وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
ثالثًا: الله له على الإنسان أوامر، والنفس لها أوامر، والله يريد من الإنسان تكميل ما يحب من الإيمان والأعمال الصالحة، والنفس تريد تكميل ما تحب من الأموال والشهوات.
وقد ملأ الله الدنيا بمحبوباته من أنواع الطاعات والقربات، وملأ الآخرة بمحبوبات العبد من أنواع النعيم في الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
والله يريد منا العمل للآخرة، والنفس تريد العمل للدنيا، والإيمان هو سبيل النجاة، والمصباح الذي يبصر به الحق من الباطل، والخير من الشر، وهذا محل الابتلاء في البشر: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
فالله ابتلى كل عبد بالشهوات الحيوانية، وبالأوامر الإلهية، وبالمصائب القدرية، وأسعد الناس من فاز في هذا الابتلاء فأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، وأعطى للدين بقدر الطاقة، وصبر على أقدار الله: ﴿وَالْعَصْرِ (١)
стр. 5007
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
• فقه العبودية:
الأرض قابلة لما يُغرس فيها من حلوٌ ومر، وأرض الفطرة رحبة قابلة لما يُغرس فيها.
فمن غرس شجرة التوحيد والإيمان والتقوى، جنى حلاوة الأبد، وجنة الخلد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ومن غرس شجرة الكفر والجهل والمعاصي، جنى شقاوة الأبد، ونار الخلد: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
واعلم أن أعظم المعارف أن تعرف ربك، وما يجب له، فتقرُّ له بالجهل في العلم، والتقصير في العمل، والعيب في النفس، والتفريط في حق الله، والظلم في معاملته: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فهذا العارف حقًا، العبد حقًا، الفقيه حقًا، إنْ عمل حسنة رآها منَّةٌ من الله عليه، فإنْ قَبِلها فمنَّةٌ ثانية، فإنْ ضاعفها فمنَّةٌ ثالثة، فإن اثاب عليها فمنَّةٌ رابعة، وإنْ ردَّها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به الملك العزيز الجبار
стр. 5008
سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإنْ عمل سيئةً رآها من تخلِّي ربه عنه، وإمساك عصمته عنه. إنْ أَخَذه بذنوبه رأى عدله، وإنْ لم يؤاخذه بها رأى فضله، وإنْ غفرها له فبمحض إحسانه وكرمه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وجميع ما في السموات والأرض كلهم عبيدٌ لله الملك الحق: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
وكل إنسان يجب أن يقر أنه عبدٌ لله كونًا وشرعًا، فأنت عبده كونًا؛ لأنه الخالق لك، والمالك لك، المدبر لأمرك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وأنت عبده إن شاء أعطاك، وإن شاء منعك، وإن شاء أغناك، وإن شاء أفقرك، وإن شاء هداك، وإن شاء أضلَّك، وإن شاء أحياك، وإن شاء أماتك. والله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
يفعل بك العزيز الرحيم ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته.
وأنت عبده شرعًا، يجب أن تعبده بما شرع، فتفعل الأوامر، وتجتنب النواهي، وتؤمن بالله؛ لتسعد في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
стр. 5009
• وجميع الخلق فقراء إلى الله، وفقرهم إليه قسمان:
الأول: فقرٌ اضطراري، وهو فقر جميع المخلوقات إلى ربها في وجودها، وإمدادها، وتدبيرها، وهدايتها، وبقائها، وما يلزمها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الثاني: فقر اختياري، وهو ثمرة معرفتين:
معرفة العبد ربه، ومعرفة العبد نفسه.
فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق، ولزم باب العبودية إلى أن يلقى ربه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
• فقه الإخلاص:
الإخلاص هو أن يكون فعل العبد خالصًا لوجه الله ، فليس القصد إكثار الطاعات، بل المقصود إخلاص العبادة، وحسن الطاعة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
والله سبحانه رءوفٌ رحيم لم يعطك كل ما يقدر عليه، حتى يطلب منك كل ما تقدر عليه، بل أعطاك البعض، وطلب منك فعل البعض: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 5010
والعطاء الذي قسمه الله لك لم يُرد بفعله سواك، فلا تُرد بفعلك سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وكما جعل الله كل ما فعله لأجلك كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
فاجعل أيها العبد جميع ما تفعله لأجله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
والمخلص هو الذي يأتي بالفعل خالصًا لوجه الله ، ليس فيه رياءٌ ولا سمعة، ولا غرضٌ آخر، فلا يجعل العبد طلب الجنة مقصودًا، ولا النجاة من النار مطلوبًا، وإن كان لابد من ذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
فكل عملٍ أُريد به وجه الله فقليله كثير، وما أُريد به غير وجهه فكثيره وقليله باطلٌ غير مقبول: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
стр. 5011
٣ - الخزانة الثالثة
• كمال النية:
كمال النية يكون بثلاثة أمور:
الأول: نية العبادة:
قال النبي ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
الثاني: نية الإخلاص، بأن تكون لله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثالث: نية أنه قام بالعبادة امتثالًا لأمر الله الذي يجب أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفَر، فمثلًا تنوي صلاة الظهر، وتنوي أنك تُصلي لله لا لغيره، وتستحضر أنك تُصلي امتثالًا لأمر الله حيث قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور: ٥٦].
