← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

ومن آثار رحمة الرحمن الرحيم أن رحمته مبسوطة في الكون كله، لا تخلو منها ذرة في العالم العلوي، والعالم السفلي، ولا في الدنيا ولا في الآخرة: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فاسأل ربك الرحمن الرحيم، الخبير الحق، أن يرشدك إلى معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، وآياته ومخلوقاته، ونعمه وآلائه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٨ - ٥٩]. واعلم رحمك الله، أن رحمة الله تنال بالإحسان، فأحسن إلى نفسك بحملها على طاعة الله، وحسن عبادته، وكفها عن معصية الله، وتجميلها بما يحبه الله من الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦]. وأحسن إلى غيرك ببذل الخير والمعروف، وارحمه بما أقدرك الله عليه من ضال تهديه، أو جاهل تعلمه، أو فقير تسد حاجته، أو عار تكسوه، أو سفيه تحلم عليه، أو شديد تصبر عليه، أو ضعيف تواسيه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١١ - ١٨].

стр. 5182

واعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء، فارحم رحمك الله كل مخلوق من إنسان أو حيوان، أو مؤمن أو كافر، أو برٍ أو فاجر، فما أرسل الله الرحمن الرحيم نبيه ﷺ إلا رحمةً للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وأنت من أتباعه بالإيمان، والأقوال، والأعمال، والأخلاق، فاقتد به: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. واعلم أن الله عرفك باسمه الرحمن الرحيم، لتتصف بالرحمة، وترحم خلقه، فارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال النبي ﷺ : «من لا يَرحم لا يُرحم». متفق عليه (١). واعلم أن الرحمن الرحيم سبحانه شرع لنا من الفرائض والنوافل، والواجبات والسنن، ما يقربنا إليه، فتقرب بذلك إلى ربك، لتنال رحمته، وكلما زاد قرب العبد من ربه، وعظمت طاعته لمولاه، زاد نصيبه من رحمة ربه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وحرم الله علينا الكفر والشرك، والكبائر والقتل بغير حق، والمعاصي والفواحش والآثام، وكل ما يبعدنا عنه، وكل ما يؤذي ويضر خلقه، رحمةً

стр. 5183

بنا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. فابتعد أيها المسلم عن كل ما نهى الله ورسوله عنه، لتسلم من شره، وتنجو من عقوبته، وتنال اجر تركه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. واعلم رحمك الله أن دين الله كله رحمة وحكمة، وعدلٌ وإحسان؛ لأنه من الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [فصلت: ١ - ٣]. وإذا أدخلك الرحمن الرحيم في رحمته، فجعلك مسلمًا، فارحم الناس أجمعين، وعرفهم بأرحم الراحمين، وادعهم إلى سلوك الصراط المستقيم؛ يرضى الله عنك، ويزيد حسناتك، ويكفر سيئاتك: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. ارحم الخلق أجمعين، وأكرم المتقين، واخفض جناحك للمؤمنين، وأعرض عن الجاهلين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]. وارحم المساكين، وعلم الجاهلين، ودل العباد على ربهم الرحمن الرحيم، وخالق الناس بخلقٍ حسن، واذكر ما أنعم الله به عليك من النعم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٦ - ١١]

стр. 5184

واعلم أن الله خصك برحمته، لترحم نفسك، وترحم عباده، وتعبد الرحمن بموجب أسمائه وصفاته، واعلم أن الرحمن الرحيم ليس كمثله أحد في الرحمة، وخزائن الرحمة كلها عنده وحده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وهو أرحم بالخلق من أنفسهم، فاسأله أن يتم نعمته عليك في الدنيا والآخرة؛ لأنه غني كريم، يجيب السائلين، ويعطي الطالبين، ويهدي الضالين، ويتوب على التائبين: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وارحم خلقه الذين انقطعوا عنه، أو لم يعرفوه، حببه إليهم ببيان أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، وعرفهم بجزيل نعمه، وسعة رحمته، ليحبوه ويطيعوه، ويؤمنوا به ويعبدوه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وحببهم إلى ربهم بدعوتهم إليه، وذكر آلائه ونعمه، ليدخلوا في دينه، ويعملوا بشرعه، ويدخلوا في رحمته، ويسعدوا بمحبته، بإتباع رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. فنستغفر الله، ونتوب إليه، من ترك دعوة الكافرين، والتقصير في نصح المسلمين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 5185

﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف: ١٠]. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]. • ثمرات التعبد لله بأسمائه وصفاته: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله مثمرة للجميع الخيرات والبركات، العاجلة والآجلة، ومن أعظم آثارها وثمراتها في حياة كل مسلم ما يلي. الثمرة الأولى: عبادة الله وحده لا شريك له: والعبادة بأنواعها أجل ثمرات العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يعبد الله حقًا إلا من عرفه حقًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فمن عرف ربه بالملك والجبروت، والعظمة والكبرياء، وعرفه بالغنى والإحسان، والرحمة واللطف، وعرفه بالعلم والإحاطة، وعرفه بالقوة والقدرة، وعرف أنه السميع البصير، العليم الخبير، تضرع إليه بالذكر والدعاء، وتوجه إليه بالحمد والثناء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. الثمرة الثانية: محبة الله : ومحبة الله قوت القلوب، وشفاء الصدور، وقرة العيون، ومن أحب الله أحبه الله، ورضي عنه وأرضاه، وتقبل منه وهداه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ

