم. الثانية: أن يكون بعد الأربعين يومًا حال كونه علقة، وهنا يتحول الحمل من ماء إلى دم تعلق بجدار الرحم، فهذا يحرم إلقاؤه؛ لأنه في مرحلة ابتداء خلق الإنسان، لكن يباح إلقاؤه عند الضرورة. الثالثة: إذا كان الحمل مضغة مخلقة، وهى فترة الأربعين الثالثة، فهذا إلقاؤه محرم إلا إذا دعت الحاجة إليه والضرورة. وفيما سبق، إذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه. الرابعة: إذا نفخت فيه الروح، فهذا إلقاؤه محرم، ولو دعت إليه الضرورة؛ لأن هذا الفعل قتل نفس بغير حق. ومن نفخت فيه الروح له حالتان: الأولى: أن يلقى في حال يعيش فيها كما لو حصل لأمه صعوبة في الوضع، بشرط ألا يكون في ذلك خطر على حياته أو حياة أمه. الثانية: أن يلقى قبل أوان نزوله كما لو بلغ خمسة شهور مثلًا، هذا يحرم إلقاؤه؛ لأن الغالب أنه لا يسلم، لكن إن ماتت أمه وهو حي، فيجب إخراجه؛ لأن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب، ولا يجوز إنزال من

стр. 4907

نفخت فيه الروح، ولو كان خطرًا على أمه، فإن مات هو وأمه، فهذا حصل بفعل الله لا بفعلنا: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ١٧ - ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. حكم التبرع بالأعضاء: لا يجوز لأحد أن يتصرف بشيء من بدنه إلا بإذن خالقه، فالآدمي كرمه الله، وهو معصوم النفس، ولكن بعض من لا معرفة له جعلوه كالبهائم، يجوز إنزاله من بطن أمه إذا خشينا على أمه، كالحيوان يجوز إنزاله، لئلا تموت أمه. وبينهما فرق، فالحيوان مباح القتل، لكن الإنسان معصوم الدم، فاعلموا ذلك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾ [الممتحنة: ١١]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦]. وبعضهم جعلوا الآدمي كالسيارة، فأباح نقل أعضاء الإنسان من شخص لشخص كما تنقل قطع الغيار من سيارة لسيارة، وهذا إهدار لكرامة الآدمي السليم، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتبرع أحد بعضو من أعضائه لأن الإنسان ملك لله، والتصرف في ملك الغير بدون إذنه محرم: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].

стр. 4908

لكن من وجد من الناس كلية تباع مثلًا، واحتاج إليها، فهذه يجوز زرعها؛ لأنها قطعت، ولا يمكن أن تعود، والإثم على من قطعها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. أقسام الحقوق: الحقوق الواجبة تنقسم إلى قسمين: حقوق الله .. وحقوق الخلق. الأول: حقوق الخالق ﷻ : كالتوحيد والإيمان، وعبادته وحده لا شريك له، واجتناب الكفر والشرك والمعاصي. وحقوق الله ثلاثة أقسام هي: الأول: ما هو خالص لله وحده كالتوحيد، والإيمان بما يجب الإيمان به كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. الثاني: ما يتركب من حقوق الله، وحقوق العباد، كالزكاوات والصدقات، والكفارات والنذور، والهدايا والوصايا، والأوقات والأضاحي ونحوها، فهذه كلها قربة إلى الله من وجه، ونفع للعباد من وجه آخر، والغرض الأظهر منها نفع العباد، وما وجب من ذلك أو ندب إليه، فهو قربة لباذليه،

стр. 4909

ورزق لآخذيه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. الثالث: ما يتركب من حق الله، وحق رسوله ﷺ ، وحق المكلف كالأذان والإقامة، فحق الله التكبيرات والشهادة لله بالوحدانية، وحق الرسول ﷺ الشهادة له بالرسالة، وحق العباد، الإعلام بدخول الوقت في الأذان، والإعلام بقيام الصلاة في الإقامة. وكذا الصلاة حق الله فيها كثير؛ كالتكبير والتسبيح، والركوع والسجود والتحيات وغيرها، وحق الرسول؛ الصلاة والسلام عليه، والشهادة له بالرسالة. وحق العبد؛ الدعاء بالهداية، والإعانة على العبادة، ودعاء الاستفتاح، والتسليم على نفسه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]. ولهذا كانت الصلاة من أفضل الأعمال. وكذا الجهاد في سبيل الله، فحق الله فيه محو الكفر، وإزالته من قلوب الكفار، وكسر الأصنام والصلبان، وحق المسلمين، الذب عن أنفسهم وأموالهم، وما يحصل لهم من الغنائم، وحقه في نفسه دفعهم عنه وما يأخذه من الغنيمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. الثاني: حقوق الخلق على بعضهم:

стр. 4910

وذلك بجلب المصالح لهم، ودفع المفاسد عنهم، وهو ثلاثة أقسام: الأول: حقوق المكلف على نفسه: كتقديم نفسه في الكساء والمسكن والنفقة، وحقوقه في العلاج والنوم والأكل ونحو ذلك. الثاني: حقوق بعض المكلفين على بعض: فكل واحد له حقوق، وعليه لغيره حقوق، وضابطها تحصيل المصالح، ودرء المفاسد لكل منهما، ومن كل منهما: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. ومن ذلك السلام، ورد السلام، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وحقوق الأزواج والآباء والأولاد والجيران ونحو ذلك من ستر الزلات، وتعليم الشريعة والقرآن. وحقوق العباد قسمان: ١ - حقوق في حياتهم كما تقدم. ٢ - وحقوق بعد مماتهم من إكرامهم، وغسلهم، وتكفينهم، وحملهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وزيارتهم، والاستغفار لهم. الثالث: حقوق البهائم والحيوان على الإنسان: بأن ينفق عليها، ولا يحملها ما لا تطيق، وأن يرفق بها، ولا يجمع بينها وبين ما يؤذيها، ويحسن ذبحها إذا ذبحها ولا يذبح أولادها أو غيرها بمرأى

стр. 4911

منها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. أقسام الأحكام الشرعية: الأول: أحكام أجمع عليها الصحابة: فهذه يجب إتباعهم فيها. الثاني: أحكام اختلف فيها الصحابة ﵃: فنأخذ منها ما هو أقرب إلى الدليل الشرعي من قرآن أو سنة صحيحة. الثالث: أحكام وقعت في زماننا، ولم تقع في زمانهم؛ فهذه نجتهد في معرفة حكمها عن طريق القياس على ما يشبهها في عهد الصحابة، حسب القواعد الشرعية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥]. فقه المصالح والمفاسد: إذا عظمت المصلحة أوجبها الله سبحانه في كل شريعة كالإيمان والتقوى والعدل وأمثالها.

стр. 4912

وإذا عظمت المفسدة، حرمها الله في كل شريعة كالكفر والقتل والزنا والظلم والغصب وأمثالها. فإن تفاوتت رتب المصالح والمفاسد، فقد يقدم الشرع بعض المصالح في بعض الشرائع على بعض، ويخالف ذلك في بعض الشرائع، وكذلك المفاسد. فالقصاص في شريعة موسى واجب حقًا لله في حد الزنا والسرقة، وهو في شريعتنا حق للعبد مقترنٌ بحقوق الرب، وترجح فيه حق العبد على حق الرب في شرعنا؛ وذلك نظرًا للجاني، ولولي الدم. وكذلك حرم الله النكاح بأكثر من امرأة في شرع عيسى ﷺ ؛ نظرًا للنساء، حتى لا يتضررن بكثرة الضرائر والإماء، وأباح الله سبحانه ذلك في شرع موسى ﷺ من غير حصر، لمن قدر على القيام بحقوقه. وأباح سبحانه في شرعنا الزيادة على واحدة؛ نظرًا للرجال، وحرم الزيادة على أربع؛ نظرًا للنساء، ورحمة بهن، وجوز وطء الإماء من غير حصر؛ نظرًا للرجال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١]. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]. التخفيفات في الشريعة الإسلامية: الشرع كله يسر وسهولة وإحسان بقدر الاستطاعة، وتخفيفات الشرع أنواع: الأول: تخفيف الإسقاط:

