فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
فلا يمكن لأحد أن يُزكي نفسه، ويُطهرها من أدناس الكفر والمعاصي، إلا بتوفيق الله وحده، وهدايته للعمل الصالح، وقبوله منه، فمن العبد العمل والمجاهدة؛ لتكميل التوحيد والإيمان، والتقوى والأعمال الصالحة، ومن الله التوفيق والهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [فاطر: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
• فقه العبادة:
أصل العبادة الطاعة للمعبود، وكل عبادةٍ لها معنىً قطعًا، ولها ثمرةٌ ومصلحة، ولها ثوابٌ وأجر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 5042
ومعنى العبادة قد يفهمه الإنسان، وقد لا يفهمه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
فالحكمة في الصلاة التواضع والخشوع، وإظهار الافتقار لله .
والحكمة في الصوم كسر النفس، وقمع الشهوات.
والحكمة في الزكاة مواساة المحتاج، والتدريب على البذل والعطاء.
والحكمة في الحج إقبال العبد أشعث أغبر على مولاه من مسافةٍ بعيدة كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا، والخروج من زينة الدنيا وملذاتها، وتدريب النفس على المسالمة مع الغير ولو كان جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، وتذكيرٌ للإنسان بما هو عليه من النقص إذا رأى غيره أحسن منه، وأطوع وأعبد لله منه، والحج درسٌ عملي للمساواة بين الناس، ومعرضٌ عظيم يظهر فيه أثر التوحيد والطاعة والإيمان، والأخلاق العالية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
والمقصود من أمر الناس بأنواع البر والعبادات إما النصيحة أو الشفقة فهل يليق بالمؤمن الذي أنعم الله عليه بنعمة الهداية للإسلام أن ينصح غيره، ويشفق على غيره، ويهمل نفسه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
والمقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الناس إلى ما فيه مصلحة، وتحذيرهم مما فيه مفسدة، والإحسان إلى النفس مقدمٌ على الإحسان إلى الغير، فلا يليق بالعاقل أن يعظ ولا يتعظ، ومن وعظ ولم يتعظ، صار وعظه سببًا لرغبة الناس في المعاصي.
стр. 5043
ومن أثَّر وعظه في القلوب، ثم خالف ما وعظ به، نفرت القلوب من سماع قوله، ومقته الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣ - ٢].
والمكلَّف مأمورٌ بشيئين:
الأول: فعل الطاعة .. وترك المعصية.
الثاني: أمر الغير بفعل الطاعة، وترك المعصية، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]
ومن وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
والله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ وذلك لكمال ذاته واسمائه وصفاته وافعاله، وجلاله وجماله، وإنعامه وإحسانه، فالمؤمن يعبد ربه؛ لأنه يرى نِعمه الحاضرة والماضية، ويخاف من عقوبته في الحاضر والمستقبل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
стр. 5044
فيا أيها الإنسان إن لم تطع ربك لأجل سوالف نِعمه عليك في الماضي والحاضر، فأطعه خوفًا من عقابه في المستقبل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦].
فالنِّعم السالفة: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة: ٤٧].
والعقوبات التي يُخوف الله بها عباده في الدنيا والآخرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقال تعالى عن الأمم السابقة التي كفرت بالله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وإذا صح الافتقار إلى الله، صح الغنى بالله، وهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فكن مفتقرًا إلى الله في كل شيء، تكون غنيًا بالله في كل شيء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
стр. 5045
٧ - الخزانة السابعة:
• صفات الرب المعبود بحق:
الله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والنعوت الجميلة، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو الرب، هو الإله، الذي يجب أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفَر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وقد أمر الله الناس بعبادته وحده لا شريك له فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
فالله من رحمته بعباده أن بيَّن لنا أسماءه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظيم نِعمه وإحسانه، حتى نعبده إذا عرفناه بموجب هذه المعارف العظيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)
٨ - الخزانة الثامنة
• أصول العبادة:
أصول عبادة الله ثلاثة:
١ - حب الله.
٢ - الخوف منه.
٣ - الرجاء له.
وذلك لا يتم إلا بعد معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فيعبد المسلم ربه حبًا له، وخوفًا من عقابه، ورجاءً لرحمته وثوابه كالأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومن أجل توحيد العبادة أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والعبادة اسمٌ جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والعبادة بهذا الشمول تشمل.