стр. 5186

قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. فإذا اجتمع للعبد معرفة داعي الإحسان والإنعام، إلى داعي جلال ربه وجماله، فذلك نورٌ على نور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]. ولا يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وكمال العبودية ثمرة المحبة، والمحبة لله ثمرة معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وإنعامه وإحسانه، ومحبة الله تجر العبد لطاعة ربه، وفعل ما يرضيه، واجتناب معاصيه، وتحرك القلب واللسان والجوارح لعبادة الله، وإتباع رسول الله ﷺ ، والإعراض عما سوى ذلك: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. الثمرة الثالثة: التعظيم والذل لله : فإذا شهد العبد عظمة ربه، أفاض ذلك على قلبه الذل والانكسار بين يدي ربه العزيز الجبار، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلًا لربه، وتعظيمًا له، وحبًا له، وأكثرهم سجودًا لربه أكملهم معرفةً بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن سجد هذه السجدة القلبية سجدت معه جميع الجوارح، واكتملت عبوديته، ومن أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية لربه الملك العزيز الجبار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 5187

وجميع أبواب الطاعات عليها زحام إلا باب الذل والافتقار إلى الله، فهو أقرب الأبواب وأوسعها، ولا مزاحم فيه، لقلة الداخلين منه، فادخل منه إلى ربك الملك الحق يأخذ بيدك إليه، وتكون عبده المنكسر بين يديه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. الثمرة الرابعة: الخوف والخشية: فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، وكان له أشد خشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. الثمرة الخامسة: اليقين والطمأنينة بالله : فإذا عرف العبد ربه العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا وأفعاله الكبرى، امتلأ قلبه إيمانًا ويقينًا، ونورًا وإشراقًا، ومحبة لله وتعظيمًا له، وانتفى عنه كل ريب وشك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وإذا تيقن القلب نزلت فيه السكينة، وحلت فيه الطمأنينة، وزاد إيمانه، وحسنت عبادته: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح: ٤].

стр. 5188

الثمرة السادسة: الرضا عن الله : فمن عرف ربه بعدله وإحسانه، وحلمه ورحمته وحكمته، وعرف أسماءه الحسنى، وصفاته العلا، أثمر له ذلك الرضا بحكم الله وأقداره، والتسليم لأمره ونهيه، لعلمه بأن تدبير الله أحسن من تدبيره، وأحكام الله خيرٌ من هوى نفسه، وثواب الله أعظم من عمله، ورحمة الله أرجى من أعماله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]. الثمرة السابعة: التوكل على الله وحده: فمن عرف ربه العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله، سكن إليه، وتوكل عليه وحده في جميع أموره؛ لعلمه بكمال كفايته، وقيامه بشأن خلقه كلهم إيجادًا وإمدادًا وتدبيرًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وكلما كان العبد بالله أعرف كان إيمانه بالله أعظم وكان توكله على ربه أقوى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. الثمرة الثامنة: إخلاص العمل لله : فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أخلص له العمل، لعلمه بكماله وغناه عن كل ما سواه، وشدة حاجة الخلق إليه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].

стр. 5189

ولا يشرك أحد مع الله غيره في عملٍ إلا لجهله بأسماء الله وصفاته وأفعاله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: «أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه معي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ». أخرجه مسلم (١). الثمرة التاسعة: التوبة والإنابة إلى ربه: فمن عرف ربه العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الحميدة، سارع إلى طاعته، وتاب إليه من معصيته؛ لعلمه بكمال حبه لعبده، ورحمته به، وفرحه بتوبته: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨]. الثمرة العاشرة: ذوق حلاوة العبادة: فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، كانت قرة عينه في مناجاة ربه، والأنس به، فليس في الدنيا نعيمٌ يشبه نعيم الجنة إلا هذه المعرفة، ولا حلاوة تشبه حلاوة الجنة إلا عبادة الله بهذه المعرفة. وكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد إيمانًا وحبًا، وتعظيمًا وحمدًا لربه، ووجد حلاوةً ولذةً في كل ما يحبه ربه ويرضاه، واستأنس بربه، واستوحش من كل ما يشغله عنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ

стр. 5190

الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بهن حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ من كان اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بعد أن أنقذه الله منه كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». متفق عليه (١). الثمرة الحادية عشرة: السعادة في الدنيا، والفوز بالجنة، والنجاة من النار في الأخرة: فمن عرف ربه العظيم، عبده بما يحبه ويرضاه، ثم الله يثبته على دينه في الدنيا، ويسعده بالأمن والهداية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧]. أما في الآخرة فيكرمه بدخول الجنة، ورؤية الله سبحانه، والقرب منه، وسماع كلامه، والفوز برضوانه، والتلذذ بنعيم الجنة، والخلود في دار المتقين، والنجاة من نار الجحيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال تعالى عن أهل الجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].

стр. 5191

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وغير ذلك من الثمرات والحسنات، والخيرات والبركات، التي تثمرها معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 5192

٣٢ - خزائن الطهارة وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة

стр. 5193

٣٢ - خزائن الطهارة الخزانة الأولى • فقه الطهارة: الطهارة هي النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية. • أنواع الطهارة الشرعية: الطهارة الشرعية نوعان: أحدهما: طهارة الظاهر: وتكون بالوضوء أو الغسل بالماء إلى جانب طهارة الثوب والبدن والبقعة من النجاسة. الثاني: طهارة الباطن: وتكون بتخليص القلب من الصفات السيئة كالشرك، والكفر، والكبر، والعجب، والحقد، والحسد، والنفاق، والرياء ونحوها من الصفات السيئة، وامتلاء القلب بالصفات الحسنة من التوحيد، والإيمان، والصدق، والإخلاص، واليقين، والتوكل ونحوها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ويُكمل ذلك بكثرة التوبة والاستغفار، وذكر الله ، والتفكر والنظر في الآيات الكونية، والآيات الشرعية. والمراد بالنظافة في باب الطهارة شيئان: الأول: إزالة ما ينبغي إزالته شرعًا من سنن الفطرة، كتقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة. الثاني: إزالة ما ينبغي إزالته طبعًا كالعرق، والرائحة الكريهة، وآثار البول والغائط.

