مثاله: أن يُسأل هل هذا حلالٌ أو حرام؟ فيقول الله ورسوله أعلم.
وإذا سُئل الإنسان عن ما لا يعلم من الأمور الكونية القدرية في المستقبل، فهذا لا يقول: الله ورسوله أعلم، لأن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، إلا ما عَلَّمه الله، بل يقول: الله أعلم.
مثاله: أن يقال له؛ هل تظن أن ينزل المطر غدًا؟ فيقول الله أعلم، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وظيفة اللسان:
يجب على الإنسان أن لا يتكلم إلا بخير، والخير نوعان:
الأول: خيرٌ لذاته؛ كأن يتكلم الإنسان بالذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، والدعوة إلى الله ونحو ذلك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
الثاني: خيرٌ لغيره؛ كأن يتكلم الإنسان بكلام طيب ومباح، يريد أن يبسط إخوانه، ويزيل عنهم الوحشة، ويؤلف قلوبهم، فهذا من الخير؛ كما قال النبي: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». متفق عليه (١).
حكم الهبة والعطية:
الهبة هي التبرع بالمال حال الحياة، والعطية هي التبرع بالمال حال مرض الموت، وتطلق كل واحدةٍ على الأخرى، والهبة مُستحبة بالنسبة للواهب،
стр. 4867
لما فيها من المصالح، والإحسان، وتأليف القلوب، وكان ﷺ يُهدِي ويُهدَى إليه.
والسُّنَّة للموهوب له أن يقبل الهدية ولا يَرُدَّها، ولكن لقبول الهدية شروط:
الأول: أن لا يعلم انه أَهدَى إليه حياءً وخجلًا.
الثاني: ألا يتضمن قبولها محظورًا شرعيًا، كأن تقع موقع الرشوة، أو مقابل السكوت عن حق، أو الدفاع عن باطل.
الثالث: ألا تكون محرمة لعينها كالخنزير، والخمر ونحوهما.
الرابع: أن لا تكون الهدية حقًا للغير كالمسروق، والمغصوب ونحوهما.
أما المُحرَّم لكسبه فيجوز قبوله لأن النبي ﷺ قَبِلَ هدية اليهودية وهي الشاة المسمومة، وهو يعلم أنهم يأكلون الربا.
حكم المكافأة على الهدية:
الهدية في الأصل لا تقتضي ثوابًا، فلا يلزم من أُهديَ إليه شيئًا أن يثيب من أهداه، والأولى قبول الهدية، مع الإثابة إن تيسر، لأن النبي ﷺ كان يقبل الهدية، ويُثيب عليها، وكل ذلك عبادة.
حكم التسوية بين الأولاد في الهبة:
يجب على الأب التسوية بين الأولاد في الهبة، على حسب ميراثهم منه، ذكورًا كانوا أم إناثًا، وكذا الزوج يجب عليه أن يسوي بين زوجاته في النفقة، والكسوة، والسكن، والقسم.
وإذا فَضَّلَ الأب أحد أولاده بشيء، فيلزمه واحد من ثلاثة:
الأول: الرجوع في الهبة التي وهب.
أو يعطي البقية مثلما أعطى الأول، أو يأخذ العطية ويقسمها بينهم.
أو يستحلهم فيحللوه عن رضًا وقناعة.
стр. 4868
فهو مخير بين هذه الأمور الثلاثة؛ وإن مات قبل التسوية رُدَّت إلى التركة، أو يعطى بقية الأولاد مثل ما أخذ من أعطي قبل قسمة التركة.
الفرق بين النفقة والعطية:
النفقة أن يعطي الإنسان أولاده ما يحتاجونه قليلًا كان أو كثيرًا؛ فمن تلزمه نفقةٌ لزواج، أو علاج، أو تفرغ لطلب علم ونحو ذلك، فيعطيه بحسب حاجته.
أما العطية فهي تبرع محض تجب فيها التسوية بين الأولاد حسب ميراثهم منه، لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله ، وكل ما كان لدفع الحاجة فالتسوية فيه أن يعطى كل إنسان ما يحتاجه، أما إذا كان تبرع محض فلا بد من العدل بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين.
الفرق بين العطية والوصية:
أولًا: الأمور التي تجوز فيها العطية والوصية.
أولًا: العطية هي التبرع بالمال حال مرض الموت، فإن كانت بالثلث فأقل فهي جائزة، وإن كانت بأكثر من الثلث، فلا بد من إجازة الورثة لها بعد الموت.
ثانيًا: العطية؛ لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة كالوصية.
ثالثًا: العطية إذا وقعت دفعةً واحدة فتتزاحم في الثلث كالوصية، لكن لو أَعطى اليوم واحدًا، وفي اليوم الثاني أَعطى الثاني، فالعطية من الثلث للمتقدم بخلاف الوصية.
رابعًا: أن قضية العطية والوصية ناقصة، فالصدقة حال الصحة أفضل من الصدقة حال الموت.
стр. 4869
ثانياً: الفرق بين العطية والوصية:
أولًا: أن العطية لا يجوز فيها الرجوع بعد القبض، أما الوصية فيجوز للموصي الرجوع فيها.
ثانيًا: أن الوصية يسوى فيها بين المتقدم والمتأخر، أما العطية فيُقَدَّم الأول فالأول إذا ضاق الثلث.
ثالثًا: أن العطية يكون قبولها عند وجودها، أما الوصية فيكون القبول بعد الموت.
رابعًا: الوصية تكون في المال والتصرفات، أما العطية فتكون فقط في الأموال.
خامسًا: أن الوصية تكون واجبة إذا كان عليه حقوق، أما العطية فهي مستحبة، لا واجبة.
وهذه هي أهم الفروق بين العطية والوصية.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وارفعنا ولا تضعنا يا ذا الجلال والإكرام.
والهدية هي ما قصَد الإنسان بها إكرام شخصٍ، إما لمحبة أو قرابة أو صداقة أو طلب حاجه، وذلك مُستحب، وقبول الهدية من السُّنَّة ويُكرهُ رَدُّها.
أما هدايا العمال فحرام، لأن ما يُهدى للعمال وأهل المناصب رشوة وليس بهدية، فلولا العمل لم يُهدى إليه، لكن إن كانت الهدية للإنسان لا من أجل الوظيفة والعمل، كأن يكون بينهما رحم أو قرابة أو جوار أو صداقه فلا بأس بذلك.
стр. 4870
حكم الإحداد:
الإحداد: هو اجتناب المرأة ما يدعو إلى نكاحها.
ولا يجوز الإحداد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا.
وكانوا في الجاهلية إذا مات لهم أحد تركوا الزينة والطيب، وحادُّوا عليه مدةٍ يقدرونها بأنفسهم.
