• حقيقة اليمين:
النية في اليمين لها حالتان:
الأولى: اليمين الموجهة من القاضي لفصل الخصومة والنزاع تكون على نية المستحلِف وهو القاضي، فلا يصح فيها التورية أو الاستثناء.
الثانية: إذا حلف الإنسان باختياره، أو طلبها شخص منه دون أن يكون له عليه حق اليمين، فهذه تكون على نية الحالف في كل الأحوال، ويجوز للحالف التورية في يمينه، وله نيته.
عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ». أخرجه مسلم (٢).
• صيغة اليمين:
صيغة اليمين أن يقول الحالف: والله، أو وبالله، أو تالله، أو ورب العالمين، أو والحي الذي لا يموت، أو والذي له ملك السماوات والأرض ونحو ذلك من أسماء الله أو صفاته، وهي التي يُحلف بها غالبًا.
أو يحلف بصفة من صفات الله فيقول الحالف:
وعظمة الله، أو وعزة الله، أو ورحمة الله، أو وقدرة الله، أو وكبريائه، أو وكلامه، أو ومشيئته ونحو ذلك.
أو يحلف بكتاب الله، أو القرآن، أو المصحف، أو يحلف بالتوراة والإنجيل والزبور؛ لأنها كلام الله ، وكلامه سبحانه صفة من صفاته.
стр. 6897
• شروط اليمين:
يشترط في اليمين في مجلس القضاء ما يلي:
أولًا: أن يكون الحالف بالغاً عاقلاً مختاراً.
ثانيًا: أن يكون المدعى عليه منكراً حق المدعي.
ثالثًا: أن يطلب الخصم اليمين من القاضي، فيطلبها القاضي من الخصم.
رابعًا: ألا تكون في الحقوق الخالصة لله كالعبادات والحدود.
خامسًا: أن تكون في الحقوق التي يجوز الإقرار بها.
سادسًا: أن يعجز المدعي عن إحضار البينة.
• صفة اليمين:
اليمين تقطع الخصومة، ولا تُسقط الحق، فمن حكم له القاضي بحق غيره فلا يحل له، وهو عليه حرام.
والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
ويجوز للقاضي أن يُحَلِّف المدعى عليه، أو يُحَلِّف المدعي، حسب ما يراه.
واليمين مشروعة في أقوى الجانبين؛ لأن الأصل براءة الذمة إلا ببينة، فإذا لم تكن اكتفى منه باليمين.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنّ اليَمِينَ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١).
• أنواع اليمين:
تنقسم اليمين في مجلس القضاء إلى ثلاثة أنواع:
الأول: يمين الشاهد:
стр. 6898
وهي اليمين التي يحلفها الشاهد قبل أداء الشهادة للاطمئنان إلى صدقه، ويلجأ إليها القاضي أحياناً بدلاً من تزكية الشاهد عند ضعف الوازع الديني.
الثاني: يمين المدعى عليه:
وهي التي يحلفها المدعى عليه بطلب المدعي؛ لتأكيد جوابه عن الدعوى.
الثالث: يمين المدعي:
وهي التي يحلفها المدعي لدفع التهمة عنه، أو لإثبات حقه، أو لرد اليمين عليه.
وهي ثلاثة أنواع:
أولًا: اليمين الجالبة:
وهي التي يحلفها المدعي لإثبات حقه إما مع شهادة شاهد واحد، وهي اليمين مع الشاهد، وإما بسبب نكول المدعى عليه عن اليمين الأصلية، وردها القاضي إلى المدعي ليحلف، وهي اليمين المردودة.
وإما لإثبات الجناية على القاتل، وهي أيمان القسامة، وإما لنفي حد القذف عنه، وهي أيمان اللعان، وإما لتأكيد نفي الأمانة، فالقول قول الأمين مع يمينه كالوديع والوكيل ونحوهما.
ثانيًا: يمين التهمة:
وهي اليمين التي تُطلب من المدعي بقصد رد دعوى غير محقَّقة على المدعى عليه.
стр. 6899
ثالثًا: يمين التوثق والاستظهار:
وهي التي يحلفها المدعي بطلب القاضي مع الأدلة لدفع التهمة عنه، يلجأ إليها القاضي عادة إذا كانت الدعوى بحق على ميت أو غائب، لاحتمال أنه قد استوفى الدَّين أو أبرأه منه.
فيحلف المدعي، ويأخذ ما ادعاه بالبينة واليمين، لوجود الشك.
الآثار المترتبة على اليمين:
اليمين إما أن تكون من المدعي، أو المدعى عليه.
فإذا أدى المدعي اليمين مع الشاهد ثبت للمدعي الحق المحلوف عليه.
ويترتب على حلف اليمين من المدعى عليه سقوط الدعوى، وانتهاء النزاع بين المتداعيين، وعدم المطالبة في الحال.
فإن تمكن المدعي من إحضار بينة فيما بعد حَكَم له القاضي بعد ثبوت دعواه؛ لأن اليمين تزيل الخصومة، ولا تزيل الحق.
• مشروعية اليمين:
تشرع اليمين في حق كل مدَّعَى عليه، سواء كان مسلماً، أو من أهل الكتاب، فيحلف بالله إن لم تكن للمدعي بينة.
• أنواع الحقوق التي تجوز فيها اليمين:
أولاً: يجوز الحلف نفياً أو إثباتاً، في الأموال، وما يؤول إلى الأموال، وفي الحقوق التي بين العباد كالجنايات ونحوها.