стр. 5194

• أقذر النجاسات: أقذر النجاسات هو الشرك بالله، فكل مشرك نجسٌ حسيًا ومعنويًا. فالمشرك نجسٌ معنى؛ لأن شركه بالله أنتن شيءٍ وأخبثه، وأقذره، والنجاسة المعنوية أعظم من النجاسة الحسية. والمشرك نجسٌ حسًا، لأنه لا يتوضأ، ولا يتطهر من جنابةٍ وغائطٍ وبول، ولا يتجنب الأنجاس والقاذورات، ويأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونحو ذلك من المحرمات والمستقذرات. ولأجل شدة نجاسة المشرك المعنوية والحسية، أمر الله أن يُبْعَد عن المسجد الحرام الذي يجب تطهيره للطائفين والقائمين، والركع السجود، فيبعد عنه المشرك، ولا يقرب منه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨]. ولشناعة الشرك فإن الله يغفر الله جميع الذنوب بعد الموت إلا الشرك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. • فقه هيئة العبد عند مناجاة ربه: الطهارة البدنية والقلبية لازمتان لنجاة وفلاح كل عبدٍ في الدنيا والآخرة، فإذا طَهَّر الإنسان ظاهره بالماء، وطَهُر باطنه بالتوحيد والإيمان، صفت روحه، وطابت نفسه، واطمئن قلبه، وصار مهيئًا لمناجاة ربه في أحسن هيئة، بدنٍ طاهر، وقلبٍ طاهر، ولباسٍ طاهر، في مكانٍ طاهر، وهذا غاية الأدب، وأبلغ في التعظيم والإجلال لرب العالمين من القيام بالعبادة بضد

стр. 5195

ذلك، ومن هنا صار الطُّهور شطر الإيمان، وأحب إلى الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإيْمَانِ والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ» أخرجه مسلم (١). • فقه تطهير الروح والبدن: خلق الله الإنسان من بدنٍ وروح، والبدن تتراكم عليه الأوساخ من جهتين: من الداخل كالعرق .. ومن الخارج كالغبار. ولعافيته لا بد من الأغسال المتكررة التي تزيل هذه الأقذار والنجاسات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. والروح تتأثر من جهتين: الأولى: بما في القلب من الأمراض كالحسد والكبر، والنفاق والرياء. الثانية: وبما يقترفه الإنسان من الذنوب الخارجية كالظلم والزنا. ولعافية الروح لا بدّ من الإكثار من التوبة والاستغفار: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. ومن جمع بين هذا وهذا، فقد كملت طهارته وعافيته، وحصلت نجاته وسلامته، وفاز بحب ربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فالطهارة من محاسن الإسلام، وتكون باستعمال الماء الطاهر على الصفة المشروعة، برفع الحدث، وإزالة الخبث، وهي المقصودة في هذا الباب.

стр. 5196

أحكام الطهارة أولاً: أقسام المياه: المياه قسمان: الأول: الماء الطاهر: وهو الباقي على خلقته كماء المطر، وماء البحر، وماء النهر، وما نبع من الأرض بنفسه أو بآلة، عذبًا أو مالحًا، حلوًا أو مرًا، حارًا أو باردًا، وهذا هو الماء الطهور الذي يجوز التطهر به. ويلحق به الماء الذي تغير بماء الأنابيب، أو الخزانات، ونحوه من الماء، فهذا ماءٌ طهور يجوز التطهر به. وإذا تغير الماء بحناء، أو حبرٍ، أو صبغ، أو صابون، ونحو ذلك، فهذا التغير إن كان يسيرًا، لا يسلب اسم الماء المطلق، ولا يغلب على أجزائه، فهو ماء طهورٌ يرفع الحدث، ويزيل الخبث، وإن سلبه اسم الماء المطلق، وغلب على أجزائه، فلا يرفع الحدث، لكن يزيل الخبث، فإن إزالة الخبث، أوسع من رفع الحدث. الثاني: الماء المتنجس: وهو كل ما تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، وحكمه: أنه لا يجوز التطهر به. • حكم استعمال مياه الصرف الصحي: المياه المجتمعة من بولٍ وغائط الإنسان نجسةٌ ضارةٌ مستقذرة، فلا يجوز استعمالها في الطهارة والنظافة والسقي، ولو نقيت، فإنها لو زالت نجاستها بزوال طعمها، وريحها، ولونها بالترسيب ونحوه، فلا تزال فيها العلل والجراثيم الضارة؛ ولأنها مستقذرة؛ لأنها معتصرة من البول