ولما كانت النفوس ضعيفةٌ لا تطيق الصبر، لاسيما مع عِظَم المصائب، رَخَصَّ النبي ﷺ في الإحداد ثلاثة أيام لمن مات له قريبٌ، أو صديق وحَزِنَ عليه، أن يبقى في بيته ثلاثة أيام، من رجلٍ أو امرأة، لكن الرجل يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين.
لكن السُّنَّة والأفضل والأرفق والأوفق والأحسن أن يصبر المصاب على من مات له، ويحتسب الأجر عند الله، وأن تجري الأمور على ما هي عليه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
فالأفضل له الصبر، ولا يُحِد على أحدٍ مات له، إلا المرأة تُحِد على زوجها أربعه أشهرٍ وعشرًا، لأن الأمر لله ، وهو المحمود على كل حال، فيصبر، ويحتسب، ويحزن، لكن لا يُغيِّر شيئًا من أمور دنياه بسبب المصيبة، ولمن مات له أحد أن يُحِد عليه ثلاثة أيام فما دونها، لكن الأفضل عدم الإحداد.
عَنْ أُمِّ عَطِيَّة ﵂ أَنَّ الرسُولَ ﷺ قال: «لا تُحِدُّ اِمْرَأَة عَلَىَ مَيِّتٍ فَوقَ ثَلاثٍ، إِلّاَ عَلَىَ زَوجٍ أَربَعةِ أَشْهُرٍ وَعَشرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوبًا مًصبُوغًا إِلَّا
стр. 4871
ثَوبَ عَصَبٍ، وَلَا تَكتَحِلُ، ولَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَت نُبذَةً مِنْ قِسْطٍ، أَوْ أَظفَارٍ». متفق عليه (١).
صفة إحداد المرأة:
الإحداد بالنسبة للنساء اجتناب الأشياء التالية وقت العِدَّة من الوفاة.
والإحداد والعِدَّة عبادةٌ من العبادات، فيجب على المرأة التي تُحِدُّ أن تحتسب الأجر عند الله، وأن تتعبَّد لله بإكمال العِدَّة، وتحقيق الإحداد.
والمرأة في العِدَّة تجتنب ما يلي:
الأول: الطيب بجميع أنواعه؛ دهنًا، أو بخورًا، أو شمًا، إلا شيئًا يسيرًا من الطيب عند الطهارة من الحيض.
الثاني: الحُليِّ بجميع أنواعه؛ فلا تلبس الحُليِّ لا في الكفين، ولا في الرقبة، ولا في الأذنين، ولا على الرأس، ولا على الصدر، ولا على القدمين.
الثالث: لباس الزينة؛ فلا تلبس ثوبًا يُعَدَّ ثوب زينة، أما الثياب العادية فتلبس ما شاءت من أي لون.
الرابع: عدم الخروج من البيت؛ إلا لضرورة، كمراجعة طبيب ونحوه، وزيارة أبٍ أو أمٍ مريضٍ، أو جلب طعامٍ لحاجةٍ ونحو ذلك.
الخامس: عدم التحسن، و التجمل، والتكحل، والتزين وما أشبه ذلك، مما يدعو إلى نكاحها.
стр. 4872
وللمرأة المحادَّة أن تكلم محارمها وغير محارمها في حاجتها، لكن لا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢].
والمرأة المحادَّة على زوجها تَعتَدُّ في بيت زوجها، أو في بيت أبيها، وتختار ما تأمن فيه على نفسها، سواءً كان بيت زوجها، أو بيت أهلها، وتبقى فيه حتى تخرج من العِدَّة.
حصول الموت:
الموت إما أن يطلبك أو يلاقيك، فلا مفر منه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فالموت يطلب كل إنسان، في أي مكانٍ أو زمان، فلا نجاة منه، كما قال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
الموت يلاقيك و يلاحقك، فلا فرار منه، وهذا أشد وأبلغ.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨].
فلا نجاة لأحدٍ من الموت أبدًا، فكل حيٍ لا بد أن يموت، إلا الحي القيوم ﷻ : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
فالموت إما أن يطلبك فيدركك، وإما أن يقابلك فيظفر بك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
стр. 4873
وإذا نزل الوباء في أرضٍ فلا نَقدُم عليها، وإذا وقع ونحن فيها، فلا نخرج منها فرارًا منه، ولو خرجت فرارًا منه فلن تفر من قدر الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
стр. 4874
٢ - الخزانة الثانية
حكم الانتماء إلى غير أبيه:
يجب على الإنسان أن ينتسب إلى أبيه، ولا يجوز له أن ينتسب إلى غير أبيه وهو يعلم أنه ليس أبيه، كأن ينتسب إلى رجلٍ من قبيلة أشرف من قبيلته؛ لأجل أن يزيل عن نفسه مذمة قبيلته؛ لأنه غير راضٍ بحسبه ونسبه، فهذا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وفعله كفر، ولا يُقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا؛ لأن الله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ يدَّعَي إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ». أخرجه البخاري (١).
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكِمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبيهِ فَهُوَ كُفْرٌ». متفقٌ عليه (٢).
وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». متفقٌ عليه (٣).
حكم القيام للشخص:
القيام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قيامٌ للشخص .. وقيامٌ عليه .. وقيامٌ إليه.
стр. 4875
فالقيام له أن تقوم إذا دخل عليك رجلٌ إجلالًا له وإكرامًا، والقيام إليه أن تقوم إليه وتخطو خطواتٍ لاستقباله وإكرامه، فهذا جائزٌ لقول النبي ﷺ للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ». متفقٌ عليه (١).
والقيام على الشخص أن تقوم على رأس الكبير أو الرئيس تعظيمًا له، هذا لا يجوز إلا إذا كان في ذلك إغاظة للمشركين؛ لأن النبي ﷺ نهى أن نقوم على غيرنا كما تقوم الأعاجم على ملوكها.
أما إذا كان في ذلك حراسه له، وإغاظة للمشركين، فهذا محمود كما قام المغيرة بن شعبة على رسول الله ﷺ ، وقريش تراسله في صلح الحديبية.
حكم السلام على الكفار:
لا يجوز أن نبدأ الكفار بالسلام؛ لأن السلام دعاءٌ وإكرام، وهم لا يستحقونه.
فإن سلموا وجب الرد عليهم، ولا يجوز لنا السلام عليهم.
ولا يخلو سلام الكفار علينا من أحوال:
فإن كان صريحًا، كالسلام عليكم، نرد عليهم بقولنا: وعليكم السلام، أو وعليكم، وإن صرحوا بقولهم: السام عليكم، فنرد عليهم بقولنا: وعليكم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لَا تَبْدَؤوا اليَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فإذَا لَقِيْتُم أحَدَهُم فى الطَّريق، فَاضْطَرُّوهُ إلى أَضْيَقِهِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 4876
وعن أنسٍ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذَا سَلّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُم». متفقٌ عليه (١).