وقال : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]. وهكذا.
ونية المؤمن خيرٌ من عمله، والنية لا تنفك عن الفعل.
ومقصود جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتطهيره عما سوى الله.
والقصد من تكرار الأعمال الصالحة أن يذكر القلب ربه، ثم يُحبه ويُطيعه ويُعظمه، والقلب أشرف من الجسد، ففعله أشرف من فعل الجسد: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
стр. 5012
والجسد يأتمر بأمر القلب، فكانت النية أفضل من العمل كما قال النَّبي ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفقٌ عليه (١).
وقال النَّبي ﷺ : «أَلا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلَّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفقٌ عليه (٢).
فالإيمان تصديق وتطبيق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأعمال الجوارح من ثمرات أعمال القلوب.
• أقسام المؤمنين في النيات:
أما أقسام المؤمنين في النِّيات، فنِيَات الناس في الطاعات والعبادات أقسام:
الأول: من المسلمين من يعبد الله خوفًا من الله، ومن عذابه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
الثاني: ومنهم من يعبد الله طمعًا في ثوابه، والرغبة في الجنة، وهذان أمران مطلوبان: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثالث: ومنهم من يعبد الله؛ لأنه العظيم الذي يستحق أن يُعبد لذاته وجلاله، وجماله وعظيم إنعامه، ويعبده لِما تكرَّم به من أنواع الكرامات لهذا الإنسان في الدنيا والآخرة، ويرجو ثوابه، ويخاف من عقابه.
стр. 5013
فهؤلاء هم أولوا الألباب المقربون: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وهؤلاء يحشرون إلى ربهم يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
فالله مقصود، والجنة موعود: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وثواب الناس بقدر نياتهم، فمن عَبد الله؛ لأنه أهلٌ أن يُعبد، تمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وفاز بالجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ونسبة اللذة بنعيم الجنة إلى لذة النظر إلى وجه الله، كنسبة نعيم الجنة إلى وجه الله الكريم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• فقه النية:
كل عمل صالح مركبٌ من أمرين:
صورة ذلك العمل كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك.
وباطن ذلك العمل، وهي النية بأن يكون العمل خالصًا لله .
والنُّطق بالنية في جميع العبادات مُنكَر؛ لأن النية محلها القلب، والله عليمٌ بكل شيءٍ ظاهراً كان أو باطنًا، والمؤمن يتقرب إلى الله بعمله ظاهرًا وباطنًا
стр. 5014
والله عليمٌ بما يعمله العبد بين يديه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
فلا يُشرع ولا يُسن النُّطق بالنية عند الوضوء أو الصلاة أو الصوم أو غيرها، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾ [الحجرات: ١٦].
فجميع الأعمال لها أساس وهي النية، بأن يكون العمل خالصًا لله ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
والنية بين العبد وربه، فالداعي إلى الله مثلًا، والمعلم لشرع الله، ينوي إبلاغ دِين الله؛ لينال أجر البلاغ، وينوي الحصول على ثواب مجلس العلم، وأن يرجع من مجلسه مغفورً له، وينوي تكثير سواد المسلمين، والجلوس في مجالس الذِّكر، وينوي القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكذلك ينوي ربط الناس برب الناس، وتذكير المسلمين؛ ليحسنوا الظَّن برب العالمين، وينوي غرس حب الله في قلوب المؤمنين، وغرس تعظيم الله في نفوس المؤمنين، ومراقبة الناس لرب العالمين: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فالعلماء هم أعظم الناس فقهًا؛ ولذلك النية تجارة العلماء فهم يربحون على الله بتعداد نياتهم في كل عمل ما لم يربح غيرهم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
стр. 5015
• فقه الاقتداء:
كل مسلم مطلوبٌ منه أن يقتدي بالنَّبي ﷺ في خمسة أمور:
١ - في نيته وفكره.
٢ - وفي توحيده وإيمانه.
٣ - وفي أقواله الحسنة.
٤ - وفي أعماله الصالحة.
٥ - وفي أخلاقه الكريمة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وحب التقليد من طبائع النفوس، والمسلم مأمورٌ أن يُقلد في دِينه من أجمع الخلق على تزكيتهم، وهم الأنبياء والرسل كما قال الله لرسوله ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
ويقتدي خاصة بسيدهم وأفضلهم وآخرهم محمدٍ ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والنَّبي ﷺ مأمورٌ مع أمته أن يتبع ملة إبراهيم، وملة إبراهيم هي التضحيات من أجل لا إله إلا الله، تعبدًا لله، ودعوةً إلى الله، وتحمل المشاق في سبيل إعلاء كلمة الله، والصبر على كل ذلك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
стр. 5016
(١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣].
