← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهَ فَلا يَعْصِهِ». أخرجه البخاري (١). الثاني: النذر المباح، كأن يقول: لله علي أن ألبس هذا الثوب، أو أركب هذه السيارة، أو أصعد هذا الجبل، هذا فعلٌ مباح يستوي فعله وتركه، فيُخير بين فعله وبين كفارة يمين. عن عقبة بن عامر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». أخرجه مسلم (٢). الثالث: النذر المكروه، كأن يقول: لله علي أن آكل هذا الثوم ونحو ذلك من المكروهات، هذا يُستحب له أن يُكفر عن يمينه، ولا يفعل ما نذر. عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». أخرجه مسلم (٣). الرابع: نذر المعصية، هو نذر فعلٍ محرم، كأن يقول: لله علي أن أقتل فلاناً، أو لله علي أن أشرب الخمر، أو لله علي أن أصوم يوم العيد، أو أصلي بلا وضوء ونحو ذلك. فهذا النذر محرم، ولا يصح ويحرم الوفاء به وعليه أن يُكفر عنه كفارة يمين. عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا وَفَاءَ لِنِذْرٍ في مَعْصِيَة وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ العبد». أخرجه مسلم (٤).

стр. 6932

وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَة وكفارته كفارة يمين». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١). الخامس: نذر اللجاج والغضب، وهو أن يعلق نذره بشرطٍ بقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب، كأن يقول: إن كلمت فلانًا فلله علي صيام شهرين، أو يقول: إن لم أفعل كذا فمالي كله هبة، أو عبيدي أحرار، أو يقول مؤكدا لصدقه: لله علي إن كان كلامي كذبًا أن أصوم شهرًا، أو يكذب أحدًا، ويقول: إن كان ما تقوله صدقًا فعبيدي أحرار فهذا النذر إن شاء فعل ما نذر، وإن شاء كفر عنه كفارة اليمين. عن عقبة بن عامر ﵁ عن الرسول ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». أخرجه مسلم (٢). وعن علي ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». أخرجه مسلم (٣). السادس: النذر المطلق، وهو النذر الذي لم يعين فيه شيء كأن يقول: لله علي نذر، ولم يُسمي شيئًا، فهذا الناذر تلزمه كفارة يمين، ويتحلل من نذره. عن عقبة بن عامر ﵁ عن الرسول ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». أخرجه مسلم (٤).

стр. 6933

• أنواع النذر: النذر من حيث صفته نوعان: الأول: نذرٌ إنشائي، ويُسمى النذر المطلق، كأن يقول مثلًا: لله علي أن أنحر بدنه، وأطعمها الفقراء، أو يقول: لله علي أن أصوم شهرًا، أو أتصدق بكذا، فهذا النذر عبادة، وقد مدح الله الموفين به، كما قال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]. الثاني: نذرٌ معلقٌ أو مقيدٌ بمصلحة للناذر كقوله: لله علي كذا إن شفا الله مرضي، أو ربح مالي، أو قدم أخي، فهذا النذر مكروه كما سبق. عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لا يُغني مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». متفقٌ عليه (١).

стр. 6934

٤ - الخزانة الرابعة • حكم النذر فيما يشق على الإنسان: يُكره للإنسان النذر في كل ما يشق عليه من الأعمال والطاعات، فمن نذر نذرًا لا يطيقه، ويلحقه به مشقًة كبيرة، كمن نذر أن يقوم الليل كله، أو يصوم الليل كله، أو يتصدق بماله كله، أو يحج ماشيًا ونحو ذلك؛ فهذا لا يجب عليه الوفاء به، وعليه كفارة يمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. وعن ثابت بن الضحاك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ». متفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أَدْرَكَ شَيْخاً يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ، يَتَوَكّأُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ : مَا شَأْنُ هَذَا؟». قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ الله كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ ارْكَبْ أَيّهَا الشّيْخُ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ». أخرجه مسلم (٢). • حكم الحنث في اليمين: إذا خالف الحالف مقتضى اليمين بفعل ما حلف على تركه، أو تَرْك ما حلف على فعله، فقد حنث.

стр. 6935

ويختلف حكم الحنث باختلاف الفعل المحلوف عليه كما يلي: أولًا: إذا حلف على ترك واجب كالصلاة، أو فعل محرم كالزنا؛ فهذا يجب عليه أن يفعل الواجب، ويترك المحرم، ويكفِّر عن يمينه كفارة يمين. ثانيًا: إذا حلف على ترك مستحب كالسواك، أو فعل مكروه كالتخصر في الصلاة؛ فهذا يستحب له أن يفعل المستحب، ويترك المكروه، ويكفِّر عن يمينه كفارة يمين. ثالثًا: إذا حلف أن يفعل الواجب كأن يصل رحمه، أو يترك المحرم كالزنا؛ فهذا يحرم عليه الحنث. رابعًا: إذا حلف على فعل مستحب، أو ترك مكروه، كما لو حلف أن يغتسل يوم الجمعة، فهذا يكره له الحنث، فيبر بيمينه. خامسًا: إذا حلف على فعل مباح أو تركه، كما لو حلف أن يشتري هذه السيارة مثلاً؛ فهذا مخير، إن شاء حنث فلا يشتريها، وعليه كفارة يمين، وإن شاء اشتراها، والأوْلى أن يفعل الأحسن والأنفع له. • حكم من عجز عن الوفاء بالنذر: من نذر فعل طاعة من صلاة أو صدقة أو صيام ونحو ذلك، ثم عجز عن الوفاء بما نذر لكبر أو مرض؛ فإن كان يرجى زوال عجزه انتظر زواله، وإن كان لا يرجى زواله؛ فلا يلزمه الوفاء به؛ لعجزه، وعليه كفارة يمين. عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله؟ قَال: «كَفّارَةُ النّذْرِ كَفّارَةُ اليَمِين». أخرجه مسلم. (١)