стр. 4913

كإسقاط الجمعة والجماعة، والحج والعمرة، بأعذارها الشرعية المعلومة. الثاني: تخفيف التنقيص: كقصر الصلوات الخمس في السفر؛ بقصر الرباعية إلى ركعتين، وتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلاة من قيام وركوع وسجود إلى القدر الميسور من ذلك كما قال الله ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». أخرجه البخاري (١). الثالث: تخفيف التقديم: كتقديم العصر إلى الظهر في الجمع في السفر والمطر والعذر المبيح، وكذا تقديم العشاء إلى المغرب، وتقديم الزكاة على حولها والكفارة على الحنث. الرابع: تخفيف التأخير: كتأخير صلاة الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، كما سبق في السفر، وتأخير قضاء رمضان إلى ما بعده عند وجود العذر. الخامس: تخفيف الأبدال: كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم لعذر، وإبدال القيام في الصلاة بالقعود، والقعود بالإضجاع، والإضجاع بالإيماء، وإبدال العتق بالصوم، وإبدال الصوم بالإطعام، في حق من يشق عليه الصيام، وإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار. السادس: تخفيف الترخيص: كصلاة المتيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع فضلة النجو، وشرب الخمر للغصة، وأكل الميتة للمضطر

стр. 4914

والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]. فقه المشقة: المشقة الموجبة للتخفيف نوعان: الأول: مشقة لا تنفك العبادة عنها، وهى أنواع: كمشقة الوضوء والغسل في شدة البرد، ومشقة إقامة الصلوات الخمس في شدة الحر والبرد، ومشقة الصوم في شدة الحر، وطول النهار، ومشقة أعمال الحج، ومشقة الجهاد، وما فيه من أنواع المخاطرة، ومشقة طلب العلم، ومشقة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومشقة إقامة الحدود، ورجم الزناة على الجاني وأهله، فهذه المشقة كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والحدود، ولا في تخفيفها؛ لما في ذلك من فوات مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات، وفوات الأجور العظيمة بتركها. الثاني: مشقة منفكة عن العبادة غالبًا، وهى أنواع: الأول: مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس أو الأطراف أو المنافع، فهذه المشقة موجبة للتخفيف والترخيص؛ لأن حفظ المهج والأطراف لحفظ مصالح الدارين، أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات. ثانيًا: مشقة خفيفة: كأدنى وجع في إصبع أو ضرس أو صداع في رأس، فهذا لا يلتفت إليه؛ لأن تحصيل مصلحة العبادة أولى من تركها، لأجل هذه المشقة الخفيفة. الثاني: مشقة واقعة بين المشقة العظيمة، والمشقة الخفيفة:

стр. 4915

فهذه ما دنا منها من المشقة العليا، أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا، لم يوجب التخفيف كالحمى الخفيفة، ووجع الضرس اليسير، ولا يعفى عماعدا هذه الأعذار المذكورة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. مواطن حصول المشقة: تكون المشاق في العبادات والمعاملات، وهى أنواع ودرجات. فالعبادات كالصلاة عند العذر والمرض، ينتقل فيها المصلى من القيام إلى القعود إلى الإضجاع حسب العذر والمرض. فالقيام أشهر الحالات؛ لما فيه تعظيم الرب، وما سواه للضرورة والعجز، ومن رحمة الله أنه خفف وأعطى الأجر الكامل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما الصوم فالأعذار فيه خفيفة كالسفر، والمرض الذي يشق الصوم معه، وما كان أشد منهما كالخوف على الأرواح والأطراف، كان أولى بجواز الفطر. وأما الحج، فالأعذار فيه إباحة محذورات خفيفة، كجواز لبس المخيط عند من يتأذى بالحر أو البرد في النسك ونحو ذلك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: -٢٨]. كذلك التيمم أعذاره خفيفة من فقد الماء، أو عجز عن استعماله، أو تضرر باستعماله، أو عند ارتفاع سعر الماء، فلله الحمد والمنة: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 4916

