٧ - الخزانة السابعة
• فقه التعبد لله بأسمائه الحسنى:
إن معرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، أجل المعارف على الإطلاق، وأفضل العطايا من الله لعبده، لأنها روح التوحيد، ولب الإيمان، وزبدة اليقين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن فتح الله له هذا الباب، انفتحت له أبواب الدين كلها:
أبواب التوحيد الخالص، وأبواب الإيمان الكامل، وأبواب الإحسان والتقوى، وأبواب العمل الصالح، وأبواب الخلق الحسن، وأبواب الأجر العظيم: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وأحسن السبل إلى هذه المعرفة، والتعبد لله بها، النظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، وذلك أعظم مفتاح لمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، واستحضار معانيها، وتحصيلها في القلوب، حتى تتأثر القلوب بآثارها، وتتصف بصفاتها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وإذا امتلأ القلب بهذه المعارف، جاء فيه حب الله، وتعظيمه، والذل له، وحسن عبادته، ثم انقادت الجوارح معه في فعل كل طاعة لله ، وترك كل معصية لله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
стр. 5147
عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فتعرف إلى ربك العظيم بالنظر في آياته ومخلوقاته، تعرف ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويزيد إيمانك، وتحسن عبادتك، وتعظم أجورك: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
فمعرفة أسماء العظمة والمجد والكبرياء، والجبروت والجلال، تملأ القلب تعظيمًا لله، وإجلالًا له، وتكبيرًا له، وتعلقًا به، وهذا هو مقصود العبادة بأنواعها المختلفة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ومعرفة أسماء الجمال والبر، والجود والإحسان، واللطف والرحمة، تملأ القلب حبًا لله، وشوقًا له، وحبًا له، وثناءً عليه، وحمدًا له، وحياءً منه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
ومعرفة أسماء العزة والقهر، والقوة والقدرة والحكمة، تملأ القلب خضوعًا لله، وخشوعًا له، وخوفًا منه، وانكسارًا بين يديه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومعرفة أسماء الغنى والكرم والإحسان، تملأ القلب افتقارًا إلى الله، واضطرارًا إليه، والتوكل عليه، والاستعانة به، وعدم الالتفات إلى غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
стр. 5148
ومعرفة أسماء العلم والخبرة، والمراقبة والإحاطة، تملأ القلب مراقبة لله في كل حال، وإحسان العبادة لله، وحراسة الخواطر من الأفكار الرديئة، والإرادات الفاسدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وجميع هذه المعارف تزيد الإيمان في القلب، وتثمر للعبد كمال التعظيم لله، والذل له، والحب له، والحياء منه، وتعلق القلب به، والشوق إليه، والرجاء له، والخوف منه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والأنس به، والفرار من الخلق إليه وتوحيده، وإخلاص العمل له، وحسن عبادته ودخول جنته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكلما قويت هذه المعرفة، استنار القلب بنور العلم والإيمان، ورأى بهذا النور عظمة ربه وجلاله، وإنعامه وإحسانه، ولطفه وبره ورحمته، فعظم إقباله على ربه، واستسلامه لشرعه، ولزومه لأمره، وبعده عن نهيه، وتجديده لتوحيده، وأنسه بمناجاته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
والله يحب أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ويحب ظهور آثارها في خلقه، فهو واحد يحب التوحيد وأهله، عليم يحب العلم وأهله، جميل يحب الجمال وأهله، مؤمن يحب المؤمنين، شكور يحب الشاكرين، كريم يحب أهل الكرم، بر يحب أهل البر، عفو يحب أهل العفو، رحيم
стр. 5149
يحب أهل الرحمة، تواب يحب التوابين: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والله يريد منا تحصيل الصفات التي يحبها.
ومن رحمته أرسل الرسل لدعوة الخلق لتحصيل هذه الصفات التي هي مراد الله من خلقه وتوحيده وعبادته بموجب ذلك.
وهو سبحانه الكريم الذي يهب لعباده هذه الصفات، ويجازيهم بالثواب العظيم بحسب ما فيهم من هذه الصفات التي يحبها، ويرغبهم بالتعبد لله بها بقوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والله حكيم عليم لا يفعل ولا يأمر من الأحكام إلا ما هو مقتضى أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فأفعاله سبحانه كلها دائرة بين العدل والإحسان، والحكمة والرحمة، وأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه كلها عدل وحكمة، ورحمة وإحسان.