ثانيًا: لا يجوز الحلف في حقوق الله المختصة، سواء كانت حداً كالزنا والسرقة ونحوهما، أو كانت عبادة كالصلاة والصوم ونحوهما؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والعبادات علاقة بين العبد وربه، فلا يتدخل فيها أحد.
стр. 6900
• حكم القضاء بالنكول:
إذا امتنع المدعى عليه من اليمين، فإنه لا يُقضى عليه بالنكول، ولكن تُردّ اليمين على المدعي في جميع الحقوق إلا الجنايات والحدود، فيحلف المدعي، ويقضي له القاضي بما ادعاه، فإن امتناع المدعى عليه عن اليمين أو سكوته قرينة على عدم صدقه، ودليل على صدق المدعي، وردها إلى المدعي أقوى في إثبات الحق؛ لأنها تشرع في أقوى الجانبين.
• حكم القضاء بشاهد ويمين:
أولاً: إذا قدَّم المدعي شاهدين على دعواه، وقُبلت شهادتهما، حكم له القاضي بما ادعاه.
وإذا عجز المدعي عن البينة، وطلب تحليف المدعى عليه:
فإن حلف المدعى عليه رُفضت دعوى المدعي.
ثانيًا: إن نكل المدعى عليه أو سكت، فلا يقضى عليه بالنكول، ولكن ترد اليمين على المدعي فيحلف ثم يأخذ حقه.
ثالثًا: إذا أقام المدعي شاهداً، وعجز عن تقديم شاهد آخر، فله أن يحلف مع الشاهد في الأموال، وما يؤول إلى الأموال، ما عدا القصاص والحدود.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ «أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ». أخرجه مسلم (١).
• خطر اليمين الكاذبة:
يحرم على الإنسان أن يحلف يميناً كاذبة، ليقتطع بها مال أخيه بغير حق، وهي اليمين الفاجرة، وذلك ظلم موجب لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة.
стр. 6901
عَنْ أبِي أمَامَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ الله؟ قال: «وَإنْ قَضِيبًا مِنْ أرَاكٍ». أخرجه مسلم (١).
وعن عَنْ عَبْدِ الله ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ، مُسْلِمٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. الآيَةَ». متفق عليه (٢).
• حكم تغليظ اليمين:
اليمين تكون بأن يقسم الحالف بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، وبهذه اليمين تثبت الحقوق، سواء كانت من مسلم أو كافر.
ويجوز للقاضي تغليظ اليمين فيما له خطر مما ليس بمال، ولا يقصد به المال كنكاح، وطلاق، ولعان، وجناية ونحو ذلك.
والتغليظ يكون مثلًا بزيادة اسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته، كأن يقول المسلم: أقسم بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم السر والعلانية ونحو ذلك.
ويقول اليهودي: أحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ونجاه ومن معه من الغرق.
ويقول النصراني: أحلف بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ونحو ذلك.
ومن أبى التغليظ لم يكن ناكلًا، ويكفيه الحلف بالله.
стр. 6902
والتغليظ يكون في الزمان: بعد صلاة العصر، ويكون في المكان: في مكة بين الركن والمقام، وفي المدينة عند منبر رسول الله ﷺ ، وفي سائر البلدان عند منبر المسجد.
وإن كان على القاضي حرج أَحْلف الخصم في مجلس القضاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦].
وَعَنْ ابنِ عُمَر ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَليَحْلِفْ بِالله أوْ لِيَصْمُتْ». متفق عليه (١).
• حكم الحلف بالطلاق:
اليمين بالطلاق لإثبات الحقوق، وإنهاء الخصومات، حرام، سواء كانت أمام القاضي أو غيره، ولو كان الحالف لا ينزجر إلا بها؛ لأن اليمين لا تكون إلا بالله أو أسمائه أو صفاته، ولأن القسم لتعظيم المقسَم به، ولا يجوز تعظيم غير الله، ولما في ذلك من تمزيق شمل الزوجية، والاستخفاف بالعقود.
وإذا طلب الخصم هذا الحلف لم يُجبه القاضي؛ لأنه حرام: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وتُشرع اليمين في حق كل مدّعى عليه، سواء كان مسلمًا أو من أهل الكتاب أن يحلف بالله إن لم تكن للمدّعي بيّنة.
стр. 6903
وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ: الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه (١).
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ». متفق عليه (٢).
فليتّق العبد ربه في جميع أموره، وفي جميع أحواله، إقرارًا أو شهادةً أو يمينًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
• شر الناس:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَينِ الَّذِي يَأْتي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه (٣).
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أَبغَضُ الرِّجَالِ إلى الله الأَ لَدُّ الخَصِمُ». متفق عليه (٤).
стр. 6904
٧ - الخزانة السابعة
٨ - أحكام السجن
• حكم الحبس:
الحبس أو السجن جائز عند الحاجة والضرورة؛ لحفظ حقوق الناس، وحمايتهم من المجرمين، وحفظ الجناة المنتهكين للمحارم، ومنعهم من الإضرار بالناس، ولا يجوز للإمام أن يحبس أحدًا إلا بحق، وإذا حبسه بحق وجب عليه المسارعة بالنظر في أمره:
فإن كان مذنبًا أُخذ بذنبه، وإن كان بريئًا أُطلق سراحه، ويحرم ضرب المتهم إلا إذا قامت القرائن على فجوره، فيُضرب ليقر بما فعل.
• أنواع الحبس:
الحبس نوعان:
أحدهما: حبس عقوبة.
الثاني: حبس استظهار.
فالعقوبة تكون في كل واجب من الحقوق مَنَعه.
والاستظهار ليستكشف به عما وراءه.