وإذا كانت هناك مصلحة من جلب خير، أو دفع شر، كأن يُرجى إسلامه أو اتقاء شره، فيجوز أن نبدأه، ونقول له: كيف أصبحت؟، كيف أمسيت؟، كيف حالك؟؛ لأن النبي ﷺ نهى المسلمين عن بداءة الكفار بالسلام.
فقه أحكام الشريعة:
بين النبي ﷺ لأمته أربعة أمور عظيمة:
الأول: أن الله تعالى فرض فرائض فلا يجوز تضييعها، وأعظم الفرائض التوحيد والإيمان، توحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الله بالعبادة، وتوحيد الرسول ﷺ بالإتباع، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والواجبات سواءً كانت فرض عين أو فرض كفاية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
الثاني: أن الله تعالى حد حدودًا، فلا يجوز تعديها، فجعل للأحكام حدودًا في مقدارها وأوقاتها وصفتها، لا يجوز تعديها كالصلوات، وأنصبة الزكاة، والصيام، والحج وغيرها، وجعل للمعاصي حدودًا لا يجوز تعديها كحد الزنا، وحد السرقة، وحد القذف وغيرها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 4877
الثالث: أن الله حرم أشياء، فلا يجوز انتهاكها، فحرم سبحانه الظلم والبغي والفواحش، وحرم الشرك والقتل بغير حق، والسحر والقذف ونحو ذلك من الكبائر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
الرابع: أن الله سكت عن أشياء رحمةً بنا، فلا يجوز البحث عنها.
فسكت سبحانه عن أشياء لم يوجبها علينا، ولم يحرمها علينا، رحمةً بنا، ولو شاء لأوجب علينا ما شاء، وحرم ما شاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والله يتكلم بما يشاء، ولكننا لا نعرف كيف يتكلم، ولا متى يتكلم، ولا بم لا يتكلم، والله مستوٍ على عرشه، ولكننا لا نعلم عن كيفية الاستواء، وينزل سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة، ولكننا لا نعلم كيفية النزول، وسكت سبحانه عن أشياء لولا رحمته لألزمنا بها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
فالله بين أشياء يجب أن نفعلها، ونهى عن أشياء يجب أن نجتنبها، وسكت عن أشياء فلا نسأل عنها، ولا نبحث عنها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 4878
حد المعاملات الممنوعة:
المعاملات الممنوعة شرعًا مبناها على ثلاثة أشياء:
الربا .. والظلم .. والغرر.
فكل معاملة اشتملت على واحد من هذه الثلاثة فالشرع قد حرمها، وما عدا ذلك فهو حلال؛ لأن الأصل في المعاملات الحل والإباحة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: -٣٢].
وينبغي للمسلم في باب المعاملات، أن يُغلب الحل، حتى يتبين له دليل التحريم؛ لأن تحليل المحرم أهون من تحريم الحالال؛ لأن تحليل المحرم في المعاملات مبنيٌ على أصل، وهو أن الأصل في الأشياء والمعاملات الإباحة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
أما تحريم الحلال فمبنيٌ على غير أصل، وفيه تضييقٌ على العباد بغير برهانٍ من الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
ما تُحفظ به الحقوق:
الأشياء التي تُحفظ بها الحقوق أربعة:
الشهادة .. والضمان .. والكفالة .. والرهن.
فالشهادة يُستوفى بها الحق، والضمان والكفالة والرهن يُستوفى منها الحق إذا تعذر الوفاء.
стр. 4879
جائز التصرف:
جائز التصرف من الناس من جمع أربعة أوصافٍ هي:
البلوغ .. والعقل .. والحرية .. والرشد.
فالصغير والمجنون، والعبد والسفيه، لا يُمكن من التصرف.
والرشد هو إحسان التصرف، وهو في كل موضعٍ بحسبه.
فالرشد في الدين استقامة الإنسان على الدين، والرشد في باب الولي في النكاح معرفة الكفء، ومصالح النكاح، والرشد في المال إحسان التصرف فيه بيعًا وشراءً ونحو ذلك، والرشيد في العبادات من قام بالواجبات، وترك المحرمات، والرشيد في الأخلاق من تحلى بالخلق الجميل، وتخلى عن الخلق القبيح، والرشيد في العقل والرأي من يُحكم الأمور، ويُحسن التصرف.
والمرفوع عنه القلم من التكليف والإثم:
الصغير والمجنون، والنائم والسفيه، فهؤلاء مرفوع عنهم القلم باعتبار حق الله، ولهذا لا يأثم المجنون والصغير، والسفيه والنائم، ولكن يلزمهم الضمان إذا أتلفوا شيئًا للآدمي؛ لأن حقوق العباد مبنيةٌ على المشاحة، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة.
والإتلاف يستوي فيه الصغير والكبير، والمتعمد والمخطئ، والعاقل والمجنون، فلو جنى هؤلاء على نفسٍ أو مال لزمهم أرش الجناية؛ لأن حق الآدمي لا يُفرق فيه بين المكلف وغير المكلف، فلابد من ضمانٍ لصاحبه؛ فإن كانت دية فالدية على عاقلته، وإن كانت دون ثلث الدية فهي على نفسه، فإذا بلغ الصغير، وعقل المجنون، واستيقظ النائم، ورشد السفيه،
стр. 4880
صاروا مكلفين كغيرهم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
حكم الوكالة:
الوكالة استنابه جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
والوكالة جائزةٌ بالنسبة للموكل، سنةٌ بالنسبة للوكيل، لما فيها من الإحسان لأخيه، وقضاء حاجته.
وتصح الوكالة بكل قولٍ يدل عليها كسائر العقود، ويصح التوكيل بالقول أو الفعل أو الكتابة في القليل والكثير.
وتصح الوكالة مؤبدة ومؤقتة، ومطلقة ومقيدة، ويصح قبولها على الفور والتراخي، وقد وكل النبي ﷺ في العبادات والمعاملات، ووكل علياً أن ينحر له بقية الهدي في الحج، ووكل رجلًا أن يشتري له أضحية.
ما يوكل فيه الإنسان غيره:
كل من له التصرف في شيء فله أن يوكل فيه، وله أن يتوكل.
ويصح التوكيل في كل حقٍ تدخله النيابة من العبادات.
وحق الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قسمٌ يدخله التوكيل مطلقًا، وهي العبادات المالية كالزكاة والصدقة والكفارة فيجوز التوكيل في إحصائها وتوزيعها.
الثاني: ما لا تدخله النيابة مطلقًا كالصلاة والوضوء ونحوهما، فهذا لا تدخله الوكالة مطلقًا، فلا يجوز أن يوكل من يتوضأ عنه أو يصلي عنه؛ لأن الوضوء والصلاة عبادة تتعلق بالبدن.