стр. 5197

والغائط، فالواجب تركها تنزل في الأرض، أو تصب في البحر؛ لأن التراب والماء طهورٌ مطهر. ثانياً إذا شك المسلم في نجاسة ماءٍ أو طهارته، بنى على الأصل، وهو الطهارة، وإذا اشتبه ماءٌ طاهر بنجس، ولم يجد غيرهما، توضأ مما غلب على ظنه طهارته. ثالثًا: يَطْهُر الماء النجس بزوال تغيره بنفسه، أو بنزحه، أو إضافة ماءٍ إليه، حتى يزول التغير. رابعًا: الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر، تكون بالماء، فإن لم يوجد الماء، أو لم يقدر على استعماله، أو خاف الضرر باستعماله، تيمم. خامسًا: الطهارة من الخبث على البدن، أو الثوب، أو البقعة، تكون بالماء، أو غيره من السوائل، أو الجامدات الطاهرة التي تزيل تلك العين الخبيثة بأي مزيلٍ طاهر. سادسًا: رفع الحدث الأصغر والأكبر لا يكون إلا بالماء عند وجوده، أو التيمم عند فقده، فلا يجوز الوضوء أو الغسل بمشتقات البترول والبنزين والغاز ونحوهما، وحكمها أنها تزيل الخبث، لكن لا ترفع الحدث؛ لأن الحدث لا يرتفع إلا بما ورد شرعًا من الماء أو التيمم إن فقد الماء. سابعًا: الماء المسخن بالشمس، أو الطاقة الشمسية، طهورٌ، يرفع الحدث، ويزيل الخبث؛ لأن الأصل في المياه الطهارة. ثامنًا: كل شيءٍ إذا تنجس من ثيابٍ أو فرشٍ ونحوها، فإذا كان غسله بالماء يفسده، أو يضره، فطهارته أن تزال نجاسته بالتنظيف الجاف، وهو سائلٌ غير الماء، مع استعمال بخار الماء، فإن تعذر كفى فيه المسح.

стр. 5198

تاسعًا: إذا اشتبهت ثيابٌ طاهرة بنجسة أو محرمة، ولم يجد غيرهما، اجتهد وصلى فيما غلب على ظنه طهارته، وصلاته صحيحة إن شاء الله. عاشرًا: بول ما يؤكل لحمه، وروثه، ومني الآدمي، كله طاهر، وسؤر الهرة طاهر. الحادي عشر: يباح استعمال كل إناءٍ طاهر للوضوء وغيره، ما لم يكن الإناء مغصوبًا، أو كان من الذهب، أو الفضة فيحرم اتخاذه أو استعماله، فإن توضأ أحدٌ منها، فوضوؤه صحيحٌ، لكن فاعله آثم. الثاني عشر: تباح آنية الكفار وثيابهم إن جُهلت حالها؛ لأن الأصل الطهارة، فإن عَلم نجاستها، وجب غسلها بالماء إذا أراد استعمالها. الثالث عشر: تطهير النعل والخف المتنجس يكون بالماءـ، أو بالدلك بالأرض حتى يذهب أثر النجاسة. • حكم استعمال أواني الذهب والفضة: يحرم على الرجال والنساء الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وجميع أنواع الاستعمال، إلا التحلي للنساء، والفضة للرجال، وما له ضرورةٍ كسنٍ من ذهب ونحوه. عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ، ولا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ». متفقٌ عليه (١). وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الفِضَّةِ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». متفقٌ عليه (٢).

стр. 5199

• مواضع تقديم اليمين والشمال: أفعال الإنسان نوعان. أحدهما: مشتركٌ بين اليمنى واليسرى. فتقدم اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل، واللباس، والانتعال، ودخول المسجد، والمنزل ونحو ذلك، وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كالخروج من المسجد، وخلع النعل، ودخول الخلاء. الثاني: ما يختص بأحدهما. إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب، والمصافحة، والأخذ والعطاء، ونحو ذلك، وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنجاء، والامتخاط ونحو ذلك. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» متفقٌ عليه (١). • أنواع النجاسات: النجاسات الحسية التي يجب على المسلم أن يتنزه عنها، ويغسل ما أصابه منها حتى يزول الأثر هي: بول الآدمي، ورجيع الآدمي، والدم المسفوح، ودم الحيض والنفاس، والودي، والمذي، والميتة ما عدا السمك والجراد، ولحم الخنزير، وبول وروث ما لا يؤكل لحمه كالبغل والحمار، ولعاب الكلب، ويغسل سبعًا أولاهن بالتراب.

стр. 5200

عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِيْ كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». متفقٌ عليه (١). وهذا من خصائص النبي ﷺ ؛ لأن الاطلاع على عذاب القبر أمرٌ غيبي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُوْلاهُنَّ بِالتُّرَابِ» متفقٌ عليه (٢). اللهم طهر قلوبنا من الكفر والشرك، والنفاق والرياء، وطهر أجسادنا من الأقذار والنجاسات، وطهر ألسنتنا من الغيبة والنميمة، واللغو والرفث.

стр. 5201

٢ - الخزانة الثانية • فقه سنن الفطرة: سنن الفطرة: هي الخصال التي فطر الله الناس عليها، واتفقت عليها الشرائع، بحيث يكمل بها المرء، ويكون على أفضل الصفات، وأجمل الهيئات، ومن ذلك: الأول: السواك. والسواك هو عودٌ لين من أراك، أو زيتون ونحوهما، والسواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرب، وعبادةٌ يثاب عليها العبد. • صفة التسوك: أن يمسك الإنسان السِّواك بيده اليمنى أو اليسرى ويمره على لثته وأسنانه، ويبدأ من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر من الفم، وأحيانًا يجعل السواك على طرف لسانه. • حكم السواك: السواك مسنونٌ كل وقت. ويتأكد السواك عند الوضوء، والصلاة، وقراءة القرآن، ودخول المنزل، وعند القيام من الليل، وعند تغير رائحة الفم. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي-أَوْ لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى النَّاسِ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ». متفقٌ عليه (١).

стр. 5202

الثاني: من سنن الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية وتوفيرها. عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوْا المُشْرِكِينَ، وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ». متفقٌ عليه (١). الثالث: الختان، وهو قطع الجلدة التي تغطي حشفة الذكر؛ لئلا يجتمع فيها الوسخ والبول، والختان واجبٌ في حق الرجال، ومكرمةٌ في حق النساء. الرابع: حلق العانة، ونتف الإبط، وقص الأظافر. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَارِبِ». متفقٌ عليه (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإبِطِ، وَحَلْقِ العَانَةِ أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرْ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». أخرجه مسلم (٣). وقَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإبِطِ، وَحَلْقِ العَانَةِ لها ثلاثة أوقات: الأول: وقت السنية، بأن تؤخذ متى طالت. الثاني: وقت الكراهية، بأن تترك فوق أربعين يومًا. الثالث: وقت التحريم، بأن تترك حتى تكثر وتتفاحش جدًا، فهذا محرم لما فيه من التشبه بالكفار والحيوانات: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. الخامس: الطيب بالمسك أو غيره.