الأول: العبادات القلبية، والإخلاص والتوحيد، والإيمان والمحبة، والتوكل والخوف، والرجاء والصبر ونحو ذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
стр. 5056
الثاني: العبادات القولية، النطق بكلمة التوحيد، وذِكر الله، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الثالث: العبادات البدنية كالصلاة والصوم والحج والجهاد ونحو ذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
الرابع: العبادات المالية كالزكاة والصدقة، والهدية والنذر وغير ذلك من أنواع العبادات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والله خلق الجن والإنس لعبادته، وجميع المخلوقات تعبد الله، وكل ما سوى الجن والإنس يعبد الله تسخيرًا، والجن والإنس يعبدون الله تخييرًا: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]. ومن يعبد الله ويأتي إليه اختيارًا أحب إليه ممن يعبده اضطرارًا وتسخيرًا.
فالإنسان مخلوقٌ مختار، له قدرة أن يؤمن وأن يكفر، وأن يُطيع ربه أو يُعصيه، فإذا أطاعه أحبه، وإذا كفر به أبغضه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
стр. 5057
وعبادة الله لذاته وجلاله وجماله، وأنه المستحق وحده للعبادة، أفضل من عبادته لعطائه كالنِّعم والجنة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فالله مقصود، والجنة موعود ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
أما الجنة فهي موعود: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
فمن عمل لله لجلاله وجماله فاز بلقاء الله والجنة، والذي يعمل للجنة سيأخذها، لكن من يعمل للذات أفضل ممن يعمل للجنة والعطاءات، فالذي يعمل للجنة سيأخذها، والذي يعمل لِما فوق الجنة سيأخذه مع الجنة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وكل شيءٍ بيد الله وحده خلقاً وأمراً وتدبيراً: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ولا قدرة للإنسان على أي عملٍ إلا بعون الله، فإذا قلت: بسم الله، في أي عمل، فمعناه أنك دخلت عليه بلا حولٍ منك ولا قوة، وإنما دخلت عليه؛ لأن الله سخره لك، فقدرت عليه، فأديته مستعينًا بالله الذي يملكه والذي سخره لك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]
стр. 5058
ولو لم يُسخره لك لَما قدرت عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١].
وإذا تَعوَّد الإنسان على قول: بسم الله في كل عمل.
استحى أن يقول: بسم الله في عملٍ يُغضب الله، فيكون هذا مانعًا له من معصية الله، محركًا لكل عملٍ يُحبه الله، كقراءة القرآن، والأكل، والنِّكاح ونحو ذلك.
والله عَلمنا أن نقول: بسم الله عند تلاوة القرآن، والرَّسول ﷺ عَلمنا أن نقول: بسم الله عند كل أمرٍ ذي بال كالأكل والجماع ورمي الجمار، حتى لا يكون عملنا أبتراً، مقطوع الصِّلة والأجر.
فمن سمَّى الله أخذ فائدة العمل تسخيرًا، وفائدته أجرًا.
وقد تكرر في سورة الفاتحة اسم الله الرحمن الرحيم تكررت هذه الأسماء في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ يقولها العبد حينما يبتدئ فعل الأشياء أي: بسم الله الذي سخر لي ما لا قدرة لي عليه، أفعله مستعينًا به: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣].
نقولها على ما فعل الله لنا، وسخره لنا من النِّعم، فالتسمية لطلب عونه سبحانه، والحمد لله شكرٌ له على فعله وإحسانه إلينا وإلى كل الخلق.
وكل الخلق عبيدٌ لله؛ لأنهم مقهورون بعزة الربوبية، خاضعون في خلقهم وحياتهم وأرزاقهم لربهم.
والله خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
والعبيد متحققةٌ في الجميع: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
стр. 5059
ولكن الله يريد أن يُحقق فينا كلمة عباد، وهي مراده الشرعي، فالخلق متساوون فيما يُقهرون عليه، لا يخرج أحدٌ منهم عنه، وهذه صفة العبيد: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
أما العباد فهو من تنازل عن حقه في الحركة، لمراد ربه في التكليف، فهم كل من جاء إلى ربه بالحب والطاعة وهو قادرٌ ألا يأتي: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فهؤلاء عباده، ومحل أمره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقد أمرنا الله عند قراءة القرآن أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩].
والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تُصفي النفس البشرية، وتُعيدها إلى الفطرة الإيمانية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فالاستعاذة تُصفي النفس البشرية، وتُعيدها للفطرة الإيمانية، حتى تُخلصها من وسوسة الشيطان، الذي يعوق قابلية النفس المطمئنة إلى ما في القرآن من مواعظ وهدى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)
стр. 5060
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم كنت في معية خالقك، وحينئذٍ لا يقدر عليك الشيطان، واستعاذة قارئ القرآن بالله من الشيطان الرجيم إعدادٌ للنفس، حتى تستقبل كلام الله بصفاءٍ لا يشوبه نزغٌ من الشيطان، وإذا انفرد الشيطان بالإنسان من دون معية خالقه أغواه وأضله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
• فقه حقيقة العبودية:
جميع الخلائق في العالم العلوي، وفي السفلي، وفي عالم الغيب، وفي عالم الشهادة، كلهم عبيدٌ لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
والناس عبيدٌ للربوبية، وعبادٌ للإلوهية، فنحن عبيد بالقهر، للرب الملك الجبار، بل كل مخلوقٌ عبدٌ مملوكٌ للرب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والله يريد منا العبادية، وهي ترك ما نحب لِما يُحب هو جلجلاله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
فالله سبحانه هو القوي القادر القاهر، أخضع الأجساد بقهر الربوبية، وترك للقلوب الاختيار للإيمان أو الكفر، أو الطاعات أو المعاصي، فمن آمن فهو عبد من العباد، ومن كفر فهو عبد من العبيد، وكلٌ سوف يُحاسب
стр. 5061
ويُجازى على اختياره: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
فالكافر عبدٌ من العبيد، والمؤمن عبدٌ من العباد الذين يُحبهم الله، والله خلقنا مُختارين؛ لنرتقي إلى هذه الدرجة، فنأتي إليه بالحب لا بالقهر؛ لأن الله يُريد القلوب لا القوالب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. أي: يوحدون.
والعبودية لواحدٍ عظيم تُنجيك من السجود لغيره والذِّلة له: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والمؤمن يقف بين يدي ربه ناظرًا إلى عزة الربوبية لله ﷻ ، وإلى ذِلة العبودية لنفسه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
والسجود لإلهٍ له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة يُحرز العبد من الخضوع والذِّلة لسواه من العبيد من الأصنام: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
стр. 5062
فتوكل على الحي الذي لا يموت، وإياه فاعبد تنال العزة، فالاتصال بالقوي قوة، والسجود للعزيز عِزة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
والمؤمن يخضع لربه ويُطيعه؛ ليأخذ منه، وينال رحمته، ويفوز بثوابه، لا ليستفيد منه ربه، ويزداد بطاعته عِزة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
والعبودية لغير الله تُورِث الذِّلة والمهانة والخسارة؛ لأن المستعبِد مستفيدٌ من العبد، والعبودية لغير الله تُعطي خير العبد لسيده، أما العبودية لله فتُعطي خير الله للعبد، وخير العبد لنفسه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
فسبحان من رحِم عباده وأعزهم بالعبودية له وحده، وحماهم من العبودية لغيره بالعبودية له وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 5063
والعبادة هي تنفيذ أوامر المعبود من طلب فعلٍ أو ترك، والله وحده هو المعبود بحق، والعبادة تكليفٌ لتضييق حركة الاختيار في الإنسان، بحيث يكون مُطاعه واحدًا وهو الرب، لتصلح أحوال الخلق في الدنيا والآخرة: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فالحمدُ لله المعبود الكريم، المنعِم المحبوب، الذي شرع الدِّين الذي يجمع الأمة على الحق: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
والعادة أن المكلِّف بالأوامر مبغوض، والمنعِم بالخير محبوب، ولكن الله محبوبٌ لذاته، وجميل أسمائه وصفاته وأفعاله، وجزيل إحسانه وإنعامه، وحسن تكليفه، ورحمة أوامره، فهو المحمود على كل ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
ولو لم يُكلفنا الله بإفعل ولا تفعل، لكانت الحياة شقاءً وفسادًا، وكان كلٌ يعمل على شاكلته وقدرته وهواه، فيحصل التصادم بين البشر: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
٩ - الخزانة التاسعة
• فقه العبودية
العبودية شجرة، والعبادة ثمرة، العبودية أصل، والعبادة فرع، العبودية مطلقة غير محددة، والعبادة محددة كالصلاة والصوم والحج ونحوها، والله يريد منا كمال العبودية في كل حال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
الله ﷻ أمرنا أن نعبده وحده لا شريك له؛ لأنه الرب المستحق للعبادة، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة والمثل الأعلى.