стр. 6936

• حكم من خلط في نذره طاعة ومعصية ومشقة: من خلط في نذره طاعة بمعصية ومشقة لزمه فعل الطاعة، وترك المعصية والمشقة، ولا كفارة عليه. عن بن عباس ﵄ قال: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». أخرجه البخاري (١). • حكم من نذر أن يصوم أيامًا فوافق يوم عيد: من نذر أن يصوم أياماً فوافق ذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى، فلا يجوز له صوم يوم العيد، ولا كفارة عليه. عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَسَألَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: نَذَرْتُ أنْ أصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلاثَاءَ أوْ أرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ، فَوَافَقْتُ هَذَا اليَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أمَرَ اللهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنُهِينَا أنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَهُ، لا يَزِيدُ عَلَيْهِ». متفق عليه (٢). • مصرف النذر: مصرف النذر بحسب نية صاحبه في حدود الشرع. فإن نوى بالمنذور من طعام أو غيره للفقراء؛ فلا يجوز أن يأكل منه، وإن نوى بنذره أهل بيته، أو رفقته، أو أصحابه، جاز له أن يأكل كواحد منهم.

стр. 6937

• حكم من نذر ثم مات: من نذر نذرًا، ثم مات قبل أن يقضيه: فإن تمكن من القضاء ولم يقضه، قضاه عنه وليه، إن كان مما تدخله النيابة كالصوم، والصدقة ونحوهما كالحج، والعمرة. وإن لم يتمكن من القضاء حتى مات، فلا قضاء عليه ولا كفارة. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ الله? فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمّهِ، تُوُفّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فَاقْضِهِ عَنْهَا». متفق عليه (١). • حكم النذر لغير الله: النذر عبادة من العبادات، فلا يجوز صرفه لغير الله؛ لأنه يتضمن تعظيم المنذور له، والتقرب إليه بالمنذور، فمن نذر لغير الله من قبر، أو صنم، أو مَلَك، أو نبي، أو ولي، فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، وارتكب محرمًا عظيمًا، ووَضَع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وهو الله المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهذا النذر باطل يحرم الوفاء به، ولا ينعقد: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام/ ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].

стр. 6938

• حكم من نذر ثم جن: إذا نذر الإنسان نذرًا معينًا بيوم أو شهر، ثم جُنَّ قبل أن يصل ذلك اليوم؛ فلا قضاء عليه بالنسبة للعبادات البدنية؛ لأنه مرفوع عنه القلم. وأما العبادات المالية كالصدقة، فيلزم أهله إخراجها من ماله؛ لأنها متعلقة بالمال لا بصاحبه، فلو قال: إن قدم زيد فعلي أن أتصدق بكذا، فقدم زيد وهو مجنون فتلزمه. • حكم تعليق النذر بالمشيئة: إذا علق النذر بالمشيئة كأن يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ففي النذر الذي حكمه حكم اليمين ليس عليه حنث. وإن نذر فعل طاعة، فإن كان قصده التعليق فلا شيء عليه، وإن كان قصده التحقيق أو التبرك، وجب عليه أن يفعل حسب نيته. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى». متفقٌ عليه (١).

стр. 6939

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية الجزء الثامن ويشتمل على المباحث التالية: ٤٨ - خزائن الدنيا والآخرة ٤٩ - خزائن الطاعات والمعاصي ٥٠ - خزائن الكبائر والصغائر ٥١ - خزائن الربح والخسارة ٥٢ - خزائن الحسنات والطاعات ٥٣ - خزائن السعادة والشقاوة ٥٤ - خزائن الحياة والموت ٥٥ - خزائن الثواب والعقاب. ٥٦ - خزائن النواهي الشرعي

стр. 6940

قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].

стр. 6941

٤٨ - خزائن الدنيا والآخرة وتشتمل على ما يلي: ١ - فقه الدنيا والآخرة. ٢ - قيمة الدنيا والآخرة. ٣ - فقه حب الدنيا. ٤ - فقه الحياة العالية. ٥ - أحوال الخلق في الدنيا. ٦ - فقه الغربة ٧ - فقه الحياة والموت ٨ - فقه درجات الآخرة ٩ - طبقات الخلق في الآخرة.