стр. 5203

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا». أخرجه أبو داود والبيهقي (١). السادس: تغيير الشيب بالحناء والكتم ونحوهما: يسن صبغ الشعر الذي تغير لونه بشيبٍ أو غيره، ويجوز صبغ الشعر بالسواد في الحرب، أما صبغه بالسواد للزينة فالأفضل الابتعاد عنه، وإبداله بالحنة والكتم، أما صبغه بالسواد من أجل الخداع، فيحرم على الرجال والنساء. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبغُونَ فَخَالِفُوهُمْ». متفق عليه (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أُتي بأبي قُحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ : «غَيِّرُوْا هَذَا بِشَيْءٍ». أخرجه مسلم (٣). فيجوز تغيير الشيب بالسواد، ولكن الأفضل تغيره بالحنا والكتم: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ هَذَا الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (٤). • حكم إعفاء اللحية: إعفاء اللحية وتوفيرها من سمة الأنبياء والمرسلين، وكان رسول الله ﷺ كث اللحية، وهو أجمل الرجال، وأحسنهم صورة، وأحسنهم وجهًا، واللحية جمالٌ، وأعظم وسام يميز الرجال عن النساء.

стр. 5204

والعجيب أن كثيرًا من المسلمين غرهم الشيطان، ومسخ ذوقهم، فحلقوا لحاهم، وغيروا خلق الله، وتشبهوا بالكفار والنساء، وعصوا رسول الله ﷺ ، وصاروا يفرون من فحولة الذكورة، وشرف الرجولة، إلى نعومة الأنوثة، ومثَّلوا بوجوههم بحلق لحاهم، وأضاعوا أزمانهم وأموالهم وأوقاتهم في حلقها، وتشبهوا بالنساء اللاتي لعن رسول الله من تشبه بهن: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. فيجب إعفاء اللحية، والتعبد لله بإبقائها، ويحرم حلقها؛ طاعةً لله ورسوله ﷺ ، واقتداءً برسوله ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ». متفقٌ عليه (١). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ». أخرجه مسلم (٢). • إكرام شعر الرأس ودهنه وتسريحه: عن عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلَهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ». متفقٌ عليه (٣). ويكره القزع، وهو حلق بعض الرأس، وترك بعضه، ما لم يتشبه بالكفار فيحرم؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». أخرجه أبو داود وأحمد (٤).

стр. 5205

• أحوال حلق شعر الرأس: حلق شعر الرأس له ست حالات: الأولى: طاعةٌ وقربى إلى الله، وذلك في أربعة مواضع، وهي الحج، والعمرة، وحلق رأس الصبي في اليوم السابع لولادته، والكافر إذا أسلم. الثاني: شرك، وذلك كمن حلق رأسه تذللاً لغير الله من وليٍ أو صنم ونحو ذلك. الثالثة: بدعة، وذلك كمن حلق رأسه على سبيل التعبد والزهد في غير المواضع الأربعة السابقة، كما لو جعل حلق الرأس شعارًا للصالحين، أو من تمام الزهد كما كانت الخوارج تفعل، وكذلك حلق التائب رأسه بعد التوبة بدعة. الرابع: محرمة، كحلق الشعر عند المصيبة بموت قريب ونحوه، وحلقه على سبيل التشبه بالكفار أو الفساق. الخامسة: مباح، وهو أن يحلق رأسه لحاجة، كالتداوي من مرض، أو دفع أذى القمل، ونحو ذلك. السادسة: أن يحلق رأسه من غير حاجة، ولا سببٌ من الأسباب المتقدمة، فهذا الأفضل عدم حلقه إلا عند الحاجة؛ لأن النبي ﷺ لم يحلق رأسه إلا في نسك حجٍ أو عمرة. • صفة الاستنجاء والاستجمار: الاستنجاء هو إزالة الخارج من السبيلين بالماء. الاستجمار هو إزالة الخارج من السبيلين بحجرٍ أو ورقٍ أو قماشٍ ونحو ذلك.

стр. 5206

• ما يقول ويفعل الإنسان عند دخول الخلاء والخروج منه: يسن عند دخول الخلاء تقديم رجله اليسرى وقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ». متفقٌ عليه (١). ويسن عند الخروج من الخلاء تقديم رجله اليمنى وقول: «غُفْرَانَكَ». أخرجه أبو داود (٢). • أحكام الاستنجاء والاستجمار: الأول: يسن عند دخول المسجد، ولبس الثوب والنعل، والخروج من الحمام، تقديم رجله اليمنى، وعند الخروج من المسجد، ونزع الثوب والنعل، ودخول الحمام، تقديم رجله اليسرى. ثانيًا: يسن لمن أراد قضاء الحاجة في الفضاء أو الصحراء بُعده عن العيون، واستتاره عن الناس، وارتياده مكانًا رخوًا لبوله؛ لئلا يتنجس. ثالثًا: السنة أن يبول الرجل قاعدًا، ويجوز بوله قائمًا إن أمن تلوثًا، وأَمِنَ من الناظر إليه، أما المرأة فلا تبول إلا قاعدة في مكان مستتر. رابعًا: يحرم على الذكر والأنثى كشف العورة أمام الناس. خامسًا: يحرم الدخول بالمصحف إلى الحمام، فإن خاف أن يُسرق، فله أن يدخل به للحاجة، وإن وجد أحدًا يحفظه له حتى يخرج أعطاه إياه. سادسًا: يجوز دخول الحمام بجهازٌ فيه قرآن، أو حديث، أو دروسً شرعية، من محمولٍ أو جوالٍ أو شريطٍ أو غيرهما؛ لأنه يشبه جوف الإنسان. سابعًا: يجوز دخول الحمام بشيءٍ فيه ذكر الله تعالى عند الحاجة، والأفضل عدم الدخول به إلا عند الحاجة.