هو الحكيم الذي يأمر بكل خير، وينهى عن كل شر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وهذه المعارف الإلهية العظيمة تزيد العبد قوة في الإيمان، وزيادة في اليقين، وحمدًا وحباً للرب وصدقًا في التوكل على الله، ورغبةً في عبادته وطاعته:
стр. 5150
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
والله يحب أسماءه وصفاته، ولهذا أظهر آثارها في جميع مخلوقاته في السماوات والأرض، وفي الدنيا والآخرة، ويحب كذلك ظهور آثارها فيمن اصطفاهم من خلقه وهو آدم ﷺ وذريته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقد خلق الله آدم ﷺ على صورته أسماء وصفات، موصوفًا بأسماء العبودية من ذل وخضوع، وضعف وعجز، وفقر ومسكنة، وموصوفاً بصفات الربوبية من كبر وجبروت، وعزة وقوة، ومشيئة وإرادة.
فمن علم الله أنه يصلح للهداية والجنة تولاه، فكفاه شر نفسه، وهداه لاستعمال أسماء الربوبية، وصفات الألوهية، وفق ما يحبه الله ويرضاه، مع ربه، ومع أوليائه وأعدائه، فيسلخ عن عبده المؤمن أسماء وصفات الربوبية مع ربه، ويوجهها منه إلى أعدائه، ثم يوجهه بصفات الألوهية والعبودية إليه، ويستعمله بها بين يديه، من الحب، والتعظيم، والذل لله، والخوف، والرجاء، والتوكل وغير ذلك من سمات العبودية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)
стр. 5151
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا». متفق عليه (١).
فسبحان الملك الحق الرحيم بعباده، الذي تعرف إلى خلقه بجميع أنواع التعريفات، ودلهم عليه بأنواع الدلالات، وفتح لهم إليه جميع الطرقات: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
ثم عرفهم بالصراط المستقيم الذي يسيرون عليه، وأمرهم بسلوكه إليه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢].
فالرب واحد، ودينه واحد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ولله الحمد كثيرًا على أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، ونعمه الظاهرة والباطنة، ودينه الحق: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 5152
وله الحمد كثيرًا أن نهج لنا سبيل معرفته بما كشف لنا عن حقيقة عجزنا عن بلوغ كنهه، فأكمل الخلق معرفةً به أعلمهم بأنه لا نهاية لمعرفته، ولا إحاطة لأحد بأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا إدراك لاحد لكنه صمديته: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
• فقه التعبد لله باسمه الرب:
من علم أن ربه يراقبه، ويحاسبه على أفعاله، ويعاقبه سريعًا على كل قول أو فعل لا يرضيه، فليعلم أنه في عز العناية الإلهية، وأن فيه خيرًا كثيرًا، وأن الله يؤهله لرحمته، ويربيه ليرقيه، ويكفر عنه سيئاته: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
ومن ارتكب المعاصي والكبائر، ولم يحاسبه ربه، ولم يعاقبه، فليعلم أنه خارج العناية الإلهية، لأن الله علم فيه انحرافًا شديدًا، وإصرارًا على معصية الله، واستكبارًا عن طاعة ربه، فوكله إلى نفسه، ونسيه كما نسيه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
فسبحان الرب الرؤوف الرحيم الذي يسوق الشدائد والمصائب لمن عصاه، ليحمله على التوبة من أجل أن يتوب إليه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة: ٢١].
فمن علم الله فيه خيرًا جعله ضمن العناية الإلهية، فرباه وأكرمه وأدبه بما يكون سببًا لرحمته بالنعم الظاهرة والباطنة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
стр. 5153
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
ومن علم الله أنه لا يصلح لدار كرامته، متعه في الدنيا بشهوات نفسه، فإن لم يشكر عاقبه، فإن أصر أهلكه: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٣ - ٤٥].