стр. 6942

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٤٨ - خزائن الدنيا والآخرة القسم الأول وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 6943

٤٨ - خزائن الدنيا والآخرة القسم الأول ١ - الخزانة الأولى ١ - فقه الدنيا والآخرة قيمة الدنيا: وصف الله الحياة الدنيا بالدنيا؛ لانحطاط مرتبتها، ولسبقها على الآخرةِ في الزمن، ولقصر مدتها بالنسبة للآخرة، ولدنو مرتبتها بالنسبة للآخرة: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. والدنيا لها سقف محدود، فمهما كنت غنيًا وجيهًا فليس لك من الأكلِ إلا ما تملأ به معدتك، وليس لك من الثياب التي ترتديها إلا ما لبست، ولن تستطيع أن تنام إلا على فراش واحد، ولن تستطيع أن تجلس إلا في مكان واحد في وقت واحد. أما العمل للآخرة فمطلق لا سقف له، فاعمل ما شئت من الأعمال الصالحة من الصلاةِ، والصيامِ، والحجِ، والأذكارِ، والأدعية، وغيرها من أعمال البرِ، والإحسان: كالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله، وهذه هي الباقيات الصالحات: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].

стр. 6944

والآخرة بالنسبة إلى الدنيا كالأصلِ بالنسبة إلى الفرع، وكالجسمِ بالنسبة إلى الظل، فكل ما في الدنيا فلا بد له في الآخرةِ من أصل، وكل ما في الآخرة فلا بد له في الدنيا من مثال. ففي العالم العلوي: عالم الروحانيات، عالم الأضواء والأنوار، والبهجة والسرور. والروحانيات: هم الملائكة، وهم مختلفون في الكمال، والنقصان، فخلق الله من بينهم واحدًا هو أشرفهم، وأكملهم، وأعظمهم، وجعل جميع ما سواه في طاعته، وتحت أمره، ونهيه، وهو جبريل ﷺ الذي قال عنه ربه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] وخلق الله تعالى في العالم السفلي مخلوقات عظيمة، واصطفى منهم الإنسان، واصطفى من بني آدم شخص واحد، هو سيد أشخاص هذا العالم، وأكملهم، وأعلاهم، ليكون كل ما سواه في طاعته، وتحت أمره، ونهيه وهو محمد ﷺ : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فجبريل مُطاعٌ في العالم العلوي، ومحمد ﷺ مُطاعٌ في العالم السفلي، وبين المُطاعينِ ملاقاة بأمر الرب سبحانه. فالمُطاع في عالم الأرواح هو المصدر، والمُطاع في عالم الأجسام هو المظهر، والمصدر هو الرسول الملكي الذي يتلقى الأوامر من ربه ، ويوصلها إلى الرسول البشري، وبهما يتم أمر السعادة والفلاح في الدنيا

стр. 6945

والآخرة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وكمال حال الرسول البشري في الدعوة إلى الله، وإلى دينه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وكمال أمته بإتباعه، والاقتداء به: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. ومن قام بالعمل الكامل، نال الثواب الكامل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. والدنيا دار الإيمان والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب، ولا بد لكل عامل من ثواب أو عقاب، بحسب عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. والدنيا دار أولها عناء، وآخرها فناء، وحلالها حساب، وحرامها عقاب، من استغنى بها فُتِن، ومن افتقر فيها حزن، والدنيا قد أدبرت، وآذنت بوداعٍ، والآخرة قد أقبلت، وأشرفت باطِّلاعٍ، والدنيا مضمار الخلق، فمن عمل فيها خيرًا وجده، ومن عمل شرًا وجده: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].

стр. 6946

والجزاء في الآخرة من جنس العمل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. والسباق غدًا في الآخرة، ومن لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم على الهدى مال به الهوى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. والدنيا وقتها محدود، والآخرة وقتها مطلقٌ غير محدود، وشهوات الدنيا محدودة، وشهوات الآخرة مطلقة غير محدودة، ودنيا كل أحدٍ بقدر عمره، وعمره فيها مجهول لا يدري متى يموت، ورزقك فيها بقدر ما قسم الله لك، لا بقدر جهدك: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢]. فكل مخلوق أمره الله بعبادته، وقسم له رزقه، كميةً، ونوعيةً، ومكانًا، وزمانًا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. أما الآخرة فعمرها مطلق، وعمرك فيها مطلق، والنعيم فيها على قدر عطاء الخالق، والرابح حقًا من استعمل الدنيا، وما وهبه الله، في سبيل الوصول

стр. 6947

إلى رضوان الله، والجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى عن الأنبياء، والرُسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والدنيا دار الغرور، فكل من كفر بالله، وعصاه، إنما غرته الحياة الدنيا؛ لأن الدنيا دار الغرور، تغر الجاهل فيشتغل بشهواتها ولذاتها، عن موجبات الجنة من الإيمان، والأعمال الصالحة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. فالجنة حُفت بالمكارة، وما يُدخِل الجنة فيه تكاليف شاقة على من لم يهده الله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٦ - ٧]. والرجل يكون عزيزًا مُطاعًا في الدنيا، فإذا أسلم كان من عامة الناس، وكذلك أوقات التكاليف الشرعية من صلاة، وصوم يفضلون عليها لذات الدنيا، وشهواتها التي تُشغِل الإنسان عن معاده كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٢٩ - ١٣٠].