الثالث: العبادات التي تصح فيها الوكالة على التفصيل: كالحج، فيجوز التوكيل في فرض الحج لمن لا يستطيع أن يحج، والأصل في حقوق الله
стр. 4881
أنها لا تصح فيها الوكالة؛ لأن حقوق الله المقصود بها التعبد لله، والتوكيل فيها يفوت المقصود منها، وهو التعبد والتذلل لله ، لكن يُقتصر على ما ورد فيه الوكالة كالحج والعمرة.
والحج وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس:
الأول: من مات قبل أداء الفريضة، فإنه يحج عنه.
الثاني: من كان عاجزًا عن الفريضة عجزًا لا يُرجى زواله، فهذا يحج عنه كما ورد في السنة.
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ». متفقٌ عليه (١).
حكم التوكيل في الخصومات:
من يريد التوكيل لا يخلو من أحوالٍ ثلاثة:
الأول: أن نعلم أنه محق، لكن خصمه خصم جدل.
فهذا يجوز أن نقبل منه الوكالة في الخصومة، بل قد يجب أو يستحب، لما فيه من إنقاذ حق أخيك ونصرته، بإيصال الحق إليه، ونصرة الظالم لمنعه من الظلم كما قال النبي ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قِيلَ: كَيْفَ ننْصُرُهُ إذا كان ظَالِمًا؟، قَالَ: أن تحجزه أو تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ». أخرجه البخاري (٢).
стр. 4882
الثاني: أن نعلم أن الموكل مبطل، فهذا لا يجوز له أن يوكل غيره، ولا يجوز لأحدٍ أن يتوكل عنه، لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
الثالث: أن نتردد، فلا نعلم أمحق هو أم مبطل؟ فهنا السلامة لا يعدلها شيء، فمن اتقى الشبهات فقد إستبرأ لدينه وعرضه.
قال النبي ﷺ : «إن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأعراضكم حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». متفقٌ عليه (١).
حكم المحاماة:
المحامي من الناس له حالتان:
الأولى: إن كان يحامي عن شخصٍ عاجز عن دفع الظلم عن نفسه فيتوكل عنه لأخذ حقه، ودفع الظلم عنه، فهذا خير؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى وهو دائرٌ بين الوجوب والاستحباب، ولو كان بعوض: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
الثانية: أن يحامي من أجل أن يحصل على المال، سواء كان الموكل له محقًا أو مبطلًا، فهذا لا يجوز، فإن علم أنه مبطلٌ صار ذلك أشد تحريمًا، وأعظم إثمًا، وعلى هذا فيجوز التوكيل في الخصومة إذا علم وتبين له أن موكله محقٌ وعاجز؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، فأي إنسانٍ يطالب بدليل أي معاملة فيُقال له: الدليل عليك أنت، هات الدليل على التحريم، وأنا أعمل به.
стр. 4883
أما العبادات فالأصل أنه لا عبادة إلا بدليل شرعي من قرآنٍ أو حديثٍ صحيح.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:».: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ». متفق عليه (١).
стр. 4884
٣ - الخزانة الثالثة
أقسام الحكم الشرعي:
الحكم الشرعي قسمان:
الأول: الحكم التكليفي، وهو ما يترتب عليه الثواب والعقاب.
الثاني: الحكم الوضعي، وهو ما يترتب عليه الصحة والفساد.
فقولنا: جائزٌ في الحكم الوضعي نعني به ضد اللازم يعني يجوز فسخه بدون رضا الآخر، فالوكالة مثلًا عقد جائز، فلكل منهما فسخها، وضده اللازم كالبيع والإجارة ونحو ذلك.
وقولنا: جائزٌ في الحكم التكليفي نعني به ضد المحرم لا إثم فيه، فالبيع عقد جائز، والربا عقدٌ محرم والنكاح عقدٌ جائز وهكذا.
فقه الصحيح والمحرم:
كل صحيحٍ فهو جائز؛ لأن الصحة فرعٌ عن الجواز في الحكم الشرعي لا الوضعي، وليس كل محرمٍ غير صحيح، منتظر فإن عاد التحريم إلى ذات الشيء كالجهالة والغرر في البيع أو الربا أو الظلم، فهو غير صحيح، وإن عاد التحريم إلى أمرٍ خارج، فإنه صحيح، ولكنه آثم.
فتلقي الركبان محرم، والشراء من الركبان محرم، لكن البيع صحيح، لكنه لا يعود إلى جهالة المبيع ولا إلى الربا، وإنما يعود إلى تغرير البائع، ولهذا له الخيار إذا قدم البلد ودخل السوق، وكل عقدٍ محرم لا تترتب عليه آثاره، فالبيع الفاسد لا يملك المشتري السلعة، ولا البائع الثمن.
стр. 4885
حكم الإجارة:
الإجارة هي عقدٌ على منفعةٍ معلومة، أو على عملٍ معلوم.
فالمنفعة المعلومة كسكن الدار بأجرة سنة مثلًا، والعمل المعلوم كأن يستأجر بناء ليبني له جدارًا أو بيتًا، وهي نوعٌ من البيع؛ لأنها بيع منافع ولهذا تحرم بعد نداء الجمعة الثاني، ويحرم عقد الإجارة في المسجد كالبيع.
والإجارة عقد جائز، فإذا تم الاستئجار صارت لازمة، ولا تصح الإجارة إلا بأربعة شروط:
الأول: معرفة المنفعة كسكنى الدار، وخدمة آدمي.
الثاني: معرفة الأجرة.
الثالث: إباحة نفع العين، فلا تصح على نفعٍ محرم كالزنا وسقي الخمر ونحوهما.
الرابع: أهلية المؤجر والمستأجر، بأن يكون جائز التصرف.
حكم تأجير الزوجة نفسها:
لا يجوز للزوجة أن تؤجر نفسها في تعليمٍ أو تمريضٍ ونحوهما إلا بإذن زوجها؛ لأن المرأة إذا تزوجت إنسانًا ملكها، فالزوجة عوان أي أسيرة عند زوجها مملوكة، ونفعها مملوكٌ للزوج، فوقتها مملوكٌ للزوج، ولهذا لا تصوم تطوعًا إلا بإذن الزوج، وإذا طلبت من الزوج أن تعمل في التدريس مثلًا وأذن لها جاز، ويجوز لوليها أن يشترط عند العقد أن تؤجر نفسها؛ لأن المسلمين على شروطهم.
وإن استؤجرت على عمل مشترك كخياطة ثوب أو خصف نعل، فهنا لم تؤجر نفسها، وإنما استؤجرت على عمل، فهنا إن كان هذا يشغلها عن
стр. 4886
حقوق الزوج لم يجز لها ذلك إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يشغلها عن حقوق الزوج، ولم يضر بسمعة الزوج فلا بأس بذلك.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ». متفقٌ عليه (١).