والإنسان كالمريض، إن كان فيه أمل الشفاء، حماه الطبيب مما يضره، وأعطاه ما ينفعه، وإن كان لا أمل في شفائه قال له: كل واشرب ما شئت، لأنه لا أمل في شفافة: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فتعلم ذلك كله، وتعبد بذلك لربك التعبد كله، وأفرده بما هو أهله، والزم قدرك، واعرف نفسك، فهو الرب وأنت العبد، وهو الخالق وأنت المخلوق، وهو الغني وأنت الفقير، وهو القوي وأنت الضعيف: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
أفرد ربك العظيم بما تفرد به من الكمال، وما اختص به من التعالي والكبرياء، وما توحد به من العظمة والملكوت والجلال والجبروت: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ
стр. 5154
الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
والزم نفسك شعيرة العبودية لربك العظيم، وذل الافتقار إليه في جميع الأوقات، ووالي ربك بالتوحيد والإيمان، وحسن العبادة، وأكثر من ذكره وحمده وشكره، واستغفره من كل تقصير، فذلك شرفك، وسبيل فلاحك ونجاتك في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥١].
واعلم أن معرفة العبد بربه، وشهوده انفراده بالربوبية، من الخلق والأمر، والملك والرزق، والتدبير والتصريف، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لا يكون، وأن مقاليد الأمور كلها بيده، كل ذلك يوجب تعلق القلب بالرب وحده، والتوجه إليه، والاستعانة به، وتفويض الأمور كلها إليه، وعدم الالتفات إلى ما سواه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
قف بين يدي ربك العظيم عابدًا حامدًا، خاشعًا ذاكرًا، فقيراً عاجزاً، ضعيفاً جاهلاً، وكن مع خلقه داعيًا ومعلمًا، ومحسنًا ومربيًا، تكن بذلك من المفلحين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 5155
رب نفسك على ما يحبه الله وافعله، وابغض ما يكرهه الله واجتنبه، وخذ بها إلى سبل الرشاد، ورب سواك بالنصح والتوجيه، وحسن التربية والتعليم، تصلح وتُصلح، وتربح وتؤجر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
والله يحب أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ويحب ظهورها في خلقه على شاكلة العبودية، ولهذا أخبرنا الله بها، ودعانا للاتصاف بها، وعبادته بموجبها، والثناء عليه بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فهو سبحانه الرب الكريم الذي يحب الكرم وأهل الكرم، الشكور الذي يحب الشكر وأهل الشكر، التواب الذي يحب التوبة، وأهل التوبة، العفو الذي يحب العفو وأهل العفو، فكن أنت كذلك، وتجمل بذلك: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
مقصود خلق الإنسان في هذه الحياة، تحصيل الصفات التي يحبها الله، والاتصاف بها، وعبادة الله بموجبها، ودعاء الله بها، ودعوة الناس إليها، كما قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وكن ربانيًا متصفًا بالصفات الحسنى التي يحبها الله، يحبك الله، ويحبك الخلق من الإسلام والإيمان والإحسان، والكرم والعفو، واللطف والرفق، والحلم والرحمة، والحمد والشكر وغير ذلك من الأسماء الحسنى،
стр. 5156
والصفات العلى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فإذا وكلك الله بأسرة، فكن لها مدبرًا رحيمًا حكيمًا، وإذا وكلك الله بطلاب علم، فكن لهم مدبرًا لطيفًا، ومربيًا رحيمًا.
وإذا كنت حاكمًا، فيجب عليك أن تدبر أمر رعيتك بما أمرك الله ورسوله به، وإن كنت عالمًا، فيجب عليك أن تدبر أمر عباده بالشرع: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه (١).
فالله وحده رب العالمين الذي علمك الأمور كلها، وأنت خليفة في الأرض، وكلك الله بتدبير أمور الناس حسب الشرع، والله شهيد عليك إن أحسنت أو أسأت: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
стр. 5157
٨ - الخزانة الثامنة
• التعبد لله باسمه الله، والإله:
اعلم وفقك الله لطاعته، أن المنعم بجميع النعم، هو الله وحده لا شريك له، ودافع جميع النقم هو الله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وتذكر أيها العبد أنك كنت معدومًا فأوجدك الله، وكنت جائعًا فأطعمك الله، وكنت فقيرًا فأغناك الله، وكنت صغيرًا فكبرك الله، وكنت عريانًا فكساك الله، وكنت ضالًا فهداك الله، وكنت جاهلًا فعلمك الله، فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقال الله في الحديث القدسي: «يا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ». أخرجه مسلم (١).