стр. 6948

والدنيا من الناحية المادية بستان عظيم، زينه الله بأنواع الزينة ابتلاءً واختباراً للناس كما قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧] وقال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. وقال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٧ - ٨]. والدنيا من الناحية المعنوية بستان عظيم زُينت بخمسة أشياء: علم العلماء .. وعدل الأمراء .. وعبادة العُباد .. وأمانة التجار .. ونصيحة المحترفين. فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس: جاء بالحسد فركزه في جنب العلم، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦]. فاحذر الشيطان، وأغلق تلك الأبواب عنه، لئلا يُفسِد عليك دنياك، وأخراك: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ

стр. 6949

مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢] والله إذا أعطى عبده من الدنيا، فينبغي أن يبتغي بها ما عند الله بالإحسان، والصدقات، وسائر الأعمال الصالحة، ولا يقتصر على مجرد نيل الشهوات واللذات، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، بل يُنفق لآخرته، ويستمتع بدنياه استمتاعًا لا يضر به دينه، ولا يضر به آخرته، فيأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ويعطي للدين بقدر الطاقة ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وإقامة دين الله في الأرض يحقق الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة على السواء، لا افتراق بين دينٍ، ودنيا، ولا افتراق بين دنيا، وآخرة، فهو منهج واحد للدنيا والآخرة للدين والدنيا كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. فالإيمان والتقوى كما يكفل لأصحابه جزاء الآخرة بثواب الجنة الحسن، كذلك يكفل لهم صلاح أمر الدنيا، ويحقق لأصحابه جزاء العاجلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا

стр. 6950

تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]. فليس هناك طريق مستقل لحسن الجزاء في الآخرة، وطريق آخر مستقل لحُسن الحياة في الدنيا، إنما هو طريق واحد، من ربٍ واحد، ومن كتابٍ واحد تصلح به الدنيا والآخرة: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. فإذا تنكبت الأمة هذا الطريق المستقيم، فسدت الدنيا، وخسرت الآخرة: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. وهذا الطريق هو الإيمان والتقوى، التي علامتها تحقيق المنهج الإلهي في النفس، وفي الحياة الدنيا، وبذلك تصلح الحياة الدنيوية والحياة الأخروية. إن المنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلًا عن الدنيا، ولا يجعل سعادة الآخرة بديلًا عن سعادة الدنيا، ولا يجعل طريق الآخرة غير طريق الدنيا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. لقد افترق طريق الدنيا، وطريق الآخرة، في تفكير كثير من الناس، بحيث اعتقدوا أنه لا سبيل للالتقاء بين الطريقين، والطرفين، فعلى الإنسان إما أن يختار طريق الدنيا، فيُهمل الآخرة من حسابه، وإما أن يختار طريق الآخرة، فيهمل الدنيا من حسابه، ولا سبيل للجمع بينهما في تصورٍ، ولا واقع،

стр. 6951

وهذا ضلال مبين، غر به الشيطان أكثر الخلق: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. فالذي يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. هو الذي يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠]. وهو الذي يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. وقد ساعد على هذا الفهم الناقص أن واقع الناس في هذا الزمان يوحي بهذا، وحقاً إن أوضاع الحياة الجاهلية الضالة البعيدة عن الله، وعن منهجه في الحياة اليوم، تُباعد بين طريق الدنيا، وطريق الآخرة، وتُلزم واقعاً على الذين يريدون البروز في الدنيا، والكسب في مضمار المنافع الدنيوية، أن يتخلوا عن طريق الآخرة، ويتحللوا من الدين والأخلاق، والآداب التي يحض عليها الدين. وفي الوقت نفسه تُلزم الذين يريدون النجاة في الآخرة أن يتجنبوا تيار هذه الحياة الدنيا، وأوضاعها القذرة، والوسائل التي يصل بها الناس في مثل هذه الأوضاع إلى البروز في المجتمع، والكسب في مضمار المنافع، لماذا؟.