والعبادة طاعة الله فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، مع كمال الحب له، وكمال التعظيم له، وكمال الذُّل له.
وعبادتنا لله حقًا لا تفضلًا عليه، وبعبادتنا له نتقي كل شر، ونحصل على كل خيرٍ وفلاحٍ في الدنيا والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 5066
والبيوت التي يُعبد فيها الله ثلاثة:
الأول: العرش العظيم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
الثاني: البيت المعمور فوق السماء السابعة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ [الطور: ٤ - ٥].
«ويطوف به كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِر مَا عَلَيْهِمْ». متفقٌ عليه (١).
الثالث: الكعبة في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
والكعبة أول بيت وضع للناس في الأرض: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
ومعابد المسلمين في الأرض أربعة:
الأول: الصوامع، وهي مكان عبادة خواص النصارى، وهذه الصوامع بعيدةٌ عن الناس تُسمى الدير.
الثاني: البيَع، وهي مكان عبادة عامة النصارى، وهي الكنائس.
الثالث: الصلوات، وهي أماكن عبادة اليهود.
الرابع: المساجد، وهي مكان عبادة المسلمين.
стр. 5067
وهذه الأماكن لو هُدِّمت لزالت علاقة المخلوق بخالقه، ثم فسدت الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
فإذا هُدِّمت هذه الأماكن التي هي بيوت الله، فسدت الأرض؛ لأنها تتلقى فيها فيوضات الحق على خلقه، والناس منهم من يريد الخير، ومنهم من يريد الشر، فمن يريد الشر يُدفَع بمن يريد الخير، ثم ينصر الله أهل الخير على أهل الشر فورًا.
ودين الله واحدٌ لجميع البشرية كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
والعبادة اسمٌ جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وأساس هذه الأعمال أركان الإسلام الخمسة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، ثم الإسلام مبنىً قائمٌ على هذه الأركان العظيمة، وهذه الأركان محدودة، فالصلوات الخمس ساعة من كل يوم، والزكاة يومٌ في السنة، والصوم شهرٌ في السنة، والحج رحلةٌ واحدة في عمر الإنسان مدتها ستة أيام، وتلك لا تأخذ من حياة الإنسان إلا القليل، فهذه أركان الإسلام التي يقوم عليها بيت الإسلام الذي يشمل صبغ الحياة كلها، والعمر كله،
стр. 5068
بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، في كل حال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
• أفعال النبي ﷺ :
أفعال النَّبي ﷺ ثلاثة أقسام:
الأول: فعل عادة:
كألوان لباسه وردائه، وقميصه، وإطلاق أزراره، ومشيته ونحو ذلك، فلا يُقال: بأن لُبس الرداء والإزار سُنَّة؛ لأن النَّبي ﷺ لبس ذلك كسائر أهل عصره من قريش وغيرهم، فهذه عادة، وليست عبادة، ومن فعلها حبًا للنبي ﷺ ، فإنه يُؤجَر لحبه لا يُؤجَر لفعله.
الثاني: فعل جِبلة:
كنومه ويقظته، وأكله وشربه، وقيامه وقعوده ونحو ذلك مما يفعله الناس من كفارٍ ومسلمين، فلا يُقال: إن الأكل سُنَّة، ولا إن النوم سُنَّة، ولا إن القيام سُنَّة.
الثالث: فعل عبادة وتشريعٍ وسُنَّة:
كوضوئه وصلاته، وصيامه وحجه، وأدعيته وأذكاره، وعباداته ومعاملاته ﷺ ، وهذا هو الأصل في سائر أقواله وأفعاله، فسائر أفعال النبي ﷺ من هذا الباب؛ لأن النَّبي ﷺ مُبلغٌ لرسالة ربه، وأسوةٌ لغيره، وهذا مجال
стр. 5069
الاقتداء به ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]
• فقه العبادة:
العبادة مع كمال الحب والتعظيم والذُّل لا تليق إلا بواحد هو الله ، لِما له من الأسماء الحسنى، والصفات العُلى والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والعبادة هي الفعل الذي يأتي به العابد بغرض تعظيم المعبود، فالعبادة عبارة عن غاية التعظيم، وهي لا تليق إلا بالعظيم الذي صدر عنه كل عظيم، وصدر عنه غاية الإنعام والإحسان: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وأعظم وجوه الإنعام هو الحياة التي يتمكن الإنسان بها من الانتفاع، وخلق المنتفع به، وهو جميع النِّعم، وخالق ذلك هو الله وحده لا شريك له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
فالحياة كما قال سبحانه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
стр. 5070
وخلق المنتفع به هو سائر النِّعم التي خلقها الله لبني آدم، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله : ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
فخالق الحياة هو الله، وخالق الموت هو الله، وخالق ما ينفع الإنسان هو الله، فوجب ألا تحسُن العبادة إلا لله الذي له الخلق كله، وله الملك كله، وله الأمر كله، وإليه يُرجَع الأمر كله، فلهذا قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
وقد سمى الله نفسه في سورة الفاتحة بخمسة أسماء هي أصول الأسماء الحسنى:
الله، والرب، والرحمن، والرحيم، ومالك يوم الدِّين.