وقال الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وإبراهيم ﷺ تبرأ من الأصنام، بل تبرأ من نفسه، حين سلَّمها للنيران توكلًا على ربه، فأنجاه الله من النار، وتبرأ من ماله حين سلَّمه للضيفان، وتبرأ من ولده حين بذله مع كمال حبه له للقربان امتثالًا لأمر ربه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠].
فأيها المسلم إن لم تقدر على متابعة إبراهيم ﷺ ، فاجتهد في متابعة ولده الصبي الذي انقاد لحكم ربه مع صِغره، ومد عنقه لحكم الرؤيا بالذَّبح: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠].
فإن لم تقدر، فاتبع الموسوم بنقصان العقل والدِّين، وهي أمه هاجر أم الذَّبيح كيف تجرعت مرارة الذَّبح، والفراق، والجوع، والغربة، والوحشة، وصبرت حين تركها الخليل في جبال مكة فريدةً بلا ماءٍ ولا زاد كما قال ابراهيم ﷺ : ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧].
فأجاب الله دعوة إبراهيم، وجعل نسله سيد الأنبياء والمرسلين، وملأ حرمه بالحجاج والمعتمرين: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩].
стр. 5017
• تداخل النيات والأفعال في الشريعة:
أولاً: في باب الطهارة:
الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع بعضها، ارتفعت جميعًا، فمن نوى بوضوئه رفع واحدٍ منها رفع الكل، ويدخل الأصغر تحت الأكبر، ومن نوى بوضوئه أو غُسله مع نية العبادة أمرًا مباحًا كالتبرد أو تعليم الوضوء أو الغُسل ففعله صحيح وثوابه بقدر ما نوى.
ومن عليه غُسلان واجبان كامرأة عليها جنابة، وقبل أن تغتسل حاضت، فهذه يكفيها غُسلٌ واحد يرفع الكل، كما قال النَّبي ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
ومن اجتمع في حقه غُسلان واجبٌ ومسنون كغسل الجنابة، والنظافة، يكفيه غُسلٌ واحد، وله ثواب الجميع.
والغُسل الواجب يُجزئ عن الوضوء الواجب، سواءً نواه أو لم ينوه، ومن قرن الوضوء بالغُسل فقد أحسن، ويكفي الغُسل الواجب عن الوضوء المسنون، والغسل المسنون يكفي عن الوضوء الواجب والمسنون.
ومن اجتمعت عليه أحداثٌ صُغرى وكبرى كفاه تيممٌ واحد إذا لم يجد الماء: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (٢).
ثانيًا: في باب الصلاة:
فمن صلى العيد سقطت عنه الجمعة إلا الإمام فتلزمه الجمعة، ومن سقطت عنه الجمعة بشهود العيد، لزمته صلاة الظهر.
стр. 5018
ومما يجري فيه التداخل بين الصلاة الواجبة والمسنونة، التداخل بين الصلاة الواجبة وسُنَّة الوضوء، وتحية المسجد، وسُنَّة القدوم من السفر ونحو ذلك.
فيجري التداخل بين الصلوات المسنونة المقصودة لذاتها، والتي لا تقصد لذاتها، فالمقصودة لذاتها كالسُّنَّة الرَّاتبة، ولا لذاتها كركعتي الوضوء، وركعتي الطواف، وركعتي الاستخارة، فالمقصود وقوع صلاةٍ من بعد الوضوء والطواف، وقبل الاستخارة.
والسُّنن التي لا تقصد لذاتها إذا اجتمع موجبها، واختلف نوعها، فإنها تتداخل، كما لو اجتمعت تحية المسجد، وسُنَّة الوضوء، أو تحية المسجد وركعتي الطواف، أو صلاة الاستخارة، وسُنَّة الوضوء، واجتمع الكل، ففضل الله واسع، ورحمته واسعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والسُّنن التي لا تقصد لذاتها إذا تكرر موجِبها، واتحد نوعها، كتكرار الدخول للمسجد، فإن طال الفصل كرر تحية المسجد، وإلا كفاه فعلها مرةً واحدة دفعًا للحرج والمشقة.
ومن قرن في الطواف بين أكثر من أسبوع كفاه ركعتان؛ لأن المقصود إيقاع صلاةٍ بعد الطواف، وقد حصل بركعتين، والأفضل صلاة ركعتين لكل أسبوع، حِفاظًا على فضيلة صلاة المسجد الحرام، لأنهاء أفضل من مائة ألف صلاةٍ فيما سواه.
ومن أدرك الإمام راكعًا فيُستحب أن يُكبِّر للإحرام تكبيرة، وللركوع تكبيرة إن أمكن، وإن اقتصر على واحدة أجزأته بشرط أن يُكبِّر واقفًا.
وسجود سهو يتداخل سواءً اتحد نوعه أو اختلف قبل السلام أو بعده.