والله سبحانه خلقك في أحسن تقويم، وأنعم عليك بنعم لا تعد ولا تحصى، وأكرمك بالدين الكامل، لتناول الثواب الكامل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 5158
فأعطاك الله السمع الذي تسمع به الأصوات، وتميز به بين الحسن والقبيح من الكلام، وتسمع به ما يحبه الله ورسوله، من القرآن والذكر والعلم، وغير ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وأعطاك البصر الذي تبصر به المخلوقات والآيات الدالة على عظمة الله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وأعطاك العقل الذي تميز به بين الخير والشر، وتعرف به الحق من الباطل؛ وتعرف به الخالق من المخلوق، لتعبد من يستحق العبادة بما شرعه من الحق: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
وأعطاك اللسان الذي يترجم عما في القلب، لتستعمله في ذكره، وشكره، وحمده، والدعوة إليه، وتعليم شرعه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وأعطاك الجوارح لتطيع بها ربك، وتشكر الذي خلقك ورزقك، وعلمك وهداك، وتخدم نفسك: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
стр. 5159
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وتذكر رحمك الله أن الله هو الإله الحق، الذي خلقك من قبضة اليمين، وأقطعك في الغيب وسام المسلمين والمؤمنين، والصالحين والمحسنين، وشرح صدرك لعبادته دون غيره: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
فقل الحمد لله الذي عصمك عن عبادة العبيد، واعتق قلبك عن الذل لرق العبيد، ووجه وجهك إلى الله العلي الكبير: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
واضرع إلى الإله الحق الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القِدم، وأحاطك بأجزال المنة في دنياك، واسأله أن يتم عليك النعمة في أخراك وقل: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].
واعلم أن من كمال حب الله دوام ذكره في القلب، بالفرح به، والشوق إليه، والأنس بمناجاته، والسكون إليه: ﴿﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وعلامة الأنس بالله إيثار الخلوة به، وبث الشكوى إليه، وحسن الثناء عليه، والانكسار بين يديه، وشدة الحياء منه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
стр. 5160
فاجعل أيها الحبيب رأس مالك اليقين، وزادك الفقر، وقوتك التفكر، ولباسك التقوى، ومطيتك الصدق، ومصباحك الإحسان، ودولتك حسن الخلق: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
واعلم أنه ليس الشأن أن تحب الله فقط، بل الشأن كل الشأن أن تحب الله، ويحبك الله، ثم ينشر الله محبتك بين أهل السماء والأرض، ولا يحبك الله إلا إذا آمنت به، واتبعت رسوله ﷺ فيما جاء به: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
واعلم أن لا إله إلا الله أول علم يحتاجه الإنسان: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وبكلمة لا إله إلا الله امسك الله السماوات والأرض أن تزولا، وامسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وحصل بها للعباد الإسلام والإيمان، وبها عمرت الدنيا والآخرة.
ومن أجلها خلق الله الخلق، وخلق الجنة والنار، ومن أجلها أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وشرعت الأحكام، وهي الموجبة للجنة، وضدها موجب للنار، فأكثر من قولها فلا شيء يوازيها، كلما مرت بسيئة محتها، وكلما
стр. 5161
مرت بشبهة أحرقتها، وكلما مرت بنار أطفأتها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وإذا ابتليت بالخروج عنها، أو عن معنى من معانيها، فقد ظلمت نفسك، فبادر بالتوبة والرجوع إليه ﷻ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
واعلم أنه بلا إله إلا الله تفتح للعبد أبواب الطاعة، المفضية به إلى جنة الآخرة، وتطلق له جوارحه التي يستعملها لطلب مرضاة ربه، وتغلق عنه أبواب النار التي جوارحه هي الشوارع إليها، فلا قول أنفع من قائلها، ولا عمل أزكى من عمل أهلها، ولا ثواب أكثر من ثوابها، وبها تستفتح أبواب الجنة: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق: ١١].
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». أخرجه مسلم (١).
• فقه التعبد لله باسمه السميع:
الله أعطانا العقل لنعقل به أعظم شيء، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعلم بدينه وشرعه، والعلم بثوابه وعقابه ثم العمل بموجب
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
خامسًا: أسمع الدروس العلمية التي تبين أحكام الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ ، لأرفع الجهل عن نفسي، وعن غيري، وأعبد الله على بصيرة، وتحسن أعمالي، وتقبل عبادتي: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
ويقول النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (١).
ويقول ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». متفق عليه (٢).
• وأما من أسمع فهم ثلاثة:
الله .. والنفس .. والناس.