وأما المعاملات فكالغرر في البيوع، وهو أقسام: الأول: ما يعسر اجتنابه: كبيع الفستق والرمان والبطيخ في قشره، فيعفو عنه، فيباح بيعه مع الجهالة، رفعًا للحرج. ثانيًا: ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفو عنه. درجات المشقة: المشاق درجات ثلاث: ١ - مشقة في أعلى مراتب الشدة. ٢ - ومشقة في أدناها. ٣ - ومشقة متوسطة بينهما. وقد ربط الشرع التخفيف بالمشاق والأشق الشديد والأشد. والمنة على الإنسان مؤلمة للقلب، مفسدة للنفوس وهى ثلاثة أنواع: منة شديدة .. ومنة خفيفة .. ومنة متوسطة. ولا يحل الشرع المنة الشديدة إلا لمصلحة تربي عليها، كمنة العتق على العتيق، والمطعم على المُطعِم عند الضرورة ومنه الكاسي عند الضرورة على المكسو، فالمنة الكبرى هي فقط لله الذي خلق الخلق، وأنعم عليهم بكل نعمه؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وأباح الله للعباد من المنة والأفضال ما يزيد في أجورهم، ويدفع حاجات إخوانهم المحتاجين: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ

стр. 4917

مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. الاعتصام بالكتاب والسنة: يجب على كل مسلم ومسلمة الاعتصام بالكتاب والسنة، وعدم الاعتماد على الرأي، بل يرجع في كل أمر إلى الكتاب والسنة، أو إلى أحدهما، فإن لم يجد، رجع إلى الإجماع الذي يستند إلى الكتاب والسنة، فإن لم يجد الأمور الثلاثة، رجع إلى أقوال الصحابة ﵃، فإن وجد قولًا لأحدهم في مسألة، ولم يخالفه أحد من الصحابة ﵃، ولا عُرف نص يخالفه، واشتهر هذا القول في زمانهم، أخذ به، فإن لم يجد ذلك واحتاج إلى القياس، استعمله بدون تكلف، فإن لم تكن العلة الجامعة واضحة، تمسك بالبراءة الأصلية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: -١٠٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ [الشورى: ١٠]. وعن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ

стр. 4918

العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ». متفق عليه (١). مقصود الله من خلقه: مقصود الله من خلقه هو عبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. ومقصود الله من خلقه، تحصيل الصفات التي يحبها، وعبادته بموجب تلك الصفات، وعدم الالتفات لأحد سواه، فلا نشغل أنفسنا بغيره، فهو الصمد الذي تكفل بقضاء جميع حاجات الخلق. وقد إجتهد النبي ﷺ ثلاثة وعشرين سنة على الصحابة ﵃، حتى جاءت فيهم الصفات التي يحبها كما قال سبحانه في صفاتهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. ولما جاءت فيهم هذه الصفات، جاء بهم ﷺ للحج؛ لتظهر صفاتهم فيما بينهم، وفيما بينهم وبين ربهم، فموسم الحج والعمرة وصلاة العيدين، وصلاة الجمعة، والصلوات الخمس جماعة، ومناسبات الزواج والأفراح

стр. 4919

وغيرها، كلها أماكن ومناسبات لإظهار الصفات التي يحبها الله ، فيحاسب الإنسان نفسه في هذه المجتمعات؛ كم عندي صبر؟، كم عندي توكل؟، كم عندي يقين؟، كم عندي إكرام؟ وكم عندي علم وحلم وإيثار وعفو وإحسان؟ وهكذا، فلا تنفع الطاعات بدون إيمان وتقوى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. والمرأة التي تصوم وتصلي، وتؤذي جيرانها، هي في النار كما أخبر النبي ﷺ بذلك، فلابد من هاتين العلامتين؛ تقوى الله، وحسن الخلق، وذلك يحتاج إلى مجاهدة مستمرة، ولهذا أثنى الله على رسوله بحسن الخلق بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وأمر بمكارم الأخلاق قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وقال النبي ﷺ : «اتَّقِ الله حيثما كنتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحسَنَةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ الناسَ بخلُق حسن». أخرجه الترمذي وأحمد (١).