стр. 5019
ثالثاً: في باب الصيام:
لا يتداخل الصوم الواجب والكفارة؛ لأن كلًا منهما مقصودٌ لذاته، والصوم الواجب والمسنون، إن كان صوم التطوع مقصودًا لذاته كستٍّ من شوال، وصوم يوم عرفة لغير حاج، وصوم يوم عاشوراء فإنه لا يتداخل، لأن كل واحد عبادة مستقلة، له وقت خاص به.
وإن كان غير مقصودٍ لذاته كالاثنين والأيام البيض، فإنه يتداخل مع الواجب.
والصوم المسنون سواءً كان مقصودًا لذاته أو لا، فإنه يتداخل كما تتداخل سُنَّة الوضوء وتحية المسجد مع الرواتب.
والتداخل: أن يجمع المسلم بين عبادتين بفعلٍ واحد ويحصل له ثوابٌ متعدد: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
رابعاً: في باب الحج:
فتجوز نية طواف الإفاضة مع الوداع؛ لأن المقصود وقوع طواف عند دخول المسجد تحيةً له كتحية المسجد.
ومن حج مُفردًا أو قارنًا وقدِم مكة، وقد ضاق عليه الوقت للوقوف، فتوجه إلى منى، ولم يتمكن من طوف القدوم، ولم يفد إلى البيت إلا آخر أيام التشريق فطاف للإفاضة، ثم سافر مباشرة، فهذا له أن ينوي بطوافه أطوفة الحج الثلاثة القدوم، والإفاضة، والوداع.
стр. 5020
والأضحية، والعقيقة، والهدي كل منهما عبادة مستقلة، فلا تتداخل، ولا تداخل في العقائق إذا تعدد المواليد فلكل مولودٍ عقيقته؛ لأن كل عقيقةٌ عبادةٌ مستقلة لمولودٍ مُعين.
• حكم تغيير النية في الصلاة:
أما حكم تغيير النية في الصلاة، فالنية في الأصل تسبق العمل.
ومن دخل في صلاة، ثم أراد الانتقال من نيةٍ إلى نية، فله ثلاثة حالات:
الأولى: أن ينتقل من مساوٍ إلى مثله كمن دخل في صلاةٍ بنية الظهر، ثم تذكر أنه صلاها فنوى العصر، فهذا لا يصح.
الثانية: أن ينتقل من الأعلى إلى الأدنى كمن دخل في صلاة الظهر، ثم تذكر أنه صلاها، فنوى النافلة، فهذا يصح، وتقع منه نافلة.
الثالثة: أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى كمن دخل في صلاة نفل، ثم تذكر أنه لم يُصلِّ الصبح، فنوى بها صلاة الصبح، فهذا لا يصح، وتقع نافلة؛ لقول النَّبي ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
стр. 5021
٤ - الخزانة الرابعة
• فقه التزكية:
التزكية تطهير الظاهر والباطن من كل درن.
والتزكية لها ثلاث متعلقات:
الأول: في حق الله يتزكى ويتطهر من الشِّرك والنفاق ويعبد الله مخلصًا له الدِّين.
الثاني: وفي حق الرَّسول ﷺ يتزكى من الابتداع، فيعبد الله على مقتضى شريعة الله ورسوله في الاعتقاد والقول والعمل.
الثالث: وفي حق الناس يُزكي نفسه ويطهرها من الأخلاق السيئة والذميمة كالغل والحسد، والحقد والعداوة والبغضاء، فلا يغتاب أحدًا، ولا يعتدي على أحد: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وقال الله : ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [فاطر: ١٨].
والمطلوب من المسلم لكي يعبد الله كما أمر، تزكية النفس بالتوحيد والإيمان وتطهيرها من الصفات المذمومة كالشرك والرياء: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
стр. 5022
فنجتهد لتزكية النفوس، نجتهد على النفس لتنتقل من النفس الأمارة بالسوء إلى النفس اللوامة التي تلوم صاحبها على فعل المعاصي، والتقصير في الطاعات.
ثم ننتقل من النفس اللوامة إلى النفس المُلهَمة التي أُلهِمت حب الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٧ - ٩].
ثم ننتقل من النفس الملهمة إلى النفس المطمئنة التي تطمئن بذكر الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
ثم ننتقل من النفس المطمئنة إلى النفس الراضية عن ربها وعبادته وبما قدَّر الله لها وعليها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨].
ثم ننتقل من النفس الراضية إلى النفس المرضية التي ﵂، وقبل إيمانها وأعمالها: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
ثم ننتقل من النفس المرضية إلى النفس التقية الزكية الصافية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
стр. 5023
وقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
فهذه سبع نفوس أدناها الأمَّارة، وأعلاها التقية.
فلابد من الجهد على النفس لتعبد ربها بالخوف والرجاء والحب لله مع كمال التعظيم والذل له سبحانه كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والجهد على النفس من أعظم العبادات لحملها على الإيمان بالله، وعبادته، وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [فاطر: ١٨].
وجهاد النفس هو حمل النفس على القيام بالواجبات، وترك المحرمات.
ولكل إنسان نفسان:
١ - نفس أمَّارةً بالسوء.
٢ - ونفس مطمئنةً تأمره بالخير.