حكم الغناء:
الغناء هو تلحين الكلام أو القصيدة بصوتٍ جميلٍ مؤثر.
والغناء ثلاثة أقسام:
مباحٌ .. ومكروهٌ .. ومحرم.
فالغناء المحرم يدور على شيئين:
الأول: أن يكون موضوع الأغنية فاسداً، كوصف النساء والمردان والخمر وما أشبه ذلك من المحرمات، فهذا محرمٌ لذاته.
الثاني: أن يكون موضوع الأغنية غير محرم، ولكنه مصحوبٌ بآلة لهو محرمة، كآلات العزف والموسيقى والعود ونحوها، فهذا حرامٌ لما صاحبه من الآلات المحرمة أو الرقص.
أما الغناء المباح فمثل حداء الإبل، أو الغناء على الأعمال المباحة يستعان به على التعب، إذا اشتمل على مصلحةٍ شرعية، أو غرضٍ صحيح كبناء المسجد أو الدار، أو رصف الطريق، أو إذا اشتمل على الخير والشجاعة وكان بعيدًا عن الفحش والخناء كما كان الصحابة ينشدون وهم يبنون المسجد مع النبي ﷺ ، وكانوا يقولون وهم ينقلون الصخر، وهم يرتجزون
стр. 4887
والنبي ﷺ معهم وهو يقول: «اللَّهُمَّ لَا خير إِلَّا خير الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ للْأَنْصَارِ والمهاجرة». متفقٌ عليه (١).
وأما الغناء المكروه فمثل ما أشغل عن فعلٍ مستحب، وليس فيه ضررٌ أو فتنة.
فقه الأحكام:
إذا نص الشرع على شيءٍ له فائدة وقت الرسالة، ثم عدمت فائدته أو منفعته التي كانت في وقت الرسالة كالشعير والإقط في زكاة الفطر، ففي وقتنا في بلاد الحرمين ليسا قوتًا، وفي زمن الرسالة هما قوتٌ للناس، وكالسباق على الخيل ونحو ذلك.
فهنا يُنظر للمنفعة والمصلحة، ويُنظر للمعنى والعلة التي شرع الله ذلك من أجلها.
فإذا كان الشعير غير قوتٍ للناس فلا يُجزيء، وإذا كان السباق على الخيل للتجارة لا للتدرب على الكر والفر من أجل الجهاد في سبيل الله، والسباق على الأقدام إذا كان للتجارة لا للتدريب، فلا يجوز ذلك؛ لئلا ينشغل الناس بها ويتخذونها تجارةً تلهيهم عن ما هو أهم منها: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
تبعيض الأحكام:
الأحكام أحيانًا تتبعض، فإذا وجدنا ما يثبت أحدهما من وجه دون الآخر، حكمنا بالوجه الثابت، وتركنا الذي لم يثبت، فإذا ادعى شخصٌ مثلًا على
стр. 4888
آخر أنه سرق ماله من بيته، وأتى على ذلك برجلٍ وامرأتين، فهذه تضمنت حكمين: ضمان المال، وقطع اليد.
فالحد لا يثبت إلا بشهادة رجلين، والمال يثبت بشهادة رجلٍ وامرأتين، ففي هذه الحال يضمن السارق المال ولا تقطع يده، لوجود مقتضى أحدهما دون الآخر، وذلك لأن الحد لا يثبت إلا بشهادة الرجال دون النساء.
الفرق بين الملك والاختصاص:
الملك هو تملك الدراهم أو السيارات أو المزارع أو الأشياء ونحوها.
والاختصاص هو الشيء الذي لا يُملك، ولكن صاحبه أخص به مثل كلب الصيد، فهذا لا يُملك، ولهذا لا يُباع ولا يُشترى، فإذا استغنى عنه أعطاه غيره، ولا يجوز بيعه، ومثل السرجين النجس كروث الحمير فصاحبه أخص به، وليس بمال، ولهذا لا يُباع ولا يُشترى.
حكم تصرفات الغاصب:
الغصب هو الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق من عقارٍ ومنقولٍ ومالٍ.
وجميع تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي كلها حرام.
ومن حيث الحكم الوضعي، ومن حيث الصحة والنفوذ، تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما له حكمٌ من صحة أو فساد يكون تصرف الغاصب فيه باطلًا وجوده كعدمه، لأن ما بني على الباطل، فهو باطل فلو باع المغصوب مثلًا كسيارة أو وقفها وأجرها، فكل ذلك باطل؛ لأن الغاصب لا يملك المغصوب، ولا يملك التصرف فيه، وفعله محرم، فإن أجازها المالك فهي صحيحة، لأن المال له.
الثاني: ما ليس له حكم، يكون تصرف الغاصب فيه نافذًا كما لو غصب ماءً فأزال به نجاسةً في ثوبه، فإن الثوب يطهر، ولكنه آثم.
стр. 4889
حكم المعاملات بين الخلق:
المعاملات بين الخلق لا يُعذر فيها بالجهل، أما العبادات فيُعذر فيها بالجهل؛ لأنها معاملةٌ بين المخلوق وخالقه، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة والرحمة بالخلق، فمن كسر وأتلف مال غيره ضمنه صغيرًا كان أو كبيرًا، متعمدًا أو مخطئًا، ومن صلى بغير وضوءٍ جاهلًا فلا إثم عليه، لكن عليه أن يتوضأ، ويعيد الصلاة المفروضة.
حكم المعازف:
المعازف هي آلات العزف الموسيقية، وتحرم جميع آلات العزف، ويستثنى من ذلك استعمال الدف في المناسبات، فالسنة جاءت بجوازه كاستعمال الدف في الأعراس، واستعمال الدف في الأعياد، واستعمال الدف عند قدوم الغائب الكبير الذي له إمرة، كل هذا جاءت به السنة، وكل ماعدا الدف من آلات الزمر والعزف والموسيقى فهو محرم، وكل ماعدا الأحوال التي رُخص فيها بالدف فهي حرام: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال رسول الله ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحريرَ، والخَمْرَ والمَعَازِفَ ولينزلَنَّ أقوامٌ إلى جنبِ عَلَمٍ، يروحُ عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهِم-يعني الفقيرَ- لِحاجةٍ فيقولوا: ارجِع إلينا غدًا، فيبيِّتُهمُ اللَّهُ، ويضَعُ العَلَمَ، ويمسخُ آخرينَ قِرَدةً وخنازيرَ إلى يومِ القيامَةِ». أخرجه البخاري معلقًا (١).
فيجب على ولاة أمور المسلمين تكسير آلات العزف وإتلافها، وعدم السماح ببيعها، لأنهم مسئولون عن الأمة، وهم قادرون على إزالة المنكر،
стр. 4890
لئلا تشيع الفاحشة والمنكر في أمتهم، وإذا اتقوا الله في الأمة اتقت الأمة ربها فيهم، ومن أذل الخلق في طاعة الله أعزه الله بهذه الطاعة.