стр. 5207

ثامنًا: يكره بول الإنسان في شق، ومس فرجه بيمينه، واستنجاؤه واستجماره بها، ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض في الفضاء، ويكره لمن يبول أو يتغوط أن يرد السلام، فإذا قضى حاجته تطهر، ثم رد. تاسعًا: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعًا. • حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة: يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، في الفضاء أو البنيان، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بُنيتْ قِبَل القبلة فننحرف ونستغفر الله تعالى». متفقٌ عليه (١). • الأماكن التي يحرم قضاء الحاجة فيها: يحرم البول والغائط في المسجد، والطريق، والظل النافع، وتحت شجرةٍ مثمرة، والموارد، والحدائق، ونحو ذلك من الأماكن التي يرتادها الناس كمياه الآبار، والبرك، والاستراحات، وأماكن البيع، ونحوها. • صفة الاستجمار: الاستجمار يكون بثلاثةٍ أحجار منقية، فإن لم تنق زاد، ويسن قطعه على وتر، كثلاثٍ أو خمسٍ ونحوهما. ويحرم الاستجمار بعظمٍ، وروث، وطعامٍ، ومحترم.

стр. 5208

ويزال الخارج من السبيلين بالماء، أو بالأحجار، أو المناديل، أو الورق، والماء أفضل؛ لأنه أبلغ في التنظيف. ولا بأس بعد الفراغ من قضاء الحاجة من غسل اليدين بمطهر من صابونٍ ونحوه، ويجب غسل موضع النجاسة من الثوب بالماء، فإن خفي موضعها غسل الثوب كله. والصحف والأوراق المكتوب عليها إذا حولت إلى عجينة، وأضيف إليها بعض المواد، ثم صنعت على شكل مناديل ورقية تستخدم في النظافة، أو إزالة النجاسة، فيجوز استعمالها. أما أوراق المصاحف، وكتب العلم الشرعي، فيحرم ذلك لما فيه من هتك الشريعة، والاستخفاف بحرمتها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 5209

٣ - الخزانة الثالثة ١ - صفة الوضوء الوضوء هو التعبد لله باستعمال ماءٍ طهور في أعضاء الإنسان، على صفةٍ مخصوصة. • فضل الوضوء: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الفجر: «يَا بِلالُ، حَدِّثنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلامِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرَجَى عِنْدِيْ أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّي». متفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ». أخرجه مسلم (٢). • فروض الوضوء: فروض الوضوء ستة، وهي على الترتيب كما يلي: الأول: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق.

стр. 5210

الثاني: غسل اليدين مع المرفقين. الثالث: مسح الرأس، ومنه الأذنان. الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين. الخامس: الترتيب بين الأعضاء السابقة. السادس: الموالاة بين غسل الأعضاء. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. ومن فقد عضوًا من أعضاء الوضوء، سقط عنه فرضه إلى غير تيمم؛ لأنه فقد محل الفرض، وإن ركب مكانه عضوًا صناعيًا لم يجب عليه غسله ولا مسحه ولا التيمم عنه. كل ما يمنع وصول الماء إلى البشرة كالمناكير، والأصباغ، والأظافر الصناعية، فإنه لا يصح معها الوضوء، ولا الغسل، بل يجب إزالته حين يتطهر أو يغتسل. • سنن الوضوء: من سنن الوضوء: السواك ثلاثًا، والبدء بالمضمضة، ثم الاستنشاق قبل غسل الوجه، وتخليل الأصابع، والتيامن، والغسلة الثانية والثالثة، والدعاء بعد الوضوء، وصلاة ركعتين بعده. • مقدار ماء الوضوء: السنة في الوضوء أن لا يجاوز المسلم في غسل أعضائه أكثر من ثلاث مرات، وأن يتوضأ بمد، ولا يسرف في الماء، ومن زاد فقد أساء وتعدى وظلم، ومن احتاج إلى أنفٍ، أو إصبعٍ ذهب، أو ركب أسنانًا صناعيةً

стр. 5211

متحركة، فلا يشرع له إذا أراد الوضوء أو الغسل أن يخلعها أو يحركها، وكذا الخاتم والساعة. • ما يفعله إذا قام من النوم: من قام من النوم، وأراد الوضوء، فعليه أن يغسل كفيه ثلاثًا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَومِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا، فَإنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». متفقٌ عليه (١). • صفة الوضوء المجزئ: أن ينوي المسلم الوضوء بقلبه، ثم يتمضمض ويستنشق، ثم يغسل وجهه، ثم يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسح رأسه مع الأذنين، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، مرةً لكل عضوٍ من أعضائه. • صفة الوضوء الكامل: أن ينوي المسلم الوضوء بقلبه، ثم يغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنشق من كفٍ واحد، نصف الغرفة لفمه، ونصفها لأنفه، يفعل ذلك ثلاثًا بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، ثم يغسل يده اليمنى مع المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك. ثم يمسح رأسه بيديه مرةً واحدة من مقدمه إلى قفاه، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يدخل سبابتيه في باطن أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجله اليمنى مع الكعب ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ويُسبِغ الوضوء، ويُخلل بين الأصابع، ثم يدعو بما ورد كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 5212