وهاتان النفسان دائمًا في صراع، كل واحدةٍ تُريد أن تغلب الأخرى، فيُجاهد الإنسان بنفسه المطمئنة نفسه الأمَّارة بالسوء، ويحصل التجاذب بين النفسين عندما يهم الإنسان بفعل الخير، فالأمَّارة بالسوء تثبطه عنه، وتُخوفه منه، والنفس المطمئنة تُشجعه عليه، وتُرغبه فيه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
стр. 5024
وأعظم ما يُجاهد الإنسان نفسه عليه الإخلاص لله في جميع العبادات والأعمال، وإذا انتصر الإنسان على نفسه الأمَّارة بالسوء نصره الله على عدوه الخارجي من المشركين والمنافقين وغيرهم.
وجهاد المنافقين أعظم من جهاد المشركين؛ لأن المنافقين عدوٌ خفي تصعب معرفته، والمشرك عدوٌ ظاهر يسهل أن تحتاط منه.
وجهاد المنافقين يكون بالعلم والنُّصح، والبيان والإرشاد، لعله يتوب، فمن كان من المنافقين فحذره من عقوبة النفاق، ولا يُجاهد بالسيف؛ لأنه يزعم أنه مؤمن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].
وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وأعظم الناس تزكية وأحسنهم هم الأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• وقد وصف الله نبيه وخليله إبراهيم ﷺ بثلاث صفات:
الأولى: الإمامة؛ ولهذا أمر الله من بعده بإتباعه، كما قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].
الثانية: الحنيف، والحنيف هو المائل عن كل دينٍ سوى الإسلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ
стр. 5025
اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣].
وقال : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧].
الثالثة: مكارم الأخلاق: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢١].
• أقسام العباد:
كل ما سوى الله عبدٌ له، والمؤمنون بالله هم عباده.
وقد جعل الله عباده على سبعة أقسام:
الأول: عبيد العصمة.
وهو الملائكة والأنبياء والرسل، فهؤلاء معصومون من المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ الحجر: [الحجر: ٤٢].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
الثاني: عبيد الصفوة.
كما قال سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].
وقال الله : ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤].
стр. 5026
وقال الله : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
الثالث: عبيد البشارة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
الرابع: عبيد الكرامة.
كما قال سبحانه: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف: ٦٨].
وقال لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
الخامس: عبيد المغفرة.
كما قال سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
السادس: عبيد الخدمة.
كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
السابع: عبيد القُربى.
كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 5027
فما أعظم كرامات الرب العظيم لعباده المؤمنين به، فقد شرح صدورهم لكل ما يُحبه الله ويرضاه، ففازوا برضوانه وجنته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فهؤلاء شرح الله صدورهم للإيمان بالله، وشَرح الصدر نورٌ يقذفه الله في قلب العبد يرى فيه الخالق من المخلوق، والرب من العبد، والحق من الباطل: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢].
وعلامة هذا النور، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله.
وإذا انشرح الصدر امتلأ القلب بالإيمان، واتسع لجميع الطاعات.
ربِّ اشرح لي صدري بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك، والتَّخلُق بأخلاق رسلك وأنبياءك، وامتثال أمرك، واجتناب نهيك، والاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك، والانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك، والاطلاع على مجامع آياتك في أرضك وسماواتك، واجعل سراج الإيمان في قلبي أعظم من نور الشمس والقمر: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فشرح الصدر عبارة عن إيقاد نور الإيمان والتوحيد في القلب، حتى يصير القلب كالسراج، وذلك النور كالنار المضيئة من السراج.
стр. 5028
ومن أراد أن يستوقد سراج الإيمان والتوحيد في قلبه، ويعبد الله كأنه يراه بالحب والتعظيم والذل له سبحانه، فلابد له من سبعة أمور:
الأول: زند المجاهدة.
كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
الثاني: داوم التضرع.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
الثالث: اتباع الهدى، وقهر الهوى.
كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
الرابع: الإنابة إلى الله.
كما قال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٥].
الخامس: الصبر.
كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
стр. 5029
السادس: الشكر.
كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
السابع: الرضا بحكم الله.
كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
واعلم أن هذه أسبابٌ إليه سبحانه، والأمر كله بيد الله وحده لا شريك له: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
стр. 5030
٥ - الخزانة الخامسة
• أنواع العبادات:
العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والمؤمن عبدٌ لله داخل الصلاة، وخارج الصلاة، وفي كل حالٍ من أحواله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
والعبادات الشرعية أنواع:
أحدها: الأقوال، كالأذكار والأدعية، والتحيات وردها، والخُطب المشروعة، والأذان والإقامة، والدعوة والتعليم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنُّصح للمسلمين، وقراءة القرآن، والشهادات والإقرارات والسؤالات، والإفتاء ونحو ذلك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الثاني: الأفعال المجردة، كالوضوء والغُسل، وإنقاذ الغرقى والهلكى، وتجهيز الأموات، والجهاد في سبيل الله.