стр. 6952

لأنها وسائل لا يمكن أن تكون نظيفة، ولا مطابقة للشرع، والدين، والخلق، ولا مرضية لله سبحانه، ورأت الأمة هذه ضربة لازب فلا مفر منه، ولا سبيل إلى اللقاء بين طريق الدنيا والآخرة عند كثير من الناس: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. ورأت هذا كله ليس بصحيح، فالعداء بين الدنيا والآخرة، والافتراق بين طريق الدنيا، وطريق الآخرة، ليس هو الحقيقة التي لا تقبل التبديل، إنما ذلك عارض ناشئ من انحراف طارئ، وسلوك الطريق المعوج، واستبعاد سلوك الصراط المستقيم: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. والله يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فالأصل في الحياة الإسلامية التي جاء بها الشرع، أن يلتقي فيها طريق الدنيا، وطريق الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وأن يكون الإنتاج، والنماء، والوفرة في عمل الأرض، هو ذاته المؤهل لنيل ثواب الآخرة، كما أنه المؤهل لرخاء هذه الحياة الدنيا، وأن يكون الإيمان، والتقوى، والعمل الصالح، هي أسباب عمران هذه الأرض، كما أنها هي وسائل الحصول على رضوان الله، وثوابه الأخروي، ويكون ذلك إذا تم تحقيق منهج الله في الأرض؛ لصلاح الدنيا، والدين: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ

стр. 6953

زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. هذا المنهج وحده هو الذي جعل العمل حسب أمر الله عبادة، وهو الذي جعل الخلافة في الأرض وفق شريعة الله فريضة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. فالخلافة في الأرض عملٌ وإنتاجٌ يتم به تنفيذ أوامر الله في إصلاح الدنيا، والآخرة، ويُعتبر قيام الإنسان بهذه الوظيفة وفق منهج الله وشريعته طاعة ينال العبد عليها ثواب الآخرة، ويظفر بخيرات الدنيا التي سخرها له ربه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢٠ - ٢١].

стр. 6954

فالإنسان الذي لا يفجر ينابيع الأرض، ولا يستغل طاقات الأرض، والكون المسخر له، يُعتبر عاصياً لله، ناكلًا عن القيام بالوظيفة التي خلقه الله لها، تاركًا للأسباب التي جعلها الله سبباً لصلاح دنياه، كما أن التارك لفرائض وأركان الإسلام يكون عاصياً لربه، ناكلًا عن امتثال أوامره التي جعلها الله سبباً لإصلاح دنياه، وآخرته. فالذي يترك أسباب الكسب والمعيشة، يكون معطلًا لرزق الله الموهوب للعباد، جافيًا عنه، راضيًا بما يلقمه الناس من فضلاتهم، ويقف ذليلًا بأبوابهم، وقد ترك الباب الذي فتحه الله له، ليكسب الدنيا والآخرة، وينشغل في معاشه عن أوامر الله وطاعته، وهكذا يخسر الآخرة؛ لأنه خسر الدنيا، وقد أمرنا الله بالقيام بأسباب الكسب للدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].

стр. 6955

٢ - الخزانة الثانية قيمة الدنيا: هذا الدين وسط يجمع بين العمل للدنيا، والعمل للآخرة في توافقٍ وتناسق، فلا يفوِّت على الإنسان دنياه لينال آخرته، ولا يفوِّت عليه آخرته لينال دنياه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤]. فسعادة الإنسان وشقاوته بيده واختياره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١]. والدين الإسلامي يُلزم الفرد أن يبذل أقصى طاقاته الجسمية والعقلية في العمل والإنتاج، وأن يبتغي بالعمل والإنتاج وجه الله، فلا يظلم، ولا يغدر، ولا يغش، ولا يخون، ولا يأكل من سُحت، ولا يأكل أموال الناس بالباطل، ولا يسرق، ولا يختلس، ولا يحتكر، مع الاعتراف لله بالملكية، وأداء حق الفقراء في ماله في حدود ما فرض الله . والإسلام يُسجل للفرد عمله في هذه الحدود وفق شرع الله، عبادة يجزيه عليها بالبركة في الدنيا، وبالجنة في الآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 6956

وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]. ويربط المنهج الإسلامي بين العبد وربه، رباطًا أقوى بالشعائر التعبدية التي يفرضها الله عليه، يستوثق بهذا الرباط من تجدد صلته بالله في اليوم الواحد خمس مرات بالصلاة، وفي كل حين بكثرة الذكر لله ، وفي العام الواحد ثلاثين يوماً يصوم رمضان، وفي العمر كله يحج بيت الله الحرام، وفي كل موسم أوفي كل عام بإخراج الزكاة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ومن هنا نعلم قيمة الفرائض التعبدية في الإسلام، إنها تجديد للعهد مع الله على الارتباط والالتزام بمنهجه الكلي للحياة، وهي قربى إلى الله يتجدد منها العزم على النهوض بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وهذا هو المنهج الذي يريده الله، يُنظِم أمر الحياةِ كلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام/ ١٦٢ - ١٦٣]. وكذا يتجدد معها الشعور بعون الله ومدده على حمل التكاليف التي يتطلبها النهوض بهذا المنهج الكلي العظيم المتكامل، والتغلب على شهوات الناس، وعنادهم، وانحرافهم، وأهوائهم، حين تقف في الطريق.