• صفة وضوء النبي ﷺ : عن حمران مولى عثمان أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ دعا بإناءٍ، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفقٌ عليه (١). • أنواع وضوء النبي ﷺ : ثبت أن النبي ﷺ توضأ مرةً مرة، وتوضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وكل هذا سنة، والأفضل للمسلم أن يُنوِّع، فيأتي بهذا مرة، وبهذا مرة، إحياءً للسنة، ويداوم على الأكمل كما سبق. عن ابن عباس ﵄ قال: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً». أخرجه البخاري (٢). وعن عبد الله بن زيد ﵁ «أن النبي ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ». أخرجه البخاري (٣). • حكم الوضوء لكل صلاة: يجب على المحدث أن يتوضأ إذا أراد الصلاة، ويسن تجديد الوضوء لكل صلاة فريضة، وله أن يصلي صلوات بوضوءٍ واحد كما قال سبحانه:

стр. 5213

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وعن عمرو بن عامر عن أنس ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُون؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ». أخرجه البخاري (١). «وعن بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، قَالَ: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ». أخرجه مسلم (٢). • صفة الدعاء بعد الفراغ من الوضوء: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ». أخرجه مسلم (٣). وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيكَ، كُتِبَ في رَقٍّ، ثم طُبِعَ بِطَابَعٍ، فلم يُكْسَر إلَى يَومِ القِيَامَةِ». أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة والطبراني في الأوسط بسندٍ صحيح (٤).

стр. 5214

• نواقض الوضوء: نواقض الوضوء ستة: الأول: الخارج من السبيلين كالبول، والغائط، والريح، والمني، والمذي، والدم ونحوها، أما الداخل فيهما كالتحاميل فلا ينقض الوضوء، ولا يفسد الصوم. الثاني: زوال العقل بنومٍ مستغرق، أو إغماءٍ، أو مسكرٍ، أو جنون. الثالث: مس الفرج باليد من غير حائل. الرابع: كل ما أوجب غسلًا كالجنابة، والحيض، والنفاس. الخامس: الردة عن الإسلام. السادس: أكل لحم الجزور، ويشمل كل ما حمل خف البعير. عَنْ بسرة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». أخرجه أحمد والنسائي بسندٍ صحيح (١). وعن جابر بن سمرة ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ : «أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: «إَنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإنْ شِئْتَ فَلا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإبْلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأ مِنْ لُحُومِ الإِبلِ». أخرجه مسلم (٢). • متى يتوضأ من شك في الطهارة: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، بنى على اليقين وهو الطهارة، ومن تيقن الحدث، وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهو الحدث، فليتطهر. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لا، فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أخرجه مسلم (٣).

стр. 5215

ويستحب الوضوء كلما أحدث، وعند كل صلاة، ما لم يكن محدثًا فيجب، وإذا قَبَّل الزوج زوجته ولو بشهوة لم ينتقض وضوؤه إلا أن يخرج منه شيء. • حكم إبقاء الأدهان على أعضاء الوضوء: الكريمات، والدهونات إن كانت مجرد لون، أو رطوبة، أو دسومة، فهذه لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، فيجوز إبقاؤها، وإن كان لها كثافةٌ دهنية، أو طبقةٌ شمعية، ونحو ذلك مما يمنع وصول الماء إلى البشرة، فتجب إزالتها عند الوضوء أو الغسل؛ لأن الماء لا يتخللها. • حكم وضوء من به حدثٌ دائم: صاحب الحدث الدائم كمريضٍ احتاج إلى قسطرة لخروج البول بواسطة أنبوب بلاستيك يصب في كيسٍ خارجي، أو شرجٍ صناعي لخروج البراز بواسطة أنبوب، أو ريحٍ شديدة لا يمكن التحكم فيها، فهذا إذا توضأ طهر، ولا يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، وإن توضأ بعد دخول الوقت، فهو أفضل، ولا يجب عليه الوضوء، حتى يحصل له حدثٌ آخر غير حدثه الدائم، فمن به سلس البول إذا خرج منه برازٌ أو ريحٌ توضأ. • حكم ما يخرج من الإنسان: ما يخرج من الإنسان نوعان: الأول: طاهر: وهو الدمع والمخاط، والبصاق والريق، والعرق والمني ونحوها، فهذا كله لا ينقض الوضوء إلا المني فيجب منه الغسل. الثاني: نجس: وهو الغائط والبول، والودي والمذي، والدم الخارج من السبيلين، فهذا كله ينقض الوضوء.

стр. 5216

• حكم الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة. الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة لها حالتان: الأولى: إن كانت الرطوبة تخرج من الرحم، فهي طاهرة لا تنقد الوضوء، وهذا هو الغالب. الثانية: إن كانت تخرج من مخرج البول، فهي نجسة يجب منها الوضوء، فإن كانت مستمرة، فحكمها حكم من به سلس البول. • حكم خروج الدم: الدم الخارج من الإنسان نوعان: الأول: الدم الخارج من السبيلين ينقض الوضوء. الثاني: الدم الخارج من بقية البدن من الأنف، أو السن، أو الجرح، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا ينقض الوضوء، قليلًا كان الدم أو كثيرًا، لكن يحسن غسله من باب النظافة والنزاهة، وذلك لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون في المعارك في جراحاتهم، ولا يتوضؤون. • حكم النوم والغيبوبة: النوم المستغرق ينقض الوضوء، أما النوم اليسير من قائمٍ وجالسٍ ومضطجع فلا ينقض الوضوء. أما الغيبوبة فإن كانت يسيرة لا يفقد معها الوعي والإحساس فلا تنقض الوضوء، وإن كانت تمنع شعوره بما يخرج منه كمريضٍ، ومصروعٍ، وسكران، فإنه ينتقض وضوؤه. عَنْ أَنَسٍ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ». متفقٌ عليه (١).