وجميع المعاصي ضرر على العاصي، وعلى الأمن، وعلى الولاة، وعلى الأمة، لأن النفوس إذا أبعدت عن الخالق لم ترحم المخلوق، وهذه الأشياء تُبعد الخلق عن الخالق، لأنها تلهي وتصد عن سبيل الله، وعن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي أسلحة الشيطان التي يقتل بها من أطاعه ويجره إلى النار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
حكم العمل للغير بلا عقد:
من عمل للغير عملًا بلا عقد فليس له شيء إلا في ثلاث حالات:
الأولى: إنقاذ مال المعصوم من الهلاك، من حريق أو غرق ونحوهما.
فهذا يُعطى أجرة المثل، تشجيعًا للناس على المبادرة لحفظ الأموال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
الثانية: رد العبد الآبق من سيده.
стр. 4891
الثالثة: إذا أعد الإنسان نفسه للعمل كخياط وحداد ونحوهما، فإذا أعطوه ثوبًا من أجل أن يخيطه، فله أجرة المثل.
ولكن من المروءة والإحسان أن تكافئ كل محسن إليك، لأنه عمل بك معروفًا، ولما فيه من تشجيع الناس على فعل الخير، وأداء الأمانة، وفعل ما يجلب المحبة، وحفظ الأموال.
قال النبي ﷺ : «من صنع إليكم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تجدوا ما تُكافِئوه به، فادعوا له». أخرجه أحمد (١).
حكم من وجد مالًا:
من وجد مالاً فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، فهذا لواجده، كما يوجد بعض الكراسي والأواني المرمية في الأسواق والصحاري ونحو ذلك مما استغنى عنه أهله.
الثانية: أن يكون مما لا تتبعه همة أوساط الناس كقلم ومال زهيد وعصا ونحوه، فهذا من وجده فله أخذه إن لم يعلم صاحبه.
الثالثة: أن يكون مما تتبعه همة أوساط الناس، فهذا يجب أن يُعرف سنة، ولا يتركه ليأخذه غيره.
أما لقطة مكة فلا تحل إلا لمنشد، فإن عجز عن الوصول لصاحبها سلمها للحاكم، ولا يتملكها أبدًا، فالفرق بين اللقطة واللقيط أن اللقطة هي ضياع الأموال، واللقيط ضياع الآدميين، وميراث اللقيط إن لم يكن له ورثة لواجده، وديته كذلك.
стр. 4892
٤ - الخزانة الرابعة
حد الأولياء:
الأشخاص الذين يتصرفون لغيرهم أربعة:
الوكيل .. والوصي .. والناظر .. والولي.
فالوكيل: يكون في حال الحياة كما لو وكَّله لشراء سيارة له.
والوصي: من أذن له في التصرف بعد موت الموصي كما لو قال: أوصيت فلانًا بتوزيع الثلث أو برعاية أولادي.
والناظر: هو الوكيل على الوقف كأن يقول: وقفت بيتي على الفقراء والناظر عليه فلان، أو من اتصف بالعلم ونحوه.
والولي: من كان يتصرف بإذن من الشارع، كولي اليتيم، وولي النكاح، فهذان ولاَّهما الله.
أما الوكيل والوصي والناظر، فهؤلاء يتصرفون بإذن المالك، فيتعين الناظر على الوقف إما بالشخص كزيد مثلا أو بالوصف كالعالم أو القاضي أو الأمير.
حكم الهبة:
الهبة: هي التبرع بالمال حال الصحة، أو مرض غير مخوف.
والعطية: هي التبرع بالمال في مرض الموت المخوف، فهي أخص من الهبة.
وخروج المال بالتبرع يكون هبة، ويكون هدية، ويكون عطية، ويكون صدقة.
فما قصد الإنسان به نفع المعطي فهو هبة، وما قصد به التودد والتأليف فهو هدية، وما قصد به ثواب الآخرة لذاته فهو صدقة، فلكل تبرع معنى، وفيه
стр. 4893
ثواب من الله ، لكن الهبة والهدية والعطية لم يقصد فيها الثواب قصدًا أوليًا، ولهذا تخص بشخص معين، أما الصدقة فالثواب مقصود فيها قصدًا أوليًا، ولهذا تستحب لأي فقير.
وتصح هبة المعلوم والمجهول، فالمعلوم كأن يهبه هذا القلم، والمجهول كأن يهبه حملًا في بطن، أو ما في هذه الدار، لأنه لا يترتب عليه شيء، فإن وجده كثيرًا فهو غانم، وإن كان قليلاً فلا ضرر عليه.
فالهبة عقد تبرع، والإنسان فيها إما غانم أو سالم، وليست من الميسر الدائر بين الغنم والغرم، فتصح هبه المجهول سواء تعذر علمه أو لم يتعذر.
أصل التبرعات:
الغالب أن الهدية تكون من الأدنى إلى الأعلى، لأن الأدنى يريد التودد إلى الأعلى، ليستفيد منه، أو ليشكره على إحسانه.
والهبة تكون مع المساوي ومع من دونه، لأن الواهب يريد نفع الموهوب، وكذلك العطية.
والصدقة تكون من الأعلى إلى الأدنى، لأن الأعلى يريد التقرب إلى الله بالإحسان إلي الأدنى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وعقود التبرعات كالوقف، والهبة، والهدية، والعطية، والصدقة، أوسع من عقود المعارضات من وجه، وأضيق من وجه.
فعقود المعاوضات كالبيع والإجارة تجوز حتى ممن عليه الدين، أما التبرعات فلا تجوز ممن عليه دين لأن قضاء الدين واجب، والتبرعات سنة، والواجب يقدم على السنة، وعقود التبرعات تجوز في الأشياء المعلومة والمجهولة، أما المعاوضات فلا تجوز إلا في الشيء المعلوم من عقار ومنقول.
стр. 4894
حكم أخذ الوالد من مال ولده:
يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده، سواء كان ذكرًا أو أنثى، لكن لا يجوز ذلك إلا بشروط:
أولاً: ألا يضر الولد.
ثانيًا: ألا يأخذ ما يحتاجه الولد.
ثالثًا: أن يكون الأب حرًا.
رابعًا: ألا يكون الولد أعلى منه في الدين، فلا يأخذ الأب الكافر من مال ابنه المسلم، ويجوز أن يأخذ الأب المسلم، من مال ولده الكافر؛ لقول النبي ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لِأبيكَ». أخرجه أحمد وابن ماجة (١).
فقه مقاصد النكاح:
ينبغي للمسلم إذا أراد الزواج أن يقصد بذلك امتثال أمر الله ورسوله في النكاح، وتكثير نسل الأمة الإسلامية، وتحصين فرج زوجته، وغض بصره وبصر زوجته، وإعفاف نفسه، وقضاء شهوته، فإن نوى ذلك فله بكل واحدة أجر من ربه، لأن الأعمال بالنيات.
عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى». متفق عليه (٢).
شروط جواز النظر إلى المخطوبة:
يشرع لمن أراد الزواج أن ينظر إلى مخطوبته، فإن ذلك أدعى لأن يؤدم بينهما.
стр. 4895
ويشترط لجواز النظر للمخطوبة ستة شروط:
الأول: أن يكون النظر بلا خلوة.
الثاني: أن يكون بلا شهوة.
الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة.
الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالبًا منها كالوجه واليدين والقدمين.
الخامس: أن يكون عازمًا على الخطبة والنكاح.
السادس: ألا تظهر المرأة للخطيب متبرجة متطيبة، لأن المقصود الاستعلام لا الاستمتاع: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
المرأة المبانة:
المرأة المبانة: هي التي فارقها زوجها في الحياة فراقاً بائنًا، لا يستطيع الرجوع إليها، وهي إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات، أو مطلقة على عوض وهو الخلع، أو مفسوخة فسخًا لا طلاقًا، كما لو وجد بها عيبًا ففسخ النكاح، أو وجدت به عيبًا ففسخت النكاح.
حكم خطبة المعتدة:
خطبة المعتدة لها ثلاث حالات:
الأولى: تحرم الخطبة تصريحًا وتعريضًا، وهي خطبة الرجعية من غير زوجها، لأنها زوجة، ومثلها المبانة بثلاثٍ من زوجها.
الثانية: تجوز تصريحًا وتعريضًا لزوج أبان زوجته بغير الثلاث بطلاق على عوض أو فسخ، لأن العدة له، ويجوز له أن يتزوجها بعقد ومهر جديدين.
الثالثة: يحرم التصريح، دون التعريض، في خطبة المبانة من غير الزوج، والمعتدة من وفاة.
стр. 4896
أقسام الذبح:
الذبح إزهاق الروح بإراقة دم الحيوان المأكول على وجه مخصوص.
والذبح يكون على وجوه أربعة:
الأول: أن يقصد بالذبح تعظيم المذبوح له، والتذلل له، والتقرب إليه، فهذا عبادة لا يكون إلا لله تعالى وحده، وصرفه لغير الله شرك كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
الثاني: أن يقصد به إكرام الضيف، أو وليمة عرس ونحو ذلك، فهذا مأمور به شرعًا.
الثالث: أن يقصد به الاتجار أو التمتع بالأكل ونحو ذلك، فهذا مباح شرعًا.
الرابع: أن يقصد به العبث واللعب، فهذا فعل محرم، لما فيه من الاستهانة بنعم الله، ولما فيه من إضاعة المال، وتجاوز حدود الله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
حكم الاستغاثة:
الاستغاثة طلب الغوث والإنقاذ من الشدة والهلاك.
والاستغاثة أقسام:
الأول: الاستغاثة بالله وحده، وهذا من أفضل الأعمال وأكملها، وهو دأب الرسل وإتباعهم من المؤمنين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]
الثاني: الاستغاثة بالأموات أو الأحياء الغائبين القادرين على الإغاثة، هذا شرك، لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًا في الكون، فيجعل لهم حظًا من الربوبية فيدعوهم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ
стр. 4897
(٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثالث: الاستغاثة بالأحياء الحاضرين القادرين على الإغاثة فيما يقدرون عليه كالاستغاثة ممن وقع في بئر ماء أو من التهمه الحريق، فهذا جائز.
قال الله تعالى عن موسى ﷺ : ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ [القصص: ١٥ - ١٧].
حكم الوليمة:
الحكمة من تقديم وليمة العرس إعلان النكاح وإظهاره حتى يتميز عن السفاح، وإطعام الفقراء، وصلة الأرحام والأقارب، وإظهار الفرح والسرور والمودة بين أهل الزوجين، وشكر النعمة، وهي مشروعة في حق الزوج، لأن النعمة في حقه أظهر وأكبر، لأنه طالب الزواج.
كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولمْ ولو بشاةٍ». متفق عليه (١).
أقسام الولائم:
الولائم تنقسم إلى أربعة أقسام:
١ - فمنها ما هو مسنون.
٢ - ومنها ما هو مباح.
стр. 4898
٣ - ومنها ما هو مكروه.
٤ - ومنها ما هو محرم.
فمن الولائم المحرمة أن يجتمع الناس إلى أهل الميت للعزاء، ويصنع أهل الميت الطعام للمجتمعين، فهذه محرمة، لأنها من النياحة، ومنها الوليمة على العزف والغناء والرقص، وكل ما فيه إسراف.
ومن الولائم المكروهة الوليمة الثانية للعرس، لأن فيها نوعًا من الإسراف: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
ومن الولائم المباحة ما يفعله بعض الناس عند حدوث ما يسر كالوليمة للختان، لأن الأصل الإباحة، حتى يقوم دليل المنع.
ومن الولائم المسنونة
وليمة العرس، وفيها سُنة قولية وفعلية؛ القولية، قول الرسول ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولمْ ولو بشاةٍ». متفق عليه (١).
والفعلية، أنه ﷺ أولم على جميع نسائه.
стр. 4899
حكم خروج المرأة من المنزل:
خروج الزوجة من المنزل له ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الخروج لا ضرر فيه على الزوج، ولا ضرر عليها في خروجها، فهذه ينبغي أن يأذن لها زوجها، لأن منعها كبت لحريتها، ولأنه قد يفسدها عليه.
الثانية: أن يكون في خروجها ضرر عليه، أو ضرر عليها، فقد ترى في الشارع والأسواق شابًا يعجبها فتتعلق به، وقد تزور أحدًا من أقاربها فيفسدها عليه، فهذه تمنع من الخروج، درءًا لهذه المفسدة.
قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
الثالثة: أن لا يكون في خروجها خير ولا شر، فهذه الأفضل أن يشير عليها ألا تخرج لقول الرسول ﷺ : «لا تَمْنَعُوا إِماءَ اللهِ مساجِدَ اللهِ أو بيوت الله، وبيوتهن خير لهن». متفق عليه (١).
وإن أصرت على الخروج فالأولى أن لا يمنعها، فليعطيها شيئاً من الحرية لتزداد محبتها له، وتطيب العشرة بينهما، ولكل حال تصرف حكيم يناسبه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 4900
إعلان النكاح:
إعلان النكاح يختلف في كل زمان ومكان، بحسب أحوال الناس، ومنه الضرب بالدف، وأنوار الكهرباء على بيت الزوج بدون إسراف، وأنوار الكهرباء على بيت الزوجة بدون إسراف، وفي هذا الإعلان مصالح كبرى تظهر للزوجين وغيرهما، وامتثال لأمر الرسول ﷺ : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
حكم إزالة الشعر:
إزالة الشعر لها ثلاث حالات:
مأمور به .. ومنهي عنه .. ومسكوت عنه.