فأحسن ما يسمع مني ربي تلاوة كتابه العظيم، والذكر، والدعاء، والحمد، والثناء، والتسبيح، والاستغفار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
стр. 5167
وأُسمع نفسي كتاب ربي، لتصدق أخباره، وتمتثل أوامره، وتصدق بوعده ووعيده: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وأما ماذا أُسمع الخلق من الإنس والجن؟
فالواجب علي أن أسمعهم ما يحبه الله ويرضاه، وهو دينه الحق، وكتابه العظيم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والخلق أقسام:
الكافر أو المشرك أدعوه إلى الله، وأسمعه كلام الله، وأسمعه عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعن آياته، وعن آلائه وإحسانه، ما يجعله يعرف الله، ويعظم الله، ويحب الله، ويوحد الله، ويؤمن بالله ويطيع الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
ثانيًا: المؤمن إذا كان ضعيف الإيمان أذكره بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه، ليقوى الإيمان في قلبه ويزيد، وأذكره بنعم الله وإحسانه، ليزيد حبه لله، وأذكره بوعد الله، ليرغب في الطاعات، وأذكره بوعيده، ليجتنب المعاصي: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥].
стр. 5168
وإن كان جاهلًا أعلمه، ليعرف ربه ودينه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وإن كان صالحًا أذكره ليكون مصلحًا وداعيًا ومعلماً ومحسنًا: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وإن كان عالمًا تفرغ للعلم والعبادة، أذكره بنشر ما علمه الله بين عباده: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا لِمَنْ؟ قال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم. (١).
أما ممن أسمع؟
فأسمع من الله، ورسوله، والعلماء الربانيين، سمعًا يتبعه طاعة وإنابة: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
стр. 5169
٩ - الخزانة التاسعة
• فقه التعبد لله باسمه البصير:
الله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤].
فالله هو البصير الذي يبصر جميع المخلوقات في العالم العلوي، والعالم السفلي، يبصر الكبير والصغير، ويبصر الظاهر والباطن، ويبصر في النور والظلام، ويبصر كل ما في الدنيا، وكل ما في الآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٥ - ٦].
هو البصير الذي يبصر كل ذرة في العالم العلوي، والعالم السفلي، ويرى كل ذرة في عالم الجماد والنبات، والحيوان والإنسان، وعالم الجن والملائكة: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ [الملك: ١٩].
هو البصير الذي ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو سبحانه البصير الذي عنده خزائن الأبصار، البصير الذي خلق البصر في كل بصير، البصير الذي يملك السمع والأبصار، البصير الذي وهب البصر لمن شاء، ومنعه من شاء، وسلبه ممن شاء: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ
стр. 5170
أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
هو سبحانه البصير الذي أحاط بصره بجميع مخلوقاته في آن واحد، فجميع مخلوقاته تحت بصره ورقابته كأنها شيء واحد: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فسبحان القادر على كل شيء، البصير بكل شيء: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٨].
هو سبحانه البصير الذي يبصر كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، العليم بكل شيء، المحيط بكل شيء من الذوات، والأقوال والأعمال، والنيات والأسرار، والحركات والسكنات، والطاعات والمعاصي: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
هو ﷻ البصير الذي يبصر العابد إذا سجد له، ويبصر القارئ إذا تلا كتابه، ويبصر الذاكر إذا ذكره، ويبصر الداعي إذا دعاه، ويبصر العالم الذي يعلم شرعه، ويبصر المجاهد الذي يجاهد في سبيله، ويبصر الداعي الذي يدعو إليه، ويبصر الشاكي إذا اشتكى إليه، ويفرح بكل ذلك: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧].
стр. 5171
وهو سبحانه البصير الذي يبصر العاصي حين يعصيه، فيمهله لكمال رحمته، لعله يتوب إليه، ويبصر من يؤذي أولياءه، ويبصر من يسب دينه ورسله وكتبه وذاته، ويبصر كل من يسكن في ملكه، ويأكل من رزقه، ويعصيه بنعمه، ويمهله لعله يتوب إليه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
حليمًا على من عصاه، غفورًا لمن استغفره، وتاب إليه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
هو سبحانه البصير الذي يبصر جميع أعمال الكفار والفجار والفساق، ويمهلهم لعلهم يتوبون إليه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
فسبحان الرحمن الرحيم، العليم بكل شيء، البصير بكل شيء، السميع لكل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
стр. 5172
لهذا يجب على المسلم أن ينظر في الآيات الكونية، ليزيد إيمانه، ويصفو توحيده، وتحسن عبادته: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وأن ينظر في الآيات القرآنية بتدبر، ليزيد إيمانه، فيصدق الأخبار، ويمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويدعو الناس إلى ذلك: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
ويجب على المسلم أن يحفظ بصره عن رؤية ما حرم الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١].