стр. 5217

٤ - الخزانة الرابعة ٢ - صفة المسح على الخفين المسح هو التعبد لله بمسح الخفين عند الوضوء على صفةٍ مخصوصة. والخف اسمٌ لكل ما يلبس على الرجل، ويغطي الكعبين، من جلدٍ نحوه، والجورب اسمٌ لكل ما يلبس على الرجل، ويغطي الكعبين من قطنٍ ونحوه. والعادة أن الجوارب يكون داخل الخف. • حكم المسح على الخفين: من السنة المسح على الخفين عند الوضوء عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، قَالَ: «بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ نَزَلَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ». متفقٌ عليه (١). • مدة المسح على الخفين: يجوز المسح على الخفين يومًا وليلة للمقيم، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وتبدأ مدة المسح من أول مسحٍ بعد لبس. عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «جَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ». أخرجه مسلم (٢). ولا تتوقت مدة المسح للمسافر الذي يشق عليه اشتغاله بالخلع واللبس، كرجال المطافئ، ورجال الإنقاذ في النكبات والكوارث العامة، وكالبريد المجهز في مصلحة المسلمين ونحو ذلك.

стр. 5218

• شروط المسح على الخفين: شروط المسح على الخفين سنة: أن يكون الملبوس مباحًا، طاهرًا، ساترًا للكعبين، ملبوسًا على طهارة، وأن يكون المسح في الحدث الأصغر، وفي المدة للمقيم أو المسافر. • صفة المسح على الخفين: يُدخل المسلم يديه بالماء، ثم يمسح بيده اليمنى ظهر خف أو جورب القدم اليمنى، من أصابعه إلى أسفل ساقه مرة واحدة دون أسفله وعقبه، والرجل اليسرى بيده اليسرى كذلك، ويقدم اليمنى على اليسرى. ومن لبس جورباً على جورب، وهو على طهارة، مسح على الفوقاني، وإن لبسه على غير طهارة مسح على الأسفل، ومن مسح في السفر يومًا، ثم دخل بلده أتم مسح مقيم، يومًا وليلة، وإن سافر مقيم، وقد مسح على خفّيه يومًا أتم مسح مسافر ثلاثة أيام بلياليهن. • يبطل المسح على الخفين بما يلي: الأول: إذا نُزع الملبوس من القدم. الثاني: إذا لزمه غسل كالجنابة. الثالث: إذا تمت مدة المسح. أما الطهارة فلا تنتقض إلا بأحد نواقض الوضوء. • صفة المسح على العمامة والخمار: يجوز المسح على عمامة الرجل، وعلى خمار المرأة، عند الحاجة، بلا توقيت، ويكون المسح على أكثر العمامة أو الخمار، والأولى لبسهما على طهارة، وتأخذ الباروكة حكم العمامة، وخمر النساء، فيجوز المسح عليها عند الوضوء، ويجب نزعها عند الغسل، فإن لم توجد مشقة عند الوضوء،

стр. 5219

فيجب نزعها، والمسح على الشعر الأصلي، ولا يجوز لبس الباروكة للمرأة إلا إذا كانت صلعاء. عن عمرو بن أمية ﵁ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيهِ». أخرجه البخاري (١). ويجوز المسح على الخفين، والجوربين، والنعلين، والعمامة، وخمار المرأة، في الحدث الأصغر كالبول، والغائط، والنوم ونحوها، فإن أصابته جنابة في مدة المسح، أو أصاب المرأة حيض، فلا يمسح، ويلزمه الغسل لكل بدنه، ثم لبس الخف، أو الجورب، ونحو ذلك. • صفة المسح على الجبيرة: أولاً: يجب المسح على الجبيرة واللفائف من جميع الجهات إلى حَلِّها ولو طال الزمن، أو أصابته جنابة، أو لبسها على غير طهارة، وإن لم يمكنه المسح إلا على بعضها أجزأه ذلك. ثانيًا: الجرح إن كان مكشوفًا فالواجب غسله بالماء، فإن تضرر مَسَحَ الجرح بالماء، أو تعذر المسح بالماء، عَدَل إلى التيمم. وإن كان الجرح مستورًا مَسَحه بالماء، فإن تعذر عدل إلى التيمم، وفي كلا الحالين يكون التيمم بعد الفراغ من غسل أعضاء الوضوء.

стр. 5220

٣ - صفة الغسل الغسل: هو التعبد لله بغسل جميع البدن بماء طهور، على صفةٍ مخصوصة. • موجبات الغسل: موجبات الغسل ستة: الأول: خروج المني دفقًا بلذة من رجل، أو امرأة، استمناءً، أو جماعًا، أو احتلامًا. الثاني: تغييب حشفة الذكر في الفرج، ولو لم ينزل. الثالث: إذا مات المسلم إلا شهيد المعركة في سبيل الله. الرابع: إذا أسلم الكافر. الخامس: الحيض. السادس: النفاس. عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». متفقٌ عليه (١). • صفة الغسل المجزئ: أن ينوي المسلم الغسل، ثم يعم بدنه بالغسل مرةً واحدة بالماء. • صفة الغسل الكامل: أن ينوي المسلم الغسل، ثم يغسل يديه ثلاثًا، ثم يغسل فرجه وما لوَّثه، ثم يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يُروي رأسه بالماء ثلاثًا، ويخلِّل شعره بيده، ثم يغسل بقية جسده مرة واحدة، ويتيامن، ويدلكه، ولا يسرف في الماء.
следующие страницы →