الثالث: البذل، كالزكوات والصدقات، والهدايا والأوقاف، والوصايا ونحوها.
الرابع: الكف، كالصيام الواجب والتطوع، والكف عن المحرمات من زنى وسرقة، وغيبة ونميمة، والقتل والسب ونحو ذلك.
الخامس: ما يشتمل على الفعل والكف وهو أنواع:
كالصلاة والاعتكاف، والحج والعمرة، والصيام وغيرها.
стр. 5031
السادس: إسقاط الحقوق كالعتق في الكفارات، والإبراء من الديون، والعفو عن الإساءات ونحو ذلك.
• والعبادات من حيث القضاء والأداء أقسام:
الأول: ما يقبل الأداء والقضاء كالصلاة، والصوم، والحج.
الثاني: ما يقبل الأداء، ولا يقبل القضاء، مثل صلاة الجمعة، فإن من فاتته فإنه يقضيها ظهرًا لا جمعة.
الثالث: ما لا يُقضى إلا في وقته مثل الحج إذا فسد لا يُقضى إلا في العام القادم في وقته ومكانه.
الرابع: ما يُقضى في جميع الأوقات كالنذر والكفارات والهدي ونحو ذلك.
الخامس: ما لا يوصف بقضاءٍ ولا أداء مثل النوافل المطلقة التي لا سبب لها من صلاةٍ وصيامٍ وصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكم والفتيا، والتعليم والأذكار المطلقة ونحو ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
والعبادات الشرعية بأنواعها المختلفة لابد للإنسان أن ينسى شيئًا منها، والنسيان من طبيعة البشر فلا إثم على ناسٍ، فمن نسي مأمورًا به شرعًا فلا يسقط بنسيانه مع إمكان التدارك؛ لأن مقصود الشرع تحصيل المصلحة والثواب للعباد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 5032
فقال الله «قَدْ فَعَلْتُ». أخرجه مسلم (١).
فمن نسيَّ صلاةً أو صومًا أو حجًا أو عمرةً أو دَينًا أو حقًا أو قصاصًا أو نذرًا أو زكاةً أو صدقة أو غير ذلك من حقول الله أو حقوق عباده، فهذا له حالتان:
الأولى: إن كان ما نسيه لا يقبل التدارك كالجهاد، والجمعة، وصلاة الكسوف، فهذا يسقط وجوبه بفواته.
الثاني: إن كان ما نسيه يقبل التدارك وجب تداركه على الفور؛ لأن تعجيله مسارعةٌ إلى الخيرات، ومبادرةٌ إلى قضاء الديون، سواءً كان من حقوق الله كالصلاة والزكاة، والصيام والحج، والنذر والكفارات، أو كان من حقوق العباد كالديون والنفقات والحقوق الواجبة المختلفة، كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
ولمن نسيَّ أن هذا محرَّم حالتان:
الأولى: أن يكون المنسي من مُحرَّمات العبادة كالكلام والفعل الكثير في الصلوات، وارتكاب محظورات الإحرام، ومنهيات الصيام والاعتكاف، فهذا يسقط إثمه من غير بدل.
ومن صلى ناسيًا طهارة الحدَّث لم تصح صلاته؛ لأنه نسيَّ مأمورًا به فلا إثم عليه، لكن عليه إعادة الصلاة؛ لأنها لا تصح إلا بطهارة والطهارة يُمكن تداركها، وإنما وجب تدارك المأمورات إذا ذُكِرت؛ لأن الغرض تحصيل مصلحتها وهو ممكن، كما قال النَّبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةِ أَوْ نَسِيهَا فَلْيُصَلَهَا إذَا ذَكرَها لا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 5033
الثانية: ألا يختص تحريمه بالعبادة، فيسقط إثمه، ويجب ضمانه، كمن باع طعامًا ثُم نسيَّ بيعه فأكله، أو باع جاريته ثُم نسيَّ بيعها فوطئها، فلا إثم عليه في ذلك، ويلزمه ضمان ما أتلفه من منافع؛ لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان.
ومن حلف بالله على شيء أو بطلاقٍ أو إعتاقٍ، ثُم فعل ما حلف عليه ناسيًا حلفه فلا إثم عليه، ولا حنث عليه، كما قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• حقيقة العبادة:
أصل التوحيد وروحه ولُبُّه إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
ولا تصح العبادة إلا بكمال المحبة لله وحده، ولا يتم التوحيد حتى تكمُل المحبة.
ومحركات القلوب إلى الله ثلاثة:
المحبة .. والخوف .. والرجاء.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
стр. 5034
وقال سبحانه عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وأقواها المحبة، فعلى قدر قوة المحبة لله وضعفها يسير العبد إلى محبوبه، والخوف يمنعه من الخروج عن الطريق، والرجاء يقوده إلى سلوك الطريق إلى الله.