ويحفظ عينه عن التحسس والتجسس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
وعلى المسلم أن يحفظ بصره عن جميع المحرمات: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 5173
فقه التعبد باسم الله الكريم والأكرم
الله هو الكريم الذي لا أكرم منه، الكريم الواسع الذي عم بعطائه وإحسانه جميع خلقه، المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والبر والفاجر: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
وهو سبحانه الكريم الكثير، الخير دائم الفضل والإحسان، في الدنيا والآخرة، الكريم الذي يسهل خيره، ويقرب تناول ما عنده، القريب لمن دعاه، المجيب لمن سأله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فهو سبحانه الكريم الذي يضاعف الحسنات، ويغفر السيئات، ويدفع البليات، ويرفع الدرجات، ويعطي الجزيلات، عزيز كريم ينفس كل كرب، ويزيل كل هم، ويشفي كل مريض، ويجيب كل سائل، ويهلك كل عدو، ويرحم كل مخلوق ويجود بكل خير، ويدفع كل شر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فالله سبحانه هو الكريم الذي اصطفى رسله من عباده، وأكرم رسوله محمداً ﷺ بالوحي والنبوة، وعظيم الصفات، وعلو النسب، والمقام المحمود، فهو ﷺ أكرم الرسل، وأتقاهم، وسيدهم، وأقربهم وآثرهم عنده، وأكرم
стр. 5174
هذه الأمة ببعثة هذا النبي الكريم ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فاعبد الله مخلصًا له الدين، ولا تشغلك الشهوات عن أوامر من خلقك ورزقك وهداك: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
والله هو الكريم الحق من جميع الوجوه، الكريم بذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله وإحسانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وعليك أيها العبد أن تعمل بمقتضى هذا الاسم الكريم، بأن تكون كريمًا في جميع أمورك وأحوالك، مع ربك، ومع نفسك، ومع الناس، فبذلك تحصل على مرضاة ربك، وتظفر بمحبته لك، فالله كريم يحب معالي الأخلاق، ومكارم الفعال، ويحب المتصفين بها، والدعاة إليها، وبذلك أنزل كتبه، وأرسل رسله وشرع دينه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والتعبد لله بمعاني أسمائه وصفاته هو الدين القيم، وهو الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض.
والدين كله مجموع في أمرين:
١ - عبادة الحق. ٢ - ومحاسنة الخلق.
стр. 5175
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
والله سبحانه كريم يحب كل كريم، شكور يحب كل شاكر، عفو يحب كل عفو، سلام يحب كل مسلم، محسن يحب كل محسن، رزاق يحب كل رازق، تواب يحب كل تائب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
فعليك بالتحلي بمكارم الأخلاق، فهي أثقل شيء على النفس وهي أثقل شيء في الميزان يوم القيامة، ولهذا مدح الله رسوله ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فبحسن الخلق يدرك المؤمن درجة الصائم القائم.
عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ». أخرجه أبو داود وأحمد (١).
وعليك بطاعة الله ورسوله، ولزوم السنة، فما أكرم أحد نفسه بمثل طاعة الكريم الحق سبحانه، ولن يهينها بمثل معصيته: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وعليك بأداء الفرائض، واجتناب المناهي، بوجه طلق سمح، وقلب متذلل بين يدي ربه الرحمن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
стр. 5176
واعلم أن المسلم إذا علم أن ربه هو الكريم، فعليه أن يتوجه إليه بكمال الإيمان والتقوى في كل حال، وأن يكرم كتابه بإتباع ما جاء فيه، وأن يكرم أنبياءه ورسله بإتباعهم، وحسن الاقتداء بهم، ويكرم أوامر ربه وشعائره بالفرح بها، وحسن أدائها، ويكرم نعمه بوضعها في مواضعها، وشكر الله المنعم بها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
واعلم أن الكرم فعل ما ينبغي لا لغرض إلا ابتغاء مرضاة الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ٩ - ١٢].