وينبغي أن يكون السجن واسعًا، وأن يعطى كل واحد من المساجين كفايته من الطعام واللباس، ويحرم إذلال السجين وإهانته بقول أو فعل؛ لما فيه من إهدار كرامته.
стр. 6905
ومنع السجين ما يحتاج إليه من الطعام واللباس ونحوها من الحقوق جَور يعاقِب الله عليه مَنْ فَعَله حتى ولو كان حيوانًا.
عَنْ عَبْد الله بنِ عُمَر ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «عُذّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرّةٍ سَجَنَتْهَا حَتّىَ مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ». متفق عليه (١).
وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: مَرَّ هِشَام بْن حَكِيم بْنِ حِزَام بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا». أخرجه مسلم (٢).
• حكم حبس المدين:
إذا ثبت الدين على أحد فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون المدين معسرًا أو معدمًا لا مال له.
فهذا لا يحكم القاضي بحبسه؛ لأن حبسه ظلم لا فائدة منه، وإنما يُترك ليسعى في الأرض ويكتسب؛ ليتمكن من سداد الدين الذي عليه أو بعضه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
стр. 6906
الثانية: أن يكون مشكوكًا في أمر المدين، هل هو موسر أم لا.
فهذا يحبسه القاضي لاختباره، بطلب غرمائه، ويفرج عنه إذا تبين عسره، أو سدد ما عليه.
الثالثة: إذا ثبت يسار المدين، وامتنع عن وفاء الدين أو تأخر.
فهذا يأمره القاضي بأداء الدين، أو الحق المستحق عليه لصاحبه، فإن أعطاه صاحبه خلى سبيله، وإن امتنع جاز حبسه مدة بحسب المصلحة حتى يسدد ما عليه؛ لأنه مماطل.
وإذا لم يفلح الحبس في دفعه إلى الوفاء بدينه حَجَر عليه القاضي، ويباع ماله جبرًا، ثم يُقسم بين غرمائه.
عَنْ الشَّرِيدِ ﵁ عَنْ أَبيهِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ حسن (١).
• حكم السجن:
السجن: هو حبس الإنسان ومنعه من التصرف بنفسه والخروج إلى أعماله ومهماته.
والسجن عقوبة تعزيرية جائزة، يختارها القاضي عند الحاجة إليها، بحسب حال المذنب، وتَحقق المصلحة بسجنه أو إطلاقه.
стр. 6907
• صفة السجن:
يجب أن تكون السجون لائقة بكرامة الآدمي من حيث السعة، والإضاءة، والنظافة، وتوفر المرافق والخدمات التي تحفظ صحة السجين النفسية والجسمية، وتوفير الملابس والفرش النظيفة، وتوفير الغذاء الصحي، والرعاية الطبية، والمصاحف والكتب العلمية النافعة، وتنظيم الدروس العلمية والمواعظ النافعة، وبناء المساجد في السجون، وتمكين السجناء من الصلاة فيها.
ويجب تصنيف السجناء داخل السجن على أساس الجنس، والعمر، ونوع الجريمة، ومدة العقوبة، ويُحبس الأحداث في أماكن إصلاحية خاصة، تزكي نفوسهم بالإيمان، وتهذب أخلاقهم.
ويجب تهيئة السجون على أنها أداة إصلاح وتهذيب، وموطن للرحمة والتوجيه والإرشاد والإحسان، والأخذ بيد من عثر، وأن تكون خالية وطاهرة من القسوة، والعنف، والمعاملة الوحشية، والفضائع المروِّعة، والقنوات والأفلام السيئة.
عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَرَى المؤْمِنينَ في تَرَاحُمهِمْ، وَتَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ إذَا اشْتَكَى عُضْواً تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى». متفق عليه (١).
стр. 6908
• أقسام السجن:
حبس الإنسان ينقسم إلى قسمين:
الأول: حبس التعزير: من أجل الردع والتهذيب والإصلاح.
الثاني: حبس الاستظهار والاستيثاق: فغاية حبس الاستظهار الكشف عن حقيقة المتهم، وحبس الاحتراز لمنع وقوع الضرر، وحبس الجناة لأجل استيفاء القصاص والحدود حتى لا تضيع الحقوق.
• وسجن الآدمي ينقسم إلى قسمين:
الأول: سجن شرعي يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، ومن أسبابه:
أولاً: عدم سداد الدين لمن قدر على سداده حتى يؤديه.
ثانياً: حبس من يُخشى هروبه ممن وجب عليه قصاص أو حد أو حق أو تعزير حتى يُستوفى منه.
ثالثاً: حبس من يُخشى خطره أو ضرره على أمن الناس، وأرواحهم، وأعراضهم، وأموالهم، فيُحبس حتى يأمن الناس شره ونحو ذلك.
الثاني: سجن غير شرعي: وهو السجن بغير حق مما فيه ظلمٌ وعدوانٌ على دينٍ أو كرامة الآدمي: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
стр. 6909
• أحكام السجن:
أولاً: لا يجوز حبس المتهم إلا إذا قامت قرائن القضية على الارتياب منه، وإذا تم حبسه فتجب المبادرة إلى معرفة حاله وتعويضه عن الأضرار التي لحقت به إن بم يثبت عليه شيء.
ثانيًا: إذا سُجِن الإنسان تعزيرًا، ثم تاب فيُشرع للقاضي تخفيف مدة السجن، أو إخراجه إذا عَلِم حسن توبته، لأن مقصود السجن التهذيب لا التعذيب.
ثالثًا: ينبغي إخراج السجين عند الحاجة لشهود جنازة أحد والديه أو أولاده أو عيادتهما، أو لقاء زوجته ونحو ذلك، فإذا هرب استحقّ التأديب.