ويُحرك محبة الله في القلب ويزيدها ويُغذيها ويقويها الإكثار من ذِكر الله، ومطالعة إحسان الله ونِعمه، والتفكر في معاني أسمائه وصفاته، والتفكر في آياته الكونية، وآياته الشرعية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وأصل العبادة الطاعة:
ليتمرن العبد على طاعة الله ورسوله، داخل العبادة وخارجها، فتكون جميع حياته وأقواله وأعماله في جميع أوقاته لله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
стр. 5035
• أقسام العبادات:
العبادات نوعان:
منها ما يفهم المكلَّف حكمته، ومنها ما لا يفهم حكمته.
وأكثر العبادات معلومة الحكمة.
فالحكمة في الصلاة الطاعة، والتواضع، والخضوع، والتعظيم لله ، والشكر له.
والحكمة في الصوم كسر النفس، وقمع الشهوات؛ لتهيئة النفس للتقوى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
والحكمة في الزكاة مواساة المحتاج، وتطهير النفوس من البخل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
والحكمة في الحج إقبال العبد أشعث أغبر من مسافةٍ بعيدة إلى بيتٍ فضله الله، كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
стр. 5036
ومن العبادات ما لا يفهم الإنسان حكمته:
كتقبيل الحجر الأسود، ورمي الجمرات في الحج في منى.
يُكلَّف به العبد؛ ليُكمِّل انقياده لربه، والتسليم لأمره في كل ما أمر به، وكل ما نهى عنه، والانقياد التام لله إنما يكون بفعل ما تفهم حكمته، وما لا تفهم حكمته: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
والفرق بين العبادة والطاعة:
أن العبادة هي غاية الخضوع، ولا تُستَحق إلا بغاية الإنعام؛ ولهذا لا يجوز أن يُعبَد غير الله، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
والطاعة هي الفعل الواقع على حسب ما أراده المُطاع متى كان المُطاع أعلى مرتبةً من المُطيع، وتكون الطاعة للخالق والمخلوق، أما العبادة فلا تكون إلا للخالق سبحانه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والمؤمنون يعبدون الله وحده لا شريك له؛ لأنه المستحق للعبادة وحده؛ ولأجل أن يُسعدهم في الدنيا، ويُدخلهم الجنة في الآخرة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ
стр. 5037
رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
والمشركون يعبدون الأصنام، ويتخذونها شفعاء عند الله، وغرضهم التوقي من المكروه، والترجي للمحبوب، لاعتقادهم أنهم أقل من أن يرحمهم الله بدون توسُط الأصنام بينهم وبين الله كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
فلذلك اشتد خوفهم من الأصنام، وتعلقت قلوبهم بها؛ للاستشفاء والاستسقاء، والحصول على الأموال والأولاد، وتَعرُّف العواقب للإقدام أو الإحجام: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
стр. 5038
٦ - الخزانة السادسة
• فقه العبادة:
العبادة في الشرع لها معنيان:
الأول: باعتبار العابد، فهي كمال الذُّل لله، مع كمال الحب له، وعنهما ينشأ الانقياد والخضوع الاختياري لامتثال أوامر الله محبةً لله، ورغبةً في ثوابه، واجتناب ما نهى الله عنه هيبةً لله، وتعظيمًا لله، وحذرًا من عقابه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الثاني: باعتبار المتعبد به، فالعبادة اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وسُميت أحكام الشريعة عبادات؛ لأنها تؤدى لله على وجه الذل له، والمحبة له، رغبةً في ثوابه، ورهبةً من عقابه، وتعظيمًا لشأنه، فيخاف العبد ربه؛ لِما يعلم من عظمة شأنه، وعز سلطانه، ويُحب ربه؛ لِما يعلم من غناه وكرمه، وإحسانه وإنعامه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وتُسمى العبادة توحيدًا؛ لأنها يُقصد بها الله وحده لا شريك له.
стр. 5039
أما العبادة الكونية فهي الخضوع القسري لأوامر الله في الكون، وهي شاملة لجميع الخلق، فأمر الله نافذ في جميع مخلوقاته: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والعبادة حقٌ خاصٌ بالله تعالى يجب أداؤه إليه وحده، ويحرُم صرف شيءٍ منه لغيره، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقد خلق الله الجن والإنس ليعبدوه وحد لا شريك له.
والأمر بعبادة الله وحده هو أول أمرٍ في القرآن كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
فهذا أول أمرٍ عظيم، بأعظم مأمورٍ به، وهو التوحيد، من أعظم آمر، وهو الله العظيم ﷻ ، وأعظم مأمورٍ به ألا وهو العبادة؛ لأنه أعظم واجبٍ على الثَّقلين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
لأكرم مأمور، وهم عقلاء المكلفين من الثَّقلين الجن والإنس.
والعبادات التي شرعها الله لنا، وأمرنا بإفراده بها، أنواعٌ خمسة:
الأول: عباداتٌ قولية كالشهادتين، وقراءة القرآن، والأذكار والأدعية، والدعوة إلى الله وتعليم العلم الإلهي، والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 5040
المنكر، والإصلاح بين الناس، والنصيحة ونحو ذلك من أعمال اللسان كالسلام ونحو ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
الثاني: عباداتٌ قلبية كالإيمان، والتوحيد، والخوف، والإخلاص، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والإنابة، والخشوع، والاستعانة بالله، والذل له، والافتقار إليه ونحو ذلك من أعمال القلوب: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
الثالث: عباداتٌ بدنية كالصلاة والحج، والوضوء والغُسل، ونحو ذلك من العبادات التي تشتمل على أقوالٍ وأفعال.