وكن كريمًا محسنًا تؤدي إلى كل ذي حق حقه بطيب نفس، وسعة صدر، وإن قدرت أن تزيد فزد يزدك الله من فضله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وإن كان لك على غيرك حق، وتعذر عليك أخذ جميعه، فلا تستقصه، وأبقي للتكرم موضعًا، فما استقصى كريم قط، ومن أكرم بخير، أكرمه الله، وغفر له: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢].
وإياك والشح والبخل، والحرص والطمع، وجميع مساوئ الأخلاق، وعليك بالإيثار، فإنك محمود بذلك كالأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
стр. 5177
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
وأنفق ينفق الله عليك، واجتنب البخل بما أعطاك الله من نعمه، فلا داء أدوى من البخل ولا شر أشر منه، وبئس الطوق للإنسان يوم القيامة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وعامل الناس بمثل ما عاملك الله به، حيث لم يكلفك إلا بعض وسعك، ثم رد نفع ذلك عليك، وعفا لك عن الكثير، وضاعف لك الأجر، فلا تظلم أحدًا، ولا تهن مسلمًا، وتعبد لله مع خلقه بما يحب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
واحمد الكريم الذي خصك بالتوحيد والإيمان، وأعانك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعافاك في الدنيا من السجود للصنم، وقطع عنك ما يحول بينك وبينه، حتى لا يشغلك به عنه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وسبح بحمد ربك الكريم الحكيم الذي يعسر على عباده ما يشغلهم عنه، ويصرفهم عنه، وييسر لهم ما يغنيهم عن سواه، ويفتح على جميع خلقه أبواب رحمته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
يستر ﷻ على العصاة، وهم المجاهرون، ويحسن إليهم، وهم المسيئون، ويعفو عنهم، وهم الظالمون، ويصبر على أذاهم، وهم
стр. 5178
المعتدون: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
يفعل الكريم هذا كله على مدى الدهور والقرون مع خلقه كلهم، مع جلاله وكبريائه، وعظمة ملكه وسلطانه، لأنه الكريم الرءوف الرحيم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ولكي تكون كريمًا صل رحمك الله من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وكف لسانك عن الأذى والخنى، والمكروه والفحشاء، وعود نفسك السخاء، ويدك العطاء، ولسانك الذكر والشكر، والدعوة والدعاء: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وصن نفسك عن شين الأمور، وتنزه عن اللؤم والغرور، وترفع عن الدقة والاستقصاء في الأمور، واصفح عن المعتذر، واعف عن الجاني: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وأحسن إلى المسيئين، وتجاوز عن المذنبين، وأشمل بمعروفك من استطعت من الخلق أجمعين: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].
١٠ - الخزانة العاشرة
التعبد لله باسمه الرحمن الرحيم:
الله هو الرحمن الرحيم بجميع مخلوقاته، الرحمن الرحيم الذي لا أرحم منه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، وكل رحمة في العالم العلوي والسفلي فمن آثار رحمته الواسعة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
والله هو الرب الرحمن الرحيم الذي بطن بذاته، وظهر بصفاته، واستعلى بأسمائه، وتجلى بأفعاله، وله الحمد كله على ربوبيته، وألوهيته، وكمال عظمته ورحمته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٦].
هو ﷻ الرحمن الرحيم الذي استوى على أعظم المخلوقات وهو العرش، بأعظم الصفات وهي الرحمة، ليعلم عباده أنه الرحمن الرحيم الذي يحب أن يرحم جميع خلقه، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وقال : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
стр. 5181
ومن آثار رحمة الرحمن الرحيم أن رحمته مبسوطة في الكون كله، لا تخلو منها ذرة في العالم العلوي، والعالم السفلي، ولا في الدنيا ولا في الآخرة: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
فاسأل ربك الرحمن الرحيم، الخبير الحق، أن يرشدك إلى معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، وآياته ومخلوقاته، ونعمه وآلائه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٨ - ٥٩].
واعلم رحمك الله، أن رحمة الله تنال بالإحسان، فأحسن إلى نفسك بحملها على طاعة الله، وحسن عبادته، وكفها عن معصية الله، وتجميلها بما يحبه الله من الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
وأحسن إلى غيرك ببذل الخير والمعروف، وارحمه بما أقدرك الله عليه من ضال تهديه، أو جاهل تعلمه، أو فقير تسد حاجته، أو عار تكسوه، أو سفيه تحلم عليه، أو شديد تصبر عليه، أو ضعيف تواسيه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١١ - ١٨].