رابعًا: حق السجين ألا يخرج من السجن إذا كان بريئًا إلا إذا أُعلِنت براءته.
خامسًا: يجب على إدارة السجن حفظ وقت السجين بما ينفعه ويصلحه بحفظ القرآن، وطلب العلم، وتعلُّم الحِرَف والمِهَن النافعة ونحو ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
• واجب ولي الأمر نحو المساجين:
أولًا: سلطة الحبس لولي الأمر فقط، وهي أمانة بيده؛ يقرر مدتها، ومكانها القضاء الشرعي.
ثانيًا: اختيار القائمين على السجون من أهل الصلاح الذين يعتبرون عملهم قربة دينية يتعبدون لله بها.
стр. 6910
ثالثًا: عدم معاقبة السجين بما يتنافى مع أصول الشريعة الإسلامية ويصادم الفطرة الإنسانية، وتأديب السجين بما يليق بكرامته مما ورد به الشرع.
رابعًا: لا يجوز لأحد تعطيل حدود الله، والعقوبة على الجرائم بالحبس دون الحد، ولا يُعاقَب الإنسان بالسجن تعزيرًا إذا حصل الزجر بغيره.
خامسًا: يجب على ولي الأمر تكليف لجان أمينة لمراقبة السجون، ومتابعة ما يجري بها من المظالم، ومتابعة قضايا السجون، والكشف عن المظلومين برفع الظلم عنهم، ومحاسبة من ظلمهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه (١).
стр. 6911
٤٦ - خزائن الأيمان والنذور
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
стр. 6912
٤٦ - خزائن الأيمان والنذور
١ - الخزانة الأولى
١ - الأيمان
• الأيمان جمع يمين، واليمين هي توكيد الأمر المحلوف عليه بذكر الله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، على وجهٍ مخصوص.
وتسمى القسم أو الحلف أو اليمين.
• أنواع اليمين:
اليمين إما تكون بطلبٍ من القاضي، أو تكون صادره من الإنسان بلا طلبٍ من القاضي؛ وهي المرادة هنا.
• صفة اليمين المنعقدة:
اليمين التي تنعقد، وتجب بها الكفارة إذا حلف، هي اليمين بالله أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، كأن يقول: والله لأفعل كذا، وبالله وتالله، والرحمن، ورب السماء والأرض، لأفعلن كذا، أو يقول: والذي نفس محمدٍ بيده ونحو ذلك؛ فإن بر بيمينه فلا شيء عليه؛ وإن حنث فعليه الكفارة
• حكم اليمين:
لليمين خمسة أقسام، وخمسة أحكام:
الأول: يمينٌ واجبة، وهي التي يتوقف عليها أمرٌ واجب كإثبات حق، أو إبطال باطل.
الثاني: يمينٌ مستحبة، كالحلف عند الإصلاح بين الناس، وإذا توقف عليها فعلٌ مستحب.
стр. 6913
الثالث: يمينٌ مباحة، كالحلف على فعل مباح أو تركه، أو توكيد أمرٍ ونحو ذلك.
الرابع: يمينٌ مكروهه، كالحلف على فعلٍ مكروه، أو تركٍ مندوب، والحلف في البيع والشراء من غير حاجة.
الخامس: يمينٌ محرمة، وهي التي يتوقف عليها أمرٌ محرم، كمن حلف كاذبًا متعمدًا، أو حلف على فعل معصية أو ترك واجب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
• حفظ اليمين:
حفظ اليمين يكون بثلاثة أمور:
١ - عدم كثرة الحلف.
٢ - عدم الحنث إلا فيما كان واجبًا.
٣ - إخراج الكفارة بعد الحنث.
قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
• حكمة مشروعية اليمين:
شرع الله اليمين لتأكيد الأمر المحلوف عليه، وذلك لحمل المخاطب على الثقة بكلام الحالف، أو لتقوية الطلب من المخاطب، وحثه على فعلٍ شيء أو تركه، أو لتقوية عزم الحالف نفسه على فعل شيءٍ يخشى إحجامه عنه، أو ترك شيءٍ يخشى إقدامه عليه.
стр. 6914
• أقسام اليمين:
تنقسم اليمين إلى ثلاثة أقسام:
اليمين اللغو .. اليمين الغموس .. اليمين المنعقدة.
فأولًا: اليمين اللغو: هي الحلف من غير قصد اليمين، كأن يقول الإنسان في حديثه: لا والله، وبلى والله، أو والله لتأكلن ونحو ذلك مما لا يُقصد به اليمين، أو أن يحلف على أمرٍ ماضٍ يظن صدق نفسه فبان بخلافه.
فهذه اليمين لا تنعقد، ولا كفارة لها، ولا يؤاخذ بها الحالف، والأولى اجتنابها: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
ثانيًا: اليمين الغموس: وهي أن يحلف على أمرٍ ماضٍ كاذبًا عالمًا، وهي محرمة، وهي من أكبر الكبائر؛ لأن بها تُهضم الحقوق، وتؤكل الأموال بغير حق، ويُقصد بها الفسق والخيانة، وسُميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار.
وهذه اليمين لا تنعقد، ولا كفارة فيها، وتجب المبادرة بالتوبة منها: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ [النحل: ٩٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧].
стр. 6915
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ». أخرجه البخاري (١).
ثالثًا: اليمين المنعقدة: وهي أن يحلف على أمرٍ مستقبل قاصدًا لليمين توكيداً لفعل شيء أو تركه.