стр. 6957

وليست الشعائر التعبدية من صلاةٍ، وذكرٍ، وصيامٍ، وحجٍ، وزكاةٍ، ونحوها أمورًا منفصلة عن شئون العمل والإنتاج، والتوزيع والإنفاق، إنما الإيمان، والتقوى، والشعائر التعبدية شطر المنهج المُعين على أداء شطره الآخر: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. إن الإسلام لا يُقدم الآخرة بديلًا عن الدنيا ولا العكس، إنما يقدمهما معًا في طريقٍ واحد، وبجهدٍ واحد، ولكنهما لا يجتمعان معًا في حياة الإنسان إلا إذا اتَّبع منهج الله وحده في الحياة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣]. وكذلك الإسلام لا يُقدِم الإيمان، والعبادة، والصلاح، والتقوى بديلًا عن العمل، والإنتاج، والتحسين، في واقع الحياة المادية، وليس هو المنهج الذي يَعِد الناس فردوس الآخرة، ويرسم لهم طريقه، بينما يدع الناس أن يرسموا لأنفسهم الطريق المؤدي إلى فردوس الدنيا. فالعمل، والإنتاج، والتنمية، وتحسين واقع حياة الناس، واستغنائهم عن غيرهم، وكسبهم حسب أمر الله، وحسب توجيه شرعه، ذلك وظيفة، وفريضة الخلافة في الأرض: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].

стр. 6958

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. إن العملَ، والإنتاج، واستغلال خيرات الأرض، والتنمية في جميع المجالات، وتحسين واقع حياة الناس، حسب أمر الله، ذلك وظيفة، وفريضة للخلافة في الأرض، والإيمان، والعبادات، والصلاح، والتقوى، تُمثل الضوابط، والدوافع، والحوافز، لتحقيق منهج الله في الحياة حسب أمر الله، ورسوله، وهذه وتلك مؤهلات والفردوس الأرضي، والفردوس الأخروي، الفردوس الدنيوي، والفردوس الأخروي معًا. والطريق هو الطريق، ولا تصادم بين الدين، وبين الحياة الواقعية المادية، وأمر الله في هذه وهذه كله عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، فالدين يستغرق، ويشمل حياة الإنسان كلها كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. ولكن الناس لما ابتعدوا وشردوا عن منهج الله وشرعه، واتخذوا لهم مناهج أخرى مُعادية لمنهج الله، جاء هذا الفِصام النكد بين طريق الدنيا، وطريق الآخرة، في حياة الناس، وبين العمل للدنيا، والعمل للآخرة، وبين العبادة الروحية، والإبداع المادي، وبين النجاح في الدنيا، والنجاح في الحياة الأخرى، حسب أمر الله، وذلك فكرٌ أضل به الشيطان كثيرًا من الناس: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].

стр. 6959

وقال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. وبسبب هذا الفصل جاء الشقاء والألم على الطرفين: فمن أقبل على الدنيا، وترك الدين، يعيش في قلق وحيرة، وشقاء قلب، وذلك من جراء خواء قلوبهم من طمأنينة الإيمان، وبشاشته، إذ هم آثروا إطراح الدين كله، على زعم أن هذا هو الطريق الوحيد للعمل، والإنتاج، والنجاح، في الحياة: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. وهؤلاء إن ملئوا جيوبهم بالأموال إلا أنهم يصارعون الجوعة الفطرية إلى عقيدة تملأ القلب، ولا تُطيق الفراغ، والخواء، وهي جوعة لا يملؤها إلا الإيمان بالله الذي يُولد الطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وهم يؤدونها كذلك قلقًا، وحيرة، وشقاء قلب، إذا هم حاولوا الاحتفاظ بعقيدة في الله، وحاولوا معها مزاولة الحياة، وكسبها على غير منهج الله. فتصادم العقيدة الدينية، والخلق والسلوك الديني، مع الأوضاع والقوانين المخالفة لمنهج الله، يحصل بسبب ذلك الشقاء، والتعب: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].

стр. 6960

وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. والبشرية اليوم تعاني ما تعاني من ذلك الشقاء، فقد صَوَّر لها الأعداء أن الدين لله، وأن الحياة للناس، يفعلون فيها ما يشاءون، وتؤدي البشرية هذه الضريبة الفادحة الخاسرة، ضريبة الشقاء، والقلق، والحيرة، والخواء؛ لأنها لا تهتدي إلى منهج الله الكامل، الذي لا يفصل بين الدنيا والآخرة، بل يجمع بينهما، ولا يُقيم التناقض والتعارض بين الرخاء في الدنيا، والرخاء في الآخرة بل يُنسِق. ولا تخدعنا ظواهر كاذبة في فترة موقوتة، حينما نرى أممًا لا تؤمن بالله، ولا تتقي، ولا تُقيم منهج الله في حياتها، وهي موفورة الخيرات، كثيرة الإنتاج، عظيمة الرخاء، إنه رخاء موقوت حتى تفعل السُنن الإلهية الثابتة فعلها الثابت، وحتى تظهر آثار الفِصام النكد بين الإبداع المادي، والمنهج الرباني: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٨]. وقد حصل ذلك وظهر في صورٍ شتى، ظهر في سوء التوزيع في هذه الأمم، مما يجعل المجتمع حافلًا بالشقاء، والأحقاد، والخوف، والرعب وهذا بلاء على رغم الرخاء: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].