стр. 5182
واعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء، فارحم رحمك الله كل مخلوق من إنسان أو حيوان، أو مؤمن أو كافر، أو برٍ أو فاجر، فما أرسل الله الرحمن الرحيم نبيه ﷺ إلا رحمةً للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وأنت من أتباعه بالإيمان، والأقوال، والأعمال، والأخلاق، فاقتد به: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
واعلم أن الله عرفك باسمه الرحمن الرحيم، لتتصف بالرحمة، وترحم خلقه، فارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال النبي ﷺ : «من لا يَرحم لا يُرحم». متفق عليه (١).
واعلم أن الرحمن الرحيم سبحانه شرع لنا من الفرائض والنوافل، والواجبات والسنن، ما يقربنا إليه، فتقرب بذلك إلى ربك، لتنال رحمته، وكلما زاد قرب العبد من ربه، وعظمت طاعته لمولاه، زاد نصيبه من رحمة ربه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وحرم الله علينا الكفر والشرك، والكبائر والقتل بغير حق، والمعاصي والفواحش والآثام، وكل ما يبعدنا عنه، وكل ما يؤذي ويضر خلقه، رحمةً
стр. 5183
بنا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
فابتعد أيها المسلم عن كل ما نهى الله ورسوله عنه، لتسلم من شره، وتنجو من عقوبته، وتنال اجر تركه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
واعلم رحمك الله أن دين الله كله رحمة وحكمة، وعدلٌ وإحسان؛ لأنه من الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [فصلت: ١ - ٣].
وإذا أدخلك الرحمن الرحيم في رحمته، فجعلك مسلمًا، فارحم الناس أجمعين، وعرفهم بأرحم الراحمين، وادعهم إلى سلوك الصراط المستقيم؛ يرضى الله عنك، ويزيد حسناتك، ويكفر سيئاتك: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ارحم الخلق أجمعين، وأكرم المتقين، واخفض جناحك للمؤمنين، وأعرض عن الجاهلين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠].
وارحم المساكين، وعلم الجاهلين، ودل العباد على ربهم الرحمن الرحيم، وخالق الناس بخلقٍ حسن، واذكر ما أنعم الله به عليك من النعم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٦ - ١١]
стр. 5184
واعلم أن الله خصك برحمته، لترحم نفسك، وترحم عباده، وتعبد الرحمن بموجب أسمائه وصفاته، واعلم أن الرحمن الرحيم ليس كمثله أحد في الرحمة، وخزائن الرحمة كلها عنده وحده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وهو أرحم بالخلق من أنفسهم، فاسأله أن يتم نعمته عليك في الدنيا والآخرة؛ لأنه غني كريم، يجيب السائلين، ويعطي الطالبين، ويهدي الضالين، ويتوب على التائبين: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وارحم خلقه الذين انقطعوا عنه، أو لم يعرفوه، حببه إليهم ببيان أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، وعرفهم بجزيل نعمه، وسعة رحمته، ليحبوه ويطيعوه، ويؤمنوا به ويعبدوه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وحببهم إلى ربهم بدعوتهم إليه، وذكر آلائه ونعمه، ليدخلوا في دينه، ويعملوا بشرعه، ويدخلوا في رحمته، ويسعدوا بمحبته، بإتباع رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
فنستغفر الله، ونتوب إليه، من ترك دعوة الكافرين، والتقصير في نصح المسلمين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
стр. 5185
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف: ١٠].
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
• ثمرات التعبد لله بأسمائه وصفاته:
معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله مثمرة للجميع الخيرات والبركات، العاجلة والآجلة، ومن أعظم آثارها وثمراتها في حياة كل مسلم ما يلي.
الثمرة الأولى: عبادة الله وحده لا شريك له:
والعبادة بأنواعها أجل ثمرات العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يعبد الله حقًا إلا من عرفه حقًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فمن عرف ربه بالملك والجبروت، والعظمة والكبرياء، وعرفه بالغنى والإحسان، والرحمة واللطف، وعرفه بالعلم والإحاطة، وعرفه بالقوة والقدرة، وعرف أنه السميع البصير، العليم الخبير، تضرع إليه بالذكر والدعاء، وتوجه إليه بالحمد والثناء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الثمرة الثانية: محبة الله :
ومحبة الله قوت القلوب، وشفاء الصدور، وقرة العيون، ومن أحب الله أحبه الله، ورضي عنه وأرضاه، وتقبل منه وهداه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