وهذه اليمين تنعقد، فإن بر بيمينه فلا شيء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
• شروط اليمين المنعقدة:
يُشترط لصحة اليمين التي تجب بها الكفارة ما يلي:
أولًا: أن يكون الحالف بالغًا عاقلًا متعمدًا مختارًا ذاكرًا.
ثانيًا: أن يكون قاصدًا لليمين.
ثالثًا: أن يكون الحالف على أمرٍ مستقبلٍ ممكن.
رابعًا: تجب الكفارة إذا حنث في يمينه بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله، فإن لم يحنث فلا شيء عليه.
• حكم تكرار اليمين:
أولاً: إذا كرر اليمين على جنسٍ واحد كأن يقول: والله لا آكل هذا التمر، والله لا آكل هذا التمر، فهذه يمينٌ واحدة، ولا تجب بها إلا كفارةٌ واحدة إذا حنث.
ثانيًا: إذا كرر اليمين على أشياء مختلفة كأن يقول: والله لا آكل هذا اليوم، والله لا أسافر هذا اليوم، هذا عليه بكل يمينٍ كفارة إذا حنث بها.
стр. 6916
ثالثًا: إذا عقد يمينًا واحدة على أشياء مختلفة كأن يقول: والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست، هذا عليه كفارة واحدة إذا حنث؛ فإنه بفعلٍ واحدٍ منها يحنث، وتنحل اليمين.
• حكم كفارة اليمين:
الكفارة سُميت بذلك؛ لأنها تُغطي الإثم وتستره، وهي ما يخرجه الحانث في يمينه من إطعامٍ، أو كسوة، أو عتق رقبة، أو صيام تكفيرٍ لحنثه في يمينه، وهي واجبةٌ على من حنث في يمينه، وتسقط عنه إذا عجز عنها؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه.
• كفارة اليمين:
يُخير من لزمته كفارة اليمين بين ما يلي:
أولًا: إطعام عشرة مساكين، لكل واحد نصف صاع من قوت البلد، وهو يساوي كيلو وربع من برٍ أو أرزٍ أو تمرٍ ونحوها، وإن غدى العشرة مساكين أو عشاهم جاز.
ثانيًا: كسوة عشرة مساكين مما يلبس عادة.
ثالثًا: عتق رقبةٍ مؤمنة.
وهو مخيرٌ في هذه الثلاثة، يفعل أيها شاء، فإن لم يجد أحدها صام ثلاثة أيام، ولا يجوز الصيام مع القدرة على إحدى الثلاث السابقة، والكافر يكفر بأحد الثلاثة الأولى؛ لأن الصوم عبادة، ولا يصح من كافر: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
стр. 6917
• حكم تقديم كفارة اليمين:
يجوز تقديم كفارة اليمين على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدم الكفارة كانت محللًة لليمين، وإن أخرها كانت مكفرًة له.
عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ)) متفق عليه (١).
و عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)) متفق عليه (٢).
• حكم الحنث في اليمين:
أولاً: يُسن الحنث في اليمين إذا كان خيرًا، فمن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب؛ فيفعل الذي هو خير، ويكفر عن يمينه.
ثانيًا: يجب نقض اليمين إذا حلف على ترك واجب، كمن حلف لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم كمن حلف ليشربن الخمر.
هذا الحالف يجب عليه نقض اليمين، ويُكفر عنها كفارة يمين.
ثالثًا: يُباح نقض اليمين إذا حلف على فعل مباح، أو حلف على تركه، ويُكفر عن يمينه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ
стр. 6918
فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ «أخرجه مسلم (١).
• حكم من حرم على نفسه الحلال:
أولاً: لا يجوز للإنسان أن يُحرم على نفسه ما أحل الله له، فمن حرم على نفسه حلالًا مما أباح الله من طعامٍ، أو شرابٍ، أو لباسٍ، أو فعلٍ، لم يحرم عليه، ويجب عليه إن فعله كفارة يمين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢].
ثانيًا: من حرم على نفسه زوجته فقال: أنتي عليا حرام، فإنه يكون ظهارًا أو طلاقًا أو يمينًا؛ فهو بحسب نيته، وإن لم ينوِ شيئًا فهو يمين: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣ - ٤].
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى». متفقٌ عليه (٢).
стр. 6919
٢ - الخزانة الثانية
• حكم من فعل ما حلف عليه ناسيًا أو مخطئًا:
إذا حلف الإنسان لا يفعل هذا الشيء ففعله ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا لم يحنث، ولا كفارة عليه، ويمينه باقية.
وإذا حلف على إنسانٍ قصدًا لإكرامه لا يحنث مطلقًا؛ فإن كان قاصدًا إلزامه ولم يفعل؛ فإنه يحنث، وتلزمه الكفارة، ومن حق المسلم على المسلم إبرار قسمه إذا أقسم عليه إذا لم يكن فيه معصية أو ضررٌ عليه.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤].، قال: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُل قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُولُوا سَمِعْنَا وَأطَعْنَا وَسَلَّمْنَا». قال، فَألقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال: قَدْ فَعَلتُ». ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. «قال: قَدْ فَعَلتُ». ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. «قال: قَدْ فَعَلتُ». أخرجه مسلم (١).
• حكم الاستثناء في اليمين:
من حلف واستثنى في يمينه لم يحنث، فإن قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، أو لأتركن كذا إن شاء الله، فإن هذا لن يحنث في يمينه، إن فعل المحلوف عليه أو تركه.
стр. 6920
ويصح الاستثناء في اليمين بثلاثة شروط:
الأول: أن يقصد تعليق المحلوف عليه بمشيئة الله، لا مجرد التبرك.
ثانيًا: أن يتصل الاستثناء باليمين معًا.