стр. 4920

٦ - الخزانة السادسة حكم الغناء: الغناء المحرم له صور، يزينه الفاسق للناس بألبسة مختلفة، ومن ذلك: الأول: الغناء الفاسق المصحوب بالموسيقى ونحوها. الثاني: الغناء الصادر من المرأة الأجنبية أو الشاب الأمرد، لما في ذلك من الفتنة. الثالث: الغناء المؤدي إلى فتنة وثوران الشهوة عند الرجال والنساء. الرابعة: تلحين الشعر على أوزان الموسيقى لهوًا وطربًا. الخامسة: الاشتغال بسماع القصائد الرقيقة، وتلك تقلل الرغبة في سماع القرآن الكريم. السادسة: الأناشيد المنسوبة للإسلام التي تؤدي بألحان مطربة، تشبه الصوفية في غنائهم، وتحاكي الفساق في طربهم، وتشغل عن سماع القرآن والمواعظ، فهذا كله حرام. أما غناء الركب في الطريق بأشعارٍ نافعة، وغناء الأم لتسكين طفلها، والترنم بالأبيات عند القيام بالأعمال الشاقة، فهذا كله جائز إذا كان سالمًا من الفحش والكذب. أما آلات الموسيقى والمزامير والمعازف والملاهي، فكلها حرام، يحرم الضرب بها، والاستماع إليها، وآلة الدف الأصل فيها التحريم، ويباح للنساء خاصة استعمالها في العيد والعرس وقدوم الغائب ونحو ذلك من أيام الفرح والسرور، كما رخص النبي ﷺ للجواري أن يضربن بالدفوف في أيام العيد، والدف مزمار الشيطان.

стр. 4921

ولا يجوز للرجال الضرب به، ومن ضرب به، فهو متشبه بالنساء، وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، فقال ﷺ : «لَعَنَ اللهُ المُتَشَبهِينَ مِنَ الرّجالِ بالنّسَاءِ، وَالمُتشبِهاتِ مِنْ النّسَاءِ بالرّجَالْ». أخرجه البخاري (١). فتحرم جميع الأغاني التي تحدث الفتنة والفساد، فيحرم الغناء، ويحرم الاستماع للأغاني، ويحرم الاجتماع على الأغاني، ويحرم بيع جميع أنواع الملاهي والموسيقى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٦ - ٧]. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَيَكُونَنَّ من أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ رَجُلُ الْحَاجَةِ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». أخرجه البخاري معلقاً (٢). من تجب طاعته: تجب طاعة الله، والرسول، وأولي الأمر، ولا طاعة لأحد من الخلق إلا لمن أذن الله بطاعته، أو أمر بطاعته كالرسل والأنبياء، والعلماء والأئمة، والولاة والقضاة، والآباء والأمهات، والسادات والأزواج، والمستأجرين

стр. 4922

على الأعمال والصناعات، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لما فيها من المفسدة العظيمة في الدارين أو أحدهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. فمن أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، إلا أن يكره الإنسان على أمر يبيحه الإكراه، فلا إثم على مطيعه، بشرط ألا يضر غيره. وقد تجب طاعة المكره، لا لكونه آمرًا، بل دفع لمفسدة ما يهدده به من قتل أو قطع أو جناية على عرض. واختص الإله سبحانه بالطاعة المطلقة، لاختصاصه بالنعم التي لا تعد ولا تحصى؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد، فما من مصالح الدنيا والدين إلا وهو منعم به، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وما من ضرر وشر إلا وهو دافعه، فله وحده الحكم، وله الطاعة في كل، حال وله العبادة وحده لا شريك له: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠]. وتجب طاعة جميع الأنبياء والمرسلين والإيمان بهم؛ لأن الله أرسلهم بأمر الناس بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، ورحمة الخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].

стр. 4923

وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. فطاعة الله مطلقة، وطاعة الرسول مطلقة، وطاعة أولى الأمر من باطن طاعة الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. فقه تعظيم الحرمات: أولاً: احترام المصاحف، يكون بالعمل بموجبها، ورفعها عن الأرض، وإبعادها عن النجاسات والمستقذرات، وحملها مفردة، وذلك إجلالًا لرب العالمين الذي تكلم بها، وتعظيمًا لكتابه العظيم أن يسوى بينه وبين كتب غيره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. وقال الله تعالى عن القرآن الكريم: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ [عبس: ١٣ - ١٤]. ثانياً: أما حرمة المساجد، فتكون بصيانتها عن النجاسات والأقذار، والبيع والشراء، والقيل والقال، ورفع الأصوات، وإنشاد الضوال، وسؤال الناس، واتخاذها مجالس للحكام والقضاة، والعلماء والوعاظ على الداوم: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].