فالمأمور به، إزالة شعر العانة والشارب والإبط.
والمنهي عنه، حلق اللحية بالنسبة للرجال، والنمص بالنسبة للرجال والنساء.
والنمص هو إزالة شعر الوجه، سواء كان الحاجبان أو غيرهما.
والمسكوت عنه، قد عفا الله عنه كشعر ساقي المرأة والأولى أن لا يزال إلا إذا كان مشوهاً للمرأة، لأن الله لم يخلقه إلا لحكمة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
حكم الطلاق في النفاس:
النفاس كالحيض فيما يحل ويحرم، ويجب ويسقط، إلا الطلاق، فيجوز أن يطلق الرجل زوجته في النفاس، لأن النفاس يحسب من العدة، بخلاف الحيض، فالحائض لا تشرع في عدتها مباشرة، أما النفاس فتشرع في العدة مباشرة.
стр. 4901
حكم من قال لزوجته: أنت علي حرام:
إذا قال الزوج لزوجته أنت علي حرام فله ثلاث حالات:
الأولى: إن نوى به الطلاق فهو طلاق.
الثانية: إن نوى به الظهار فهو ظهار.
الثالثة: إن نوى به اليمين فهو يمين.
فإن نوى به اليمين، فهو لم ينوِالتحريم، لكن نوى الامتناع، فهذه يمين يكفرها بكفارة يمين، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ٢].
وإن نوى به الظهار، فهو ظهار، لأن معنى قوله: أنت علي كظهر أمي، أنت حرام، لا لأن أشد ما يكون عليه حرام ظهر أمه، فعليه كفارة ظهار.
وإن نوى به الطلاق فهو طلاق، لأنه صالح للفراق فتطلق واحدة، فعلى هذا يحكم عليه بحسب نيته.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١).
حكم الشك في الطلاق:
الأصل بقاء ما كان على ما كان، واليقين لا يزول إلا بيقين، فالأصل بقاء النكاح فلا يزول إلا بيقين الطلاق، فمن شك بطلاق أو شرطه لم يلزمه، وإن شك في عدده فطلقة واحدة، فالأصل بقاء النكاح فلا يزول إلا بيقين.
стр. 4902
ومن أوقع الطلاق مع الشك، فقد ارتكب محظورين:
الأول: التفريق بين الزوجين.
الثاني: إحلال هذه المرأة لغير الزوج، وهي في عصمته، وحرمانها من النفقة والميراث إذا مات، وهذا كله محرم.
فالشك في الطلاق لا عبرة به، لأن الأصل بقاء النكاح.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١).
حكم تعليق الطلاق بالشرط:
تعليق الطلاق بالشرط ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون شرطًا محضًا، فيقع به الطلاق.
مثاله: أن يقول لزوجته: إذا غربت الشمس فأنت طالق.
الثاني: أن يكون يمينًا محضًا، فلا يقع به الطلاق، لكن فيه كفارة يمين، مثاله: أن يقول قاصدًا الامتناع لا الطلاق: إن أكلت هذا اللحم فأنت طالق.
الثالث: أن يكون محتملًا للشرط المحض واليمين المحض، فهذا يُرجع فيه إلى نية المطلق.
مثاله: أن يقول لزوجته: إن خرجتِ من الدار فأنت طالق، فإن قصد به الطلاق وقع، لأنه شرط محض، وإن أراد به منعها من الخروج بما يشبه القسم، ولم يقصد الطلاق، فلا يقع الطلاق وفيه كفارة يمين إن خرجت.
стр. 4903
وإذا علق الطلاق بشرط فله أن يسقطه قبل وقوعه، لأنه حقه فله أن يسقطه، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١).
حكم الشرع في الإطعام:
الشرع من حيث التقدير في الإطعام الواجب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما قدر فيه المدفوع، والمدفوع إليه مثل فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فهنا قدر المدفوع بنصف صاع، والمدفوع إليه ستة مساكين.
الثاني: ما قدر فيه المدفوع فقط، دون المدفوع إليه، مثل صدقة الفطر، فهي صاع من طعام من أرز أو بر ونحوهما، يجوز أن تعطى لواحد أو عشرة.
الثالث: ما قدر فيه المدفوع إليه، دون المدفوع، مثل كفارة اليمين، كفارة الظهار، كفارة الجماع في نهار رمضان.
أقسام الوطء:
وطء النساء على أربعة أوجه:
١ - في النكاح.
٢ - وفي الشبهة.
٣ - وفي ملك اليمين.
٤ - وفي الزنا.
стр. 4904
فالنكاح الشرعي تجب فيه العدة، ونكاح الشبهة يجب فيه الاستبراء بحيضة لا العدة، وملك اليمين يجب فيه الاستبراء لا العدة، فلو جامع الرجل أمته فلا يجوز أن يبيعها أو يزوجها حتى يستبرئها بحيضة.
والزنا، الزانية ليس عليها عدة ولا استبراء، لكن إن حملت حرم على زوجها أن يجامعها حتى تضع الحمل، لئلا يسقي ماءه زرع غيره، وإن لم تكن متزوجة لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل.
стр. 4905
٥ - الخزانة الخامسة
مدة الحمل:
أقل مدة الحمل ستة أشهر، وغالبه تسعة أشهر، ولا حد لأكثره، فالله يقول عن الإنسان: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
ويقول في آية أخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
فإذا أخذنا عامين للفصال بقي ستة أشهر للحمل، فهذا أقل مدة حمل، فالله بين أقله وغالبه وهي تسعة أشهر، وأكثره غير معلوم، فقد يكون أربع سنين أو أكثر أو أقل، وأقل زمن يتبين فيه خلق الإنسان واحد وثمانون يومًا وهو بدء المضغة المخلقة، وغالب زمن يتبين فيه خلق الإنسان تسعون يومًا وتنفخ فيه الروح إذا تم له مائة وعشرون يومًا، وهي أربعة أشهر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أحدَكُم يُجمَعُ خلقُهُ في بطنِ أمِّهِ أربعينَ يومًا ثمَّ يَكونُ عَلقةً مثلَ ذلِكَ، ثمَّ يَكونُ مضغةً مثلَ ذلِكَ، ثمَّ يرسلُ الملَكُ فينفخُ فيهِ الرُّوحَ ويؤمرُ بأربعٍ، كلِماتٍ ويقال له: اكتب رزقِهُ وأجلِهُ وعملِهُ وشقيٌّ أو سعيدٌ، فوالَّذي لا إلَهَ غيرُهُ إنَّ أحدَكُم ليَعملُ بعملِ أَهْلِ الجنَّةِ حتَّى ما يَكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذِراعٌ فيسبقُ عليهِ