стр. 6961

وظهر هذا في الانحلال النفسي، والخلقي، وظهر في القلق العصبي، والأمراض المنوعة التي اجتاحت العالم، وبخاصة أشدها رخاءً، مما يهبط بمستوى الذكاء، والاحتمال، ويهبط بعد ذلك بمستوى العمل والإنتاج. وظهر كذلك في الخوف الذي تعيش فيه البشرية كلها من الدمار العالمي المتوقع كل لحظة، والذي يحصل الآن في كل لحظة، وقد بدت بوادره، وهو خوف يضغط على أعصاب الناس، فيصيبهم بشتى الأمراض العصبية. ولم ينتشر الموت بالسكتة، وانفجار المخ، والانتحار، كما انتشر في أمم الرخاء التي حُرِمت أو حَرَمت نفسها من نعمة الإيمان. وأخيرًا يؤدي هذا الفصل بين الدين والدنيا في النهاية إلى الهلاك، والدمار للأممِ، والشعوب: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].

стр. 6962

٣ - الخزانة الثالثة حقيقة الدنيا والآخرة إن اتخاذ منهج للآخرة من عند الله ، واتخاذ منهج للدنيا من عند الناس، في حياةٍ واحدة، ومجتمعٍ واحد، كل ذلك يؤدي إلى التصادم المؤدي إلى الهلاكِ، والدمارِ، والاضطراب، فلإقامة ديننا ودنيانا، نمتثل أمر واحد وهو الله الواحد القهار: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فدين الله يقوم على الإيمان، والتقوى، وإقامة منهج الله في الحياة، والقيام بالعمل والإنتاج للنهوض بالخلافة في الأرض، وإذا اجتمعت هذه الأمور تحقق شرط الله لهذه الأمة، فأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم في الدنيا، وكُفِّرت عنهم سيئاتهم، ودخلوا جنات النعيم في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]. فالأساس هو الإيمان، والتقوى، وتحقيق المنهج الرباني في الحياة الواقعية، وهذا يتضمن في ثناياه العمل والإنتاج، وسهولة استقامة الحياة، فضلًا على

стр. 6963

أن للصلة بالله مذاقها التي يسعد بها المرء في حياته: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. والله ﵎ غني عن العالمين، فالإيمان، والتقوى، والعبادة، والصلة بالله، وإقامة شريعة الله في الحياة، كل ذلك ثمرته للإنسان، والحياة الإنسانية: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. وإذا شدد المنهج الإسلامي على هذه الأسس والأصول، فليس هذا معناه أن الله سبحانه يناله شيء من إيمان العباد، وتقواهم، وعبادتهم له، وتحقيق منهجه في الحياة، أو أن الله محتاج إلى ذلك، ولكن لأن الله ﷻ رءوف رحيم، يعلم أنه لا صلاح للبشرية، ولا فلاح لهم إلا بهذا المنهاج الإلهي الذي يسعدون به في الدنيا، والآخرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. والله له الخلق كله، وله الأمر كله، وله الملك كله، وإليه يرجع الأمر كله، ونحن عبيده، وليس علينا إلا امتثال أوامره فيما يُصلِح ديننا، ودنيانا،

стр. 6964

وفيما يُصلِح دنيانا، وآخرتنا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا، عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبحر، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ». أخرجه مسلم (١). فشرط الله قائم، والطريق إليه معروف، والوفاء بالشرط سهل لو كانوا يعقلون.

стр. 6965

والحياة في الإسلام ليست هذه الفترة القصيرة التي تُمثل عُمر الإنسان، ولا هي هذه الفترة المحدودة التي تُمثل عُمر الأمة من الناس، كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تُمثل عُمر البشرية في هذه الحياة الدنيا، بل الحياة واسعة تمتد طولًا في الزمان، فتشمل فترة الحياة الدنيا، وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها، وعظمتها، ونعيمها إلا الله، وفترة الدنيا بالنسبة إليها كساعة من نهار. وتمتد الحياة في المكان فتُضيف إلى هذه الأرض التي نعيش عليها دارًا أخرى: جنة عرضها كعرض السماء والأرض، ونارًا تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض في الدنيا كما قال سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. وتمتد في العوالم فتشمل هذا الوجود المشهود إلى وجود مُغيب لا يعلم حقيقته كلها إلا الله، ولا نعلم نحن عنه إلا ما أخبرنا الله به من أحوال اليوم الآخر. وتمتد الحياة في حقيقتها فتشمل هذا المستوى المشهود في الحياة الدنيا، وإلى تلك المستويات الجديدة العالية الفائقة في الحياة الأخرى في الجنة، وبعكس ذلك في النار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: -٦٨].