стр. 4924

وحرمة المسجد الأقصى أكبر من حرمة غيره، ومسجد المدينة أفضل منه، والمسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي لِما اختص به من الفضائل والأحكام، وإنما تثبت حرمة المساجد، تمييزًا لبيوت الله عن بيوت الناس، وإجلالًا وتعظيمًا لله : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٩]. أفضل البقاع: الكعبة بيت الله باختيار الله، ومساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله، وهذا وهذا والأرض كلها مسجدٌ للسجود لله ؛ ولهذا كان بيت الله باختيار الله قبلةٌ لبيوت الله باختيار خلق الله. فالذي يُصلي أمام الكعبة قبلته الكعبة، والذي يُصلي خارج المسجد قبلته المسجد الحرام، والذي يُصلي في جهات الدنيا قبلته جهة المسجد الحرام في مكة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ومن عرف أن الأرض كلها مسجدٌ للسجود لله، استحى من ربه، وأطاعه ولم يعصه عليها، واستحى من ربه أن يسكن في ملكه، ويعصيه بنعمه.

стр. 4925

والمساجد بيوت الله ؛ ولهذا تشرف ببنائها الأنبياء والرسل والمؤمنون: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. فلا يجوز للكفار تصميمها ولا بناؤها ولا صيانتها ولا نظافتها؛ لأنهم أعداء الله ورسوله ودينه، فلا يؤمَنون على عمارة المساجد، بل يجب أن يقوم بذلك المسلمون فقط: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. والمسجد بيتٌ من بيوت الله، وأعلاه وأسفله تابعٌ له، فلا يجوز لأحدٍ سكن عليه، سواءً كان الإمام أو المؤذن أو غيرهم. وإن كان المسجد طارئًا على السكن كما لو اختار الناس شقة أو دورًا من بناء قائم، ليكون مسجدًا، جاز لهم ذلك، وإبقاء المساكن لأهلها؛ لسبق تملكها على المسجد. والمساجد يجب أن تنزه عن النجاسات، ويجب تطهيرها، فيجب أن تكون دورات المياه والمراحيض خارج المسجد لا فوقه ولا تحته: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]. والمساجد بيوت الله يصلي فيها المسلمون، ويقرؤون كتاب ربهم، ويتعلمون أمور دينهم، ويحرم منع المسلمين من الانتفاع من مساجدهم في جميع الأوقات: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٤ - ١١٥].

стр. 4926

فقه الآيات: الآيات في اللغة لها إطلاقان: الأول والأشهر: بمعنى العلامة ومنه قوله : ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. أي علامة ملكه. الثاني: بمعنى الجماعة، يُقال: جاء القوم بآيتهم أي بجماعتهم. وتُطلق الآية في القرآن الكريم إطلاقين: الأول: تُطلق على الآية الكونية القدرية بمعنى العلامة، وهي ما نصبه الله جل وعلا من الآيات الدالة على كمال وحدانيته وقدرته، وأنه المعبود وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وقوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]. الثاني: وتُطلق الآية على الآية الشرعية كآيات القرآن العظيم، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [القصص: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٥٢]. حكم طلب الآيات: الكفار والمشركون عادةً يقترحون على الأنبياء الآيات الكونية، والآيات الشرعية، تعنًا وصدًا للناس عنهم، وكفار مكة اقترحوا على النبي ﷺ أن يأتيهم بآياتٍ قرآنية تُتلى عليهم غير هذا القرآن كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ

стр. 4927

هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٥ - ١٦]. وتارةً يطلب الكفار من النبي ﷺ الإتيان بآياتٍ كونيةٍ قدرية كما قال سبحانه عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٦]. وقد بين الله أنه إذا أنزل آيةً كونية، ثم كفروا بعدها هلكوا؛ ولهذا لم يُرسل الله بها محمدًا ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقد أعطى الله جميع الأنبياء والرسل آياتٍ تدل على صدقهم، وأنهم رسل الله، وأعطى الله محمدًا ﷺ أعظم الآيات، وهي القرآن العظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].

стр. 4928

وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [العنكبوت: ٤٧ - ٥٠]. وقد تحدى الله العرب قاطبةً أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سورٍ من مثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورةٍ من مثله فعجزوا، ثم بين الله أن الإنس والجن لا يأتون بمثله أبدًا، ولو اجتمعوا، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. فالقرآن العظيم أعظم الآيات، وقد تكفل الله بحفظه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وقد بين الله أن في هذا القرآن العظيم من البراهين الساطعة، والأدلة القاطعة، الدالة على وحدانية الله، ووجوب عبادته، فيجب إتباعه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٣ - ٢٠٤].