الرابع: عباداتٌ مالية كالزكاة والصدقة، والهدي والأضحية ونحو ذلك.
الخامس: عباداتٌ تَركية يتقرب العبد بتركها لله ، كأن يترك ما نهى الله عنه مؤقتًا كما في الصوم، أو أبدًا كسائر المحرمات كالخمر والزنى والسرقة ونحو ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
والله ذو الفضل العظيم، فكل نعمةٍ منه، ولا يُمكن لأحد أن يُزكي نفسه بالطهارة من أنجاس الشِّرك والنفاق، والرياء والمعاصي المختلفة، ولكن الله بفضله وتوفيقه يطهره من أدناس الكفر والمعاصي، ويهديه إلى الإيمان والتوبة النصوح والأعمال الصالحة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا
стр. 5041
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
فلا يمكن لأحد أن يُزكي نفسه، ويُطهرها من أدناس الكفر والمعاصي، إلا بتوفيق الله وحده، وهدايته للعمل الصالح، وقبوله منه، فمن العبد العمل والمجاهدة؛ لتكميل التوحيد والإيمان، والتقوى والأعمال الصالحة، ومن الله التوفيق والهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [فاطر: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
• فقه العبادة:
أصل العبادة الطاعة للمعبود، وكل عبادةٍ لها معنىً قطعًا، ولها ثمرةٌ ومصلحة، ولها ثوابٌ وأجر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 5042
ومعنى العبادة قد يفهمه الإنسان، وقد لا يفهمه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
فالحكمة في الصلاة التواضع والخشوع، وإظهار الافتقار لله .
والحكمة في الصوم كسر النفس، وقمع الشهوات.
والحكمة في الزكاة مواساة المحتاج، والتدريب على البذل والعطاء.
والحكمة في الحج إقبال العبد أشعث أغبر على مولاه من مسافةٍ بعيدة كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا، والخروج من زينة الدنيا وملذاتها، وتدريب النفس على المسالمة مع الغير ولو كان جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، وتذكيرٌ للإنسان بما هو عليه من النقص إذا رأى غيره أحسن منه، وأطوع وأعبد لله منه، والحج درسٌ عملي للمساواة بين الناس، ومعرضٌ عظيم يظهر فيه أثر التوحيد والطاعة والإيمان، والأخلاق العالية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
والمقصود من أمر الناس بأنواع البر والعبادات إما النصيحة أو الشفقة فهل يليق بالمؤمن الذي أنعم الله عليه بنعمة الهداية للإسلام أن ينصح غيره، ويشفق على غيره، ويهمل نفسه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
والمقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الناس إلى ما فيه مصلحة، وتحذيرهم مما فيه مفسدة، والإحسان إلى النفس مقدمٌ على الإحسان إلى الغير، فلا يليق بالعاقل أن يعظ ولا يتعظ، ومن وعظ ولم يتعظ، صار وعظه سببًا لرغبة الناس في المعاصي.
стр. 5043
ومن أثَّر وعظه في القلوب، ثم خالف ما وعظ به، نفرت القلوب من سماع قوله، ومقته الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣ - ٢].
والمكلَّف مأمورٌ بشيئين:
الأول: فعل الطاعة .. وترك المعصية.
الثاني: أمر الغير بفعل الطاعة، وترك المعصية، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]
ومن وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
والله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ وذلك لكمال ذاته واسمائه وصفاته وافعاله، وجلاله وجماله، وإنعامه وإحسانه، فالمؤمن يعبد ربه؛ لأنه يرى نِعمه الحاضرة والماضية، ويخاف من عقوبته في الحاضر والمستقبل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
стр. 5044
فيا أيها الإنسان إن لم تطع ربك لأجل سوالف نِعمه عليك في الماضي والحاضر، فأطعه خوفًا من عقابه في المستقبل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦].
فالنِّعم السالفة: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧].
والعقوبات التي يُخوف الله بها عباده في الدنيا والآخرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقال تعالى عن الأمم السابقة التي كفرت بالله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وإذا صح الافتقار إلى الله، صح الغنى بالله، وهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فكن مفتقرًا إلى الله في كل شيء، تكون غنيًا بالله في كل شيء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
стр. 5045
٧ - الخزانة السابعة:
• صفات الرب المعبود بحق:
الله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والنعوت الجميلة، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو الرب، هو الإله، الذي يجب أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفَر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وقد أمر الله الناس بعبادته وحده لا شريك له فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
فالله من رحمته بعباده أن بيَّن لنا أسماءه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظيم نِعمه وإحسانه، حتى نعبده إذا عرفناه بموجب هذه المعارف العظيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)