ثالثًا: أن يكون الاستثناء لفظًا ونطقًا، فلا ينفع الاستثناء بقلبه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ». متفقٌ عليه (١).
• المعتبر باليمين:
من حلف على شيءٍ، وورى بغيره، فالعبرة بنيته لا بلفظه، وإنما تعتبر نية الحالف إذا لم يُستحلف، وإذا استحلف القاضي أو غيره أحداً، فاليمين على نية المسُتحلف.
عن سويد بن حنضلة ﵁ قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي فخلى سبيله فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخي قال صدقت المسلم أخو المسلم». أخرجه أبو داود وابن ماجة بسندٍ صحيح (٢).
стр. 6921
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ» أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ». أخرجه مسلم (٢).
• حكم الإصرار على اليمين:
من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها؛ فلا يُصر عليها، فليفعل ما هو خير، ويُكفر عن يمينه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «وَاللَّهِ لأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِىَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فرضَ اللَّهُ». متفقٌ عليه (٣).
• حكم كثرة الحلف:
يجب حفظ الأيمان، وعدم الاستهانة بها؛ لأن شأنها عظيم، والإكثار من الحلف مذموم، فلا يجوز التساهل باليمين، ولا الاحتيال للتخلص من حكمه، ويجوز القسم أحيانًا على الأمر المهم شرعاً: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
стр. 6922
• منزلة الحلف بالله :
يجب حفظ الأيمان، وعدم الاستهانة بها، وعدم الاحتيال للتخلص من حكمها، وأصل الحلف توكيد الأمر المحلوف عليه بالله العظيم ﷻ فيجب على من أراد أن يحلف أن يصدق، ولا يكثر من تكرار الأيمان تعظيماً لله؛ إلا فيما ورد كأيمان اللعان، ويجب على من حُلف له بالله أن يرضى ويسلم: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
وعن بن عمر ﵄ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه فقال: لا تَحْلِفُ بِآبَاكُ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَى، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ». أخرجه ابن ماجة بسندٍ صحيح (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى ﷺ : آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي». متفقٌ عليه (٢).
• أنواع اليمين:
تنقسم اليمين من حيث المحلوف به إلى قسمين:
الأول: الحلف بالله، أو بأسمائه، أو بصفاته، وهذا جائز، وتنعقد به اليمين.
الثاني: الحلف بمخلوق من المخلوقات كالحلف بالأصنام، أو الأنبياء، أو الملائكة، أو السماء، أو الكعبة ونحو ذلك، وهذا النوع لا كفارة فيه لو فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله؛ لأن اليمين لا تنعقد
стр. 6923
إلا بالحلف بالله، وهذا الحلف محرمٌ وشرك لا تُكفره إلا التوبة النصوح والنطق بكلمة التوحيد.
• حكم الحلف بغير الله:
الحلف بغير الله شركٌ، وهو محرم؛ لأن الحلف تعظيمٌ للمحلوف به، والتعظيم لا يكون إلا لله العلي العظيم، والحلف بغير الله كأن يقول مثلًا: والنبي، وحياتك، والقمر، والكعبة، والأمانة، والأوثان ونحو ذلك، وقد يكون الحلف بغير الله شركًا أكبر، وذلك بحسب ما يكون بقلب الحالف من تعظيم المحلوف به.
عن بن عمر ﵄ قال: سمعت الرسول ﷺ «من حلف بغير الله فقد أشرك». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١).
وعن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ «متفقٌ عليه (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ». متفقٌ عليه (٣).
• كفارة الحلف بغير الله:
من حلف بغير الله عالمًا متعمدًا فقد أتى شركًا، وفعل محرمًا، فعليه أن يتوب إلى الله، ويأتي بكلمة التوحيد، ويتفل عن يساره ثلاثًا، ويتعوذ بالله
стр. 6924
من الشيطان: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ واللاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ». متفق عليه (١).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه حلف باللات والعزى فقال له أصحابه: قَدْ قُلتَ هُجْراً. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ العَهْدَ كَانَ حَدِيثاً، وَإِنِّي حَلَفْتُ بِاللاَّتِ وَالعُزَّى. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ ثَلَاثاً، وَاتْفُل عَنْ شِمَالِكَ ثَلَاثاً، وَتَعَوَّذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَا تَعُد». أخرجه أحمد وابن ماجه بسندٍ صحيح (٢).
• حكم من حرم على نفسه حلالًا غير زوجته:
من حرم على نفسه حلالًا سوى زوجته كطعامٍ ونحوه لم يحرم عليه، وعليه إن فعله كفارة يمين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢].
• حكم من حلف بالمصحف:
الحلف بالمصحف لا يخلو من حالين:
الأولى: أن ينوي بيمينه ما فيه من كلام الله ، فهذا جائز؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام صفًة من صفات الله ، والحلف بصفةٍ من صفات الله جائز.
стр. 6925
ثانيًا: أن ينوي بيمينه ما فيه من الورق والمداد، فهذا شرك؛ لأنه حلف بغير الله. ومن قال: أقسم بآيات الله، فإن كان المقصود آيات الله الشرعية فهذا جائز، وإن كان مقصوده آيات الله الكونية كالشمس، فهذا لا يجوز؛ لأنها مخلوقه والحلف بمخلوقٍ لا يجوز من المخلوق.
أما الخالق سبحانه فيقسم بما شاء من المخلوقات، بالسماء والأرض ونحوه كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [البروج: ١]
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ [الطارق: ١]
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١].
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١]
فالله يُقسم بما شاء من مخلوقاته.
أما وضع اليد على المصحف أو داخله لتغليظ اليمين، فهذا بدعة.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». متفقٌ عليه (١).