стр. 4929

ومن لم تهده هذه البصائر، فلا آية تهديه البتة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤]. فالقرآن العظيم أعظم الآيات التي أُعطيها محمدٌ ﷺ ، فيه تبيان كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. فقه صلاح القلوب: صلاح القلوب يتم بثلاثة أمور: التخلية .. ثم التزكية .. ثم التحلية. فنخلي القلوب من حب الدنيا، والتعلق بغير الله، وإتباع الهوى والشيطان والنفس؛ لتكون صافية قابلة للتزكية بالإيمان ومكارم الأخلاق: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. ويتم ذلك بأن نعيش في بيئة الإيمان حيث لا نسمع، ولا نرى، ولا نعمل، ولا نقول إلا ما يحبه الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].

стр. 4930

وكما استخدمنا أبصارنا وعقولنا وأسماعنا وأوقاتنا من أجل الدنيا، كذلك نستخدمها فيما يحبه الله ورسوله من الأعمال الصالحة؛ لتفرغ من حب الدنيا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. ثم تأتي التزكية والتربية؛ لتطهير القلوب من الشرك، والجوارح من المعاصي: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. ثم تأتي التحلية فلا يمكن أن يتحلى الإنسان بالفضائل حتى يتخلى عن الرذئل، فنلزم بيئة الإيمان والعلم والهدى؛ ليدخل التوحيد، ويخرج الشرك، ويأتي العلم بدل الجهل، وتأتي الأخلاق الحسنة بدل الأخلاق السيئة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] فيتلو عليهم آياته، ليخرج من قلوبهم التعلق بغير الله، ويزكيهم يطهر قلوبهم من الأخلاق الرديئة، ويجملهم بالأخلاق الحسنة، ويتم ذلك بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، ولزوم البيئة الإيمانية: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].

стр. 4931

وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. ويعلمهم الكتاب والحكمة هذه هي التحلية بالفضائل والعلم وحسن الخلق: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٣]. فإذا صلح القلب، أثمر كثرة ذكر الله وتعظيمه، ودوام شكره، والصبر على طاعته، والصبر على أقداره المؤلمة، وكمال اليقين، والتوكل عليه، وخشيته، والطمع في رحمته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فمن رزقه الله هذه الثلاث بث الله فيه روح الدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والإحسان إلى خلقه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 4932

وذلك فضل الله وحده: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. ولكي يهتدي الإنسان لابد أن يلزم بيئة الإيمان كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] فلكي نستقيم نلزم بيئة الإيمان والتقوى، ولكي نثبت على الهداية ننقطع عن مجالس الغفلة كما قال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. ومن جاهد نفسه في سبيل الله هداه الله سُبل رضاه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].

стр. 4933

٧ - الخزانة السابعة فقه الآيات الكونية: الله أمرنا أن ننظر في الآيات الكونية ونتدبر الآيات القرآنية؛ لنعرف الكبير الذي يجب أن نُكبره، والعظيم الذي يجب أن نُعظمه، والإله الذي يجب أن نعبده، والرحمن الذي يجب أن نسترحمه، والكريم الذي تكرم بكل خيرٍ ونعمة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، يملأ القلب بالتوحيد والإيمان، ويحرك الجوارح بالطاعات والعبادات، ويحرك اللسان بالحمد والشكر، والدعاء والدعوة، والذكر والتكبير، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٠ - ٢٧].

стр. 4934

وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ [الروم: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾ [الروم: ٤٦]. وقال الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧] وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾ [الرعد: ١٢ - ١٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦].

стр. 4935

فالنظر في الآيات الكونية، وما خلق الله في السموات والأرض، يُثمر الإيمان، والتوحيد والإخلاص، وعبادة الله وحده لا شريك له: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ٣ - ١٨].

стр. 4936

وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل: ٧١ - ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل: ٧٧ - ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ: ١ - ١٨].

стр. 4937

وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. وغير ذلك من الآيات الكونية والآيات الشرعية التي أمر الله بالنظر إليها، والتفكر فيها، والتدبر بها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. والرب العظيم الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله، وهذه آياته ومخلوقاته، هو الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. فقه آيات الله في مخلوقاته: الله ﷻ هو الخلاق العليم الذي خلق كل شيءٍ في ملكه العظيم، خلق العرش والكرسي، وخلق السموات والأرض، وخلق الإنس والجن، وخلق الملائكة والروح، وخلق البحار والجبال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].