стр. 6966

إن الرغبة في الآخرة لا تعني إهمال الدنيا، وتركها بلا جهد؛ لتحسينها، وإصلاحها، وتركها للطغاة، والمفسدين، تطلعًا إلى نعيم الآخرة، وإنما الدنيا مزرعة للآخرة، والجهاد في الحياة الدنيا؛ لإصلاح هذه الحياة، ورفع الشر والفساد عنها، ورد الاعتداء والظلم عن أهلها، وتحقيق الخير، والعدل للناس جميعًا، كل ذلك هو زاد الآخرة: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]. والدينُ ركنان: عبادة الحق .. والإحسان إلى الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. والمسلم إنما يزاول هذه الحياة الدنيا، وهو يعلم أنه أكبر منها وأعلى، ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها، وهو يعلم أنها حلال في الدنيا، خالصة له يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. وألوان الحياة في الآخرة لا يعلمها إلا الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧١ - ٧٢].

стр. 6967

ومذاقات النعيم في الآخرة ليست مثل مذاقات هذه الحياة الدنيا، ولا تساوي الدنيا بالنسبة إليها جناح بعوضة، وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. ويجاهد المسلم لترقية هذه الحياة، وتسخير طاقاتها وقواها، وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة حين استخلفه الله فيها: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٢]. ويكافح الإنسان الشر، والفساد، والظلم، محتملًا الأذى، وهو إنما يُقدم لنفسه في الآخرة، إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن ليس هناك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا، وأن الدنيا صغيرة زهيدة مؤقتة، ولكنها من نعمة الله التي يُجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى في الآخرة. والله ﵎ كما اجتبى الرسل، وأرسلهم لهداية البشرية، كذلك هو سبحانه اجتبى هذه الأمة، وأعطاها مهمة الإشراف على الحياة البشرية، وقيادتها بالدين إلى القمة السامقة، الذي يزين حياتها، ويُجملها في الدنيا والآخرة، ووعدهم على ذلك الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].

стр. 6968

وقد أمرنا الله بإقامة الدين، ونهانا أن نكون عبيدًا للدنيا، وقد فهم الصحابة ﵃ ذلك فركبوها ولم تركبهم، وعَبَّدوها لله، ولم تستعبدهم، وقاموا بالخلافة عن الله فيها بكل ما تقتضيه الخلافة عن الله من تعمير، وإصلاح، ولكنهم كانوا يبتغون في هذه الخلافة وجه الله، ويرجون الدار الآخرة، فسبقوا أهل الدنيا في الدنيا، ثم سبقوهم كذلك في الآخرة، والدنيا، وما فيها من النعيم، بالنسبة للآخرة لهو ولعب، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال : ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾ [الأنعام: ٣٢]. والإنتاج المادي النافع وفق منهج الله من مقومات خلافة الإنسان في الأرض بعهد الله، وشرطه. والاستمتاع بالطيبات منها حلال يدعو إليه الإسلام، ولكنه لا يعتبرها هي القيمة العُليا التي تُهدر في سبيلها خصائص الإنسان وأخلاقه، وأوقاته كما تعتبرها المجتمعات الجاهلية المُلحدة والمُشركة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. فما أبعد ما بين الدارين؟ دار يمكن أن تُطمس وتُحصد في لحظة كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ

стр. 6969

نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤] ودار النعيم والسلام التي نعيمها لا يزول، والناس فيها مخلدون كما قال سبحانه: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]. إن للجهد في هذه الأرض ثمرته، سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى، أو توجه إلى منافعه القريبة، وذاته المحدودة، فمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، فعمل لها وحدها، فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الدنيا، ويتمتع بها كما يريد في أجلِ محدود، ولكن ليس له في الآخرة إلا النار؛ لأنه لم يُقدِم للآخرة شيئًا، ولم يحسب لها حسابًا. فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا، ولكنه باطل في الآخرة، وحابط لا يقام له وزن، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

стр. 6970

وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٢]. ونحن نشهد في هذه الأرض أفرادًا وأممًا تعمل لهذه الدنيا، وتنال جزاءها فيها، ولدنياها زينة، وانتفاخ، وهذه سنة الله في هذه الأرض، وهؤلاء يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه، ونفوسهم تتطلع إلى الآخرة، وتراقب الله في الكسب، والمتاع، فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئاً، وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. إن العمل للآخرة لا يقف في سبيل العمل للدنيا، بل إنه هو هو مع الاتجاه إلى الله فيه، ومراقبة الله في العمل لا تُقلل من مقداره، ولا تُنقِص من آثاره، بل تزيد وتُبارِك الجهد، والثمر، وتجعل الكسب طيبًا، والمتاع به طيباً، ثم تُضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة. إن من أراد أن يعيش لهذه الدنيا وحدها، فلا يتطلع إلى أعلى من الأرض التي يعيش فيها، فإن الله يجعل له حظه من الدنيا حين يشاء، ثم تنتظره في الآخرة جهنم عن استحقاق، مذمومًا بما ارتكب، مدحورًا بما انتهى إليه من عذاب: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨]. فأهل الدنيا لا يتطلعون إلى أبعد من هذه الأرض، يتلطخون بوحلها، ورجسها، ودنسها، ويستمتعون فيها كالأنعام، ويستسلمون فيها للشهوات، والنزغات، ويرتكبون في سبيل تحصيل اللذة الأرضية ما يؤدي بهم إلى جهنم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا
следующие страницы →