• حكم من حلف على معصية:
من حلف لا يفعل الخير فلا يجوز له الإصرار على يمينه، فليكفر عن يمينه، ويفعل الخير: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤].
стр. 6926
وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ)) متفقٌ عليه (١).
• حكم الحلف من أجل الإكرام:
إذا حلف أحدٌ على إنسان قاصدًا إكرامه، لا يحنث مطلقًا، فمن قال لأخيه: والله لا أدخل أو لا أشرب قبلك، فقال الآخر: والله لا أدخل أو لا أشرب قبلك، فدخل أو شرب أحدهما قبل الآخر، فلا حنث عليهما ولا كفارة؛ لأن قصدهما الإكرام لا الإلزام، فإن كان قاصدًا إلزامه ولم يفعل فإنه يحنث.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى». متفقٌ عليه (٢).
стр. 6927
٣ - الخزانة الثالثة
النذر
• النذر هو إلزام المكلف نفسه شيئًا لله غير لازمٍ بأصل الشرع بكل قولٍ يدل عليه.
• صفة النذر:
ليس للنذر صيغةٌ معينة، وإنما ينعقد بكل قولٍ يدل على الالتزام، كأن يقول: لله علي نذر، أو لله علي عهد، أو لله علي أن أفعل كذا، أو لله علي أن أترك كذا ونحو ذلك.
ويصح النذر منجزًا ومعلقًا.
فالمنجز أن يقول مثلًا: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام اعتبارًا من الغد، والمعلق أن يقول مثلًا: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بألف ريال.
• حكم النذر:
النذر مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، وبين أنه لا يأتي بخير، وليس فيه فائدة؛ فهو لا يرد قدرًا، فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، سواء نذرت أو لم تنذر، والله لم يثني على الناذرين؛ وإنما أثنى على الموفين بالنذر إذا نذروا، فالنذر لا تُحمد عقباه، وقد يتعذر الوفاء به، فيلحقه الإثم، والناذر يُشارط الله تعالى ويعاوضه على أنه إن حصل مطلوبه قام بما نذر، وإلا لم يقم، والله غني عن العباد وطاعاتهم، وأداء العبادة من غير شرطٍ أو نذر أفضل وأكمل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٥ - ٧].
стр. 6928
وعن بن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: إنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ». متفقٌ عليه (١).
والنذر مشروع في حق من يعلم من نفسه القدرة على الوفاء به، وهذا النذر عبادة؛ لأن الله أمر بالوفاء به، ومدح الموفين به فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
وقال : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهَ فَلا يَعْصِهِ». أخرجه البخاري (٢).
والنذر مكروه فيمن يعلم من نفسه عدم القدرة على الوفاء به، فالنذر غالبًا لا تحمد عقباه؛ فإن الناذر قد لا يفي، وقد يتعذر الوفاء به، وقد يفعله كارهًا مستثقلًا له، فيلحقه الإثم، والنذر إذا تعلق بنفعٍ للناذر لم يقع طاعة خالصة، فكأن الناذر يُشارط الله ويعاوضه على حصول مطلوبه، والله الغني، وكل ما سواه فقيرٌ إليه.
عن بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ». متفقٌ عليه (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». متفقٌ عليه (٤).
стр. 6929
• من يصح منه النذر:
يصح النذر من كل بالغٍ عاقلٍ مختار، مسلمًا كان أو كافرًا؛ فلا يصح من صغير أو مجنون ولا مكره.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (١).
وعن إبن عمر ﵄ أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)) متفقٌ عليه (٢).
• حكم من عجز عن الوفاء بالنذر:
من نذر فعل طاعة ثم عجز عن الوفاء بما نذر، فعليه كفارة اليمين.
عن إبن عمر أنه نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: «إنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ». متفقٌ عليه (٣).
• حكم النذر فيما يشق على الإنسان:
يُكره النذر في كل ما يشق على العبد من الأعمال والطاعات وغيرها، فمن نذر نذرًا لا يطيقه، ويلحقه به مشقة كبيرة، كمن نذر أن يقوم الليل كله، أو يصوم الدهر كله، أو يتصدق بماله كله، أو يحج ويعتمر ماشيًا، لم يجب الوفاء بهذا النوع، وعليه كفارة يمين، وتبرأ ذمته: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 6930
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١).
وعن ابن عباسٍ ﵁ قال: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». أخرجه البخاري (٢).
• أقسام النذر:
ينقسم النذر إلى ستة أقسام:
الأول: نذر الطاعة، وهو نوعان كلاهما صحيح، سواءً كان مطلقًا كقوله: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، أو لله علي أن أتصدق بمائة ريال، وهو أفضل أنواع النذر، وقد مدح الله الموفين به كما قال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].
أو كان النذر معلقًا كقوله: إن شفا الله مرضي فلله علي أن أتصدق بكذا، أو أصوم شهراً، أو أعتمر ونحو ذلك؛ فإذا وجد الشرط لزمه الوفاء به.
والنذر المطلق عبادةٌ، وطاعةٌ، وقربة يجب الوفاء به، وقد مدح الله الموفين به، ومن عجز عنه فعليه كفارة يمين: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠]
وقال الله تعالى عن الحجاج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
стр. 6931
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهَ فَلا يَعْصِهِ». أخرجه البخاري (١).
الثاني: النذر المباح، كأن يقول: لله علي أن ألبس هذا الثوب، أو أركب هذه السيارة، أو أصعد هذا الجبل، هذا فعلٌ مباح يستوي فعله وتركه، فيُخير بين فعله وبين كفارة يمين.