стр. 4938

ومن مخلوقاته سبحانه البعوضة، فهي أنثىً صغيرةً في حجمها، عظيمةً في خلقها، لها مائة عينٍ في رأسها، ولها ثمانيةٌ وأربعون سنًا في فمها، ولها ثلاثة قلوبٌ في جوفها، ولها ست سكاكين في خرطومها، ولها ثلاثة أجنحة، ولها جهازٌ للشم يشم عرق الإنسان من مسافة ستين ميلًا: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]. وتحت الأرض فرنٌ كبيرٌ جدًا من النار، يحمي باطن الأرض بطبقاتها السبع، والأرض السابعة العليا فراشٌ سمكه سبعين كيلو متر تقريبًا. فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه، نسبة الدهن في لحم الخنزير خمسون بالمائة، وفي الضأن سبعة عشر بالمائة، وفي البقر خمسة بالمائة، وفي الإبل أربعة بالمائة: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. وثبت طبيًا أن أشد أمراض السرطان يصيب الأجزاء العارية من أجساد النساء؛ بسبب لبس الأزياء القصيرة التي تعرض أجساد النساء لأشعة الشمس فترةً طويلة على مر السنة، وهذا المرض أشد أنواع السرطان خطورة، وهو نتيجة تعرض أجساد الرجال والنساء والأطفال لأشعة الشمس بلا ساتر. فعلى النساء أن تتعبد لله بلبس الثياب التي أذنت بها الشريعة، لباس العفة والاحتشام، فهي خير وقايةً لها في دينها ودنياها: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].

стр. 4939

والإنسان في بطن أمه يخرج إلى الدنيا صارخًا لا ضاحكًا، مع أنه خرج من الظلمات إلى النور، ومن بحر السوائل إلى الهواء الطلق، ومن ضيق الأرحام إلى رحابة الكون، والسبب أن الشيطان يمسه فيصرخ. وكل إنسانٍ يُولد صارخًا إلا مريم وابنها كما قال النبي ﷺ : «كُلّ بَنِي آدَم يَمَسّهُ الشَّيْطَان يَوْم وَلَدَتْهُ أُمّه، إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا». أخرجه البخاري (١). وعجب الذنب في الإنسان هو عظم العجز أخر فقرة من العمود الفقري أسفل الظهر، فيه خريطة الإنسان كاملة، فإذا فني الإنسان بعد الموت بقي عجب الذنب، وإذا أراد الله بعثه أنزل من السماء ماءً فنبت هذا العجب كما ينبت النبات، ثم تأتي الروح وتدخل في هذا البدن بأمر الله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦]. وجميع الأشياء تتمدد بالحرارة، وتنكمش بالبرودة، أما الماء فهو على عكس ذلك، فهو يتمدد بالبرودة عندما يتجمد، ويصبح أخف وزنًا، وهذا هو السبب أن الجليد يطفو فوق البحار والأنهار: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ومع كل إنسان ملكان يسجلان أعماله، ويحفظانه مما لم يُقَدر عليه، فإذا جاء القدر خليا بينه وبين القدر: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. فلا إله إلا الله، ما أعظم جهل الخلق بربهم؟: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].

стр. 4940

فتفقه في الدين. وأعلم أن من جمع ست خصال أسعده الله في الدنيا والآخرة: من عرف الله فأطاعه .. ومن عرف الشيطان فعصاه .. ومن عرف الحق فاتبعه .. ومن عرف الباطل فاتقاه .. ومن عرف الدنيا فرفضها .. ومن عرف الآخرة فطلبها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١]. واعلم يا عبد الله أن من أذنب ذنبًا فستره الله عليه في الدنيا، فهو أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة، ومن أذنب ذنبًا فعوقب في الدنيا، فالله أعدل من أن يُثني عقوبته على عبده في الآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. والناس في الدنيا عرضةً للسهام، ورهائن الموت، ووعاء الأسقام، ونُهبة الأيام: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وأعلم أنه ليس حُسن الجوار كف الأذى، ولكن الصبر على الأذى. فليس حق الجار ألا تؤذيه فقط، بل أن تصبر على آذاه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
следующие страницы →