وللعبد أحوالٌ ثلاثة:
الماضي .. والحاضر .. والمستقبل.
أما الماضي، فقد كان الإنسان معدومًا فأوجده الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وقال الله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان: ١].
стр. 5071
وكان الإنسان ميتًا فأحياه الله، كما قال سبحانه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨].
وكان الإنسان جاهلًا فعلَّمه الله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فالرب الذي نقله من العدم إلى الوجود، ومن الموت إلى الحياة، ومن الجهل إلى العلم، هو الإله الحق، فيجب عليه أن يشكره بحسن عبادته وحده لا شريك له، وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
وأما في حال العبد الحاضرة، فحاجته لربه أشد؛ لأنه لَمَّا وُجِد انفتحت أبواب الحاجات عليه، فلما كثرت حاجاته بشَّره ربه بعد أن خلقه أن له ربًا رحماناً رحيمًا بقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣]
فسبحان الإله الحق الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، الرب الرحمن الرحيم الذي تكفَّل بحاجات العبد بعد الوجود: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 5072
فسبحان الرزاق الذي تكفل بأرزاق الخلق، وتوصيلها إليهم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
وأما حال العبد في المستقبل، فهي ما بعد الموت، فالله وحده هو مالك يوم الدِّين، الذي يفصل بين الخلق يوم القيامة، وهناك العدل والرحمة، والمغفرة والإحسان: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦].
فظهر أن جميع مصالح العبد في الماضي والحاضر والمستقبل، لا تتم إلا بفضل الله وإحسانه، فوجب على الإنسان أن يعبد الله وحده، ولا يعبد أحدًا غيره: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقد ثبت بالدليل القاطع أن الله وحده حيٌ قادرٌ عليمٌ، رحمنٌ رحيم، كريمٌ حليم، له جميع الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
стр. 5073
لهذا وجبت عبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وأما غيره فمخلوقٌ له، وعبدٌ له، وليس بيده شيءٍ من الخلق والأمر: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
ولهذا أرسل الله الرسل لأمر الناس بعبادة الله وحده، وكل نبيٍ قال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وقال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
стр. 5074
١٠ - الخزانة العاشرة
• فقه العبادة:
من عرف ربه بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، وأفعاله الحميدة، وعرف نفسه بالذِّلة والفقر، والعجز والاحتياج، عَبَد ربه وحده لا شريك له مع كمال الحب له، وكمال الذُّل له: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
والعبودية للمخلوق ذلةٌ ومهانة، وخسارةٌ وندامة: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
أما العبودية لله الخالق الملك القادر، العلي العظيم، الغني الكريم، فهي شرفٌ وعِزة، ورحمةٌ وطمأنينة، ونعيمٌ وسرور وفلاح ونجاة: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وكل ما سوى الله محتاجٌ إلى الله في خلقه وبقائه، وفي طعامه وشرابه، وفي هدايته ونجاته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
стр. 5075
والله وحده هو الغني عن كل ما سواه، والمحتاج فقيرٌ مشغولٌ بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير، فالذي يستحق العبادة وحده، هو الغني الذي يملك قضاء جميع الحاجات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فكل مخلوق موسوم بأربع صفات، ضعيف، فقير، عاجز، محتاج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والذي يستحق العبادة وحده هو القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، الخالق لكل شيء، المالك لكل شيء، الأعلى فوق كل شيء، المحيط بكل شيء وليس ذلك إلا الله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
فهو سبحانه الملك القوي القادر، الذي يُمسك السماء أن تقع على الأرض، ويمسك السموات والأرض أن تزولا، ويُمسك السماء بلا علاقة من فوقها، ويُمسك الأرض بلا دعامة من تحتها، وهو الذي سيَّر الشمس والقمر والنجوم، وملأ الفضاء بالنور والظلام، والسحب والهواء، وأخرج من السحاب تارةً النار وهو البرق، وتارةً الماء وهو المطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣].