عن عقبة بن عامر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». أخرجه مسلم (٢).
الثالث: النذر المكروه، كأن يقول: لله علي أن آكل هذا الثوم ونحو ذلك من المكروهات، هذا يُستحب له أن يُكفر عن يمينه، ولا يفعل ما نذر.
عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». أخرجه مسلم (٣).
الرابع: نذر المعصية، هو نذر فعلٍ محرم، كأن يقول: لله علي أن أقتل فلاناً، أو لله علي أن أشرب الخمر، أو لله علي أن أصوم يوم العيد، أو أصلي بلا وضوء ونحو ذلك.
فهذا النذر محرم، ولا يصح ويحرم الوفاء به وعليه أن يُكفر عنه كفارة يمين.
عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا وَفَاءَ لِنِذْرٍ في مَعْصِيَة وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ العبد». أخرجه مسلم (٤).
стр. 6932
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَة وكفارته كفارة يمين». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١).
الخامس: نذر اللجاج والغضب، وهو أن يعلق نذره بشرطٍ بقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب، كأن يقول: إن كلمت فلانًا فلله علي صيام شهرين، أو يقول: إن لم أفعل كذا فمالي كله هبة، أو عبيدي أحرار، أو يقول مؤكدا لصدقه: لله علي إن كان كلامي كذبًا أن أصوم شهرًا، أو يكذب أحدًا، ويقول: إن كان ما تقوله صدقًا فعبيدي أحرار فهذا النذر إن شاء فعل ما نذر، وإن شاء كفر عنه كفارة اليمين.
عن عقبة بن عامر ﵁ عن الرسول ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». أخرجه مسلم (٢).
وعن علي ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». أخرجه مسلم (٣).
السادس: النذر المطلق، وهو النذر الذي لم يعين فيه شيء كأن يقول: لله علي نذر، ولم يُسمي شيئًا، فهذا الناذر تلزمه كفارة يمين، ويتحلل من نذره.
عن عقبة بن عامر ﵁ عن الرسول ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». أخرجه مسلم (٤).
стр. 6933
• أنواع النذر:
النذر من حيث صفته نوعان:
الأول: نذرٌ إنشائي، ويُسمى النذر المطلق، كأن يقول مثلًا: لله علي أن أنحر بدنه، وأطعمها الفقراء، أو يقول: لله علي أن أصوم شهرًا، أو أتصدق بكذا، فهذا النذر عبادة، وقد مدح الله الموفين به، كما قال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].
الثاني: نذرٌ معلقٌ أو مقيدٌ بمصلحة للناذر كقوله: لله علي كذا إن شفا الله مرضي، أو ربح مالي، أو قدم أخي، فهذا النذر مكروه كما سبق.
عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لا يُغني مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». متفقٌ عليه (١).
стр. 6934
٤ - الخزانة الرابعة
• حكم النذر فيما يشق على الإنسان:
يُكره للإنسان النذر في كل ما يشق عليه من الأعمال والطاعات، فمن نذر نذرًا لا يطيقه، ويلحقه به مشقًة كبيرة، كمن نذر أن يقوم الليل كله، أو يصوم الليل كله، أو يتصدق بماله كله، أو يحج ماشيًا ونحو ذلك؛ فهذا لا يجب عليه الوفاء به، وعليه كفارة يمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
وعن ثابت بن الضحاك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ». متفقٌ عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أَدْرَكَ شَيْخاً يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ، يَتَوَكّأُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ : مَا شَأْنُ هَذَا؟». قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ الله كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ ارْكَبْ أَيّهَا الشّيْخُ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ». أخرجه مسلم (٢).
• حكم الحنث في اليمين:
إذا خالف الحالف مقتضى اليمين بفعل ما حلف على تركه، أو تَرْك ما حلف على فعله، فقد حنث.
стр. 6935
ويختلف حكم الحنث باختلاف الفعل المحلوف عليه كما يلي:
أولًا: إذا حلف على ترك واجب كالصلاة، أو فعل محرم كالزنا؛ فهذا يجب عليه أن يفعل الواجب، ويترك المحرم، ويكفِّر عن يمينه كفارة يمين.
ثانيًا: إذا حلف على ترك مستحب كالسواك، أو فعل مكروه كالتخصر في الصلاة؛ فهذا يستحب له أن يفعل المستحب، ويترك المكروه، ويكفِّر عن يمينه كفارة يمين.
ثالثًا: إذا حلف أن يفعل الواجب كأن يصل رحمه، أو يترك المحرم كالزنا؛
فهذا يحرم عليه الحنث.
رابعًا: إذا حلف على فعل مستحب، أو ترك مكروه، كما لو حلف أن يغتسل يوم الجمعة، فهذا يكره له الحنث، فيبر بيمينه.
خامسًا: إذا حلف على فعل مباح أو تركه، كما لو حلف أن يشتري هذه السيارة مثلاً؛ فهذا مخير، إن شاء حنث فلا يشتريها، وعليه كفارة يمين، وإن شاء اشتراها، والأوْلى أن يفعل الأحسن والأنفع له.
• حكم من عجز عن الوفاء بالنذر:
من نذر فعل طاعة من صلاة أو صدقة أو صيام ونحو ذلك، ثم عجز عن الوفاء بما نذر لكبر أو مرض؛ فإن كان يرجى زوال عجزه انتظر زواله، وإن كان لا يرجى زواله؛ فلا يلزمه الوفاء به؛ لعجزه، وعليه كفارة يمين.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله؟ قَال: «كَفّارَةُ النّذْرِ كَفّارَةُ اليَمِين». أخرجه مسلم. (١)