стр. 5076
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢].
وفي الأرض أخرج الماء من الحجر، وأخرج الحجر من الماء وهو الثلج، وجعل في الأرض أجسامًا مقيمة لا تُسافر، وهي الجبال والأشجار، وأجسامًا مسافرةٌ لا تُقيم، وهي الأنهار والإنسان والحيوان: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣].
وخسف سبحانه بقارون، فجعل الأرض فوقه، ورفع محمدًا ﷺ ، فجعل السموات تحته، حين عُرِج به إلى السماء.
وجعل سبحانه الماء نارًا على قوم فرعون الذين أُغرِقوا فأُدخِلوا نارًا.
وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ : ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وهو سبحانه الذي أغرق الدنيا من التنور اليابسة في عهد نوح ﷺ ، وجعل البحر يبسًا لموسى وقومه، وربى أولياءه في قصور أعدائه كما ربى موسى ﷺ في قصر فرعون، وأنجى بأسباب الهلاك كما أنجى الله إبراهيم ﷺ من النار: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤].
وكما أنجى موسى وقومه من الغرق، وأهلك بأسباب النجاة كما دمر فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون مع قوة الملك والجنود، وكثرة الأموال.
стр. 5077
وأعز بأسباب الذِّلة كما أعز أنبياءه وجعل العاقبة لهم، وأذل بأسباب العزة كما أذل كل كافرٍ وطاغوت في كل زمان ومكان.
فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، فمن كانت قدرته وعظمته وقوته هكذا كيف يُسوى في العبادة بينه وبين غيره من مخلوقاته وعبيده، من الجماد أو النبات أو الحيوان أو الإنسان؟!، فما أشنع هذا، فإن التسوية بين الكامل والناقص، والنفيس والخسيس، والخالق والمخلوق، من أعظم الجهل والسفه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله : ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
فما أسفه وأجهل من عبد غير الله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والعابد حقًا مَنْ نظره في وقت النِّعمة إلى المُنعِم ﷻ لا إلى النِّعمة، ونظره وقت الابتلاء إلى جمال المُبتلي لا إلى البلاء، فهذا أسعد الناس في الدنيا والآخرة؛ لأنه عرف ربه بجمال الإحسان والإنعام، وكمال الرحمة والعفو فلم يلتفت إلى غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 5078
أما من كان نظره وقت النِّعمة إلى النِّعمة لا إلى المُنعِم، ووقت البلاء إلى البلاء لا إلى المبتلي، فهذا مستغرقٌ في كل الأحوال في حظوظ نفسه، مشغول بغير ربه، فهو في الشقاوة أبدًا: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]
فهذا وقت وجود النِّعمة خائفٌ من زوالها، فكان في العذاب، وفي وقت فوات النِّعمة مبتلىً بالحزن عليها، فكان في السلاسل والأغلال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧].
• ثمرات العبادة:
الأولى: من عرف الرب المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف عظمة ملكه وسلطانه، وعرف عظمة نعمه وإحسانه، وعرف دينه وشرعه، وعرف ثوابه وعقابه، طاب له الاشتغال بعبادته، وثقل عليه الاشتغال بغيرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
الثالثة: أن القيام بالعبادة انتقالٌ بالإنسان من عالم الغرور إلى عالم السرور، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن الاشتغال بالخلق إلى مناجاة الحق، ومن الاشتغال بالنِّعم إلى الاشتغال بما يُحبه الله ويرضاه، وذلك يُوجب كمال اللذة والبهجة والسرور: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
• درجات العبادة:
أما درجات العبادة فهي ثلاث:
الدرجة الأولى: أن يعبد المسلم ربه طمعًا في ثوابه، أو خوفًا من عقابه، وهذه الدرجة أدنى الدرجات؛ لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك الثواب، وقد جعل الحق سبحانه وسيلةً إلى نيل المطلوب، ومن جعل المخلوق مطلوبًا وجعل الحق سبحانه وسيلةً إليه، فهو خسيسٌ جدًّا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
الدرجة الثانية: أن يعبد العبد ربه؛ لأجل أن يتشرف بعبادته، أو يتشرف بالانتساب إليه، وهذه الدرجة أعلى من الأولى، لكنها ليست كاملة؛ لأن المقصود بالذات غير الله وهو الشرف: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]